logo

logo

logo

logo

logo

بقرص (تل-)

بقرص (تل)

Buqras (Tell) - Buqras (Tell)

بُقْرُص (تل-)

 

يقع تل بُقْرُص في محافظة دير الزور على الضفة اليمنى لنهر الفرات، ويبعد نحو 35كم جنوب شرقي مدينة دير الزور، وهو من التلال المهمة العائدة للعصر الحجري الحديث، ويغطي ما مساحته ثلاثة هكتارات، ويرتفع عن الأرض المحيطة به نحو خمسة أمتار.

قام فان لير Van Liere وهنري دي كونتنسون   H. de Contensonفي عام 1956م بإجراء أسبار اختبارية، ولما تبينت أهمية الموقع تشكلت بعثة أثرية من جامعتي أمستردام وغروننغن بإدارة ووتربولك H. Waterbolk، وقامت بالتنقيب الأثري بين عامي 1976-1978م.

تل بقرص 

وهناك ثلاث طبقات رئيسة في الموقع، تنتمي الأولى والثانية إلى العصر الحجري الحديث ما قبل الفخار ب PPNB، أما الثالثة فتعود إلى العصر الحجري الحديث الفخاري الباكر. ضمت الطبقة الأولى ستة بيوت، وكشف في الطبقة الثانية ثمانية بيوت، أما الطبقة الثالثة فقد كشف فيها خمسون بيتاً. وقد انتظمت هذه البيوت عموماً على جانبي شوارع تمتد من الشمال إلى الجنوب. وكل بيت يطل على الشارع من أحد جانبيه الشرقي أو الغربي.

مخطط البيوت المكتشفة في تل بقرص

والملاحظ في عمارة هذه السويات المتعاقبة الازدياد المتدرج في مساحة البيوت؛ مما يدل على زيادة مطردة في عدد السكان، فقد كان مخطط البيوت في الطبقات الأقدم مؤلفاً من غرفة رئيسة وباحة مكشوفة، وأصبح لاحقاً مؤلفاً من أربع غرف بإضافة غرفتين إلى جانبي الغرفة الرئيسة. وقد ظهر مثال منفرد لبيت يضم ست غرف يبدو أنه تعرض لحريق لم يطل سواه، وهو يتألف من صفين من الغرف، يضم كل صف ثلاث غرف، يفصل بينهما باحة واسعة، وفي كل غرفة كوة في الجدار الخلفي المواجه للمدخل. وفي الجهة المقابلة من هذا البيت عبر الشارع الذي يبلغ عرضه 8م مجموعة بيوت يتألف كل منها من تسع غرف، ويضم أحدها صفاً من أربع غرف صغيرة تتقدمها أربع غرف طويلة؛ قسمت إحداها إلى غرفتين، وقد كشفت التنقيبات في الجزء الجنوبيالغربي من الموقع عن بيت يتألف من اثنتي عشرة غرفة.

هذه البيوت شيدت من اللبن المستطيل الشكل، وقد ضمت جميعها مواقد وأفراناً صغيرة، ومخازن محفورة في الأرضيات أو في داخل الجدران، وكانت هذه الجدران تكسى بالجص، أما السقوف فقد وجد الدليل عليها من الأنقاض التي احتواها البيت المحروق ذو الغرف الست، إذ يبدو أن السقف كان مكوناً من عوارض خشبية صغيرة وقصب وطين. كما دلت قناة من التراب واللبن تم الكشف عنها في أحد البيوت على دلائل باكرة لعملية توزيع المياه على صعيد القرية.

ولم تخلُ هذه البيوت من لمحات فنية مثل الرسوم، فقد احتوى بيتان على رسوم جدارية نفذت بصبغة حمراء، ويمثل أحدها مشهداً لسبعة من طيور النعام؛ أو بشرية كما في البيت رقم 16  حيث كشف عن وجه إنسان من الطين مصبوغ باللون الأحمر، ووضعت له عينان من الصدف كان يزين جدار الغرفة الداخلي. كما عثر على العديد من الدمى الحيوانية اثنتان منها تمثلان قنفذاً وأرنباً.

 
طيور النعام على اللوحات الجدارية 
 
وعاء من تل بقرص كشف عام 1978م
ويعود تاريخه إلى نحو 6400ق.م
 
 

تقدم قرية بقرص النيوليتية على صعيد العمارة مثالاً متميزاً على مستوى التقدم والتطور، فالبيوت في كل الموقع متشابهة؛ إذ إنها تقوم على مخطط مستطيل بمساحة تراوح ما بين 50 و140م2 خصص ربعها على الأقل للباحات المفتوحة. وكانت مخططات هذه البيوت ثلاثية الأجنحة أو رباعيتها، ولكن كان هناك تنوع كبير في طريقة تقسيم الفضاءات، والملاحظ هو أن التنقل بين الغرف يتم عن طريق نوافذ كبيرة في الجدران؛ وليس عن طريق أبواب.

والعدد الأكبر من الأدوات الحجرية في تل بقرص من حجر الصوان، ومن بينها مكاشط ومثاقب، ورؤوس سهام. واكتشفت ثقالات حجرية مشابهة لما اكتشف في تل الكوم]ر] وفي موقع جرمو شمالي العراق. ويعتقد أن هذه الثقالات كانت تستعمل لشد خيوط النسيج في الأنوال. وعثر كذلك في الموقع على نحو مئة قدوم تحمل دلائل على استعمالها في قطع الخشب وفي أعمال النجارة. ومن القطع الحجرية المكتشفة واحدة من حجر الكلس تحمل حزوزاً حلزونية يمكن أن تكون أول دليل أثري على ابتكار المغزل. أما الأدوات المصنوعة من حجر السبج (أوبسيديان) فلم تكن كثيرة في بقرص، وهذا يشير إلى تمهيد في التواصل مع شرقي بلاد الأناضول حيث توجد هذه الأحجار. ومن الأدوات الحجرية المثيرة للاهتمام في تل بقرص مدقة من حجر الكلس بيضوية الشكل، وهي تحمل نحتاً يمثل حيواناً مرقطاً.

 
جميع الموجودات الأثرية في تل بقرص
تعطي فكرة كاملة عن قرية زراعية فريدة
 
 
إناء صغير كان يستخدم في الطقوس الشعائرية والنذور 
 
أكبر مجموعة من الأواني الحجرية التي يعود تاريخها إلى العصر الحجري الحديث وصلت من موقع تل بقرص  
 

دلت الأواني البيضاء على دراية بصنع الفخار، فهي تتألف من الجبس والرماد الملحي، وقد عثر على إحداها في المنزل المحروق الذي ذكر سابقاً، بجانب هيكل عظمي لامرأة حامل وبجانبها طفلان ماتا في أثناء الحريق. وتجدر الإشارة إلى أنه عثر على جمجمتين  بشريتين فوق أرضية الغرفة الرئيسة في البيت نفسه، وكانت هاتان الجمجمتان عند زاوية الغرفة؛ مما يدل على ممارسة طقسية متعلقة بها. ومن اللقى المهمة التي تم العثور عليها في البيت المحروق ثلاثة أوعية من المرمر مثلت ثلاثة حيوانات، هي الثور والأرنب البري والقنفذ.

 
  نموذج من الحلي الشخصية

 

بدأ ظهور الأواني الفخارية في بقرص في الطبقة الثالثة، وهي معاصرة للعصر الحجري الحديث الفخاري، وتم التقاط أكثر من 700  كسرة فخارية من نحو عشرين بيتاً.وقد زينت هده الأواني بزخارف مطلية باللون الأحمر مشابهة لحراشف السمك، وأقرب الأمثلة على هذه الزخرفة تأتي من تل الكوم ومن أريحا أيضاً. كذلك عثر على دمية أنثوية من حجر الكلس تمثل امرأة جالسة من دون الرأس والذراع اليمنى، كما أظهر رأس دمية ذكرية من الطين الذي احترق إلى درجة السواد - ولاسيما من خلال ملامح الوجه المعبرة -  القدرة العالية في التمثيل الفني المعبر في منطقة المشرق العربي القديم.

والوسط البيئي المحيط بموقع بقرص جاف؛ لأنه يقع في منطقة قليلة الهطولات المطرية (أقل من  150مم سنوياً)، وقد بينت الدراسات المخبرية لبقايا النباتات وجود عدد قليل من الحبوب المزروعة مثل الحنطة والشعير، وبعض المحاصيل البرية أيضاً. وهذا الاقتصاد النباتي المتواضع قابله اعتماد أكبر على الحيوانات، فقد أظهرت البقايا الحيوانية الهائلة العدد في الموقع استهلاكاً كبيراً لحيوانات مدجنة مثل الغنم والماعز، وأخرى برية مثل الثيران والغنم البري. كما استخدمت عظام الحيوانات في صناعة الكثير من الأدوات مثل صنارات صيد الأسماك وإبر الخياطة والمقابض.

 
الأدوات الزراعية التي عثر عليها في موقع تل بقرص 

إن التنظيم المتقن والمبدع لقرية بقرص من انتظام البيوت حول شوارع وأزقة منتظمة دليل على وجود نوع من السلطة المركزية في ذلك الوقت المبكر، وعلى وجود  صناع متخصصين تقاسموا الأعمال بإمكانات متكافئة ضمن بيوت متشابهة ومصنوعات متكاملة. وقد استطاعوا الحصول على بعض المواد الخاصة مثل الأوبسيديان (وإن كان بكميات قليلة) والمرمر كذلك من جنوبي الجزيرة العربية، وهذه إشارة إلى الصلات مع هذه المناطق البعيدة جغرافياً عن بقرص.

لقد شكل موقع بقرص محطة مهمة كقرية من العصر الحجري الحديث مارست الزراعة والتدجين والاستقرار، وذلك مع مجموعة من المواقع المعاصرة مثل أم الدباغية في العراق، وتل الصوان على نهر دجلة، ومواقع أخرى في سورية مثل الكوم وصبي أبيض [ر] على البليخ.

عمار عبد الرحمن

مراجع للاستزادة:

- موريس فان لون، «نتائج التنقيب في تل بقرص»، في الحوليات الأثرية العربية السورية مج 43، (1984) ، ص ص 267-263.

- د. أ. هوبير، «مذكرة أولية عن البقايا الحيوانية التي عثر عليها في بقرص وتل الرماد خلال عام 1965»، في الحوليات الأثرية العربية السورية مج16 ، (1966)، ص ص74 -73.

 


التصنيف : عصور ما قبل التاريخ
المجلد: المجلد الثالث
رقم الصفحة ضمن المجلد :
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 1037
الكل : 43822119
اليوم : 105514