logo

logo

logo

logo

logo

الأكاديون

اكاديون

Akkadians -



الأكاديون

  

اللغة الأكادية

 

 

الأكاديون  Akkadians، بحسب دلالة المصطلحات الخاصة بالأقوام يفترض أن يدل مصطلح "الأكاديون" على القوم الذين تكلموا اللغة الأكادية أو عاشوا في "بلاد أكاد"، لكن كلتا الدلالتين لا تنطبق على الأكاديين؛ ذلك أن اللغة الأكادية التي استمر استعمالها في التدوين نحو ألفين وخمسمئة عام، وأكثر من ذلك في التخاطب بالتأكيد؛ استعملت من قبل عدة أقوام، ولم يقتصر استعمالها على وادي الرافدين وسورية وإنما شمل المناطق المحيطة بهما كلها، كما أنه لم يكن هناك تحديد ثابت لما أطلق عليه مصطلح "بلاد أكاد" إذ غالباً ما عدّه المختصون مقترناً بالنصف الشمالي من السهل الرسوبي في جنوبي العراق، لكن هذه المنطقة لم تكن في أي عصر من عصور الحضارة القديمة إلا جز اً من دولة واسعة الامتداد أو موطناً لعدد من دويلات المدن المشابهة لما كان يظهر في الأرجا المجاورة، وكانت دويلات المدن هذه تتوسع أو تتقلص بحسب ما تنتزعه من جاراتها أو تخسره لمصلحتهن. لذلك دأب المختصون أن يقصدوا بمصطلح "الأكاديون" شعب الدولة الأكادية التي قامت في نهاية عصر فجر السلالات ودام حكمها نحو مئة وثمانين عاماً، ما بين عامي 2334-2154 ق.م. وهناك أسباب حدت المختصين أن يختاروا هذا التحديد للمصطلح، من بينها كون تلك الدولة الكيان السياسي الأول الواضح للأكاديين؛ وظهور المصطلح نفسه في عهدها نسبة إلى مدينة أكاد التي شيدها مؤسس الدولة وسلالتها الحاكمة سرجون (شرُّكين  (Sharru-Kin، واتخذها عاصمة له، ومن الأسباب الأخرى انقسام الأكاديين إلى فرعين: بابلي وآشوري منذ نهاية الألف الثالث قبل الميلاد بنا على عوامل جغرافية ولغوية نشأت من تفرع اللغة الأكادية الأم إلى اللهجتين الرئيستين البابلية والآشورية، ويعزى هذا التفرع إلى اندماج أقوام شقيقة مع الأكاديين مثل الأموريين ومن بعدهم الآراميين والعرب، وكذلك أقوام أخرى مثل الحوريين والكاشيين.

وإذا كانت دلالة تسمية الأكاديين المقترنة بالدولة الأكادية وسلالتها التي أسسها سرجون الأكادي؛ هي المتفق عليها من قبل المختصين ينبغي ألا يغيب عن الذهن أن الأكاديين وجدوا قبل قيام الدولة الأكادية في بلاد الرافدين وقدموا المساهمة الأساسية في قيام حضارتها، وكانوا أول قوم من الأقوام العروبية القديمة الذين دونوا لغتهم بعد ابتكار الكتابة الأولى. ومن ناحية أخرى يجدر الانتباه لما توصل إليه المختصون منذ أمد ليس بالقصير بخصوص وجوب التعامل مع موضوع الأكاديين؛ والأقوام القديمة الأخرى عموماً  من خلال الجانب اللغوي وليس على أساس "العنصر" Race  بحسب المفهوم الأنثروبولوجي، ذلك أن ما يتهيأ في الوقت الحاضر من مادة تاريخية لا يساعد على معالجة هذا الموضوع على هذا الأساس؛ وإنما على أساس المشاركة في اللغة التي تكتشف مدوناتها.

اشتقت تسمية الأكاديين من اسم المدينة التي شيدها سرجون نحو عام 2300 ق.م وجعلها عاصمة للدولة التي أنشأها، أما اللقب الذي يعرف به الملك سرجون في الوقت الحاضر؛ أي سرجون الأكادي؛ فإنه يعود إلى اسم تلك المدينة أيضاً وليس إلى انتمائه القومي. وقد كتب اسم مدينة أكاد في النصوص المسمارية - من عصر الدولة الأكادية والعصور التي تلته - بصيغ مختلفة منها:

أكادي Akade، أكاتِ Akati، أكّادي Akkade، أكّادٌ Akkadum، أكادٌ Akadum، أكاد Akad، وأجادي Agade. ولا يزال موقع هذه المدينة مجهولاً في الوقت الحاضر، وهناك آرا متعددة حول هذا الموقع لكن معظمها يميل إلى افتراض وجوده في مكان ما بين موقع مدينة بابل وبغداد.

إن عدم وجود مدينة أكاد قبل قيام الدولة الأكادية وعدم وجود ما اشتق منها من تسميات تخص الأكاديين والدولة الأكادية ونعت الملك سرجون نفسه وكذلك اللغة الأكادية؛ لا يعني عدم وجود الأكاديين واللغة الأكادية في وادي الرافدين حينذاك، كما أن وصول هذه السلالة إلى الحكم لا يعني وصول موجة هجرة جديدة أو حدوث أي تغير سكاني، حتى إن سرجون نفسه كان من العاملين في خدمة ملك كيش قبل استيلائه على الحكم والتسمي بالاسم الذي عرف به؛ ومعناه "الملك الشرعي"، أما اسمه الحقيقي قبل اعتلائه العرش فلا يزال غير معروف في الوقت الحاضر، وكانت اللغة الأكادية تستعمل قبل قيام الدولة الأكادية، حتى إن آخر ملوك عصر فجر السلالات - وهو لوجال- زاجيسي Lugal-zagesi الذي أنهى سرجون حكمه في مدينتي أومّا وأوروك - دوَّن نقوشه باللغة الأكادية. ولم توثق قائمة الملوك السومرية هذا الحدث بوصفه انتقالاً للحكم من قوم إلى قوم؛ وإنما من مدينة إلى أخرى مثلما كان يحصل طوال قرون من سقوط سلالات حاكمة وقيام سلالات أخرى. وجا ت الإشارة إلى انتها حكم لوجال- زاجيسي وقيام سلالة سرجون في قائمة الملوك السومرية على النحو الآتي:

"ضربت مدينة أوروك بالسلاح ونقلت ملكيتها إلى مدينة أكاد". وقد بات معروفاً ومتفقاً عليه بين المختصين أن ما حدث في عهد الدولة الأكادية هو اكتساب اسم أكاد والأكاديين لقوم كانوا بالأصل موجودين قبل قيام تلك الدولة بزمن طويل لا يمكن تحديده حالياً، أي إن قيام هذه الدولة - التي أخذت اسمها واسم شعبها ولغتها من اسم عاصمتها المشيدة حديثاً- لا يعني أول ظهور لهذا الشعب أو للغته؛ وإنما اكتساب الاسم الذي عرفا به منذ ذلك العهد فصاعداً. فضلاً عن هذا فإن قيام سلالة سرجون - مؤسس هذه الدولة - ونسبتها إلى العاصمة أكاد أيضاً لا يعني أنه أول وصول للحكم من قبل ملوك أكاديين، فقد ظهرت أسما أكادية لملوك حكموا في مدن جنوبي وادي الرافدين قبل قيام سلالة سرجون الأكادي بقرون. ومما يذكر بهذا الصدد أن نحو نصف أسما ملوك سلالة كيش الأولى - وهي أول سلالة تحكم بعد حدوث الطوفان بحسب قائمة الملوك السومرية - كانت أسما أكادية، وعدد ملوك هذه السلالة الذين حفظت أسماؤهم يصل إلى ثلاثة وعشرين ملكاً.

إن الأكاديين بحسب الدليل اللغوي يكوِّنون مع الأقوام الشقيقة - من أموريين (كنعانيين) وآراميين وعرب - كتلة الأقوام ذات الأصل الواحد الذين يسميهم المختصون الغربيون "الساميون"، وهو مصطلح لا يصح استعماله علمياً، وهناك مصطلحات مقترحة لتكون بديلاً منه، منها "الأقوام العروبية" أو "أقوام المشرق العربي القديم". مهما يكن المصطلح الذي يطلق على هذه الأقوام فإن أبرز الحقائق الخاصة بهم تتمثل بأن لغاتهم تنتمي إلى عائلة لغوية تفرعت من أصل واحد، وأنهم تشاركوا العيش في منطقة المشرق العربي وساهموا في بنا حضارتها المتأصلة فيما أطلق عليه مصطلح "الهلال الخصيب". وإذا أمكن تتبع وجود هذه الأقوام من خلال تدوين لغاتها؛ فإن مسألة وجودها في المنطقة خلال العصور السابقة للكتابة يمكن أن يستدل عليه من خلال تواصل السكنى والمنجزات الحضارية في وادي الرافدين وبلاد الشام من دون انقطاع منذ عصور ما قبل التاريخ وعصور الحضارة القديمة حتى اليوم.

ومنذ أن تبلورت نظرية "الفراتيون الأوائل"[ر] - بوصفهم بناة أسس حضارة المشرق العربي القديمة - والأدلة تتزايد على كون الأكاديين عنصراً أساسياً في تكوين الفراتيين الأوائل. وتأتي هذه الأدلة من خلال الوجود الواضح للمفردات الأكادية؛ فضلاً عن مفردات من اللغات العروبية الأخرى ومن ضمنها العربية في التراث اللغوي الذي عزي إلى الفراتيين الأوائل، وهذا يدعم توجه المختصين الذين يجدون في سكان المنطقة خلال العصر الحجري- النحاسي - في أدوار حسونة وسامرا وحلف والعبيد- أسلافاً للأكاديين الذين عرفوا بهذا الاسم في الألف الثالث قبل الميلاد. وفي الألف الثالث قبل الميلاد- حتى قبل قيام الدولة الأكادية - ظهرت مفردات وأسما أعلام أكادية عديدة في الوثائق السومرية التي سبقت تدوين اللغة الأكادية، ومنها الوثائق المكتشفة في "تل فارة" (موقع مدينة شروباك القديمة) وتل "أبو الصلابيخ"، وكلا هذين الموقعين الموجودين في جنوبي العراق يعود إلى عصر فجر السلالات الثالث في القرن السادس والعشرين قبل الميلاد. وتظهر في النصوص التي عثر عليها في هذين الموقعين أسما أكادية يحمل بعضها أسما الكتبة الذين كانوا يدونون باللغة السومرية، وكان هذا قبل قيام الدولة الأكادية بأكثر من قرنين من الزمان. ومما يمكن أن يقال عن الأكاديين: إنهم كانوا عنصراً رئيساً في التكوين السكاني القديم في وادي الرافدين منذ زمن غير محدد من عصور ما قبل التاريخ، وإن لغتهم كانت تستعمل في التخاطب والتدوين من قبلهم ومن قبل أقوام شقيقة وغير شقيقة معاصرة لهم، كما أن الكثيرين من هذه الأقوام اندمجوا مع الأكاديين سوا في الألف الثالث أم في الألفين الثاني والأول قبل الميلاد حين انقسم الأكاديون إلى بابليين في الجنوب وآشوريين في الشمال. ومن هنا قيل عن الأكاديين والأقوام العروبية الشقيقة لهم: إنه ليس بالضرورة أن يكونوا أكاديين فعلاً بالقدر الذي تكون فيه لغتهم أكادية.

إن ظهور أسما أكادية لملوك - حكموا قبل سرجون الأكادي بقرون - وأسما أعلام أكادية في نصوص سومرية مبكرة، منها أسما كتبة النصوص السومرية في موقع "أبو الصلابيخ"، وخصوصاً النصوص السومرية الأدبية والإدارية المبكرة؛ يتوافق مع اكتشاف نصوص إيبلا[ر] وتراث عصر فجر السلالات في ماري[ر]. وهذه العوامل مشتركة حدت العلما المختصين على نبذ الفرضيات القديمة التي تصور الأكاديين، وكذلك معاصريهم الأموريين[ر]، مجرد قبائل بدوية عاشت على حافة الحضارة وتغلغلت إلى مواطنها لتقتبس عناصرها جاهزة من بناتها السومريين على ما كان يفترض.

لقد شاع الاعتقاد الذي يجعل من الصحرا العربية الموطن الأصلي الذي هاجر منه الأكاديون ليحلوا في وادي الرافدين، ولم يكن لهذا الاعتقاد ما يسنده؛ مثل الدليل الأثري على وجودهم في الصحرا العربية؛ وإنما بني على أساس أمثلة تاريخية لاحقة. لذلك ظهر ميل لدى الباحثين إلى البحث عن موطن أصلي للأكاديين في مناطق أقرب إلى وادي الرافدين تكون بيئتها أقل قسوة من بيئة الصحرا مثل بادية الشام في الامتداد الشمالي لشبه الجزيرة العربية، ولعل هذا الميل يجد سنداً له من حقيقة أن الجمل - الذي لا غنى عنه للعيش في الأرجا الداخلية لصحرا مثل صحرا شبه الجزيرة العربية الداخلية - لم يكن قد دجن قبل ظهور الأكاديين في وادي الرافدين، ولذلك يعتقد أن موطنهم الأصلي لا يمكن أن يكون أبعد من بادية الشام التي توفر فرص العيش والتنقل بسهولة حتى من دون وجود جمال مدجنة.

هناك حقيقة لا يمكن إغفالها بخصوص الموطن الأصلي للأكاديين، وهي عدم وجود آثار لهم بعيداً عن وادي الرافدين قبل الزمن المؤكد لوجودهم هناك بدلالة النصوص الكتابية. وهذا يذكر بنظرية قديمة للعالم الإيطالي إغناتسيو غويدي Ignazio Guidi كان قد نشرها في عام 1879م. تستند هذه النظرية إلى تحليل للُّغة الأكادية وشقيقاتها من اللغات العروبية، وتنتهي إلى أن أصل الأقوام التي تعود إليها تلك اللغات لا يمكن إلا أن يكون من وادي الرافدين نفسها، وقد توصل غويدي في تحليلاته اللغوية إلى أن تلك اللغات تشترك في مفردة النهر مما يدل على أن أصحابها كانوا أهل زراعة يعيشون بالقرب من الأنهار، واستدل أيضاً من الأسما الجغرافية والنباتية والحيوانية المشتركة في تلك اللغات أن موطن أصحابها الأصلي هو وادي الفرات الأدنى، وعلى الرغم من أن هذه النظرية لم تلاقِ رواجاً واسعاً لأمد طويل فقد ظهرت لاحقاً أدلة تدعمها، وتتمثل هذه الأدلة بأن الأسما الحالية لنهر الفرات[ر] ورافديه الرئيسين البليخ[ر] والخابور[ر] هي نفسها الأسما التي وردت في النصوص الأكادية منذ أقدم عصورها، وهناك أدلة أخرى تقدمها نظرية الفراتيين الأوائل فضلاً عمّا كشفت عنه التنقيبات الأثرية الحديثة في وادي الفرات الأوسط والأدنى والبليخ والخابور من أدلة واضحة على استمرار السكنى في هذه المنطقة من دون انقطاع منذ المراحل الأولى من العصر الحجري الحديث وعبر عصور الحضارة القديمة جميعها حتى الوقت الحاضر.

لم تكن منطقة وادي الرافدين المتمدنة في أي مرحلة من تاريخها مغلقة أمام هجرات القبائل البدوية التي مثلت معيناً بشرياً لها، وكانت هذه القبائل تدخل إلى مواطن الحضارة سلمياً وضمن مجموعات عائلية أو قبلية صغيرة على مر العقود، ولمّا كانت لا تسبِّب تهديداً للحياة المتمدنة فإن أعضا ها كانوا يندمجون مع الأكاديين اجتماعياً وثقافياً ولغوياً، وهذا ما حدث للأموريين في الألف الثالث قبل الميلاد وللآراميين والعرب من بعدهم. وكثيراً ما وصل عن طريق هذه الهجرات السلمية إلى الحكم ملوك بارزون تشهد نصوصهم الأكادية على مدى نجاحهم في الاندماج مع الأكاديين وفي حكمهم للبلاد. ومن هؤلا الملوك: الأموريان شمشي-أدد[ر] الأول وحمورابي[ر]، والآراميان نبوخذ نصر[ر] الثاني وآشور- بانيبال[ر]. وإذا كانت هناك إشارات متكررة في النصوص الأكادية إلى حروب خاضها ملوك من وادي الرافدين ضد قبائل أمورية أو آرامية فلم يكن ذلك بسبب اختلاف قومي؛ وإنما بسبب التهديد الذي تجلبه أحياناً لحياة التمدن والاستقرار ونظام الدولة في مواطن الحضارة. وفيما عدا هذا فإن سكان البادية - الذين كان يسهل عليهم التعامل باللغة الأكادية - كانوا باقتصادهم الرعوي المتخصص جز اً مهماً من نمط الحياة في حضارة المشرق العربي القديمة، ولم يعد صحيحاً تتبع تطور هذه الحضارة على أساس الصدام الدائم المفترض على أساس قومي أو على أساس اختلاف أسلوب الحياة الزراعية عن البدوية، أما الصراعات التي كانت تحدث فأساسها تضارب مصالح الدول والمدن.

إن قيام الدولة التي أسسها سرجون الأكادي يمثل توصل الأكاديين إلى بنا كيانهم السياسي الذي سرعان ما تحول إلى امبراطورية عدّها المؤرخون الامبراطورية الأولى في التاريخ، فقد امتد سلطان هذه الدولة ليغطي معظم أرجا الشرق الأدنى القديم، وسعى ملوكها إلى السيطرة على البلاد من البحر المتوسط إلى الخليج العربي، ونجحوا في تحقيق هذا المسعى إلى حد ما، فضلاً عن ذلك امتد نفوذهم إلى مرتفعات زاغروس في الشرق وبلاد الأناضول [ر] في الشمال. لم يكن سرجون الأكادي أول من عمل على مشروع إقامة دولة موحدة مركزية لتحل محل دويلات المدن التي ميزت عصر فجر السلالات، فقد سبق للحاكم الأخير من حكام عصر فجر السلالات أن بدأ بهذا المشروع قبل ظهور سرجون، وكان ذلك الحاكم لوجال- زاجيسي Lugal- zagesi الذي انطلق من مدينة أومّا Umma (تل جوخة في جنوبي العراق حالياً) وبدأ يسيطر على المدن الأخرى - مثل لجش وأور وأوروك - حتى حصلت المواجهة فيما بينه وبين سرجون. ويرجح بعض الباحثين أن يكون لوجال- زاجيسي نفسه أكادياً على الرغم من صيغة اسمه السومرية، ودليلهم على هذا الترجيح اسم أبيه بوبو Bubu ذي الصيغة الأكادية، وكذلك استعماله للِّغة الأكادية في تدوين نقوشه، وبعد تغلب سرجون على هذا الحاكم واصل مشروع إقامة الدولة الموحدة.

يكتنف الغموض أصل سرجون ونسبه، فهو ليس من نسل ملكي، ولا يعرف عن ولادته وسنيه المبكرة سوى ما ورد في الأساطير التي ألفت عنه في العصور اللاحقة. ومن المعلومات القليلة المتوافرة عن سرجون أنه كان موظفاً كبيراً يعمل في خدمة أور- زبابا Ur- Zababa ملك مدينة كيش[ر]، ويبدو أنه انقلب على هذا الملك ومنح لقب "ملك كيش"، غير أنه يشك في بقا سرجون في مدينة كيش بعد إطاحته بملكها أور-زبابا، ذلك أن قائمة الملوك السومرية تورد أسما خمسة ملوك على أنهم حكموا في كيش بعد أور- زبابا، ثم كان تشييد سرجون لعاصمته أكاد التي انتسب إليها مع دولته واللغة الأكادية أيضاً. وتجدر الإشارة هنا إلى أن اسمي اللهجتين الرئيستين اللتين تفرعت إليهما اللغة الأكادية في مطلع الألف الثاني قبل الميلاد- وهما: البابلية والآشورية - اشتقا من اسمي العاصمتين بابل وآشور، وكذلك اشتق اسما البابليين والآشوريين.

حكم من السلالة الأكادية أحد عشر ملكاً شهدت الدولة في عهود الخمسة الأوائل منهم أوج ازدهارها وتوسعها. وهؤلا الخمسة هم: سرجون وابناه: رِموش Rimush ومانشتوسو Manishtusu، وحفيده نَرام- سين [ر] Naram- Sin، وابن حفيده شَر- كَلِ- شَرّي Shar-Kali- sharri. أما الملوك الستة الآخرون فقد شهدت عهودهم تراجع قوة الدولة الأكادية وتدهورها، وهؤلا الملوك هم: إجيجي Igigi، نانيئوم Nani’um، إمي Imi، إيلول Elulu، دودو Dudu، شو- تورول Shu-Turul. في المرحلة المبكرة من تاريخ الدولة الأكادية استطاع سرجون التوسع نحو الشمال- الغربي فسيطر على منطقة الفرات ودخل ماري ثم إيبلا ووصل إلى جبال الأمانوس وساحل البحر المتوسط، وسار رِموش على نهج أبيه في توحيد البلاد تحت سلطته من البحر المتوسط إلى الخليج العربي، وشمل نفوذ نرام- سين مدينة إيبلا ومنطقة الخابور الأعلى حيث كشفت التنقيبات الأثرية عن بقايا بناية إدارية محصنة تحصيناً قوياً من عهده في تل براك[ر]. وفرض شَر- كَلِ- شَرّي سلطته على الأموريين عند جبل البشري[ر] في سورية. وقد بدأت الدولة الأكادية تواجه ضغوط قبائل الجوتيين Gutians البربرية القادمة من الشمال- الشرقي فضلاً عن الاضطرابات الداخلية منذ عهد نَرام- سين، وتفاقم الوضع تحت حكم ملوك سلالة الأكادية الأخيرين، وأخذت سلطة الدولة بالتدهور حتى سقوط العاصمة أكاد وتخريبها نحو عام 2154 ق.م.

شهد عهد الدولة الأكادية تغييرات كبيرة شملت - فضلاً عن النظام السياسي - الجوانب الاجتماعية والإدارية والاقتصادية والعسكرية، وحمل ملوك هذه الدولة لأول مرة لقب "ملك الجهات الأربع" الذي كان لقباً خاصاً بالآلهة الكبار، ومن دون شك كان نعت الملك به دلالة على إضفا مغزى ديني على السلطة السياسية للملك تثبيتاً لها. ويتضح اتساع الأفق الجغرافي لهذه الدولة من إشارة النصوص الأكادية إلى السفن القادمة من الخليج العربي وما ورا ه لترسو عند الرصيف النهري في العاصمة أكاد، وكانت الجيوش الأكادية تعبر البحر لتصل إلى عُمان[ر] (مجان قديماً) وتتوجه إلى ساحل البحر المتوسط، وتخترق المرتفعات الإيرانية والأناضولية. في الجانب الإداري كشف عن ألواح تحمل نصوصاً إدارية أكادية في مواقع بعيدة عن العاصمة، مثل سوسة في جنوبي- غرب إيران وجاسُر Gasur؛ وهي مدينة نوزي[ر] لاحقاً، وتل براك في الخابور الأعلى.

من الأعمال التي قام بها سرجون لتعزيز مركزية الدولة هدمه لأسوار المدن الجنوبية التي كانت مراكز سياسية لدويلات المدن في عصر فجر السلالات، ومن هذه المدن: أوروك، أور، لجش، أومّا. وصار تعيين حكام المدن يصدر عن العاصمة أكاد بعد أن أبطل توارث هذا المنصب، وكان هؤلا الحكام يصاحبون بالإداريين وبحاميات عسكرية، ولتمويل المكلفين بهذه الأعمال كان الملك يقطعهم الأراضي والأملاك. وظهر التقويم المركزي وصارت الوثائق تؤرخ بصيغ تخص الملك، كما أن اسم الملك صار يدون في العقود الشرعية مع أسما الآلهة، والقسم يُؤدَّى بحياة الملك. وفي القضا أصبح الملك هو الذي يعين القضاة الذين صارت أحكامهم ملزمة بعد أن كان دورهم لا يتعدى التحكيم في الخلافات، مما ترك طابعاً مميزاً ودائماً لم يقتصر على المدى الزمني الذي قامت فيه فقط؛ بل شمل العصور اللاحقة أيضاً. وفي هذا المجال تذكر عملية إصلاح المقاييس وتوحيدها بعد أن كان لكل مدينة نظامها الخاص بالأوزان والقياسات مما جعلها مربكة للسكان القدما أنفسهم؛ إضافة إلى العلما المحدثين. ويرجح أن هذه العملية أجريت في عهد نَرام- سين، وفيها وحدت قياسات الطول والمساحة والمكاييل الجافة والسائلة - والأوزان أيضاً على ما يحتمل - في نظام واحد واضح بقي متبعاً لما لا يقل عن ألف سنة بعد عهد الدولة الأكادية.

يذهب بعض الباحثين إلى أن قيام الدولة الأكادية كان نتيجة صراع قومي بين الأكاديين والسومريين، لكن البحوث التي أجريت حول هذا الموضوع أثبتت انتفا وجود مثل هذا الصراع، وكانت بواعث الصراعات التي جرت قبل قيام الدولة الأكادية وبعده تضارب مصالح المدن والسلالات الحاكمة؛ حتى في مواجهة قدوم الجماعات المهاجرة لم يكن صدها أو قبولها يتم على أساس الانتما القومي أو اللغة التي يتحدثون بها؛ وإنما على أساس الخطر الذي يمكن أن تجلبه لحياة المدن والنظام فيها؛ أو على موقفها من حياة التمدن واحتمال عدم ولائها للدولة وطاعتها للنظام، وإذا كان تاريخ الدولة الأكادية قد شهد حروباً عديدة فليس ذلك بشي طارئ أو نتيجة للميل إلى الحرب؛ بل هو أمر ابتدأ قبل قيام تلك الدولة واستمر بعدها، وإذا كان من اختلاف يميزه من عصر إلى عصر فمرد ذلك اختلاف حجم الصراع واختلاف قوة الأطراف المتصارعة، لذلك لم يعد مقبولاً افتراض بعض الباحثين وجود اختلاف في النوايا والأمزجة بين السومريين والأكاديين وكون الأخيرين أكثر ميلاً إلى العنف من أولئك. ومن المهم التأكيد هنا على إشارة النصوص القديمة - مثل قائمة الملوك السومرية - إلى قيام الدولة الأكادية على أنه انتقال لمركز الحكم من مدينة إلى أخرى؛ ومن سلالة إلى أخرى ضمن سلسلة طويلة من تنقل السلطة، وقد حفظت تلك النصوص أخبار ستة عشر من هذه الانتقالات سبقت انتقال السلطة إلى سلالة أكاد؛ من دون أن تقرن أياً من تلك الانتقالات بخلاف عرقي أو قومي. وإن ما أثارت موضوع هذا الخلاف، وقالت بوجوده، هي افتراضات بعض الباحثين المحدثين، وهناك عدد من المختصين لفتوا الانتباه إلى أن عدداً من تلك السلالات التي تداولت الحكم تخللتها أسما أكادية فضلاً عن الأسما السومرية، وهذا ما أثار الشكوك في دقة تعبير أسما الأعلام عن الانتما العرقي أو القومي للملوك القدما ، فحتى سلالة كيش التي انتزع سرجون السلطة من ملكها أور- زبابا يُلحظ أن هذا الأخير- صاحب الاسم السومري - قد ورث العرش عن أبيه بوزر- سين Puzur- Sin؛ صاحب الاسم الأكادي الذي ورث العرش من أمه الملكة كو- بابا Ku- baba؛ صاحبة الاسم السومري التي حكمت نحو عام 2400 ق.م. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الملك الخامس والأخير من سلالة أور الثالثة - التي قامت بعد سلالة سرجون الأكادية والغزو الجوتي - كان يحمل اسماً أكادياً (إبّي- سين (Ibbi- Sin، ولا يحمل اسماً سومرياً خالصاً سوى الاثنين الأولين من أجداده في هذه السلالة، وهما أور- نمو Ur- Nammu وشلجي Shulgi. ومن المعروف أن هذه السلالة عدت مسؤولة عما يسميه الباحثون المحدثون "النهضة السومرية" التي أعقبت حكم السلالة الأكادية.

استمر الأكاديون - بعد سقوط سلالة سرجون - وهم يقومون بالدور نفسه في الحضارة القديمة، وكانت الأقوام الوافدة تندمج معهم بعد اتخاذ الأكادية لغة له؛ في التدوين على الأقل، وكان مصدر هذه الأقوام التي كانت تدخل ضمن مجموعات قبلية على نحو متواصل من شمالي سورية ومن بادية الشام. أما الأقوام الأجنبية الوافدة فكانت تقع تحت التأثير الثقافي واللغوي الأكادي حتى إذا احتفظت بلغتها للتخاطب وأحياناً للتدوين. في الألف الثاني قبل الميلاد أصبح الأموريون مكوناً رئيساً في سكان المشرق العربي، خصوصاً في العصر البرونزي الوسيط، وكانوا يستعملون اللغة الأكادية ويشاركون الأكاديين - من بابليين وآشوريين - حياتهم وثقافتهم. وكان من الصعب تمييز الأكاديين من الأموريين إلا عن طريق الأسما الشخصية. وفي سورية كان دور الأموريين هو الأساسي؛ لكن لغة التدوين التي استعملوها الأكادية أيضاً. وكانت السلالات الحاكمة في سورية وبلاد الرافدين في النصف الأول من الألف الثاني قبل الميلاد أمورية. في ذلك الوقت أيضاً تدفق الحوريون[ر] ليختلطوا بالأكاديين ويتبادلوا معهم التأثيرات الحضارية، وكان كيانهم أكثر وضوحاً وكثافة في شرقي دجلة؛ بين نهري الزاب الأعلى والأسفل في العراق، وفي شمال- شرقي سورية. وحينما دخل الكاشيون[ر] بلاد الرافدين اندمجوا مع الأكاديين ولم يؤدِّ تسلمهم للحكم في بلاد بابل إلى تغيير كبير في ثقافتها، وفي أثنا حكم سلالتهم أخذ ملوكهم يحملون أسما ً أكادية.

استمرت اللغة الأكادية مؤشراً أساسياً لوجود الأكاديين على الرغم من التغييرات الكبيرة في تكوينهم القومي، وهذه التغييرات كانت تتواصل بتواصل انضمام مكونات عرقية مختلفة إليهم من خلال ثلاث قنوات تتمثل بالهجرة والترحيل والتزاوج. ومنذ أواخر الألف الثاني قبل الميلاد بدأ دخول الآراميين[ر] في النسيج السكاني الأكادي بالازدياد، حتى بات من الصعب أحياناً التمييز بين الأكادي والآرامي في بلاد الرافدين حيث كون الآراميون معظم العائلات المالكة البابلية والآشورية في النصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد، وفي سورية كانت لهم ممالكهم. وأخذ التدوين بلهجات الكنعانية (الأمورية) وبالآرامية يتزايد في سورية - إلى جانب الأكادية - منذ ابتكار الأبجدية في أوغاريت[ر].

ومن الممارسات الدينية البارزة في تراث حضارة وادي الرافدين - واهتم بها الأكاديون على نحو لافت - تنصيب ابنة الملك لتكون الكاهنة العليا لإله القمر نَنّا Nanna في مدينة أور [ر]؛ وفي مدينة حَرّان[ر] في العصور المتأخرة. وهكذا نصبت أينخيدو- أنا Enkhedu- ana ابنة سرجون؛ ومن بعدها إينمين - أنا Enmen- ana ابنة نرام- سين في ذلك المنصب الديني الرفيع، ويلاحظ أن كلتا الأميرتين تحمل اسماً سومرياً وليس أكادياً. ومن الأمور التي طبعت بطابعها التراث الديني للأكاديين أنهم لم يسعوا إلى فرض معبوداتهم على الأقوام التي اندمجت فيهم، وكان ذلك حتى بالنسبة إلى آلهتهم القومية مثل مردوخ عند البابليين وآشور عند الآشوريين، وأكثر من هذا كان لديهم توجه ديني منفتح؛ إذ تقبلوا معبودات الأقوام التي اختلطت بهم وعبدوها سوا كانت آلهة أمورية أم كاشية أم حورية.

اعتاد المختصون الإشارة إلى "الفن الأكادي" من خلال بضع قطع فنية أشهرها مسلة نرام- سين التي عثر عليها في موقع العاصمة العيلامية القديمة سوسة في إيران حيث أخذت إلى هناك غنيمة في عصر متأخر، ومن القطع الأخرى القناع النحاسي الذي وجد في نينوى وافترض باحثون أنه يمثل سرجون الأكادي أو حفيده نرام- سين، وهناك أيضاً تمثال الشخص الجاثي الذي عثر على نصفه الأسفل في باسطكي شمالي الموصل، وتحمل قاعدته نقشاً لنرام- سين. ومن خلال دراسة هذه القطع وصف الفن الأكادي بالحيوية والواقعية. وفي مجال الأختام الأسطوانية تمثل المشاهد الفنية المصورة عليها امتداداً متطوراً لبعض مشاهد أختام عصر فجر السلالات الثالث، وتميزت الأختام الأكادية بتنوع مواضيع المشاهد الفنية فيها، وقد استمرت فيها "مشاهد التقديم" التي يصور فيها صاحب الختم وهو يقدم من قبل شفيع إلى الإله، أو أن الملك هو الذي يقدم. ومن دون شك أنه سيكون لاكتشاف موقع مدينة أكاد والتنقيب فيه دور كبير في دراسة معالم الفن وأمثلته في عهد الدولة الأكادية فضلاً عمّا ينتظر اكتشافه من بقايا معمارية ونصوص مسمارية وشواهد أخرى.

اللغة الأكادية

تتميز اللغة الأكادية بأهمية خاصة في تاريخ اللغات البشرية بسبب اتساع الرقعة الجغرافية التي غطتها هذه اللغة، فقد استعملت في التخاطب والتدوين في وادي الرافدين وسورية والخليج العربي فضلاً عن مناطق واسعة من بلاد الأناضول وبلاد فارس، وامتد استعمالها إلى مصر. وقد دام هذا الاستعمال للغة الأكادية أكثر من ألفين وخمسمئة عام، وهذا أمد لم تصل إليه لغة على وجه الأرض. ومع هذا الانتشار الجغرافي الواسع والامتداد الزمني الطويل تفرعت هذه اللغة إلى لهجتين رئيستين هما: البابلية والآشورية، وتفرعت كل منهما إلى لهجات فرعية متعددة. كذلك تطورت أشكال مختلفة للخط المسماري الذي دونت به نصوص هذه اللغة ولهجاتها. وهناك سبب ثان ورا الأهمية التي تتميز بها اللغة الأكادية يتمثل بوفرة النصوص المدونة بها وبتنوع مواضيع هذه النصوص. فالأكادية كانت لغة التدوين الرئيسة على أرض مهد الحضارات حيث قامت واحدة من أولى الحضارات الأصلية وأهمها في تاريخ البشرية، ولهذه الحضارة نتاج هائل ومتقدم في مختلف جوانبها، وهو نتاج وثق وحفظ في عشرات الآلاف من النصوص المسمارية المكتشفة، وفيما هو أكثر من ذلك مما لم يكتشف حتى الآن.

اكتسبت اللغة الأكادية تسميتها من اسم العاصمة التي شيدها سرجون في بداية عهد الدولة الأكادية، لكنها كانت موجودة في الاستعمال قبل ذلك بزمن طويل لا يقل عن قرنين بحسب تاريخ تدوينها، والسؤال الذي يمكن أن يثار هنا يخص الاسم الذي كان يطلق عليها قبل نسبتها إلى مدينة أكاد. تتضمن النصوص المسمارية مصطلحاً سومرياً هو "كاكاسيجا" Kakasega، ويرادفه بالأكادية "شا تيلةِ" Sha telti، ويأتي هذا المصطلح في النصوص للدلالة على معنى "اللغة المحلية"، والمعنى الحرفي الأساسي للمصطلح هو "قول، لفظ، مثال"، وفي النصوص المعجمية يدل على معنى اللغة المكتوبة مقطعياً، وأحياناً يكون أقرب معنى له "القيمة اللفظية المقطعية للعلامة (المسمارية)"، ويفترض بعضهم أن يكون هذا المصطلح دالاً على الأكادية أو اللغة التي كانت سائدة حين ابتكار الكتابة.

كشفت التنقيبات الأثرية في موقع "أبو الصلابيخ" أن كتبة حملوا أسما ً أكادية أو أمورية كانوا يدونون النصوص المسمارية هناك، وحينما دون هؤلا الكتبة نصوصاً إدارية سومرية استعملوا فيها مفردات أكادية مثل كتابتهم لكلمة مِئَة mi- at للدلالة على العدد 100 وليم li- im للدلالة على العدد 1000، واستعملوا واو العطف المشتركة في اللغات العروبية، وهي التي لم يكن لها وجود في الكتابة السومرية التي تخلو من أدوات العطف. وسرعان ما ابتدأ التدوين باللغة الأكادية بعد التوصل إلى ابتكار الطريقة المقطعية في الكتابة، فهذه الطريقة هي ما كانت تحتاج إليه الأكادية حتى تصبح قابلة للتدوين. فالطريقة الرمزية - باستعمال علامة واحدة بلفظ مقطعي للدلالة على كلمة - لا تصلح لتدوين الأكادية بكل ما تزخر به من صرف واشتقاقات وإعراب، وإنما كانت صالحة للتدوين بالسومرية فقط بسبب خلوها من أي صرف أو اشتقاق أو إعراب. وهكذا وجدت نصوص أكادية مدونة منذ نحو 2600 ق.م، وهي نصوص دونت باللغة الأم قبل تفرعها إلى اللهجتين الرئيستين، البابلية والآشورية. ويطلق على تلك المرحلة اللغوية اسم "الأكادية القديمة"، وتشمل القرون الستة الأولى من تاريخ اللغة الأكادية؛ أي حتى منتصف القرن العشرين قبل الميلاد. وفي هذه المرحلة ظهرت لهجة إيبلا في سورية بتاريخ معاصر لنصوص تل "فارة" و"أبو الصلابيخ"، وهي لهجة من الأكادية مع تأثيرات أمورية واضحة واستعمال مكثف للمقاطع الرمزية (لوغوغرام (Logograms السومرية للدلالة على الكلمات التي تقرأ بالإيبلائية.

تتميز الرقم الطينية التي دونت عليها النصوص المسمارية في عهد الدولة الأكادية بأشكالها الأنيقة التي تسهل معرفتها بمجرد النظر إليها، وبهذا هي تختلف عن نصوص عصر فجر السلالات ذات الأشكال القرصية أو الزوايا الدائرية والكتابة غير المنتظمة. وتلاحظ في رقم عهد الدولة الأكادية جودة طينتها وأشكالها المستطيلة وانتظام أسطرها المخططة. والعلامات المسمارية في هذه النصوص منقوشة بعناية ودقة، ولم يضاهها من هذه الناحية إلا الألواح الآشورية التي استنسخت لمكتبة آشور- بانيبال في نينوى [ر] بعد ذلك بأكثر من ألف وستمئة عام.

من الناحية اللغوية تتشارك اللغة الأكادية واللغات العروبية الشقيقة لها في تأصل كلماتها من الجذور الثلاثية واستعمال أنماط مختلفة للصيغ الاسمية والفعلية مع إدخال التغيرات الصوتية التي تترتب على ذلك. ويتميز في الصيغ الاسمية الفاعل المرفوع والمفعول به المنصوب والاسم المجرور على نحو مطابق للغة العربية. حالات الإضافة يعبر عنها بإلحاق المملوك بأقصر صيغة ممكنة بالمالك؛ ولا توجد أداة تعريف. وقد طور في الأكادية نظام فعلي خاص بصيغ وتصاريف ثمة ما يشابه بعضها في اللغة العربية. وفيما يخص "الأكادية القديمة" فإن النسبة الأكبر من نصوصها تتضمن مواضيع اقتصادية، ومعظمها وثائق خاصة بالمعاملات التجارية والشؤون الإدارية، وقد جا ت معظم هذه النصوص من خارج العاصمة أكاد التي لا يعرف موقعها حتى الآن. والمواقع التي وجدت فيها نصوص الأكادية القديمة هي مواقع منطقة ديالى ويورغان تبه (جاسِر/ نوزي قديماً) في شرقي العراق، وسوسة في إيران، وشغار بازار في سورية. لا يظهر في هذه النصوص خروج عن القواعد في كتابة الأسما واستعمال النهايات الإعرابية الصحيحة للكلمات، وفيها التزام كامل بالتمييم الذي يقابل التنوين في اللغة العربية. وقد استعملت صيغ المثنى بانتظام في هذه النصوص بخلاف اللهجات الأكادية اللاحقة التي كان يستعاض فيها عن المثنى بالجمع إلا فيما ندر مثلما في أسما أعضا البدن. ومما يثير الاهتمام أن العناصر اللغوية السومرية قليلة في نصوص الأكادية القديمة ولا وجود لها في عدد من هذه النصوص، وفي مقابل هذا تزداد هذه العناصر السومرية كثيراً في نصوص لهجات الأكادية في الألفين الثاني والأول قبل الميلاد.

مع نهاية الألف الثالث قبل الميلاد بدأ تفرع اللغة الأكادية إلى اللهجتين الرئيستين: البابلية والآشورية، ومرت الأولى بأربع مراحل، والثانية بثلاث مراحل. استمرت اللهجة البابلية في الاستعمال أكثر من ألفي عام، في حين أن اللهجة الآشورية استمرت نحو ألف وأربعمئة عام. وفيما يخص المراحل التي مرت بها كل من هاتين اللهجتين ينبغي أن يكون واضحاً أن مساري اللهجتين في تطورهما لم يكونا منفصلين عن بعضهما، كما أن بعض المراحل لم تتطور مباشرة من سابقتها وإنما فصلت فيما بينها ثغرات في بعض الأحيان أو ساهمت عناصر لغوية خارجية في تكوين خصائص مرحلة ما. ولا يمكن إبعاد العوامل السياسية عن عملية تطور مراحل كلتا اللهجتين كلما كانت هذه المراحل تتعاصر تقريباً مع مراحل التطور التاريخي والحضاري للكيانين السياسيين البابلي والآشوري. وفيما يأتي عرض مختصر للّهجتين البابلية والآشورية بحسب مراحل كل منهما:

-1 اللهجة البابلية القديمة (1950- 1530 ق.م): يعد زمن هذه اللهجة العصر الذهبي للغة الأكادية، وفيها تظهر تأثيرات أمورية في الصرف واللفظ والصوتيات (الفونيمات phonemes)، لكنها لم تستمر في اللهجات اللاحقة، ولا تزال الصلة فيما بين هذه اللهجة واللهجة الأكادية القديمة بحاجة إلى مزيد من التقصي والبحث. غطت البابلية القديمة آفاقاً واسعة امتدت من منطقة الخليج العربي وغربي إيران إلى البحر المتوسط، ويتوسطها حوضا نهري دجلة والفرات وروافدهما في سورية والعراق. وشهد عصر هذه اللهجة حركة واسعة في التدوين والتأليف شملت مجالات متعددة من المعارف وعلى رأسها الأدب.

-2 اللهجة الآشورية القديمة (1950- 1750 ق.م): كانت اللهجة الخاصة بالعاصمة الآشورية الأولى آشور (قلعة الشرقاط حالياً على نهر دجلة في العراق)، وشاركت اللهجة البابلية القديمة في بعض الخصائص وفي التأثيرات الأمورية. ظهرت هذه اللهجة في المستوطنات التجارية الآشورية في آسيا الصغرى، وكان السبيل لمعرفة وجودها لأول مرة من خلال اكتشاف نصوصها في موقع مدينة كانيش [ر] (كول تبه حالياً في تركيا). أغلب نصوص هذه اللهجة سجلات تجارية توثق النشاطات التجارية في آسيا الصغرى، وحينذاك كانت اللهجة البابلية القديمة هي السائدة في بلاد آشور باستثنا العاصمة آشور.

-3 اللهجة البابلية الوسيطة (1530- 1000 ق.م): في هذه اللهجة اختفت الميم من حركات التمييم، كما أن النهايات الإعرابية لم تعد مميزة بوضوح، وحدثت تغييرات صوتية في الكلمات. تزامن ظهور هذه اللهجة مع حكم السلالة الكاشية في بلاد بابل ومع تطور العلاقات الدولية في العالم القديم، خصوصاً في القرن الرابع عشر قبل الميلاد. وقد تصدرت البابلية الوسيطة لتكون "اللغة العالمية" التي تتفاهم بها الأقوام المختلفة وتتراسل بها دول ذلك العصر، وربما يعود سبب اختيارها لأدا هذا الدور إلى سعة انتشار اللغة الأكادية وغناها بالمفردات والمدونات، وكذلك إلمام الأقوام القديمة الأخرى بالخط المسماري الذي دونت به نصوص هذه اللغة. شمل انتشار هذه اللهجة ونصوصها- فضلاً عن وادي الرافدين وسورية - بلاد الأناضول وقبرص ومصر. وكانت نصوص تل العمارنة [ر] في مصر مدونة باللهجة البابلية الوسيطة.

-4 اللهجة الآشورية الوسيطة (1500- 1000 ق.م): اقترن استعمال اللهجة الآشورية الوسيطة مع استقرار الدولة الآشورية وبداية توسعها في القرن الثالث عشر قبل الميلاد. وهكذا وجدت هذه اللهجة مجالاً للانتشار في شمال- شرقي سورية. إن أهم النصوص التي دونت بهذه اللهجة الوثائق القضائية والكتابات الملكية والنصوص الأدبية، ويلاحظ في هذه اللهجة عودة ظهور بعض الخصائص اللغوية من الأكادية القديمة، وهو ما لم يحدث في اللهجة البابلية. وجدت نصوص مدونة بالآشورية الوسيطة في مواقع : تل الشيخ حمد[ر]، تل الفخيرية [ر]، تل خويرة [ر]، تل صبي أبيض[ر] وتل فراي [ر] في سورية، ومواقع: قلعة الشرقاط، تلول العقر، تل بيلا، تل الرماح وتل علي في العراق.

-5 اللهجة البابلية الحديثة (1000- 626 ق.م): يشمل تاريخ هذه اللهجة القرون الأربعة التي سبقت العصر البابلي الحديث ابتدا ً من بداية الألف الأول قبل الميلاد. وقد حافظت هذه اللهجة على عدد من خصائص اللهجة البابلية الوسيطة.

-6 اللهجة الآشورية الحديثة (1000- 600 ق.م): دون بها العدد الأكبر من النصوص الآشورية. تقترن هذه اللهجة بالعصر الآشوري الحديث (911- 612 ق.م)، وهو عصر الامبراطورية والتوسع الآشوري، وهذا ما أدى إلى انتشار الآشورية الحديثة في سورية وبلاد الأناضول وفي بلاد بابل، وقد جا ت مجموعات كبيرة من النصوص المدونة بهذه اللهجات من المحفوظات الملكية في موقعي العاصمتين الآشوريتين نينوى وكلخ في شمالي العراق، وكانت تلك المحفوظات أول مجموعة كبيرة من النصوص المسمارية تتوافر في متناول المختصين، ولذلك وضعت من خلال دراستها الأسس المناسبة لنشو علم المسماريات في العصر الحديث. وقد سمي هذا العلم "علم الآشوريات" Assyriology، ليس لأن الآشورية هي اللغة الرئيسة المدونة بالخط المسماري، ولكن لأنها كانت المدخل الذي نفذ من خلاله المختصون إلى دراسة اللغات المدونة بذلك الخط. دونت نصوص الآشورية الحديثة بخط مسماري قياسي يمثل ذروة تطور الخط المسماري بعد أكثر من ألفي عام مرت على ابتكاره لأول مرة، ولذلك نظمت قواميس العلامات المسمارية في الوقت الحاضر على أساس أشكال علامات الخط الآشوري الحديث، وأصبح هذا الخط واللهجة الآشورية مفتاحاً لدراسة الخط المسماري واللغة الأكادية وتعليمها في الجامعات والمعاهد العلمية الحالية. وقد استعملت هذه اللهجة في تدوين الرسائل والوثائق القانونية والإدارية والنصوص الملكية والأدبية. وتميزت من اللهجة البابلية بتضاؤل الفارق فيما بين لغة الأدب واللغة المحكية فيها، كما برز التأثير الآرامي في نصوص هذه اللهجة، وعلى وجه التخصيص النصوص الإدارية.

-7 اللهجة البابلية المتأخرة (625 ق.م- 79م): يشمل تاريخ هذه اللهجة العصر البابلي الحديث (652ق.م- 539 ق.م) والعهود السياسية التي أعقبت سقوط بابل، وهذه العهود تتمثل بحكم الأخميينين، المقدونيين، السلوقيين، البارثيين. وقد شهدت هذه العهود - خصوصاً منذ حكم الإسكندر المقدوني - تقلص استعمال الخط المسماري واللغة الأكادية في مقابل التوسع في استعمال الأبجدية الآرامية والخط الآرامي. وعلى الرغم من ذلك استمر تدوين نصوص أدبية وقضائية بهذه اللهجة التي يعود تاريخ آخر نص مدون بها إلى عام 79م، وهو نص فلكي جا من موقع مدينة أوروك. تتصف نصوص هذه اللهجة بتعقد خطها وصعوبة قرا ته وكثرة استعمال المقاطع الرمزية السومرية (لوغوغرام) في كتابة كلماتها بدلاً من استعمال المقاطع اللفظية، حتى إن النص الأخير المكتشف من هذه اللهجة كان مدوناً بأكمله بتلك المقاطع الرمزية السومرية. جا ت النصوص المدونة بهذه اللهجة من مواقع المدن القديمة: بابل، بورسبا، سبار، نِبُّر، أور وأوروك في العراق، ومن موقع النيرب في حلب بسورية. وتعد مرحلة هذه اللهجة الثانية بعد البابلية القديمة من ناحية تقدم المعارف وازدهار النتاج الفكري، فقد تطورت الدراسات الفلكية المدونة بها واستعملت الحسابات الرياضية في ذلك، ومن الناحية اللغوية كانت هذه مرحلة ثنائية اللغة والخط؛ إذ استعملت اللغة الآرامية وخطها الأبجدي إلى جنب الأكادية وخطها المسماري المقطعي.

حينما كانت اللهجة البابلية الوسيطة في طور التطور كان ينظر إلى اللهجة البابلية القديمة على أنها اللهجة النحوية في تاريخ اللغة والآداب الأكادية، لذلك أخذ الكتاب في بلاد بابل وآشور يحاولون محاكاتها في تدوين النصوص الأدبية. نتيجة لذلك ظهرت لهجة أدبية رفيعة تظهر نصوصها ميلاً واضحاً إلى الفصاحة النحوية مع ملامح ممتزجة بها من اللهجة المعاصرة لها من الأكادية. وهكذا تبلورت لهجة جديدة مقتصرة على النصوص الأدبية، أي إنها خاصة بالتدوين الأدبي وليست للتخاطب، وقد أطلق المختصون على هذه اللهجة اسم "البابلية القياسية " Standard Babylonian) ومختصره  (SB، وأطلق عليها علما الآشوريات الألمان اسم "البابلية الجديدة" Jung Babylonische) ومختصره (JB. استمرت هذه اللهجة إلى أمد زمني أطول مما وصلته أي من لهجات اللغة الأكادية الأخرى؛ إذ دامت هذه اللهجة مستعملة في تدوين النصوص لمدة تقرب من ألف عام. ومن النصوص التي ألفت بهذه اللهجة "ملحمة جلجامش"[ر] في صياغتها الأخيرة وكذلك النصوص الملكية الآشورية. ولابد من الإشارة هنا إلى "اللهجات المحيطة" Peripheral dialects التي ظهرت في ظل إحدى اللهجات البابلية أو الآشورية واكتسبت - بفعل التأثيرات المحلية أو اللغوية الأخرى - خصائص مميزة لها. ومن هذه اللهجات لهجة ماري المتحدرة من اللهجة البابلية القديمة، ولهجة نوزي المنحدرة من الآشورية الوسيطة.

كانت الكلمات الأكادية تدون بالطريقة المقطعية، أو تكتب في بعض الأحيان بالطريقة الرمزية المقطعية (لوغوغرام) السومرية ولكن تقرأ بالأكادية. فكلمة بيت مثلاً تكتب مقطعياً بِ- اِ- تو ؛ في حالة الرفع لتلفظ بيتُ، أو تكتب بالرمز المقطعي السومري أي2 É لكنها تقرأ بالأكادية. وإذا أراد الكاتب القديم تنبيه القارئ أن الكلمة مرفوعة فإنه يضيف لفظ الحركة الإعرابية مقطعياً إلى الرمز المقطعي السومري فيكتبها أي 2- تو. واستعملت ثمانية عشر حرفاً صامتاً في تدوين الأكادية يشترك منها سبعة عشر حرفاً مع العربية فضلاً عن الحروف الصائتة المشتركة. والحروف الصامتة المشتركة هي: ا، ب، ت، ج (وتلفظ باللفظ المصري القاهري)، خ، د، ر، ز، س، ش، ص، ط، ق، ك، ل، م، ن. وتشترك الأكادية مع العربية في الحرفين اللينين الواو واليا . أما الحرف الصامت الوحيد في الأكادية الذي لا يوجد في العربية فهو حرف ب P الذي ينوب إما عن حرف الفا وإما عن حرف البا في كتابة الكلمات المشتركة بين اللغتين.

الأسما في اللغة الأكادية تحرك إعرابياً، وتؤنث بإضافة تا التأنيث وتثنى وتجمع، ويكون جمع المؤنث بإضافة اللاحقة "ات" كما في العربية. الصفة تتبع الموصوف من ناحية العدد والحركة الإعرابية والجنس والمورد في الجملة. حالات الإضافة تكون باستعمال أقصر الصيغ، أي مشابهة للإضافة في اللغة العربية، وذلك بحذف حركة الإعراب من المضاف وجعل المضاف إليه مجروراً. ولحروف الجر حكم حروف الجر العربية. الفعل في الأكادية يصرف من الجذر الثلاثي لأغلب الأفعال، وهناك أفعال قليلة رباعية الجذور، لكن الأفعال المعتلة (تشمل الفعل معتل الأول، الأجوف، الناقص، اللفيف المفروق واللفيف المقرون) موجودة بكثرة في الأكادية. وفي هذه اللغة أربع صيغ أساسية للفعل مشابهة لصيغ الفعل العربية، وهي البسيطة  (G)، المضعفة  (D)، السببية  (S)، والمطاوعة  (N). وتتطور من كل من الصيغ الثلاث الأولى صيغتان تضاف في الأولى الحشوة ت، وفي الثانية الحشوة تَن. وتتطور من الصيغة الرابعة صيغة واحدة تضاف فيها حشوة تَن. وهناك صيغة أخرى هي مزيج من الصيغتين المضعفة والسببية  (SD). وفي جميع هذه الصيغ - باستثنا بضع حالات - يشمل تصريف الفعل: المصدر، الماضي، الماضي التام، المضارع، الأمر، الرجا والحث،اسم الفاعل، صفة الحال والصفة المشبهة، ولما كان مجموع الصيغ الفعلية اثنتي عشرة فإن مجموع تصاريف الفعل في اللغة الأكادية يكون تسعة وثمانين تصريفاً. وفي الأكادية ضمائر شخصية منفصلة للمفرد والجمع في حالات الرفع (الفاعل) والنصب (المفعول به) والجر والمفعول لأجله، وأكثر هذه الضمائر استعمالاً هي: أناكُ للمتكلم المفرد الفاعل، أتَّ للمخاطب المذكر الفاعل، أتِّ للمخاطبة المؤنثة الفاعل، شو للغائب المفرد الفاعل، شي للغائبة المؤنثة الفاعل وشُئاةِ للغائب المفرد المذكر والمؤنث المفعول به. الضمائر الشخصية المتصلة تستعمل في اللغة الأكادية مع الأفعال والأسما لجميع الأشخاص والحالات.

برزت في سورية أربعة مراكز مهمة كان لها دور كبير في تطور اللغة الأكادية وإثرا معجم مفرداتها، وهذه المراكز هي: ماري[ر]، قطنا[ر]، أوغاريت[ر]، ألالاخ[ر]، ولا بد أن تكون هناك مراكز أخرى غير مكتشفة بعد. وكان الحثيون قد اقتبسوا الخط المسماري واستعملوا اللغة الأكادية في تدوين نصوصهم بالدرجة الثانية بعد لغتهم الأصلية، ومما ساعد على دراسة اللغة الحثية وقرا ة نصوصها أن هذه النصوص تتضمن عدداً كبيراً من الكلمات السومرية أو الأكادية، فحين كان الكاتب الحثي يدون نصاً تاريخياً أو قضائياً أو دينياً بلغته يستبدل بعدد من المصطلحات مرادفاتها الأكادية أو السومرية، وهما ما يسر سبل حل رموز الكتابة الحثية نحو عام 1933م. واستعملت الأكادية من قبل الحوريين وأقوام لولوبو Lulubu الجبلية في شمال- شرقي وادي الرافدين، وفي إيران استعملها العيلاميون في تاريخهم المبكر. وفي عهد الامبراطورية الفارسية الأخمينية كانت اللغة الأكادية (البابلية) لغة رسمية معتمدة إلى جانب اللغتين الفارسية القديمة والعيلامية.

ساعدت المواد التي استعملت لتدوين النصوص الأكادية عليها على الحفاظ على هذه النصوص، وكانت هذه المواد - التي قوامها الطين أو الحجر أو المعدن - ذات طبيعة تجعلها غير قابلة للتلف، وبالتالي تبقى سليمة في المواقع الأثرية وتكون النصوص المنقوشة عليها قابلة للقرا ة والترجمة. وللنصوص الأكادية أهمية كبيرة بسبب ما لهذه اللغة من ثرا بالمفردات مع إمكانية تطويع هذه المفردات للقواعد النحوية وقواعد بنا الجمل بحيث يمكن لها أن تعبر عن مجالات المعرفة وشؤون الحياة على اختلاف مواضعها. ولقد كانت هذه اللغة ومدوناتها الوسيلة المناسبة للتعبير عن نتاج حضارة أصيلة رائدة زاخرة بالإبداع والحيوية والقدرة على التطور لعشرات القرون؛ وعبر مدى جغرافي واسع. وفيما يخص المواضيع التي تناولتها النصوص الأكادية يمكن تقسيم العدد الهائل الذي اكتشف من هذه النصوص إلى إحدى عشرة مجموعة رئيسية، وكل واحدة منها تضم عدداً من المجموعات الفرعية التي تتألف من أعداد مختلفة من النصوص. والمجموعات الرئيسية هي: النصوص الملكية، النصوص الأدبية، القرارت والمراسيم الملكية، النصوص التاريخية، المعاهدات السياسية، النصوص المعرفية (في الطب والكيميا والرياضيات والفلك وغيرها)، الوثائق القضائية والشرعية، النصوص الإدارية والاقتصادية، المراسلات والتقارير، نصوص التنبؤ والفأل والنصوص الجغرافية.

 

نائل حنون

 

 

مراجع للاستزادة:

- نائل حنون، دراسات في علم الآثار واللغات القديمة، جز ان (هيئة الموسوعة العربية، دمشق 2011).

- عامر سليمان، اللغة الأكدية (البابلية - الآشورية)، تاريخها وتدوينها وقواعدها (جامعة الموصل 1991).

   - W. von Soden, Grundriss der Akkadischess Grammatill, Roma 1952.

- J. S. COOPER, “Sumerian and Akkadian in Sumer and Akkad” , Orientalia (Nova Series) 42 (1973), pp. 239- 246.

- M. LIVERANI (ed.), Akkad, the First World Empire , (Padua, 1993).

 


التصنيف : العصور التاريخية
المجلد: المجلد الثاني
رقم الصفحة ضمن المجلد :
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 602
الكل : 26898400
اليوم : 45680