logo

logo

logo

logo

logo

بعلبك في العصور الكلاسيكية

بعلبك في العصور كلاسيكيه

-

 بعلبك في العصور الكلاسيكية

المعالم الأثرية

 

تقع مدينة بعلبك Baalbek في سهل البقاع [ر] في لبنان على بُعد 85 كم إلى الشمال الشرقي من بيروت؛ على ارتفاعٍ يُقدر بنحو 1170م. ترتوي المدينة من مياه نبعين رئيسين، يقع أحدهما عند سفح جبال لبنان الشرقية؛ إلى الجهة الجنوبية الشرقية من المدينة، ويُعرف باسم «رأس العين»، ويبدو أنه كان أساساً لقيام المدينة في بداية نشأتها، فيما يتفجر الثاني من جبال لبنان الشرقية أيضاً؛ على مسافة نحو تسعة كيلومترات إلى الشرق من المدينة، وهو المعروف بينبوع «اللجوج» الذي جُرّت مياهه في العصر الروماني بقناة محفورة في الصخر؛ لتوزيعها على المدينة. وكان لهذين النبعين دورٌ رئيسي في تزويد القوافل بالمياه خلال العصور القديمة.

تحتل بعلبك موقعاً استراتيجياً لوقوعها في أعلى نقطة من طريق التجارة الشهير الممتد من طرابلس والذي يقود إلى سهل البقاع قبل أن يتابع مساره باتجاه دمشق أو تدمر في سورية.

بدأت أعمال المسح والترميم الأثري الأولى من قبل البعثة الأثرية الألمانية سنة 1898م بإدارة برونو شولتز Bruno Schulz وأوتو بوخشتاين Otto Puchstein. وفي سنة 1922م تولت بعثة علمية فرنسية - ضمت كلاً من: رينيه دوسو René Dussaud وسباستيان رونزفال Sébastien Ronzevalle وهنري سيريغ Henri Seyrig ودانييل شلمبرجير Daniel Schlumberger- القيام بأبحاث مكثفة وأعمال ترميم في معابد الموقع، ثم تابعت مديرية الآثار اللبنانية أعمال التنقيب والترميم بإدارة الأمير موريس شهاب؛ المدير العام للآثار.

كشفت التنقيبات التي تمت في بعلبك ما بين سنتي 1964-1965م عن تلٍ تحت البهو الكبير Great Court  لمعبد جوبيتر  يعود إلى العصر البرونزي.

في القرن الثالث قبل الميلاد خضع جنوب سورية لحكم البطالمة [ر] الذين خلفوا الإسكندر المقدوني وحكموا من الإسكندرية، وتأثرت عبادات بعلبك خلال عهدهم بعبادة الشمس، فاصطبغت آلهتها بصفات شمسية وتحول اسمها من بعلبك إلى هيليوبولس أو مدينة «الإله الشمس» على غرار مدينة هيليوبولس المصرية المشهورة منذ الألف الثالث ق.م بكونها مركز عبادة الشمس المتمحورة حول الإله «رع» [ر].

وفي القرن الثاني ق.م تمكن السلوقيون - الذين اتخذوا من أنطاكية [ر] عاصمةً لهم- من اجتياح سورية المجوفة وأجبروا البطالمة على الانسحاب باتجاه مصر. تمّت هلينة عبادة «بعل» بعلبك السامي، وربما يعود تاريخ مخطط توسيع الحرم القديم وتأسيس قاعدة Podium معبد جوبيتر إلى هذه الفترة. خلال الفترة ما بين 100 و75ق.م حُكمت بعلبك من قبل سلالة عربية متهلينة وهي سلالة الإيتوريين Itureans، واكتسب إله بعلبك (هيليوبوليس) في عهدهم أهميةً إقليمية وبلغ موقعه المهم هذا بعد أن صارت هيليوبوليس - أكثر أماكن العبادة في البقاع أهميةً- مكاناً مقدساً للمملكة الإيتورية.

في القرن الثاني الميلادي أضيف إلى المعبد البهو الكبير مع رواقيه المعمّدين porticoes، ومذبحان، وحوضان تطهيريان ضخمان. وفي الفترة نفسها بدأ إنشاء هيكل باخوس [ر] الذي اكتمل بناؤه في القرن الثالث الميلادي، وهي الفترة التي شُيدت فيها البوابة الرئيسية Propylaea، كما تمت إضافة البهو المسدس الشكل.

وبعد أن أصبحت المسيحية ديانة معترفاً بها في الامبراطورية البيزنطية في نحو سنة 330م، أمر الامبراطور قسطنطين الكبير (306-337م) بإغلاق المعابد كافة؛ ومنها معابد بعلبك. وفي عهد الامبراطور ثيودوسيوس الكبير Théodose 1 (379-395م) دُمرِّت مذابح التضحية المقدسة وهُدم البرج، وأقيمت على أنقاضها في وسط البهو الكبير كنيسة عظيمة في نحو سنة 440م، ما تزال آثار محاريبها محفورة في الدرج المؤدي إلى الهيكل الكبير. وكان معبد جوبيتر مدمراً على الأرجح نحو تلك الفترة بفعل هزةٍ أرضية؛ إذ تدل دراسة الكنيسة على إعادة استخدام العديد من العناصر المعمارية العائدة إلى معبد جوبيتر هيليوبوليتانوس في بناء الكنيسة.

المعالم الأثرية

يتألف مجمّع هيليوبوليس (بعلبك) الديني من ثلاثة صروح رئيسة تتمحور على خط شرق-غرب وهي: المعبد الكبير المنسوب إلى «جوبيتر- Jupiter» والمعبد الصغير المنسوب إلى «باخوس- Bacchus» والمعبد المستدير المنسوب إلى «فينوس- Venus ». وهناك بقايا معبد رابع كان يقوم فوق تلّة «الشيخ عبد الله» إلى الجنوب من المدينة، وكان مكرساً لإله المدينة الشاب؛ المشرف على الخصوبة والزرع والنبت، وقد سماه الرومان «مركوريوس Mercury»، وبقايا معبد آخر كان يقوم عند نبع رأس العين.

صورة جوية لقلعة بعلبك الأثرية

بُنيت مدينة بعلبك (هيليوبوليس الرومانية) على مرحلتين، أقيمت في الأولى منهما مستعمرة رومانية وشُقت طرق مواصلات تُلبي متطلبات الجيش والإدارة، وربطت مستعمرتا هيليوبوليس وبيروت بوساطة معبر بيروت- دمشق وجبيل- يمُّونة القديم. كما نُقشت كتابات توثق الأعمال الكبرى التي أنجزها القيصر دوميتيان (81-96م) في المقطع بين أفقا- العاقورة ويمُّونة.

أما مرحلة البناء الثانية -  والتي بدأت في مطلع القرن الثاني الميلادي - فتتميز بالدعم السخي الذي حظيت به مواقع العبادة على يد السلطات والأفراد، فقد انتهى بناء الأروقة المفضية إلى معبد المدينة في منتصف القرن الثاني بعد الميلاد على أبعد تقدير. أما رؤوس تيجان أعمدتها فطليت بالذهب بناءً على أمر ضابط من الفرقة الأولى زمن القيصر أنطونيوس بيوس (138-161)م، في حين تواصلت الأعمال في بنائه العملاق طوال الأعوام المئتين التالية. وبدأ بناء معبد أترغاتيس [ر[ الجديد - الذي بقي سليماً وفي حال ممتازة - في القرن الثاني الميلادي أيضاً . وبني في الوقت نفسه تقريباً معبد مركوريوس (عطارد) المدمّر خارج المنطقة المقدسة، ومعبد النبع المعاد ترميمه عند رأس العين شرقي المدينة، في حين يرجع معبد فينوس الصغير -الذي يشبه رواقاً من عصر النهضة- إلى تاريخ أحدث بالتأكيد. ومع أنّ بناء هذه المعابد روماني فإن التأثيرات الشرقية واضحة سواء من الناحيتين الفنية والمعمارية، وأهم هذه المعابد:

المعبد الكبير (معبد جوبيتر): على الرغم من نسبته إلى «جوبيتر» فقد كان المعبد الكبير مكرساً لعبادة الثالوث البعلبكي، ويتألف من أربعة أقسام رئيسة هي: الرواق الأمامي، يليه البهو المسدس، فالبهو الكبير، فالهيكل. شُيد المعبد - خلال العصر الأغسطي- على شكل منصة مرتفعة ذات كتل حجرية هائلة، كان يتم الوصول إليها عبر درجٍ ضخم مقسم إلى ثلاثة أجزاء، يقود إلى بهوٍ ذي رواقٍ ضخم يتألف من مجموعة أعمدة رشيقة من الطراز الروماني الكورنثي، وتقود منه ثلاث بوابات إلى الفناء الأول للمعبد، وهو ذو شكلٍ سداسي، سُقف - في نهاية القرن الرابع أو بداية القرن الخامس- بقبّة نحاسية مطلية بالذهب، بعد تحويله إلى كنيسة على اسم السيدة العذراء. ويعد هذا البهو من الأبنية الفريدة في العالم القديم.

صورة جوية للآثار الرومانية في بعلبك

ينفتح البهو المسدس على البهو الكبير الذي يضم عناصر معمارية تظهر ميزة خاصة تتميز بها المنطقة، ويعود إلى القرن الثاني الميلادي، ويتألف من ساحة واسعة يطوقها صف من الأعمدة الكورنثية من ثلاث جهات؛ إذ يتصدر هيكل جوبيتر الجهة الرابعة منها، ولم يبق من أصل الأعمدة الغرانيتية الـ 128 المحيطة بالبهو الكبير سوى ستة أعمدة يبلغ ارتفاعها نحو 20م، حيث سقطت بقية الأعمدة بفعل الزلازل أو نقلت إلى أماكن أخرى، ويعلو هذه الأعمدة إفريز مزخرف تزينه رؤوس الثيران والأسود تربط بينها أكاليل زهر.

يتوسط البهو الكبير مذبحان يُعدّان الجزأين الأقدمين في ذلك المجمع، كما تضمن أيضاً برجاً ضخماً لم يبق منه إلا بعض مداميكه السفلى، وهو أقدم أبنية البهو عهداً؛ إذ إنه يعود إلى النصف الأول من القرن الأول الميلادي؛ أي إلى المدة التي كان يجري فيها بناء الهيكل الكبير، ويقوم على جانبي البرج عمودان منفردان؛ أحدهما من الغرانيت الأحمر والآخر من الغرانيت الرمادي، ويحيط بالبرج والمذبح الذي يليه حوضان خُصصا لمياه التطهر. وقد دُمرت هذه المعالم في نهاية القرن الرابع لتقوم مكانها كنيسة الامبراطور تيودوسيوس.

يفضي البهو الكبير إلى الهيكل الرئيسي الذي شُيّد فوق منصة عظيمة شُيدت من حجارة ضخمة، يبلغ ارتفاعها 20 متراً فوق سطح المدينة المجاورة وثمانية أمتار فوق أرضية البهو. يتم الصعود إلى الهيكل بدرج ضخم ذي ثلاث مصاطب، وكان يحيط به رواق من أربعة وخمسين عموداً.

المعبد الصغير (هيكل باخوس): بُني هذا الهيكل فوق منصة يبلغ ارتفاعها خمسة أمتار بمحاذاة معبد جوبيتر في القرن الثاني الميلادي؛  أي في فترة متأخرة عن فترة بناء معبد جوبيتر، وهو أصغر منه حجماً، ويمتاز بكونه أفضل الهياكل الرومانية حفظاً في منطقة الشرق الأدنى، ومن أبدعها نقشاً وزخرفة على الإطلاق. يتم الصعود إلى مصطبة الهيكل بوساطة درج ضخم يتألف من ثلاث وثلاثين درجة. يتميز صف الأعمدة الذي يشكل رواق الهيكل بضيق المساحات التي تفصل بين أعمدته الكورنثية، بيد أنّ الأعمدة الزخرفية التي تطوق سقف أروقته تضفي انطباعاً رائعاً من الهيبة وقيمة فنية غنية، ولاسيما تلك الزخارف الموجودة في الداخل التي على شكل منحوتات زخرفية وفيرة، أكثرها جاذبية تلك الأعمدة النصفية الكورنثية التي تشكل بينها محاريب غائرة في جدران الغرفة. ومع أن هذا الهيكل يُنسب إلى الإله باخوس فإنه لا دليل حتى الآن يُثبت صحة ذلك باستثناء بعض الموضوعات الزخرفية المنحوتة على المدخل والتي تمثل عنباً وأوراق الكرمة؛ ومنحوتات المقصورة الداخلية في المعبد adytum والتي تُمثل مشاهد رقص باخي.

معبد باخوس في بعلبك

معبد «فينوس» أو «الزهرة»: يقع إلى الجنوب الشرقي من الأكروبول (حيث القلعة)، ويمتاز بتصميمه الهندسي الدائري الفريد من نوعه في العالم الروماني. وقد بُني في القرن الثالث. وكان هذا الهيكل مخصصاً لتكريم الإلهة التي تمثل مدينة بعلبك. تحول المعبد في العصر البيزنطي إلى كنيسة باسم القديسة «بربارة». وعلى مقربة من هذا الهيكل بقايا هيكل آخر يرجع تاريخه إلى بدايات القرن الأول ق.م، وكان مخصصاً لعبادة «الميوسات» ربّات الفنون والآداب.

معبد فينوس في بعلبك

باسل زينو

 

التصنيف : آثار كلاسيكية
المجلد: المجلد الثالث
رقم الصفحة ضمن المجلد :
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 610
الكل : 27119861
اليوم : 32537