logo

logo

logo

logo

logo

بلاد الرافدين

بلاد رافدين

Mesopotamia - Mesopotamie

بلاد الرافدين

 السهل الرسوبي

المنطقة الجبلية وشبه الجبلية

منطقة الجزيرة

عصور ما قبل التاريخ

العصور التاريخية

 

 إن مصطلح «بلاد الرافدين» أو «وادي الرافدين» هو المعنى المستعمل للمصطلح الإغريقي الأصل «ميزوبوتاميا» Mesopotamia الذي يعني حرفياً «ما بين النهرين»، والمقصود بالنهرين دجلة والفرات. وقد ظهر هذا المصطلح الجغرافي في كتابات الإغريق والرومان في زمن ما بين القرنين الرابع والثاني قبل الميلاد. ولعل أقدم وأوضح استعمال له كان في مؤلف المؤرخ الإغريقي بوليبيوس Polybius و(202- 120ق.م)، وتبعه سترابو Strabo و(64ق.م- 19م) في استعماله للدلالة على المنطقة الممتدة ما بين دجلة والفرات إلى الشمال من منطقة بغداد الحالية، أي إنه كان يرادف مصطلح «الجزيرة» الذي أطلقه البلدانيون العرب على القسم الشمالي من وادي الرافدين. ولقد شاع مصطلح «ميزوبوتاميا» عند الكتّاب الأوربيين في العصر الحديث مع توسيع دلالته لتشمل الأراضي المروية بنهري دجلة والفرات وروافدهما. وتشكل هذه الأراضي مثلثاً مقلوباً تكون قاعدته عند المرتفعات التركية التي يجتازها النهران، ورأسه عند الخليج العربي حيث تفرغ مياه النهرين بعد اتحاد مجريهما في الوقت الحاضر ليكوّنا شط العرب. ويستعمل الآثاريون الغربيون حالياً مصطلح «بلاد الرافدين الكبرى» Greater Mesopotamia ليشمل حوضي دجلة والفرات وروافدهما، أي تكون بضمنه المناطق التي ينبع فيها النهران وجميع روافدهما.

تكشف النصوص المسمارية اليوم أنّ الإغريق لم يكونوا السّباقين في صياغة مصطلح «ما بين النهرين»، فقد سبق للملك شمشي- أدد [ر] الأول (1813- 1781ق.م) أن استعمله في نصوصه بدقة أكثر، إذ أنّه ذكر اسمي النهرين- دجلة والفرات- تحديداً في صدد التعريف بنفسه بعدّه «المهتم ببلاد ما بين نهري دجلة والفرات» (وبالأكادية: موشتيمقِ ماتِم بِرِتِ إدِجلَة وبُرَتِّم mushtēmqi mātim  birit purattim ū idiglat). وهذه الإشارة تعود بتاريخ استعمال المصطلح إلى أكثر من ستة عشر قرناً قبل تاريخها المعروف. وتجدر الإشارة إلى أنّ شمشي- أدد الأول كان الأكثر صلة واهتماماً بمنطقة الجزيرة. فهذا الملك الذي يعود أصله إلى مدينة تيرقا (تل العشارة [ر] على الفرات في سورية) جعل عاصمته في مدينة شوبات- إنليل Shubat- Enlil، وموقعها اليوم تل ليلان [ر] في مثلث الخابور حيث قلب منطقة الجزيرة.

يمكن تمييز أربع مناطق جغرافية في بلاد الرافدين، وهي:

أولاً- السهل الرسوبي:

يمثل السهل الرسوبي القسم الجنوبي من بلاد الرافدين، ويتكوّن من التقاء وادييّ النهرين عندما يجتاز دجلة مدينة سامراء في الشرق ويجتاز الفرات مدينة هيت في الغرب. يقترب النهران من بعضهما أسفل الفلوجة بقليل حيث تصل المسافة الفاصلة بينهما إلى نحو 32كم، ثم يتباعدا ويقتربا ثانية حتى يلتقيا شمالي البصرة ليكوّنا شط العرب الذي يصب في الخليج العربي. وكان كل من دجلة والفرات يصب في الخليج العربي بمفرده في العصور القديمة حينما كانت شواطىء الخليج أبعد شمالاً مما هي عليه حالياً. يبلغ طول السهل الرسوبي- من الشمال إلى الجنوب- زهاء 650كم، ويراوح عرضه ما بين 45 و 140كم. يتصف هذا السهل بانخفاض أرضه وانحدارها المنخفض أيضاً، فارتفاعه في منطقة بغداد لا يزيد على 32م فوق مستوى سطح البحر. وهذا يعني أنّ معدل انحدار مجرى النهرين في السهل الرسوبي يكون 11.4سم في كل كيلومتر واحد. وقد أدى هذا إلى اتخاذ كل من النهرين مجرى متعرجاً، وإلى تكرر فيضاناتهما، وتغير مجراهما على مر الزمن. وتوجد في الجزء الجنوبي من هذا السهل منطقة الأهوار التي تتميز بمساحاتها المائية الواسعة وبأحراشها من البردي والقصب، وتزخر بالحيوانات البرية والأسماك والطيور. ومن المرجح أنّ هذه الأهوار ازدادت اتساعاً منذ القرن السادس الميلادي (أواخر العهد الساساني) حينما تخربت السدود وفقدت السيطرة على الأنهار.

ثانياً- المنطقة الجبلية وشبه الجبلية:

تبلغ مساحة هذه المنطقة نحو 90.370كم2، أي ما يقارب خُمس مساحة العراق. تمتد هذه المنطقة بشكل قوس من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي. المنطقة الجبلية تتميز بجبالها العالية والمعقدة التكوين، وتبرز فيها نحو مئة سلسلة جبلية تحصر فيما بينها بعض السهول الضيقة والوديان. أما المنطقة شبه الجبلية فتنحصر بين سلسلة جبال حمرين التي تمثل الحد الجنوبي للمنطقة والمنطقة الجبلية إلى الشمال الشرقي منها. جبال هذه المنطقة منخفضة نسبياً وتظهر فيها التلال والأراضي المتموجة. تضم المنطقة شبه الجبلية الهضبتين الرئيسيتين في المنطقة، وهما هضبة الموصل وهضبة كركوك. وفي هذه المنطقة كان الموطن الأصلي لبلاد آشور، وفيها قامت العواصم والمدن الآشورية الرئيسة، وهي أقدم منطقة تم فيها الاستيطان في بلاد الرافدين. ويجري في المنطقة  نهر دجلة وروافده الرئيسة كلها، فضلاً عن كونها ضمن منطقة المطر الدائم التي تتلقى ما بين 200ملم في طرفها الجنوبي الغربي، وأكثر من 1000ملم في طرفها الشمالي الشرقي.

ثالثاً- منطقة الجزيرة:

تمتد منطقة الجزيرة ما بين نهري دجلة في الشرق والفرات في الغرب، ويكون امتدادها إلى الشمال من الخط الواصل ما بين هيت على الفرات وسامراء على دجلة، ويصل أوسع عرض لها إلى زهاء 400كم. المنطقة منبسطة ولا تضم سوى بضعة جبال متفرقة أهمها جبل سنجار وجبل عبد العزيز. يجري في الجزيرة الرافدان المهمان لنهر الفرات، وهما الخابور والبليخ، وروافدهما الثانوية فضلاً عن الوديان الموسمية. وتتمتع الأجزاء الشمالية من المنطقة بنسبة مطر مناسبة للزراعة وتتوافر فيها موارد مائية جوفية وفيرة. لقد ساعدت مصادر المياه هذه، وكذلك الطرق التجارية المارّة في المنطقة منذ أقدم العصور، على ازدهار المنطقة منذ عصور ما قبل التاريخ. وهذا ما تدل عليه المواقع الأثرية الكثيرة التي تنتشر في المنطقة وتعود إلى عصور متعاقبة.

رابعاً- البادية والهضبة الغربية:

تمتد هذه المنطقة المفتوحة غرب نهر الفرات وتتصل ببادية الشام وبشبه الجزيرة العربية، وتعدّ امتداداً لهضبة نجد. تكون أراضي البادية والهضبة الغربية بالدرجة الأولى من الصخور الكلسية والرملية وتكثر فيها الرمال، وتقطعها مجموعة من الأودية من أهمها وادي حوران الذي يصب في الفرات أسفل مدينة عانه بقليل.

إنّ موقع بلاد الرافدين في جنوب غربي قارة آسيا، بين خطي العرض 30 ْ و 37 ْ شمالاً، يجعلها في القسم الجنوبي من المنطقة المعتدلة الشمالية، ويتصف مناخها في كونه من نوع المناخ الانتقالي ما بين المناخ الصحراوي الحار ومناخ حوض البحر المتوسط المعتدل. وهذا يعني أن معظم بلاد الرافدين لا يتلقى سوى 250ملم من معدل الهطل المطري سنوياً. ويقتصر سقوط الأمطار فيها على فصل الشتاء وأوائل الربيع مع نسبة قليلة ومتغيرة في  الخريف. ولذلك لا يمكن الاعتماد على الأمطار فقط في الزراعة، خصوصاً في الأقسام الجنوبية حيث كان المعوّل فيها على الري منذ أقدم الأزمان. ويتباين تكوين أرض بلاد الرافدين في أقسامها المختلفة من ناحية تاريخها الجيولوجي. فهناك تكوينات وصخور من نوع الصخور النارية   igneous  rocksتعود إلى دهور جيولوجية سحيقة، خصوصاً في أقصى الأجزاء الشمالية، وفي الوقت نفسه توجد في بعض أقسامها ترسبات حديثة العهد جيولوجياً إذ تعود إلى العصر الجيولوجي الحديث (الهولوسين) Holocene.

إنّ القسم الأعظم من نهري دجلة والفرات يجريان في بلاد الرافدين التي اقترن اسمها بهما، ويجري القسم الآخر في بلاد الأناضول حيث يكون منبعاهما الأوليان. فمن أصل طول نهر دجلة البالغ 1718كم؛ تكون 300كم في تركيا، و1418كم في بلاد الرافدين. أما الفرات الذي يبلغ طوله - من تكوّنه في تركيا إلى نقطة التقائه بدجلة شمالي البصرة - 2320كم يجري منها زهاء 455كم في الأراضي التركية، ويكون الطول المتبقي (1865كم) ممتداً مع الطرف الغربي لمنطقة الجزيرة في سورية والسهل الرسوبي في العراق. وتغّذي نهر دجلة روافده الخمسة الرئيسة في العراق بنحو 65% من مياهه. وهذه الروافد التي تجري جميعها في شرق دجلة؛ هي ابتداءً من الشمال: الخابور (الشرقي)، الزاب الأعلى، الزاب الأسفل، العظيم وديالى. يتصف نهر الفرات في جنوبي بلاد الرافدين بكون فيضانه أقل عنفاً وتقلباً من نهر دجلة في المنطقة نفسها. ولعل هذا يمثل أحد أسباب ترّكز السكنى في العصور القديمة في وادي الفرات وليس دجلة، فضلاً عن سبب آخر مهم هو دور الفرات في ربط جنوب وادي الرافدين مع أعاليه في سورية حيث السكنى  الكثيفة والتحولات الحضارية الكبرى في واديه ووادي رافديه الخابور والبليخ منذ عصور ما قبل التاريخ وخصوصاً العصر الحجري الحديث والعصر الحجري- النحاسي. والأخير هو العصر الذي بدأ فيه استيطان وادي الفرات في الجنوب منذ دور العبيد تحديداً. وهناك - على ضفاف الفرات أو فروعه- قامت أشهر المدن الكبرى التي أدت دوراً كبيراً في تطور حضارة بلاد الرافدين منذ فجر العصور التاريخية مثل سبار، كوثى، كيش، بابل، بورسبا، نفر، شروباك، أوروك، لجش وأور وغيرها.

لقد قامت حضارة بلاد الرافدين في بيئة محدودة الإمكانات من ناحية الموارد الطبيعية، وإذا كانت حجارة البناء تتوافر في الأقسام الشمالية فإن السهل الرسوبي يمثل بيئة فقيرة لا تقدم لساكنيها سوى الماء والتراب والقصب والأحراش. لكن توافر المياه والاستغلال البارع لما هو متوفر والنجاح في التوصل إلى الزراعة وتطويرها؛ مكّن السكان القدماء من بناء هذه الحضارة الرائدة المبدعة لأهم الإنجازات في تاريخ الحضارات القديمة. وكانت الزراعة والري الدعامة الأساسية لهذه الحضارة، غير أن افتقار بيئة بلاد الرافدين إلى الموارد الطبيعية المهمة جعل حضارتها تتسم بصفة ملازمة لها منذ أبعد العصور ألا وهي الصفة التجارية. فقد كان تنظيم شؤون التجارة الخارجية، وما تستلزمه من تسيير الرحلات والمحافظة على الطرق التجارية من العوامل المؤثرة في نشوء حضارة بلاد الرافدين وتطورها، إذ إنها تتصل اتصالاً وثيقاً بالتنظيم السياسي والاجتماعي، فضلاً عن ما تؤدي إليه من نشوء الأساليب والممارسات الخاصة بالمعاملات التجارية. فعلى الصعيد السياسي استلزم ضمان ازدهار التجارة الخارجية ظهور السلطة القوية والكيانات المركزية. ولمّا كان هذا الأمر مطلوباً أيضاً لتنظيم شؤون الري الذي تقتضيه الزراعة الناجحة؛ فقد تضافر العاملان ليؤديا إلى قيام أولى أنظمة الحكم وتطويرها للوصول إلى مرحلة نشوء الدول التي كانت حضارة بلاد الرافدين سبّاقة فيها.

يعدّ الكشف عن حضارة بلاد الرافدين من النشاطات العلمية الحديثة نسبياً. فلم تبدأ التحريات والتنقيبات الأثرية الواسعة إلا في منتصف القرن التاسع عشر، وكانت لم تزل بعيدة عن الأساليب العلمية التي تطورت مع اتخاذ علم الآثار منحاه الجديد ذا المنهج العلمي ابتداءً من مطلع القرن العشرين. وكانت بداية تنقيبات القرن التاسع عشر تلك مع تنقيبات بول- إميل بوتا Pau-l Ēmile Botta في خرسباد (موقع العاصمة الآشورية دور- شروكين) في 1842- 1843م، ونهايتها مع شروع الألمان بتنقيباتهم في موقع العاصمة البابلية بابل في عام 1899م تحت إدارة روبرت كولدفاي Robert Koldewey، ولاحقاً في قلعة الشرقاط (موقع العاصمة الآشورية آشور) في عام 1904م بإدارة  فالتر أندريه Walter Andrae. استمرت التنقيبات العلمية بالتطور والتقدم في القرن العشرين، لكنها اقتصرت خلال مرحلة ما قبل الحرب العالمية الأولى على مواقع المدن القديمة الكبيرة والمشهورة مثل العاصمتين بابل وآشور، والتي تعود إلى مرحلة العصور التاريخية (الكتابية). بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى توسعت التنقيبات الأثرية وتقدمت أساليبها، وقد وجهت تلك التنقيبات لتشمل مواقع أثرية يعود تاريخها إلى عصور أقدم مثل عصور ما قبل التاريخ ومطلع الألف الثالث ق.م. وظهر تطور جديد في علم آثار بلاد الرافدين بعد الحرب العالمية الثانية حين ازداد الاهتمام بتتبع الأدوار القديمة من تاريخ حضارة وادي الرافدين والبحث في أصولها وأسس حضارتها في عصور ما قبل التاريخ. كذلك تزايدت الدراسات والبحوث الخاصة بعصور هذه الحضارة ومخلفاتها من آثار مادية وكتابية.

عصور ما قبل التاريخ

لم يعثر على آثار واضحة من أقدم العصور الحجرية القديمة (العصر الحجري القديم الأدنى Lower Palaeolithic) سوى ملتقطات متفرقة يشك في عودة معظمها إلى هذا الدور من العصر الحجري القديم. فالأدوات الحجرية التي تم التقاطها في الموقع الأثري برده بلكا [ر] وعزيت إلى هذا الدور بسبب مشابهتها للأدوات الاشولية ويرجح الآن عودتها إلى الدور الموستيري؛ أي إلى العصر الحجري القديم الأوسط Middle Palaeolithic. ومن الملتقطات الأخرى ذات التاريخ الأقدم في بلاد الرافدين تلك التي عثر عليها في حافات منخفض أبو دبس والرزازه، غرب مدينة كربلاء وبحر النجف، وجميعها عند طرف البادية غرب نهر الفرات في جنوبي البلاد. ومعظم هذه الملتقطات مقاشط حجرية يرجح أن يعود تاريخ معظمها إلى الدور الموستيري أيضاً. وهكذا يبدو واضحاً أنّ دلائل السكنى الواضحة تعود إلى الدور الموستيري، وهو الدور الذي عاش فيه انسان النياندرتال ووجدت آثاره في شمالي بلاد الرافدين: كهف شانيدار والطبقة D، وفي شمالي غربي سورية كهف الديدرية [ر].

في العصر الحجري القديم الأعلى Upper Palaeolithic (قبل نحو 50- 40 ألف سنة) ظهر الإنسان الحديث Homo Ssapiens واستوطن في بعض كهوف شمالي بلاد الرافدين مثل كهفيّ زرزي وهزار مرد (قرب السليمانية)، وقد أطلق على أدواته الحجرية اسم الأدوات البرادوستية، نسبة إلى جبال برادوست في كردستان العراق. وأطلق على العصر الحجري الوسيط Mesolithic، أو ما بعد العصر الحجري القديم eolithic Epipal كما صار يسمى الآن؛ اسم الدور الزرزي في بلاد الرافدين نسبة إلى كهف زرزي الذي وجدت فيه آثاره. فضلاً عن ذلك وجدت آثار هذا الدور في كهف شانيدار الطبقة B وفي كهف هزار مرد ومواقع أخرى في شمالي بلاد الرافدين، وهي: زاوي جمي، بالي كورا، ملفعات وكريم شهر.

تمثلت بداية العصر الحجري الحديث Proto- Neolithic في شمالي بلاد الرافدين في كهف شانيدار، الطبقتان B2 و A، زاوي جمي، كريم شهر، ملفعات وكرد جاي وفي الطبقات السفلى من جرمو وتل شمشارة. وقد شهدت هذه المرحلة بداية تدجين الحيوان والزراعة وظهور القرى الزراعية. وبقيت السكنى مقتصرة على القسم الشمالي من بلاد الرافدين طوال العصر الحجري الحديث بدوريه السابق  للفخار والتالي له. تشمل مواقع الدور الأول (ما بين الألف الثامن والسابع ق.م) الطبقات السفلى من جرمو (16- 6)، الطبقة A في كهف شانيدار، الطبقة العليا في موقع زاوي- جمي، والطبقات العليا (14- 6) في تل شمشارة. أما مواقع الدور الثاني فتشمل الطبقات الخمس العليا (5- 1) في جرمو، الطبقة السفلى (I a) في تل حسونة والطبقات السفلى في تل الصوان.

العصر الحجري- النحاسي Chalcolithic في بلاد الرافدين (من نحو 5600 إلى 3500ق.م) يقسم إلى ثلاث مراحل، وهي:

1-العصر الحجري- النحاسي المبكر (5600- 5300ق.م): يشمل دوري حسونة وسامراء اللذين اكتشفت آثارهما في تل حسونة، تل الصوان، تل شمشارة ومواقع أخرى.

2-العصر الحجري- النحاسي الوسيط (5300-4500ق.م): يشمل دوري حلف والعبيد الأول والثاني. ومن مواقع دور حلف في شمالي بلاد الرافدين تبه كورا (الطبقة العشرون)، نينوى (الطبقة الثانية في تل قوينجق)، تل كراي ريش وتل براك في منطقة الخابور في سورية. أما مواقع دور العبيد الأول والثاني فأهمها أبو شهرين (أريدو قديماً، الطبقات 19- 15) وحاج محمد ورأس العمية. وتجدر الإشارة إلى أن دور حلف قسّم إلى ثلاثة أطوار في ضوء تنقيبات تل الأربجية [ر]، وهي حلف قديم ( ما قبل الطبقة العاشرة)، حلف وسيط (الطبقات 10- 7)، وحلف متأخر (الطبقة السادسة).

3-العصر الحجري- النحاسي المتأخر (4500- 3350ق.م): يشمل دور العبيد الثالث والرابع، ودور أوروك (الطبقات 12- 5 في أوروك).

أما دور أوروك الأخير فقد ضُمّ إلى عصر جمدة نصر اللاحق وعصر فجر السلالات الأول تحت عنوان العصر الشبيه بالتاريخي أو الشبيه بالكتابي Proto- Literate (3350- 2750ق.م)، وقد ذهب بعض المختصين إلى هذا الترتيب نتيجة التنقيبات التي أجريت في موقع خفاجي في منطقة ديالى شرقي العراق. غير أن الدراسات الأثرية ما تزال تتناول كل واحد من هذه العصور على حدة. يمكن تحديد تاريخ دور أوروك الأخير في نحو 3350- 3200ق.م، وقد وجدت آثاره في الطبقتين الخامسة والرابعة أ- جـ في موقع أوروك وفي مواقع كثيرة في بلاد الرافدين وخارجها. عصر جمدة نصر استمر من 3200 إلى 3000ق.م، ووجدت آثاره في الطبقتين الثالثة والثانية في أوروك، فضلاً عن موقع جمدة نصر نفسه وتلول الثلاثات في شمالي بلاد الرافدين. ويذهب بعض الباحثين مؤخراً إلى أنّه لا توجد معطيات أثرية كافية تمكن من عد جمدة نصر عصراً مستقلاً؛ وإنما هو يمثل مرحلة انتقالية تلت دور أوروك الأخير. وفيما يخص ابتكار الكتابة الأولى يكون قد اتضح في هذا العصر وعصر فجر السلالات الأول اللاحق أنّ اللغة السومرية هي لغة النصوص الأولى بعد أنْ كانت الكتابة في مرحلتها الصورية خلال دور أوروك الأخير الذي سبقهما.

ختم أسطواني من عصر جمدة نصر
كأس البطل العاري مع الثيران والأسودمن عصر جمدة نصر

العصور التاريخية

دخلت بلاد الرافدين في العصور التاريخية منذ أوائل الألف الثالث قبل الميلاد بعد ابتكار الكتابة. ومنذ ذلك التاريخ توالت العصور التاريخية التي مرّت بها بلاد الرافدين وحضارتها. ويقسم علماء الآثار هذه العصور بحسب العهود السياسية أساساً، مع ما يصاحب هذه العهود من تطورات حضارية ولغوية، وذلك على النحو الآتي:

أولاً- عصر فجر السلالات أو السلالات الباكرة (3000- 2350ق.م):

يطلق الباحثون تسميات مختلفة على هذا العصر، منها عصر ما قبل سرجون وعصر دول المدن وعصر لجش [ر]. تعود تسمية هذا العصر وتقسيماته إلى طروحات هنري فرانكفورت [ر] Henri Frankfort في ضوء نتائج تنقيباته ومكتشفاته في مواقع منطقة ديالى. ويقسم هذا العصر إلى ثلاثة أدوار على أساس تطور عناصر حضارية مثل الأختام الاسطوانية، الفخار، العمارة والنحت، وهذه الأدوار هي:

1-عصر فجر السلالات الأول (3000- 2750ق.م): يعاصره عصر نينوى 5 في الشمال ويرجح أن تعود إليه سلالات ما قبل الطوفان بحسب التقسيم الذي وضعته قائمة الملوك السومرية للعصور التاريخية.

2-عصر فجر السلالات الثاني (2750- 2600ق.م): يمثل بداية المرحلة التاريخية الواضحة في تاريخ بلاد الرافدين، ففيه ظهرت أولى المدونات التاريخية وتطورت العمارة وتبلورت أسس الحياة السياسية.

3-عصر فجر السلالات الثالث (2600- 2350ق.م): ازدهرت خلاله حضارة بلاد الرافدين، ويرجح أن تعود إلى مطلعه المقبرة الملكية الشهيرة في أور.

ومن أهم عواصم ومدن عصر فجر السلالات القديمة التي كشفت عنها التنقيبات الأثرية في بلاد الرافدين: كيش (تلول النغرة والأحيمر)، أوروك (الوركاء)، أور، لجش (تلول الهبا)، أومّا (تل جوخه)، أريدو (أبو شهرين)، شروباك (فارة)، أدب (تل بسماية)، ماري (تل الحريري في سورية)، أشنونّا (تل أسمر)، توتب (خفاجي)، نيربتُم (إشجالي)، جاسر (يورغان تبه) وآشور (قلعة الشرقاط). وكانت بوادر توحيد البلاد قد بدأت في أواخر عصر فجر السلالات على يد آخر حكام أومّا لوجال- زاجيسي Lugal- Zagesi. فقد وسّع هذا الحاكم دولته وضمّ مدناً أخرى لها، لكن سرجون الأكادي انتزع الحكم منه وأسس سلالته وشيّد عاصمتها أكاد التي سميت السلالة على اسمها. وبذلك يكون عصر فجر السلالات قد انتهى ليبدأ عصر السلالة الأكادية.

ماري-كنز أور- أنزونسر برأس أسد
(الألف الثالث ق.م)

ثانياً- عصر السلالة الأكادية (2334- 2154ق.م):

بعد أن تولّى سرجون الحكم أسس عاصمة جديدة له باسم أكاد أو أجادي Agade التي أصبح اسمها نسبة له ولسلالته ودولته وللغة الأكادية أيضاً. وسرعان ما أصبحت هذه الدولة امبراطورية مترامية الأطراف شملت أجزاءً واسعة من الشرق الأدنى القديم وامتد نفوذها إلى بلاد الأناضول وقبرص وبلاد فارس والخليج العربي، ومعها انتشرت عناصر حضارة بلاد الرافدين ومقوماتها، ومنها اللغة الأكادية والخط المسماري. حكم من هذه السلالة عشرة ملوك كان آخرهم شو- دورول (2168- 2154ق.م). وقد اتسم حكم ملوكها الأوائل بالقوة وتوسع النفوذ خصوصاً سرجون وحفيده نرام سن [ر] الذي وجدت آثار حكمه في تل براك [ر] في سورية وفي مضائق الجبال الشرقية جنوب شرقي مدينة السليمانية الحالية، وكذلك في سوسه (الشوش في غربي إيران حالياً). كانت أسماء آخر ثلاثة ملوك من هذه السلالة سومرية.

ثالثاً- عهد الاحتلال الجوتي وسلالة لجش الثانية (2230- 2100ق.م):

سقطت سلالة أكاد تحت ضغط غزوات الجوتيين، وهم من الأقوام الجبلية الذين لا تعرف لغتهم، وحفظت أسماء أحد عشر من ملوكهم الإثني عشر الذين تذكرهم قائمة الملوك السومرية التي تخصص مدة إحدى وتسعين سنة لحكمهم. غير أن حكم الجوتيين لم يشمل سوى أجزاء من البلاد، وقد عاصرتهم سلالة لجش الثانية التي كان جوديا [ر] الحاكم التاسع فيها. وازدهرت لجش في ظل حكم هذه السلالة بمعزل عن الاحتلال الجوتي، حيث إن التنقيبات الأثرية كشفت فيها عن منجزات كثيرة عمرانية وفنية وكتابية تعود إلى عهد هذه السلالة.

ربة الينبوع من ماري

رابعاً- عهد سلالة أور الثالثة (2112- 2004ق.م):

تأسست هذه السلالة في مدينة أور على يد أور- نَمّو بعد إخراج الجوتيين من البلاد، وحكم منها خمسة ملوك. مثَّل عهد هذه السلالة امبراطورية جديدة واسعة الامتداد. وتتميز سنوات حكم سلالة أور الثالثة بوفرة المصادر الكتابية التي تجاوز ما اكتشف منها 20 ألف رُقيم طيني. وعرفت السلالة أيضاً بمشاريعها العمرانية الكثيرة وبأعمال حفر القنوات والأنهار.

زقورة أور
 
كأس من أور 

خامساً- العصر البابلي القديم والآشوري القديم (2000- 1500ق.م):

بعد انهيار حكم سلالة أور الثالثة ابتدأ التمايز في التاريخ البابلي في الجنوب والآشوري في الشمال. يتصف القسم الأول من هذا العصر بالعودة إلى نظام دويلات المدن، إذ قامت عدة سلالات في عدد من العواصم مثل إيسن، لارسا، بابل، أوروك، آشور، أشنونا وماري وغيرها. وكانت هذه السلالات جميعها أمورية (كنعانية). وفي نحو عام 1763ق.م استطاع حمورابي توحيد البلاد تحت حكم سلالة بابل الأولى التي ينتمي إليها. ويتميز هذا العصر بالنشاط العمراني وازدياد التدوين وتطور المعارف المختلفة، ويقدّر عدد النصوص المكتشفة من هذا العصر بنحو 70 ألف لوح.

حمورابي أشهر ملوك الأموريين

سادساً- العصر البابلي الوسيط (1595- 626ق.م) والآشوري الوسيط (1500- 911ق.م):

ابتدأ العصر البابلي الوسيط بسقوط سلالة بابل الأولى نتيجة هجوم الحثيين الذين انسحبوا بعد ذلك مباشرة لتقوم سلالة بابل الثالثة، وهي السلالة الكاشية التي استمر حكمها حتى عام 1157ق.م. أما سلالة بابل الثانية فلم تقم في بابل وإنما في مناطق الأهوار الجنوبية خلال القرن الثامن عشر قبل الميلاد. وقد أعقبت السلالة الكاشية سبع سلالات بابلية دام حكمها من 1157 إلى 626ق.م، وتخللت حكمها فترات سيطرة آشورية أحياناً. وابتدأ وصول ملوك آراميين إلى عرش بابل منذ عهد سلالة بابل الرابعة (أو سلالة إيسن الثانية). العصر الآشوري الوسيط شهد قيام دولة آشورية قوية بعد فترة ضعف مرّت بها، ومن ملوكها الأقوياء الذين قاموا بنشاطات عمرانية وحربية كثيرة شلمنصر [ر] الأول (1274- 1245ق.م)، توكلتي- ننورتا [ر] الأول (1244- 1208ق.م)، وتجلات- بلاصر [ر] الأول (1115- 1077ق.م). وكانت بداية هذا العصر قد شهدت ازدهار مملكة ميتاني الحورية في منطقة الجزيرة، ولكن الدولة الآشورية انتزعت السيطرة منها في نحو عام 1350ق.م.

سابعاً- العصر البابلي الحديث (626- 539 ق.م) والآشوري الحديث (911- 612ق.م):

قامت في بلاد بابل السلالة الحادية عشرة التي أسسها نبو- بلاصر (626- 605ق.م)، ووسّعها وزاد من سطوتها ابنه وخليفته نبوخذ نصر [ر] الثاني (604- 562ق.م). وقد نجحت هذه السلالة بالتحالف مع الميديين في إسقاط الدولة الآشورية وعاصمتها نينوى عام 612ق.م. وكانت الدولة الآشورية في عصرها الحديث- ابتداءً من عام 911ق.م- قد شهدت أقصى تطور سياسي وعسكري وعمراني وثقافي لها. أي إن بلاد الرافدين كانت في أوج ازدهارها وتطور حضارتها خلال النصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد.

تفاصيل إكساء برونزي لإحدى بوابات بلاوات
يعود تاريخها إلى عهد شلمنصر الثالث (858-824ق.م)

ثامناً- عهد الحكم الأخميني (539- 331ق.م):

قام الأخمينيون بالاستيلاء على بابل وإسقاط سلالتها الأخيرة في عام 539ق.م. ومنذ ذلك الحين أصبحت بلاد الرافدين جزءاً من الامبراطورية الأخمينية التي سيطرت على العالم القديم ونظمته بعشرين ولاية تمتد من الهند إلى مصر.

تاسعاً- دخول الإسكندر المقدوني والعهد السلوقي (331- 126ق.م):

استولى الاسكندر المقدوني على بلاد الرافدين في عام 331 وأنهى حكم الامبراطورية الأخمينية. وبعد أن أنجز فتوحاته في الشرق عاد ليستقر في بابل، لكنه توفي فيها عام 323ق.م في قصر نبوخذ نصر الثاني. بعد ذلك أصبحت بلاد الرافدين ضمن المملكة السلوقية، وعدّ العام 311ق.م التاريخ الرسمي لبدء العهد السلوقي فيها. استمرت اللغة الأكادية في الاستعمال خلال هذا العهد، وكُشف عن عدد كبير من نصوصها التي عثر عليها في مواقع المدن المشهورة مثل أوروك ونِبُّر وغيرها. وتتميز هذه النصوص بتنوع مواضيعها وتطورها، خصوصاً في مجالات الأدب والفأل والعلوم الرياضية والفلكية. وشهدت مدينة بابل نشاطاً عمرانياً كبيراً، كما شيّدت العاصمة الجديدة سلوقية على نهر دجلة (تل عمر حالياً جنوبي بغداد).

عاشراً- العهد البارثي (126ق.م- 227م):

دام العهد البارثي في بلاد الرافدين زهاء ثلاثة قرون ونصف القرن، ابتدأت بانتزاع البارثيين لبلاد الرافدين من سيطرة السلوقيين. وشهد هذا العهد نشاطاً عمرانياً كبيراً وازدهاراً تجارياً. ووجدت آثاره في مدن قديمة مهمة مثل بابل، كيش، نِبُّر، أوروك ولجش في الجنوب. وأُعيد تشييد مدن قديمة في شمالي بلاد الرافدين مثل آشور، نوزي وكِلِزي (قصر شمامك حالياً). وفي هذا العهد شيّدت العاصمة طيسفون ومدينة الحضر في منطقة الجزيرة.

انتهى العهد البارثي بقيام السلالة الساسانية (227- 637م) في إيران واستيلائها على بلاد الرافدين حيث دام حكمها حتى الفتح العربي الإسلامي في عام 16هـ/ 637م. وكان شمالي بلاد الرافدين مسرحاً لحروب عدة قامت بين الساسانيين والرومان. وفي هذا العهد دمرت مدينة الحضر ومدينة آشور في عام 256م. وكانت أحوال بلاد الرافدين سيئة في أواخر عهد الساسانيين، ونجم عن ذلك إهمال شؤون الري وصيانة السدود في الجنوب. ومن الجدير بالذكر أن دولة عربية صغيرة قامت في بداية القرن الثالث الميلادي في البادية المحاذية لنهر الفرات في منطقة الكوفة؛ وهي مملكة الحيرة التي انحازت إلى الجيش العربي الإسلامي حين فتح البلاد وانتقالها إلى العصر الإسلامي.

نصار سليمان السعدون

مراجع للاستزادة:

- طه باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة جـ1 (بغداد 1973م).

- نائل حنون، مدن قديمة ومواقع أثرية (دمشق 2009م).

- Georges Roux, Ancient Iraq, (Middlesex, 1980).

- H. Weiss (Ed.), The Origins Of Cities In Dry-Farming Syria And Mesopotamia In The Third Millennium B.c., (Guildford, Cn, 1986).

 


التصنيف : العصور التاريخية
المجلد: المجلد الثالث
رقم الصفحة ضمن المجلد :
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 604
الكل : 26903332
اليوم : 50612