logo

logo

logo

logo

logo

التمويه

تمويه

-

 التمويه

التمويه

المعنى الاصطلاحي عند الباحثين

مراحل تطور التمويه

التمويه في اللغة تعني التزيين؛ فيقال: موّه الباطل: أي زيّنه وأراه في صورة الحقّ، وموّه الشيء تمويهاً: طلاه بفضة أو ذهب، وربما كان هذا الشيء من حديد أو نحاس أو زجاج أو غير ذلك.

وورد أيضاً أن التمويه: التلبيس؛ أي المزج بين شيئين، وفي المعجم الوسيط: موّه الشيء: أي خلطهُ، وموّه الحديث: أي زخرفه، ومزجه من الحق والباطل.

والواضح مما سبق أن كلمة التمويه في اللغة تعني إحداث تغير في شكل الشيء الخارجي بطلائه بمادة مغايرة لمادته الأصلية. والهدف من ذلك إضافة نوعٍ من الجمال والحسن والأبهة على شكله الخارجي.

شباك زجاجي (شمسية) في مدرسة السلطان برسباي في القاهرة - العصر المملوكي

المعنى الاصطلاحي عند الباحثين:

هو زخرفة الزجاج بماء الذهب - وإن شاع على التمويه بالذهب لفظ التذهيب - أو المينا، وذلك برسم زخارف ورسومات ملونة بمادتهما السائلة على سطح القطع الزجاجية، ثم توضع في فرن خاص وفي درجة حرارة معيّنة حتى يتم تثبيت هذه الزخارف والرسوم.

ولم يكن المسلمون أول من استخدم المينا؛ إنما سبقهم إلى ذلك القدماء كالمصريين والرومان والبيزنطيين إلا أن المسلمين ابتكروا طرقاً جديدة لم تكن معروفة من قبل، وهي تثبيت المينا على الزجاج بالحرارة حيث كانت هذه الطريقة تبدأ عادة بقيام الفنانين برسم خطوط خارجية للعناصر الزخرفية على بدن القطع الزجاجية المراد تمويهها في المساحات الكبيرة بالقطعة بوساطة ريشة أو فرشاة، ثم تحرق الآنية في الفرن للمرة الأولى، ويلي ذلك تحديد موضع الرسم باللون الأحمر، ثم يطلى هذا الموضع بالمينا ذات الألوان التي تختلف باختلاف عناصر الزخرفة، ثم تثبت المينا في الفرن للمرة الثانية.

مراحل تطور التمويه:

ورث المسلمون فنون الزخرفة على الزجاج باستخدام الذهب كمحلول للزخرفة لا كرقائق ذهبية تلصق بسطح الأواني، وعرف ذلك بالتمويه بالذهب أو التذهيب. وقد أثبت ما عثر عليه في مدينة الفسطاط بمصر أن الزجاجين المسلمين عرفوا طلاء الأواني الزجاجية بسائل الذهب الخالص حيث عثر على قنينة نقش عليها بعض الزخارف بسائل الذهب خدشاً بالإبرة، وما تزال تلك القنينة موجودة بالمتحف البريطاني في لندن، ويرجع تاريخ صنعها إلى العصر الفاطمي. ويبدو أن طلاء الأواني بالذهب كان ذا كلفة، فاستعاض منه الزجاجون الطلاء بالمينا الأرخص والأقل تكلفة ذا الألوان المتعددة.

قارورة من الزجاج من العصر العباسي (متحف دمشق)

المرحلة الأولى:

وهي مرحلة البداية حيث شهد القرن ٥هـ/١١م نهضة فنية في مجال صناعة الزجاج بلغت درجة عالية من التقدم والرقي والازدهار، وظهر هذا بجلاء في بعض القطع الزجاجية التي قدمها الزجاجون لبلاط الخلفاء الفاطميين، وامتازت تلك القطع بالرقة والجمال، وزينت ببعض العناصر الزخرفية تم طلاؤها بماء الذهب، وواكب ذلك ثورة فنية كبرى في مجال زخرفة الزجاج حيث استطاع الزجاجون المسلمون ابتكار طريقة جديدة للتمويه بالمينا.

وتبوأت الفسطاط والفيوم والإسكندرية بمصر وحلب ودمشق بسورية مركز الصدارة في إنتاج الزجاج المموه بالمينا، فأنتجت الكؤوس والقنينات والصحون العميقة (السلطانيات) والزبادي المموهة بالمينا، وكانت ذات ألوان زاهية غلب عليها اللون الأخضر والأحمر. وعثر على بعض القطع الزجاجية التي يعود تاريخها إلى القرن الخامس الهجري /الحادي عشر الميلادي في عصر الدولة الفاطمية حيث كانت ملونة باللونين البني والفضي ومموّهة بالمينا. وامتازت موضوعات العناصر الزخرفية الموجودة على الزجاج المموه بوجود بعض التفريعات النباتية والأشكال الهندسية والكتابات النسخية. وتجدر الإشارة إلى أن المتحف البريطاني في لندن يحتفظ ببعض القطع الزجاجية من سلطانيات وقنينات صغيرة ذات ألوان مختلفة مموهة بالمينا، كما يوجد بمتحف برلين قنينتان من الزجاج المموه بالمينا تنسبان إلى مصر في العصر الفاطمي خلال القرن (٥ -٦ هـ/ ١١- ١٢م)، وفي متحف الفن الإسلامي بمصر قاع آنية زجاجية تزينه زخارف مموّهة يرجع تاريخها إلى العصر الفاطمي.

كأس زجاجية من الرقة - من العصر العباسي تنسب إلى الخليفة المعتصم 217 - 227 هـ/832 - 841م (المتحف الوطني - دمشق)

المرحلة الثانية:

هي مرحلة الإبداع أو الاكتمال، وفيها شهدت صناعة الزجاج عموماً وفن التمويه خصوصاً تقدماً ملحوظاً، وقد ارتبطت هذه المرحلة بالفترة التاريخية منذ بداية حكم الأيوبيين لمصر والشام؛ ثم حكم دولة المماليك بشقيها البحري والبرجي؛ وذلك منتصف القرن ٦هـ/١٢م حتى القرن ٩هـ/١٥م، تمثل تلك الحقبة الزمنية العصر الذهبي لتمويه الزجاج عند المسلمين، ومرجع ذلك أمران:

١- الرعاية البالغة التي أولاها سلاطين هاتين الدولتين وأعيانهما لفن التمويه، وذلك مع رغبتهم في اقتناء العديد من المنتجات الزجاجية المموهة مثل الكؤوس والقنينات، والأهم من ذلك كله المشكاوات المموهة التي أصبحت تخلد ذكرى السلاطين والأعيان، وتقربهم زلفى إلى الله عز وجل وإلى شعوبهم؛ لذا فلم تكن تخلو هذه المشكاوات من ذكر أسماء السلاطين وشاراتهم ورنوكهم.

٢- هجرة الصناع من دار الخلافة ببغداد إلى بلاد الشام ومصر إثر غزو المغول لها وسقوطها سنة ٦٥٦هـ/١٢٥٨م. فحدث بها نهضة فنية في صناعة الزجاج، وحمل الصناع السوريون لواء هذه المرحلة، وغدت كل من دمشق وحلب مركزين لصناعة الزجاج المموه، وصارت الأواني الدمشقية والحلبية تصدر إلى جميع الأقطار الإسلامية وسائر الأسواق العالمية؛ وذلك خلال القرن ٧هـ/١٣م خاصة في عهد الظاهر بيبرس (٦٥٨-٦٧٦ هـ/١٢٥٩-١٢٧٧م). وكان من جملة أسباب انتشار الزجاج السوري المموه في العالم ما حمله الرحالة والحجاج والمحاربون الصليبيون من تحف وقطع زجاجية مموهة وهم عائدون إلى ديارهم حيث أُعجبوا بهذه القطع إعجاباً شديداً فائق الحد.

كأس زجاجية مذهبة ومطلية بالميناء بالألوان، عليها كتابة «عز لمولانا السلطان الملك العالم» من العصر المملوكي، القاهرة (متحف وولترز - بالتيمور)

مشكاة من الزجاج المطلي بالميناء، صُنعت للسلطان حسن في العصر المملوكي سنة 762هـ/1360م

 

وما تزال هذه التحف الزجاجية تُعدّ من كنوز المتاحف الأوربية والكنائس، وأهمها تلك التي تسمى بكؤوس القديسة هدويج؛ وهي مصنوعة من زجاج سميك ومموّهة تزينها بعض الزخارف.

ولم يقف الحال بصناع الزجاج المموه المسلمين عند صناعة الأواني الزجاجية من كؤوس وسلطانيات وصحون ونحو ذلك فحسب، إنما شهدت صناعة الزجاج المموه في هده المرحلة تطوراً عظيماً يُعدّ من أبدع ما حققوه وخلفوه في تلك الفترة من تحف زجاجية مموّهة؛ إذ شهدت الأسواق منتجات زجاجية جديدة مموّهة، كان من أهمها: «المشكاوات» أو قناديل الإضاءة التي صنعت لإنارة المساجد في الأقطار الإسلامية وبأيدي الصناع السوريين والمصريين خلال العصرين الأيوبي والمملوكي، والواقع أن ما وجد من مشكاوات من الزجاج المموه يدل على قمة الإبداع لفن التمويه. والمشكاة في الأساس هي غلاف خارجي من الزجاج الشفاف المموه بالمينا يوضع بداخله مصباح أو قنديل، ولهذا الغلاف الخارجي مقابض أو آذان مثبتة في بدنه؛ ليعلق منها في سقف المسجد، وكانت هذه المشكاوات ذات ألوان بديعة باهرة حيث كان الزجاج المموه بها بالمينا أو الذهب ذا ألوان مختلفة، منها الأبيض والأزرق والأحمر والأخضر والأصفر والوردي.

وهذا التمويه يؤلف عناصر زخرفية نباتية وهندسية ورسوم أزهار وأشجار وطيور وكتابات خطية من الخط الثلث أو الخط الكوفي المضفور أو خط النسخ؛ وذلك على أرضية المينا.

وكان يكتب على المشكاوات بعض الآيات القرآنية أو الجمل الدعائية إلى جانب ذكر اسم السلطان وألقابه وصفاته؛ كل هذا يجعل المشكاة آية من آيات الإبداع والجمال.

ومن أهم الأمثلة على المشكاوات المموهة تلك الموجودة بالمشهد الحسيني بالقاهرة، وهي مذهبة ومموهة بالمينا مهرت باسم السلطان الظاهر أبي سعيد برقوق.

زجاجة مذهبة ومطلية بالميناء مع التلوين، صُنعت للسلطان داوود من بني رسول، سلطان اليمن700 - 720هـ/ 1300 - 1320م (متحف ديترويت للفنون) قنديل زجاجي (مشكاة) من العصر المملوكي - الملك الظاهر - صناعة دمشقية ، وكان على ضريح خالد بن الوليد بحمص، وعليه كتابة «الملك العادل العالم» (متحف دمشق)

ويوجد بمتحف الفن الإسلامي في مصر ثلاث مشكاوات يرجع تاريخها إلى السلطان المملوكي الناصر قلاوون (ت ٧٦٢ هـ/١٣٦١م) مموهة بالمينا وذات ألوان مختلفة، وتُعدّ من أمّات القطع الزجاجية المموهة.

وقد شاع خلال هذه المرحلة استخدام بعض الأساليب الزخرفية بعينها عند تذهيب الزجاج أو تمويهه بالمينا عامة. وكانت رسوماً آدمية أو حيوانية أو زخارف نباتية وكتابات في الغالب كانت تنظم في مناطق أفقية وباتساعات مختلفة يفصلها عدد من الأشرطة الضيقة، كما شاع زخرفة الأكواب والأباريق المموهة بالمينا برسوم بعض الأشكال الآدمية كبيرة الحجم، ولعل أروع القطع الزجاجية المموهة والتي تمثل بجلاء تلك المرحلة إذ يرجع تاريخها إلى القرن ٨هـ/١٤م هي تلك القنينة الموجودة بمتحف المتروبوليتان Metropolitan بنيويورك حيث تغطي الزخارف المذهبة والمموهة سطح القنينة كله؛ مما جعلها تتفوق من حيث تنوع الزخارف وجمال الطلاء، ويزين الجزء العلوي من بدن هذه القنينة أشرطة من الزخارف المصفرة تكون ثلاث جامات يدخلها زخارف نباتية متشابكة بالألوان الأحمر والذهبي والأخضر والأبيض؛ وكل ذلك على أرضية زرقاء داكنة في حين يزين الجزء الرئيسي من البدن إفريز زخرفي يضم أشكال فرسان يبارز كل واحد منهم الآخر وهو يعتلي صهوة جواده، وتتنوع أغطية رؤوس هؤلاء الفرسان بين عمائم وقلنسوات وخوذ، أما رقبة القنينة فإنها ازدانت بشريط عريض مع رسم عنقاء نشرت جناحيها، فأحاطت بكل جدار الرقبة.

المرحلة الثالثة:

فيها تغير الحال بالنسبة إلى صناعة الزجاج وفنونه، فلم يعر سلاطين العثمانيين صناعة الزجاج وفنونه الزخرفية اهتماماً، واستغنوا باستيراد الزجاج عن التصنيع، واكتفوا بما كان يأتيهم من قطع زجاجية من البندقية ومنطقة بوهيميا التشيكية، وانصرف الصناع عن القطع الزجاجية المذهبة والمموهة بالمينا كالمشكاوات التي كان يطلبها السلاطين والأعيان وذات الكلفة العالية، وانحصر معظم إنتاج الزجاج المموه في عهد العثمانيين في السلطانيات والدوارق والكؤوس، وزاد اهتمام الصناع بالزخارف البارزة على الزجاج أو بالمدهون، وقل تمويه الزجاج أو تزيينه.

ولعل أهم ما أنتج في هذه المرحلة من زجاج مموه هي قوارير ماء الورد التي عملت من الزجاج الأبيض المعتم، وزينت بماء الذهب، وعرفت باسم بيكوز.

فاطمة السليطي

مراجع للاستزادة:

- سعاد ماهر، الفنون الإسلامية (الهيئة العامة للكتاب، القاهرة ١٩٨٧م).

- علي أحمد الطايش، الفنون الزخرفية الإسلامية المبكرة (العصر الأموي والعباسي) (مكتبة زهراء الشرق، القاهرة 2003م).

- م.س. ديماند، الفنون الإسلامية ، تر:أحمد عيسى ( دار المعارف، القاهرة 1982م).


التصنيف : آثار إسلامية
المجلد: المجلد الرابع
رقم الصفحة ضمن المجلد :
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 479
الكل : 31413636
اليوم : 7127