logo

logo

logo

logo

logo

بري (تل-)

بري (تل)

Barri (Tell) - Barri (Tell)

برّي (تل -)

 

 

يقع تل برّي Tell Barri على الضفة اليسرى لنهر جغجغ على بعد 55كم شمال شرقي مدينة الحسكة، ويتوسط المسافة بين تل براك وتل الحميدية الأثريين. وهذا الموقع ضمن منطقة رسوبية سهلية عالية الخصوبة تتخللها هضاب واطئة يراوح ارتفاعها بين 100 – 300م فوق سطح البحر.  تدل كثرة التلال الأثرية في المنطقة على أنها كانت مأهولة بكثافة بسبب ما تمتعت به من معطيات مشجعة على الاستقرار.  يسيطر على المنطقة مناخ مداري متوسطي، وتهطل الأمطار فيها شتاء، وتتجاوز كمياتها في بعض السنوات 400ملم، مما يسمح بالقيام بالأعمال الزراعية البعلية وكذلك المروية وخصوصاً الحبوب.  يقتصر الغطاء النباتي في المنطقة على الأعشاب والشجيرات التي أخذت أعدادها في التراجع على مر السنين جراء الاستغلال الجائر. يمارس بعض السكان تربية المواشي مثل الأغنام في السهوب والأبقار في وديان الأنهار.

يتخذ تل برّي شكلاً بيضوياً، يرتفع عن محيطه باثنين وثلاثين متراً، ويحيط به سور دفاعي.  يبلغ طول قاعدة التل 1100م تقريباً، ولا يتعدى طول سطحه العلوي الـ 600م.  يشغل تل برّي مساحة تقدر بأربعة وثلاثين هكتاراً، بما في ذلك المدينة السفلى التي تتخذ بقاياها شكل هلال يحيط بالتل من ثلاث جهات، وتبلغ مساحتها ما يزيد على سبعة وعشرين هكتاراً.  توجد في الشمال من التل قناة ري قديمة تتفرع من نهر جغجغ قبل تل برّي بثمانية كيلومترات؛ وذلك لتزويد الخندق المحيط بالمدينة القديمة بالماء، ويلاحظ وجود شبكة قنوات ثانوية أخرى تغذيها تلك القناة.  كما توجد قناة أخرى أحدث عند الضفة اليمنى للنهر بعد تل برّي مباشرة.  وتتحدث النصوص المسمارية من ماري عن وجود مستنقعات بجوار المدينة ملائمة لتكاثر الأسماك، تكونت من فائض مياه شبكة القنوات تلك، وهذا ما جعل المدينة ذات شهرة قديمة بأسماكها.

تل بري

أدت العوامل الجوية - مثل الأمطار- إلى إحداث شرخ في الطرف الجنوبي من التل، كشف عما بداخله من محتويات أثرية مهمة، وهذا ما دفع مديرية آثار المنطقة الشمالية السورية ومتاحفها بحلب إلى استطلاع الوضع في الموقع، فعثرت في عام 1961 على حجرين من البازلت منقوشين بنص مسماري يتضمن الإشارة إلى قصر للملك الآشوري توكلتي-ننورتا [ر] (الثاني) في مدينة كخت Kakhat، وبذلك عُرف اسم المدينة القديمة التي شغلت هذا الموقع. وابتداء من عام 1980 شرعت بعثة أثرية إيطالية برئاسة باولو إيميليو بيكوريلا Paolo Emilio Pecorella بالتنقيب في الموقع؛ وذلك بالتعاون مع المديرية العامة للآثار والمتاحف السورية.

تل بري - مخطط طبوغرافي

 

بدأت أعمال التنقيب المنهجية بحفر مجسات سبر في سفح التل مع التركيز على موضع القمة فيه وعدّها منطقة تنقيب رئيسة، وذلك بعد إزالة المقبرة الحديثة التي كانت قائمة هناك.  كانت تلك الأعمال الأولية- وتبعاً لما أسفرت عنه من معطيات- منطلقاً للقيام بأعمال تنقيب واسعة في مختلف أرجاء التل وصولاً إلى التربة البكر، وهذا ما سمح بجمع الأدلة حول البقايا المعمارية في الموقع وتتابع السويات الحضارية فيه تبعاً للعصور المتعاقبة.

أسفرت أعمال التنقيب في تل برّي عن تعرف المراحل التاريخية التي مر بها؛ والممتدة من الألف الخامس ق.م حتى القرن الرابع عشر الميلادي، فهناك كسر فخارية ملونة مستخرجة من مجسات السبر العميقة في جوف التل تعود إلى دور حلف، تليها لقى وبقايا معمارية وخصوصاً ختمان أسطوانيان من دور أوروك أو جمدة نصر.

توزع مواقع التنقيبات الأثرية (1850-2006)

كُشف النقاب في المنطقة B في السفوح الغربية من التل عن مجموعة مبانٍ على عمق ثلاثة عشر متراً تعود إلى عصر فجر السلالات الثاني والثالث. وطبقاً للسويات السكنية ولنوع الفخار ظهرت ثلاث طبقات حضارية متسلسلة؛ أولاها طبقة نينوى الخامسة دلت عليها أوانٍ فخارية للطهي؛ وأوانٍ أخرى سميكة الجدران وخشنة؛ إلى جانب أوانٍ ذات طينة رقيقة فيها شوائب رملية، واحتوت الطبقة الثانية على كعوب أقداح طويلة محززة أفقياً كتلك المكتشفة في تل خويره وتل براك القريبين، وعثر في قاع السبر على أسوار طينية ترقى إلى عصر فجر السلالات القديم.

تل بري- الموقع الأثري

ظهرت في حفريات السفح الجنوبي الشرقي من التل كسر فخارية كثيرة ضمن طبقات مخربة عائدة إلى الألف الثاني ق.م، ويستشف من معطيات التنقيب أن معبد تيشوب – إله العاصفة - ومباني أخرى شغلت جوف التل؛ إضافة إلى وجود مدينة سفلية مزوّدة بتحصينات دفاعية تدل عليها بروزات طينية تتخذ شكل هلال حول التل.

استخدمت لشواهد قبور المقبرة الحديثة التي كانت تشغل قمة التل أعداد كبيرة من الحجارة البيضاء والسوداء عائدة إلى الألف الأول ق. م، ومن المرجح أن القصر الملكي قد تعرض للتخريب بالكامل وأعيد استخدام أنقاضه في العصور اللاحقة. 

تقتصر دلائل العصر الآشوري الحديث في التل حالياً على نقش يحمل اسم المدينة القديم كخت، لكن من المؤكد أن مساحات من التل أُعيدت السكنى فيها في القرون الأولى للميلاد، وكان للمدينة في العصر الروماني أهمية استراتيجية، وذلك بسبب وقوعها بين مراكز حضارية مهمة مثل نصيبين ودير الزور.

تل بري- بقاي قصر من العصر الآشوري الوسيط

عُثر في الحفريات C, E على مجموعة من المباني مماثلة لمباني الطبقتين 15 و21 في المنطقة A، تؤرخ في القرنين الثاني والثالث الميلاديين، وكانت أغلبية الكسر الفخارية هنا من النوع المعروف بـ التيراسيجيلاتا الرومانية الشرقية، علاوة على الفخار البارثي المزجج.  كما اكتشفت نقود رومانية مضروبة في الشرق وأبازيم برونزية، زخرف أحدها بصورة هرقل يصارع أسداً، إضافة إلى خرز ودلايات من حجر التياتيت.

قطع من مستوى II A من المبنى A (المنطقة H)

لم يُعثر من العصر الساساني في الموقع إلا على كسر فخارية ممهورة بأختام، لكن البقايا المعمارية أُزيلت في العصور اللاحقة، بيد أن ثمة مؤشرات تمثلها دعائم وأجزاء محروقة تدل على وجود سور كان يحيط بالتل في العصر الساساني.

قطع من مستوى II A (غرفة 296) من المنطقة H

أثبتت أعمال التنقيب في المنطقة A أن السكنى اقتصرت في العصر الإسلامي الوسيط على قمة التل، فقد مُهّدت لهذه الغاية بين القرنين الثاني عشر والرابع عشر الميلاديين؛ وذلك بدلالة الخزف من النوع المعروف بخزف الرقة. وتم التعرف في الحفرية F على طبقتين رئيستين، عُثر في الأخيرة منهما على جدران متداعية وفخار محلي متقن الزخارف، ويُلاحظ أنه طرأ تراجع على تصنيع الخزف المزجج.

محمد سالم قدور

مراجع للاستزادة:

- باولو إيميليو بيكوريلا، «التنقيات الإيطالية في تل برّي /كحت»، الحوليات الأثرية العربية السورية 33 (1983)، ترجمة عبد الرزاق زقزوق، ص ص 201-204.

- جورج دوسان، «موقع مدينة كحت» الحوليات الأثرية العربي السورية 11/12، (1961/1962)، ترجمة أبو الفرج العش، ص ص 209-218.

- P.E.Pecorella, Tell Barri/Kahat, le campagne di scavo tra it 1980 e it 1991,un sommario, (Firenze,1992).

 


التصنيف : العصور التاريخية
المجلد: المجلد الثالث
رقم الصفحة ضمن المجلد :
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 603
الكل : 27115780
اليوم : 28456