logo

logo

logo

logo

logo

إمرسون (رالف وولدو)

امرسون (رالف وولد)

Emerson (Ralph Waldo-) - Emerson (Ralph Waldo-)

إمرسون (رالف وولدو ـ)

(1803 - 1882)

 

رالف وولدو إمرسون Ralph Waldo Emerson أديب وخطيب ومفكر وشاعر أمريكي احتل مكانة بارزة في تاريخ أمريكة الأدبي والفكري لم يتبوأ مثلها أحد قبله. ولد إمرسون في بوسطن في شمال شرقي الولايات المتحدة في حقبة تعد من أكثر حقب التاريخ الأمريكي شأناً في أعقاب حرب الاستقلال عام1776. دخل جامعة هارفرد في سن مبكرة. ومع أنه لم يتفوق ولم يجد متعة في الكثير مما درس، فقد برز في كتاباته، كما وجد في الآداب واللغات الكثير مما يشد اهتمامه. كان منطوياً على نفسه، قليل الكلام، كثير التأمل، واسع القراءة، ممضياً معظم وقته في التفكير في القضايا الإنسانية والفلسفية والروحية وفي بلورة موقفه إزاءها. عمل بعد تخرجه في التعليم، إلا أن المهنة لم ترق له فتركها وعاد إلى الجامعة لدراسة اللاهوت. وفي هذا الوقت بدأ بإلقاء المواعظ في الكنائس، ثم أصيب بمرض في عينيه وبالسل، فتغيب عن الدراسة بعض الوقت وعانى من مخاوف نفسية سببها المرض.

نبغ إمرسون في مواعظه الدينية ونال إعجاب الكثيرين، وإن لم يفهم مواعظه الكثير من الحضور، إلا أن الجميع أجمعوا على رفعة سويتها. وكان يعتقد أن المسيحية الحقة تعتمد على التأمل والغوص في أعماق الذات والاتصال بالروح، وليس على الأفعال الجسدية والشعائر. وقد حصل بينه وبين المشرفين على كنيسة الموحدين Unitarian التي فضلها على غيرها مشادة حول هذا الموضوع أدت إلى استقالته منها عام 1832 تمسكاً برأيه. سافر إمرسون في السنة ذاتها إلى أوربة حيث التقى الشاعرين الإنكليزيين الإبداعيين (الرومانسيين) وردزورث[ر] Wordsworth وكولريدج [ر] Coleridge واطلع على إنتاجهما، كما قابل توماس كارلايل [ر] Thomas Carlyle  وأقام معه صداقة حميمة دامت طوال حياته. استقر في بلدة كونكورد Concord لدى عودته إلى أمريكة في العام التالي وانكب على إلقاء المحاضرات والكتابة لكسب العيش.

كان إمرسون من مؤسسي حركة فلسفة التعالي[ر] Transcendentalism، التي قال بها الفيلسوف الألماني كنت[ر] Kant، وكانت رداً على عقلانية القرن الثامن عشر وماديته، فأشرف على تحرير مجلتها The Dial لمدة عامين. ناصر حقوق المرأة ونادى بتحرير السود من العبودية، كما عارض الحرب التي شنتها أمريكة ضد المكسيك، إذ عدها شكلاً من أشكال الاستعمار.

كتب إمرسون الشعر والنثر قبل دخوله الجامعة وأثناء دراسته، وحاكى في معظم هذا الإنتاج النماذج التي كان يطلع عليها ويعجب بها. أما إنتاجه الجاد فقد بدأ بعد تخرجه، فكتب المواعظ والمحاضرات التي كان يلقيها والتي ألّفت النواة الفكرية والفلسفية لمعظم كتاباته اللاحقة. وتعد محاضرته «رجل العِلم الأمريكي» The American Scholar (1837) من أهم ما قدمه، نادى فيها باستقلال أمريكة الفكري وباعتمادها على نفسها في بلورة ثقافة خاصة بها. أما أكثر محاضراته إثارة للجدل بين معاصريه فهي «خطاب» Address، التي ألقاها في عام 1838 في خريجي قسم اللاهوت في الجامعة  وأعلن فيها حربه على ما أسماه بالمسيحية التاريخية Historical Christianity التي وصفها بأنها ديانة رجعية تعنى بالطقوس والقشور، وتضع وسيطاً بين المخلوق والخالق، مؤكداً على ضرورة نبذها والاستعاضة عنها بتصور يقوم على احترام أكبر للنفس البشرية وقدراتها وعلى إيجاد علاقة مباشرة ما بين النفس والذات الإلهية.

كان أول ما نشر من مؤلفاته مقاله المطول «الطبيعة»  (1836) Nature الذي يعد عصارة فكره ودستوراً لحركة التعالي. ظهرت له بعد ذلك سلسلة «مقالات» Essays، المجموعة الأولى عام1841، والثانية عام 1844 قدم فيهما شرحاً مفصلاً لتلك الآراء التي وردت في «الطبيعة«. كذلك أصدر عام 1850 مقالات «رجال نموذجيون» Representative Men قدّم فيها مجموعة من عظماء الأدب والفلسفة أمثال أفلاطون[ر] وشكسبير[ر] ومن أهم فصول هذا العمل الفصل الخاص بالفيلسوف الفرنسي مونتيني[ر] Montaigne الذي يعد أحد المفاتيح الأساسية لفكر إمرسون نفسه. و فرغ من كتابه «السمات الإنكليزية» English Traits (1856) و«مسيرة الحياة» (1860) The Conduct of Life الذي يتضمن أشهر مقالاته «القدر» Fate، التي تمثل فكر إمرسون وأسلوبه في مرحلة النضوج.

بدأ حديثاً التركيز على جانب كان مهملاً من أعمال إمرسون هو شعره ومذكراته. وكان النقاد يرون شعره أقل جودة من نثره، إلا أنه كان في الواقع شاعراً حتى في مؤلفاته النثرية، وإن لمقالاته من الخصائص الأسلوبية، كالصور والتشبيهات، والسلاسة التعبيرية والعذوبة في الإيقاع والنغم ما يجعل لها في نفس القارئ وقعاً أشبه ما يكون بوقع الشعر. ويرى كثير من النقاد أن الشعر الأمريكي الحديث بدأ في الواقع عند إمرسون وليس عند ويتمان[ر] كما يظن الكثيرون. وكان ديوانه الأول «قصائد» Poems قد ظهر في عام1847. أما مذكراته فتسرد بالتفصيل الأحداث المهمة في حياته وقراءاته وتأملاته وانطباعاته التي منها ستنبثق معظم نصوصه الأخرى.

عاش إمرسون في زمن طغت فيه الاهتمامات المادية والتوجهات العلمانية على المسائل الروحية، وكان ذلك رد فعل إزاء تشدد الحركات الروحانية في القرن السابع عشر. لذا فقد اهتم إمرسون بتشخيص الداء الذي شكى منه عصره وبوصف الدواء، فوجد أن الداء يكمن في ابتعاد الإنسان عن ذاته الحقة، التي هي الروح، وإهماله لها وسعيه وراء شهواته الجسدية وحاجاته المادية، وأما الدواء فيتمثل في ترك تلك الشهوات والتخفيف من هيمنة الجسد والإكثار من الزهد والتأمل. وكان إمرسون يؤمن بأن قدرات الإنسان تكمن في روحه، ولذلك كانت مكانتها سامية ومفهومها معقداً، فهي تتكون من عدة ملكات، العقل واحدة منها فقط. وأكد على ضرورة اكتشاف الملكات الأخرى واستثمار طاقاتها، ولو فعل الإنسان ذلك لعاش حياة أكثر غنى وسعادة. والهدف الأسمى للذات عند إمرسون هو الاتصال بما أسماه «الروح العليا» Over-Soul الموجودة في النفس والطبيعة وما وراءهما. وكلما سعت النفس للابتعاد عن الجسد صارت قريبة من الروح العليا، وهذه أهم معادلة في فلسفته لا يمكن تحقيقها إلا عن طريق التأمل.

تأثرت فلسفة إمرسون بكثير من الحركات الفكرية والدينية، فأعماله هي عصارة قراءاته في أعمال المفكرين الألمان أمثال كَنت وهيغل[ر] Hegel وغوته[ر] Goethe وفي أعمال سويدنبورغ [ر] Swedenborg، والشعراء وردزورث وكولريدج، وكذلك في معتقدات الحركة التطهرية[ر] البيوريتانية Puritanism. وتأثرت تلك الفلسفة أيضاً بالفلسفات اليونانية والهندية والصينية والإسلامية. وقد تركت قراءاته هذه بصماتها لا على أفكاره التي اتسمت بالعمق والغنى والتشعب فقط بل على الأسلوب أيضاً، فجاءت جمله سهلة التركيب، سلسة العبارة ومحددة المعنى. إلا أن علاقات أفكاره وجزئيات فلسفته بعضها بالآخر كثيراً ما تحير القارئ وتضفي الغموض على نصوصه، من دون أن يقف ذلك في وجه التأثير العميق الذي سيكون له على الفكر في أمريكة وخارجها. وتكمن أهمية إمرسون في أنه أخذ على عاتقه حمل راية الاصلاح والاستقلال الفكري لبلاده. وقد ذهب كثير من النقاد إلى تسمية هذه الحقبة الزمنية، التي تعرف أيضاً بعصر النهضة الأمريكية، بعهد «إمرسون وجماعته» مؤكدين بذلك دور إمرسون الرائد.

أحمد يعقوب مجذوبة، طارق علوش

 

مراجع للاستزادة

 

- RICHARD HARTER FOGLE, The Romantic Movement in American Writing (The Odyssey press INC, New York 1996).


التصنيف : الآداب الجرمانية
النوع : أعلام ومشاهير
المجلد: المجلد الثالث
رقم الصفحة ضمن المجلد : 522
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 1777
الكل : 52904387
اليوم : 158675

الإنكماش الإقتصادي

الانكماش الاقتصادي   الانكماش الاقتصادي deflation حالة تنتاب الحياة الاقتصادية نتيجة سياسة متعمدة في غالب الأحيان، يميل معها مستوى الطلب الكلي ليغدو أدنى من مستوى العرض الكلي، مما يؤدي إلى تقليص الفاعليات والتداول النقدي، وارتفاع قيمة العملة الوطنية وكلفة القروض، مع ميل مستوى الأسعار والأجور نحو الانخفاض. ومهما بدا هذا التعريف شاملاً فإنه لا يستطيع أن يحيط وحده بجميع أوجه الانكماش الاقتصادي. التطور التاريخي لمفهوم الانكماش إن مصطلح الانكماش حديث في الفكر الاقتصادي مثل مصطلح التضخم[ر] inflation. ففي المرحلة التي غلبت فيها المدرسة الكلاسيكية كان الانكماش ملحوظاً بوصفه نوعاً من الكساد الاقتصادي depression يحدث مؤقتاً بانتظار عودة التوازن العفوي بين العرض والطلب، أي بين الإنتاج والاستهلاك إلى حالته الطبيعية. لكن دخول الاقتصاد الرأسمالي في أزمات دورية منذ عام 1825 لفت النظر إلى ظاهرة الانكماش بوصفها وجهاً من أوجه الأزمة يظهر قبل الركود. وكان التضخم الذي لحظه الاقتصادي جان بودان في القرن السادس عشر قد غدا في القرن التاسع عشر مألوفاً. ولما دخل التضخم في الأدبيات الاقتصادية باسمه الإنكليزي المشار إليه أعلاه باتت كلمة الانكماش تعني عملية مقصودة لإزالة التضخم. وقد ارتبط مفهوم الانكماش بمفهوم التضخم ارتباطاً وثيقاً، لكنه بقي ارتباطاً وحيد الطرف، فالانكماش حلٌ للتضخم، في حين لا يقول أحد بأن الانكماش يجد حلّه في التضخم، بل في عودة التوازن. مع ذلك، فإن الانكماش حالة يمكن أن تصيب الاقتصاد على نحو عفوي. وهو يثير في الفكر الاقتصادي جملة من التعاريف، وتكمن صعوبة تحديده في طبيعته، وفي كونه مقصوداً أو غير مقصود، وخاصة عندما يختلط بغيره من الظواهر النقدية والاقتصادية. مهما يكن الأمر فإن الحدود التي يمكن حصر الانكماش فيها هي حدود العرض والطلب الكليين: كلما نزع الأول نحو الارتفاع نسبة إلى الثاني كان هناك انكماش، والعكس في التضخم، بغض النظر عن الأسباب التي أدت إلى ذلك. ومن هنا أيضاً كان الانكماش أمراً ملحوظاً في كل الاقتصاديات، رأسمالية كانت أم اشتراكية أم نامية. ففي الرأسمالية يمكن ملاحظة الانكماش، مثلاً، عندما يفقد اقتصاد السوق توازنه بعد بلوغه نقطة التشغيل الكامل بمفهوم الاقتصادي البريطاني كينز Keynes، كما يظهر كلما ارتسمت علامات التشاؤم على الحياة الاقتصادية نتيجة لإلغاء احتمالات الربح أو الإفلاس في المشروعات أو تعطيل عوامل الإنتاج أو زيادة نفقات الإنتاج. وفي الاشتراكية، يظهر الانكماش نتيجة تحديد أهداف للخطط الاقتصادية قاصرة عن استخدام جميع الموارد المتاحة أو لأن الإنفاق الإجمالي أقل من قيمة الناتج الإجمالي. أما في البلدان النامية، فيمكن أن يظهر الانكماش ردة فعل للسياسة الهادفة إلى رفع معدلات التنمية بأساليب تضخمية، مما لا تستجيب له البنية الاقتصادية الاجتماعية، فيقع الانكماش. الانكماش والركود يختلف الانكماش عن الركود Stagnation في أن الأول، وإن اتسم بتباطؤ الفاعليات، ينتظم في مجموعة من التدابير التي من شأنها إعادة التوازن إلى الاقتصاد، أمّا الركود فهو حالة تجتاح الاقتصاد فيصاب بانخفاض الإنتاج فارتفاع الأسعار ووقوع البطالة، وتنعكس آثار  ذلك كله على الحياة الاجتماعية. وقد يختلط الركود بالتضخم فيدعى آنذاك بالركود التضخمي Stagflation وهي الحالة التي تسيطر اليوم على اقتصاديات الدول الرأسمالية، إذ يقترن التضخم النقدي بالركود الاقتصادي. وإذا كان الانكماش هو الوجه الآخر للتضخم، فإن الركود هو الوجه الآخر للازدهار Prospérité. لكن لابد من الإشارة أيضاً إلى أن الانكماش، حينما يستوطن، يؤدي إلى الركود ومن هنا جاءت بعض الالتباسات في تحديد كل منهما. الانكماش النقدي باستثناء بعض الحالات النادرة التي كانت تقع فيما يعرف بالاقتصاديات الاشتراكية، إذ قد يحصل الانكماش النقدي نتيجة لتقديرات خاطئة غير مقصودة تقلل من تدفقات الكتلة النقدية مقارنة بالتدفقات السلعية، فإن الانكماش النقدي لا يكون إلا نتيجة لسياسة نقدية متعمدة تهدف إلى تقليص الكتلة النقدية المتداولة وتصل إلى حدود ما يسمى بالبزل النقديPonction Monétaire. وهذا البزل النقدي هو بقصد كبح جماح الأسعار أو إجبارها على الانخفاض بفعل التقليص القسري للكتلة النقدية. وتملك الدولة، من أجل ذلك، عدداً من الوسائل أهمها: الإقلال من الإصدار النقدي وسحب بعض فئات العملة من التداول، مما يرفع، في كل الأحوال، من قيمة العملة الوطنية وينعكس في انخفاض الأسعار. وتقوم التغطية في ضبط الإصدار النقدي وتعريف الوحدة النقدية بطريقة سليمة لتحقيق الاستقرار النقدي. لذلك تحرص الدولة على هذه التغطية حرصها على استقرار أسعار عملتها. قامت بلجيكة في الأعوام 1944-1946 بعملية انكماشية جمدت بها الأوراق النقدية والحسابات المصرفية، وقد أدى ذلك إلى استقرار التداول النقدي وازدياد القوة الشرائية بنسبة نمو الإنتاج وإلى انخفاض الأسعار. وأجرت ألمانية الاتحادية عام 1948 إصلاحاً نقدياً حدّت به من التدفقات النقدية المرتفعة في اقتصادها بتحويل المارك، عملة الرايخ القديمة، إلى دوتش مارك بنسبة: 1 إلى 10. وتظهر العلاقة بين الكتلة النقدية والأسعار بسهولة: فالأسعار = الكتلة النقدية/ كتلة المنتجات أو نسبة الكتلة النقدية إلى كتلة المنتجات فإذا نقصت الكتلة النقدية (مع بقاء كتلة المنتجات على حالها) أدى ذلك إلى انخفاض الأسعار. لكن هذه السياسة الانكماشية ما كان لها أن تنجح، كما يقول ريمون بار، لولا أن بلجيكة استطاعت تحقيق استيرادات مكثفة سمحت بها موجوداتها من القطع الأجنبي (الدولار)، ولولا أن ألمانية كان عليها أن ترد إلى الشعب عملته. وسياسة الانكماش النقدي تنطوي كذلك على محاذير اجتماعية وخاصة ما له علاقة بخسارة المدينين وتقوية مركز المدخرين، وقد تعجز وحدها عن تخفيض الأسعار، وقد اعتمدت أمريكة على هذه السياسة، في عهد نيكسون في السبعينات، غير أن الحدّ من السيولة النقدية في الاقتصاد الأمريكي أدى إلى تقليص الفاعليات الاقتصادية واستمرار الأسعار في الارتفاع، نتيجة للتضخم الناجم عن زيادة الكلفة، وكان لابد من مزج التدابير النقدية المقترحة من مدرسة شيكاغو بتدابير أخرى. وتفرض سياسة الانكماش النقدي نفسها على البلدان النامية، بيد أن نمط الإنتاج الغالب في معظمها يملك آلية يستحيل معها تطبيق هذه السياسة لمعالجة التضخم، وهذا النمط نفسه ينتقص من مسألة التغطية ويضرب عرض الحائط بكل المعايير لدى إصداره النقدي المكشوف، فيخلق بذلك توترات تضخمية تجبر السلطات النقدية على السير في اتجاه سياسة معاكسة. إن ارتفاع أسعار السلع الضرورية والفاخرة في هذه البلدان، نتيجة لنقص الإنتاج من جهة وانخفاض قيمة العملة الوطنية من جهة أخرى، يحدث نوعاً من الادخار الإجباري بالكف عن الاستهلاك، لكنه ادخار يذهب جله إلى الاكتناز والمضاربات والمتاجرة بالعملات الأجنبية وتهريبها فيستشري التضخم، وبذلك تتبخر رغبات «التقشف» المعلنة. الانكماش التسليفي وهو جانب من سياسة متعمدة للتسليف تلجأ إليها الدولة من أجل توجيه عملية توافر النقود وتحقيق الأهداف الاقتصادية والمالية في مرحلة التضخم. وقد تلجأ الدولة إلى تحقيق نوع من التنمية من دون تضخم، يتسم معه الاعتدال في السياسة التسليفية بنوع من الانكماش. وأهم التدابير في إطار الانكماش التسليفي هو تحكم مصرف الإصدار بالسيولة النقدية ورفع كلفتها، تارة عن طريق سعر إعادة الحسم مما يجبر مصارف الودائع على رفع معدلات الحسم لديها والإبطاء  في العمليات التي من شأنها إيجاد وسائل الدفع وطوراً عن طريق منح الاعتمادات، وذلك بالتأثير في معدلات الفائدة في السوق المالية، وسلوك سياسة السوق المفتوحة open market فتبيع الدولة ما لديها من أوراق مالية تمتص بفضلها جزءاً من الودائع لدى البنوك مقلصة بذلك السيولة لدى هذه الأخيرة مما يحدّ من قدرتها على التسليف. وتعمد السلطات المالية إلى تدابير متممة منها تطبيق نظام الاحتياطي الإلزامي على المصارف، بحملها على إيداع نسبة من الأموال لدى المصرف المركزي معادلة لجزء من ودائع الزبائن، كما تفرض رقابة صارمة على السيولة النقدية يحظر بموجبها على المصارف تجاوز الاعتمادات، التي تمنحها، للمعدل الوسطي لمجموع المبالغ المودعة لديها. ويمكن أن يضاف إلى ذلك ترشيد تخصيص الاعتمادات للمشروعات وفئاتها بطريقة اصطفائية ومنع منح هذه الاعتمادات لغايات المضاربة، وذلك بتحديد سقف الاعتماد الممنوح لبعض المشروعات. وتلجأ أكثر الدول النامية إلى سياسة الانكماش التسليفي لمجابهة التضخم ومنها سياسة سعر الفائدة، لكن هذا الإجراء الأخير محكوم عموماً بأسعار الفائدة في الأسواق المالية الدولية. كما أن أسلوب التمويل بعجز الميزانية المنتشر في هذه الدول يستدعي الاقتراض من المصارف، إذ تلجأ الدولة إلى ذلك مقابل أذونات خزينة، وغالباً من دونها، مما يعرقل سياسة الانكماش ويفتح الباب لضدها. الانكماش في الإنفاق حين يقع الخلل بين حجم الإنتاج وحجم الإنفاق من تزايد هذا الأخير واتساع «الفجوة التضخمية»، تبدو سياسة الحدّ من الإنفاق الخاص والعام (حين لا يمكن زيادة الإنتاج) مسألة لابدّ من حلها وتأخذ الصور التالية: 1ـ في مجال الإنفاق الخاص: أول ما يخطر على البال هو تخفيض الأجور. والمعلوم أنه ليس لتخفيض الأجور والرواتب مكان واسع في الفكر الاقتصادي ولا هو مستحب في مراحل التطور الاقتصادي الاجتماعي. وأمام قضية ربط الأجور بالأسعار وتثبيت الأجور، وربط الأجور بالإنتاجية اختفت نغمة تخفيض الأجور. وقد يمكن تصور سياسة لتخفيض الأجور في الاقتصاديات الاشتراكية لدى زيادة فوائض الكميات المنتجة وانخفاض الأسعار. لكن هذا يبقى غير مستحب من الناحية النفسية، ولذلك تستعيض الدولة عن تخفيض الأجور بزيادة الضرائب لامتصاص القوة الشرائية الزائدة. وتفضل الضرائب الشخصية المباشرة بشرط أن تصيب جميع الدخول المعلنة التي كان من السهل التهرب من إعلانها. أما الضرائب غير المباشرة فهي، لاشك، تحدّ من الاستهلاك لكنها تؤدي أيضاً إلى ارتفاع الأسعار نتيجة ثقل عبئها، مما يقود إلى نوع آخر من التضخم. لذا فإن استعمال الضرائب غير المباشرة لا يكون على العموم مجدياً إلا إذا أصاب سلع الاستهلاك الترفي. 2ـ في مجال الإنفاق العام: تلجأ السلطات المعنية إلى السياسة الانكماشية في الموازنة العامة وذلك بالإقلال من النفقات من جهة وتحقيق وفر في الموازنة من جهة أخرى. وهو أمر يمكن أن ينجح في الاقتصاديات الرأسمالية والاشتراكية. أما في الاقتصاد المتخلف، والمعلوم هنا أن نسبة كبيرة من النفقات العامة الحكومية تميل إلى الارتفاع، كالرواتب والنفقات الإدارية والدفاعية والأمنية، فإن الحد من الإنفاق العام مهما تصدت له السلطات المعنية لا يذهب إلا إلى الإنفاق الاستثماري. ومن هنا كانت المفارقة؛ فالتنمية تتطلب زيادة في الإنفاق الحكومي لزيادة كمية المنتجات، والانكماش (التقشف) يعمل، بتخفيض هذا الإنفاق، على تخفيض إنتاج البضائع والخدمات الضرورية. ولذا كان لابد لهذه السياسة من أن تأخذ بالحسبان صعوبة تقليص النفقات والتعويض منها بالحصول على الموارد. ولا ينجح ذلك إلا في مرحلة يتهيأ فيها الاقتصاد المتخلف للانتعاش. وفي هذه البلدان المتخلفة ذاتها لابد لسياسة الانكماش في الإنفاق من أن تعمل على امتصاص القوة الشرائية الإضافية لدى ذوي الدخول العالية لردها إلى الدولة وتوجيهها نحو الاستثمار وزيادة التراكم. كما أن استقرار الأسعار، ولو بصورة نسبية، يبقى ضماناً لنجاح سياسة الانكماش في الإنفاق، إضافة إلى أن هذا الاستقرار يساعد على الاستقرار في أسعار الصرف وتحسين مركز البلد النسبي في التصدير. ومن ثم لابد من إخضاع أسعار الخدمات للمراقبة وإلا فإن الفعاليات الخدمية تنشط على حساب الفعاليات السلعية، مما يوجد خللاً يصعب إصلاحه، يسير في خط التضخم نفسه الذي يراد كبحه. الانكماش والاقتصاد الوطني درج الفكر الاقتصادي على دق ناقوس الخطر كلما سار الاقتصاد الوطني في طريق الانكماش. لأن الانكماش يؤدي إلى الكساد وهذا يحمل أسوأ العواقب على العمالة والفعاليات الاقتصادية. ولعل أكبر سابقة من هذا النوع كانت أزمة الثلاثينات (1929 وما بعدها). هذه الأزمة وضعت الفكر الاقتصادي أمام حالة من الانكماش أدت إلى الكساد إذ اجتاحت البطالة الولايات المتحدة وبريطانية وأكثر الدول الأوربية. مما دعا الاقتصاديين إلى التفكير بالوسائل الضرورية للخروج من الأزمة. أسهمت التدابير الكينزية إسهاماً تاريخياً حين طالبت برفع الأجور الاسمية لرفع مستوى الطلب الفعال، وحين اشتركت الدولة في هذا وفي حل مشكلة البطالة عن طريق زيادة الإنفاق الحكومي وتمويل عناصره، ولاسيما «التمويل بعجز الموازنة» إذ تخطت الاقتصاديات الرأسمالية أزمتها بفضل هذه التدابير منتقلة إلى مرحلة من الازدهار، ثم عاشت بعدها في نشوة زيادة الإنتاج والاقتراب من مستوى التشغيل الكامل حتى بداية السبعينات حين اندلعت الأزمة الرأسمالية الجديدة، وهي أزمة جديدة اجتمع فيها التضخم والركود، فكان من الطبيعي أمام الركود التضخمي أن تفقد التدابير الكينزية مسوغاتها، وأن تعود الرأسمالية إلى تدابيرها التقليدية (الكلاسيكية) لمعالجة التضخم بتوازن الموازنة والاستقرار النقدي وضغط الإنفاق، مكتشفة أهمية السياسة الانكماشية، أي أن تعود إلى تدابيرها التقليدية لمكافحة الركود ومن أهمها الاتجاه بقوة نحو الأسواق الخارجية وجبهات القتال لتصريف فائض الإنتاج ولاسيما فائض إنتاج «العهد الصناعي الثالث» الذي تمخضت عنه الأزمة نفسها. لكن التدابير الكينزية مازالت تجد تطبيقاتها في البلدان النامية والمنطقة العربية منها خاصة في شروط لم تخطر على بال كينز، مما يؤجج التضخم ويقضي على التضامن الاجتماعي في هذه البلدان، حيث العمالة ذات دلالات مختلفة عما هي عليه في البلاد الرأسمالية، يتعايش التضخم الجامح مع البطالة بمختلف صورها، ولكن ليس لأسباب انكماشية قادت إلى الركود، بل لأسباب تضخمية سابقة، هي على العموم من منشأ نقدي (تواتر الإصدار النقدي الكينزي بلا تغطية) ولوجود آلية تخريبية في نمط الإنتاج الغالب تعطل الفعاليات السلعية لصالح النشاطات الخدمية الطفيلية. ولذلك، فإن الإمعان في استعمال «الوسائل الكينزية»، لأنها أسهل الوسائل، يؤدي إلى توفير سيولة نقدية تفوق المقدرة الإنتاجية الحقيقية، مما يطلق التضخم ولا يسمح لأي سياسة انكماشية أن تعمل بأي حال من الأحوال. في هذه البلدان النامية لابد إذن من إحداث «الانعكاس» في الآلية المذكورة للتصدي بحزم للتضخم،) لأن البطالة في عوامل الإنتاج ليست بسبب الانكماش). ويجب أن تعمل سياسة الانكماش في هذه البلدان للتأثير في العرض والطلب الكلي معاً، ويكون ذلك حتماً بالحدّ من زيادة الكتلة النقدية للحدّ من جموح الطلب الاستهلاكي، وبالعمل على ساحة العرض لزيادة إنتاج السلع الزراعية والصناعية، وفي هذا المجال يجب إعادة هيكلة الجهاز الإنتاجي واتخاذ جميع التدابير للتركيز على زيادة الإنتاجية وتنمية الموارد. وهكذا يؤمل الحصول على توازن في مستوى معين من الأسعار يتعامل مع مستوى معين من الأجور والرواتب. إن عدم أخذ السياسة الانكماشية لمسألة الطلب الكلي في الحسبان هو كعدم مراعاة «سياسات التنمية بالتضخم» لقضية العرض الكلي في البلدان النامية. ولذا فإنه من أجل الحد من القوة الشرائية المتزايدة لابد من التعرض للريوع السهلة والأرباح الناشئة عن الوضع الاقتصادي الاجتماعي المتخلف ويكون ذلك بالضرائب المباشرة. إن تعقيم القوة الشرائية المتراكمة بين أيدي فئات المستغلين والمضاربين والعابثين بمؤسسات الدولة يستدعي توجيه الفوائض إلى حساب خاص في الخزينة يخصص لزيادة الإنتاج. إلى ذلك كله يضاف ما له علاقة بمراقبة الاستيراد والتصدير ومعدلات الصرف ومكافحة التهريب وتسرب العملات إلى الخارج. ولعل ذلك يستدعي بالضرورة تغيير نمط الإنتاج الغالب.    إسماعيل سفر   الموضوعات ذات الصلة:   التضخم.   مراجع للاستزادة:   ـ إسماعيل سفر، محددات السياسة الاقتصادية العربية المعاصرة (1983)، أزمة الرأسمالية وعاملها الخارجي (1984)، النظرية الكينزية والمأساة الاقتصادية ـ الاجتماعية (1985): منشورات جامعة الدولة بمونص (بلجيكة) مركز الدراسات والبحوث العربية (CERA). -PR.R. BARRE , Economie politique (PUF, Paris 1964).
المزيد »