logo

logo

logo

logo

logo

أريحا (موقع-)

اريحا (موقع)

Jericho (Site-) - Jéricho (Site-)



أريحا (موقع -)

 

 

تقع أريحا Jericho غربي غور الأردن على بعد سبعة وثلاثين كيلو متراً إلى الشمال الشرقي من مدينة القدس، عند نقطة يصل انخفاضها إلى -276م تحت سطح البحر.

يمتاز الموقع بأهمية استراتيجية جعل من المدينة مركز التقا عند تقاطع الطرق الممتدة بين مدن الأغوار وبلداتها والمرتفعات الجبلية المتاخمة، إضافة إلى قربه من البحر الميت ذي الأهمية الاستراتيجية الفائقة في استخراج الأملاح والمياه المعدنية. يسود المنطقة مناخ مداري جاف دافئ شتا ً وحار صيفاً؛ قليل الأمطار، وتعتمد الزراعة في الموقع على تربة غضارية خصبة وعلى ري للمزروعات بالمياه الجوفية مصدراً أساسياً، مما أكسب أريحا أهمية في إنتاج الخضر والثمار الباكورية. وتقتصر المياه السطحية على السيول الشتوية وعلى مياه الينابيع مثل عين السلطان وعين النويعمة وعين ديوك التي كانت العامل الأساسي للاستقرار القديم في الموقع. يغيِّب تل السلطان في جوفه أنقاض مدينة أريحا الأثرية.  تبلغ أبعاد التل 307 ×160م بارتفاع يصل إلى 20م، ويبعد قرابة 1.5كم عن المدينة الحديثة التي احتفظت بالاسم القديم للموقع أريحا/.Jericho.

استرعى الموقع الأثري اهتمام الآثاريين منذ مطلع النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين أجرى وارن Warn  تحرياته الأولى في التل سنة 1860، ثم تبعه النمساويان سيلين وفاتزينغر سنة 1913. بعد الانتداب الإنكليزي على فلسطين أجرى الإنكليزي غارستانغ  Garstang عدة مواسم تنقيب في الموقع في الأعوام 1930،1932- 1933،1935 و1936. اعتباراً من العام 1952 عكفت عالمة الآثار الإنكليزية كاثلين كينيون  K.Kenyon على إجرا أعمال تنقيب منهجية في الموقع حتى عام 1960. بعد عدوان 1967 وسعت إسرائيل احتلالها لمجمل الضفة الفلسطينية غربي نهر الأردن، فتمكنت كينيون من إجرا تنقيبات أخرى في العامين 1967 و1981، ثم عمل الإسرائيليون على إجرا دراسات أثرية غير مشروعة في الموقع الأثري المحتل.

أسفرت أعمال التنقيب في الموقع عن اكتشاف ما يزيد على عشرين طبقة أثرية، يؤرخ أقدمها في العصور الحجرية[ر]، وتليها الطبقات العائدة إلى عصور البرونز والحديد، ثم العائدة إلى العصور الكلاسيكية والعصور العربية الإسلامية. تعود أقدم طبقات العصور الحجرية المكتشفة حتى الآن إلى مابعد العصر الحجري القديم  Epipaleolithic، وهي تشير إلى علاقة مع سكان مغاور جبل الكرمل. أما في العصر الحجري الحديث (النيوليتي) Neolithic  ما قبل الفخاري (أ)  PPNA  فقد ازدهر الإعمار في الموقع بعد أن توطد الاستقرار بالاعتماد على الزراعة البدائية والصيد البري والنهري. اتخذت البيوت آنذاك أشكالاً دائرية ذات سقوف مقببة، واعتمد بنا الجدران على اللبن المصنوع بالقالب بقاعدة مسطحة وسطح علوي محدب؛ مع وضع أعمدة خشبية بينها لتعمل على تأمين ثبات الجدران بصورة أفضل.  كما لجأ سكان أريحا في هذه المرحلة إلى بنا التحصينات حول مدينتهم.

أحيطت المدينة بأسوار وأبراج حجرية بسماكة 1.5 م، وبلغ ارتفاع الأجزا المتبقية منها 3.9م، وأقيم داخل سور المدينة في الجانب الغربي برج دائري ضخم بارتفاع تسعة أمتار تقريباً، بداخله سلم صعود مؤلف من اثنتين وعشرين درجة. أثبت التحليل المخبري للبقايا بطريقة الكربون المشع (14) أن عمر السور والبرج يرجع إلى سنة 7000 ق.م، وهذا ما جعل مدينة أريحا القديمة المدينة المسورة الأقدم في العالم.

أريحا: تل السلطان

عثر في طبقات العصر (النيوليتي) ما قبل الفخاري (أ) PPNA  على أدوات مصنوعة من الصوان؛ من بينها فؤوس يدوية ومساحن ونصال ورؤوس سهام ومثاقب وأزاميل وشفرات مناجل، كما عثر في الموقع على أدوات من الأوبسيديان كانت تستورد من منطقة الأناضول، وفي ذلك دلالة أكيدة على علاقات تجارية واسعة للموقع.

في عصر النيوليت ما قبل الفخار (ب) أريحا الطبقة الثامنة دلت أعمال التنقيب على فراغ حضاري بين هذه الفترة وماسبقها من عصر النيوليت ماقبل الفخار (آ)، فمن المرجح هجرة سكان أريحا القدامى ليحل محلهم سكان جدد قدموا من سورية. إن التشابه الكبير بين بقايا العصر النيوليتي ما قبل الفخار (ب) في سورية وفلسطين هو الدليل الأكبر على ذلك. فهناك ترابط بين الطبقة الرابعة في المريبط والطبقات 4-6 في أريحا، وقد اكتشفت في هذه المرحلة في أريحا بيوت ذات تنظيم معقد؛ مؤلفة من غرف نوم ومخازن ومواقد؛ إلى جانب بيوت مستقلة .

أريحا: أساس منزل كشف في تل السلطان

امتاز عصر النيوليت ما قبل الفخار (ب) في أريحا بتقدم ملموس في تصنيع الأدوات الزراعية قبل المناحل وأحجار الرحى والمساحن والمثاقب، إضافة إلى أدوات الصيد ولاسيما رؤوس السهام والأدوات العظمية من إبر ومخارز.

في المرحلة الثانية من عصر النيوليت ماقبل الفخار (ب) هُجِرَتْ أريحا، فنشأت عوضاً عنها قرى جديدة قريبة من السفوح الجبلية والسواحل المطيرة الملائمة للزراعة، أخذت تعتمد في هذه المرحلة على الري بوسلطة القنوات.

دلت الدمى المكتشفة بلا رؤوس في الموقع - العائدة إلى العصر (النيوليتي) ما قبل الفخاري (ب) - على ظهور بدايات معتقدات لتقديس الأسلاف، وقد تأكدت من خلال ما عثر عليه في الموقع من مدافن تحتوي على هياكل عظمية آدمية مقطوعة الرؤوس؛ في حين دفنت الجماجم تحت أرضيات البيوت السكنية بعد فصلها عن الجسم ومعالجتها بالصلصال والكلس ووضع الصدف في محاجر العيون.

 
أريحا: جمجمة مليسة   أريحا: البرج الدائري الكبير

أخذ سكان أريحا في العصر (النيوليتي) الفخاري  الباكر (EPN) بتصنيع أوان فخارية بدائية باليد، ثم تطور تصنيعها لتصبح مصقولة ومزينة باللون الأحمر. تشير نتائج التنقيب إلى أن موقع أريحا قد هجر في أواخر العصر (النيوليتي)، ثم ما لبث أن أعيد إعماره مجدداً من قبل سكان جدد، وذلك إبان انتشار الثقافة الغسولية في العصر الحجري النحاسي (الكالكوليتي) في غور الأردن  وقد تغير شكل البيوت في هذا العصر فأصبحت ذات أشكال مستطيلة بزوايا دائرية، واستخدم في بنائها اللبن المصنوع باليد.

يعد تل المريبط [ر] السوري الواقع على الضفة اليسرى لنهر الفرات الأوسط أحد أهم المواقع المرتبطة بقواسم مشتركة مع أريحا الفلسطينية في عصور ما قبل التاريخ؛ من ناحية بدايات الاستقرار البشري ونشو الزراعة واستئناس الحيوان؛ بل يتعداها في القدم. فقد أسفرت أعمال التنقيب المنهجية في تل المريبط عن بدايات لاستقرار الإنسان ونشو الزراعة وتربية الحيوان منذ أواسط الألف التاسع قبل الميلاد. وهناك قواسم مشتركة أخرى بين أريحا والمريبط من ناحية البيئة الجغرافية المتشابهة لوقوعهما على ضفتي نهرين، وما يتوافر فيهما من موارد غنية ملائمة للاستقرار البشري والقيام باستنبات البذور واستئناس الحيوان؛ إضافة إلى إمكانية ممارسة أنشطة الصيد النهري والبري أو التقاط الثمار البرية، وعلاوة على ذلك التشابه في أدوات العمل وظهور بدايات لمعتقدات روحية في كلا الموقعين أيضاً.

في عصر البرونز القديم تعرض موقع أريحا لكوارث طبيعية وحروب اضطرت السكان إلى العمل الجاد لتدعيم أسوار مدينتهم بأبراج نصف دائرية ومربعة، وجرى تغيير المساقط الأفقية للبيوت فأصبحت مربعة، واعتمد في دفن الموتى على قبور منقورة في الصخر.

أريحا: أدوات حجرية كانت تستخدم للزراعة

في أواخر الألف الثالث ومطلع الألف الثاني قبل الميلاد (عصر البرونز الأوسط) سادت في أريحا الثقافة الأمورية، وخلفت ورا ها آثاراً مادية مهمة جسدتها التحصينات الدفاعية وقطع الأثاث المنزلي وأدوات الزينة والطهي.

في الألف الثاني قبل الميلاد سيطر الهكسوس ثم الفراعنة على أريحا بعد أن تعرضت المدينة للحريق والدمار، وتوالت عليها النكبات من جرّا النزاعات المتتالية؛ إلى أن سطع نجم الآراميين في المنطقة في القرن التاسع قبل الميلاد، فازدهرت المدن السورية - الفلسطينية، على الرغم مما تعرضت له من حروب محلية بين الإمارات المتناحرة؛ إلى أن استولى الآشوريون والبابليون والفرس على المنطقة.

استفادت مدينة أريحا من الاستقرار السائد في العصور الكلاسيكية وحظيت باهتمام الحكام، فارتقت إلى منزلة المدينة الملكية في عهد الإسكندر، وانتشرت فيها القصور والحصون تبعاً لمخطط جديد، وأصبحت أريحا مقر أسقفية في العصر البيزنطي.

في العصر العربي الإسلامي ألحقت أريحا بجند فلسطين وشهدت حركة عمران نشطة بعد أن أصبحت إحدى المنتجعات الفلسطينية المهمة، وأقيمت فيها المنشآت الدينية والقصور، وأهمها قصر الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك. ثم تعرضت أريحا لاحتلال الفرنجة في القرن الحادي عشر - الذي لم يدم طويلاً- إلى أن حررها الناصر صلاح الدين.

في العصر الحديث أفل نجم أريحا فغدت قرية صغيرة ومنتجعاً شتوياً لوجها القدس، ثم ما لبثت أن تعرضت للاحتلال الإسرائيلي بعد عدوان 1967، وبعد إقامة سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية في عام 1993 أصبحت أريحا أحد مراكزها المهمة.

 

محمد قدور

 

 

مراجع للاستزادة:

 -E. B. BANNING, The Neolithic Period: Triumphs of Architecture, Agriculture, and Art “Near Eastern Archaeology”, Vol. 61, No. 4 (Dec., 1998).

-Alan H. SIMMONS, The Neolithic Revolution in the Near East:Transforming the Human Landscape, (University of Arizona Press, 2007).

- K. M. KENYON, Excavations at Jericho, Palestine Exploration Quarterly, (Library of Congress, 1957).


التصنيف : عصور ما قبل التاريخ
النوع : مواقع وأحياء
المجلد: المجلد الأول
رقم الصفحة ضمن المجلد : 364
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 1032
الكل : 43827764
اليوم : 111159