logo

logo

logo

logo

logo

الباغوز الفوقاني (تل-)

باغوز فوقاني (تل)

al-Baghuz al-Fawqani (Tell) - al-Baghuz al-Fawqani (Tell)

 الباغوز الفوقاني

الباغوز الفوقاني (تل -)

 

يقع تل الباغوز Tell al- Baghuz على الجهة اليسرى من نهر الفرات مقابل مدينة البوكمال القريبة من الحدود السورية- العراقية. ويسمى هذا الموقع أحياناً تل الباغوز «الفوقاني»، ذلك أنه يوجد تل آخر بالاسم نفسه على الجانب العراقي من الحدود. ولا تزيد المسافة التي تفصل تل الباغوز عن موقع مدينة ماري على سبعة كيلومترات. وهناك تل أثري صغير آخر يقع على بعد نحو ٣كم شمال- شرق قرية الباغوز، وهذا التل لا يحمل اسماً محلياً لكن الأدبيات الأثرية تشير إليه باسم الباغوز أيضاً.

دلت التحريات والتنقيبات الآثارية على أن تل الباغوز هو موقع المدينة التي عرفت باسم كورسوتة Corsoteh، وورد ذكرها في وقائع حملة زينفون (Xenophon, Anabasis) في نحو ٤٠٠ق.م. وحملت هذه المدينة اسم إرزي (Irzi) في المصادر العربية التاريخية. أما فيما سبق العهد الأخميني والعصور الهلنستية فقد اختلفت الآراء حول تحديد الاسم القديم للمدينة الذي تطابق مع هذا الموقع. ويذهب بعض الباحثين إلى ترجيح تل الباغوز موقعاً لمدينة نَجياتِ Nagiati المذكورة في نصوص العصر الآشوري الحديث، وتحديداً نصوص الملكين توكلتي- ننورتا [ر] الثاني وآشور- ناصربال [ر] الثاني، بيد أن الأدلة الخاصة بالجغرافية التاريخية المستمدة من تلك النصوص تشير إلى أن موقع مدينة نَجياتِ القديمة ينبغي أن يكون على الضفة اليمنى لنهر الفرات إلى الشمال من مدينة البوكمال الحالية؛ وليس على الضفة اليسرى التي يوجد عليها تل الباغوز. وترجح الدراسات الحديثة كون تل الباغوز موقعاً لمدينة خُرزي Khurze التي ورد ذكرها في نصوص العصر البابلي الحديث ووصف موقعها على أنه في إقليم سوخِ Sukhi، وهو ما يناسب موقع هذا التل.

ابتدأت أعمال التحريات الآثارية في تل الباغوز حينما أرسلت البعثة الأمريكية- الفرنسية المشتركة العاملة في موقع مدينة دورا- أوروبوس [ر] (الصالحية)- خلال الأعوام ١٩٢٨-١٩٣٠م- فريقاً لاستطلاع المواقع الأثرية على الضفة المقابلة (اليسرى) لنهر الفرات؛ نزولاً مع مجرى النهر. وكان على رأس هذا الفريق كلٌّ من دو مينيل دو بويسون du Mensil du Buisson  ونيكولاس تول Nicholas Toll، وقد قام هذا الفريق بالكشف عن أكثر من مئتي قبر في تل الباغوز يعود تاريخها إلى العصر البرونزي الوسيط، لكن معظم المواد وسجلات أعمال ذلك الفريق ووثائقه الخاصة بتل الباغوز لم تصل إلى جامعة ييل حين إرسالها إلى أمريكا بسبب نشوب الحرب العالمية الثانية، وتوزعت ما بين مدينتي براغ وباريس في أوربا، وهذا ما سبب في تأخير نشر أعمال الفريق، وبالتالي نشرت نتائج العمل اعتماداً على ما توافر من صور فوتوغرافية وملاحظات متفرقة.

أما التل الثاني الصغير فقد قام دو بويسون بالتحري عنه في عام ١٩٣٥م، ثم قام الفريق نفسه من البعثة الآثارية في دورا- أوروبوس بحفر خندق اختباري فيه في ربيع عام ١٩٣٦م. لم تنشر دراسة علمية عن نتائج العمل في هذا التل وإنما نقلت منه مجموعة من الكسر الفخارية التي تم تقاسمها فيما بين متحف اللوفر في باريس وجامعة ييل في أمريكا. وفي عام ١٩٤٠م سلمت جامعة ييل حصتها من الكسر الفخارية إلى جامعة شيكاغو ليقوم بدراستها روبرت بريدوود وفريق عمل معه من الجامعة. ومنذ أن نشرت نتائج هذه الدراسة في عام ١٩٤٤م حتى الوقت الحاضر يشار إلى مجموعة الفخار هذه على أنها من تل الباغوز نفسه وليس من التل الثاني. وقد سبب هذا إرباك الباحثين المهتمين بالموضوع؛ خصوصاً أن تاريخ هذا التل- وكذلك مجموعة الكسر الفخارية المستخرجة منه- يعود إلى دور ما قبل حلف من العصر الحجري- النحاسي. في حين يعود تاريخ تل الباغوز الرئيسي إلى العصر البرونزي الوسيط والعصر الهيلينستي. ومن الجدير بالإشارة أن دراسة بريدوود وفريقه لفخار التل الثاني لم تكن نتيجة لبحث وتحرٍ ميدانيين، بل لأنها اعتمدت على مجموعة الكسر التي وصلت إلى أمريكا والصور الفوتوغرافية التي توفرت عن طريق جامعة ييل.

تل باغوز - فخار سامراء

يمكن تحديد تاريخ القبور التي كشف عنها في تل الباغوز في أواخر القرن الثامن عشر والقرن السابع عشر قبل الميلاد. وفي حين أن هذه القبور تعدّ مقبرة كبيرة نسبياً لكنها لا تقترن بمعالم استيطان واسع يناسبها في تل الباغوز ذاته، ولذلك يرجح أن هذا التل استعمل مقبرة من قبل سكان مدينة قريبة معاصرة لم تكتشف حتى الآن. إنها مقبرة من عصر واحد هو عصر مملكة خانا [ر] في منطقة الفرات الأسفل السوري، ومن المعروف أن هذه المملكة- وعاصمتها تيرقا (تل العشارة [ر] حالياً)- وقد ورثت دور مملكة ماري في المنطقة. وقد اكتشف أن أحد القبور أعيد استعماله للدفن في العهد البارثي.

تل باغوز - فخار سامراء

 

إن قبور تل الباغوز غنية بمحتوياتها، والشكل النمطي لها بسيط يتألف من حفرة تنزل في الصخر إلى عمق بضعة أقدام وتغطى بألواح منبسطة ثقيلة من الحجر يهال فوقها التراب. وكان موضع كل قبر يحدد بالأحجار التي ترسم أشكالاً دائرية أو بيضوية، وفي حالة واحدة على الأقل يظهر شكل مستطيل للقبر. ويتمثل الأثاث الجنائزي في هذه القبور بالفخار والمواد البرونزية وقطع الأثاث الخشبية والحجرية. والآنية الفخارية المتنوعة التي عثر عليها في القبور من الطراز الذي يميز عصر المقبرة. وقد لوحظ وجود مخروط برونزي صغير مثقَّب في عدد من الجرار، ومن المعتقد أن هذا المخروط كان يثبت في طرف أنبوب من القصب- أو أي مادة أخرى قابلة للاندثار- للشرب بوساطته من الجرة، وأن هذا المخروط كان يشبه المصفاة التي بقيت بعد اندثار الأنبوب. ومن وثيق الصلة بالموضوع الإشارة هنا إلى اكتشاف مثل هذه المصافي في جرار عثر عليها في قبور العصر البرونزي الوسيط أيضاً في تل ليلان وتل شغار بازار في منطقة الخابور الأعلى. كما عثر في أحد القبور على أسلحة برونزية من بينها فأس مثبتة على عصا خشبية طويلة وجدت محفوظة جيداً، وأبعاد هذا القبر تبلغ ٧٢× ٦٤سم. وعثر في قبر آخر على بقايا واضحة لأثاث خشبي من بينها جزء من الإطار الخشبي للمحفّة التي سُجِّي عليها المتوفى، وكذلك الأرجل الخشبية لمنضدة كان لها سطح حجري دائري وجد سليماً وقد استقرت فوقه طاسة فخارية صغيرة وعلى مقربة منها طاسة فخارية أكبر.

كذلك وجدت في تل الباغوز خمسة أضرحة برجية تؤرخ من العصر التدمري أو ما قبله، وكان اثنان من هذه الأضرحة بحالة جيدة. يشغل الضريح الأكبر مساحة تصل إلى خمسة أمتار مربعة وتحيط به سقيفة مفتوحة على الجهات الأربع. وبخلاف معظم الأضرحة التدمرية- التي ضمت في ذاك العصر فجوات لاحتواء الموتى في البناء العلوي للبرج- تميزت أضرحة تل الباغوز بوجود حجرات للدفن تحت الأرض تغطيها سقوف معقودة. ويبدو أن الغرض الرئيس للبرج العلوي كان توفير مسطح علوي لإقامة الشعائر الجنائزية. ولا بد من الإشارة إلى أن طراز هذه الأضرحة البرجية وطريقة بنائها وتقنياتها كانت أقل إتقاناً من تلك التي وجدت في تدمر.

أما التل الثاني الصغير القريب من الباغوز فهو ذو شكل بيضوي أبعاده ١٠٠× ٦٠م، ومحوره الرئيس يمتد من الشمال إلى الجنوب، ويصل ارتفاعه إلى ٢م. والخندق الاختباري الذي قام بحفره الفريق الآثاري من بعثة دورا- أوروبوس كان بعرض ٢م وبطول ٢٥م وذلك على امتداد الطرف الجنوبي للتل، وقد كشف هذا الخندق عن بقايا جدران ضخمة من اللبن، ومع حطام اللبن وجدت كسر الفخار المطلية- التي أُرجعت إلى دور سامراء- والكثير من الأدوات الصوانية. وهذا الفخار اكتشف فيما بعد في مواقع مثل شغار بازار وبويض ٢ في منطقة الخابور[ر]، ويؤرخ من نحو ٦٠٠٠ق.م؛ بوقت قصير قبل ظهور فخار حلف [ر] المبكر.

نائل حنون

مراجع للاستزادة:

-Robert J. Braidwood Et Al., “New Chalcolithic Material Of Samarran Type And Its Implications”, Jnes. 3 (1944), Pp. 48- 72.

-R. Du Mensill Du Buisson, Baghouz: L’ancienne Corsôte, (Leiden, 1984).

-R. M. Engberg, “Tombs Of The Early Second Millennium From Bāghûz On The Middle Euphrates”, Basor. 87 (1942), Pp. 17- 23.

 


التصنيف : العصور التاريخية
المجلد: المجلد الثالث
رقم الصفحة ضمن المجلد :
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 1042
الكل : 43825699
اليوم : 109094