logo

logo

logo

logo

logo

الجيش في العصور الكلاسيكية

جيش في عصور كلاسيكيه

-

 الجيش

الجيش

الجيش في العصور الكلاسيكية

الجيوش الإغريقية الجيوش الهلنستية
الجيش الإسبرطي الجيش السلوقي
الجيش المقدوني الجيش القرطاجي
المرتزقة الإغريق الجيش الروماني
الجيش الفارسي الجيش البيزنطي
 

الجيوش الإغريقية:

لم تعرف بلاد اليونان في تاريخها القديم الوحدة السياسية، وإنما ساد فيها منذ القرن السابع قبل الميلاد نظام دولة المدينة (بوليس polis)، وهكذا قامت فيها المئات من دول المدن الصغيرة والكبيرة الحريصة على حريتها واستقلالها، والتي كان لها دستورها وقوانينها وجيشها. وقد برزت كلٌّ من إسبرطة وأثينا أعظم قوتين عسكريتين إغريقيتين في العصر الكلاسيكي، ومع ذلك فإن أعداد جيش كل منهما لم يتعد عشرة آلاف مقاتل إلا نادراً.

كانت جيوش هذه المدن جيوشاً شعبية في المقام الأول أشبه بالميلشيات تتكون حين يدعو داعي القتال من مجموع المواطنين الأحرار الذين تراوح أعمارهم بين الثامنة عشرة والستين. وكانت الخدمة العسكرية واجباً على كل مواطن، ومرتبطة بقدرته على تسليح نفسه، وهكذا كوّن النبلاء سلاح الفرسان، أما الطبقة الوسطى فكوّنت سلاح المشاة الثقيل، وكوّن فقراء المواطنين سلاح المشاة الخفيف. وكان من نتيجة ازدياد الغنى في تلك المدن أن صار بإمكان أعداد كبيرة من المواطنين أن يجهزوا أنفسهم بالسلاح الثقيل المتمثل بالدرع والخوذة والترس والسيف والرمح وهو ما تميز به المقاتلون الإغريق الذين عرفوا باسم هوبليت Hoplites، والذين صاروا يشكلون قوة المشاة الرئيسة في الجيوش الإغريقية.

كانت التشكيلات القتالية لهؤلاء الجنود الهوبليت- كما تتمثل في الجيش الأثيني- تتألف في العادة من ثمانية صفوف متراصة تقاتل كتلة واحدة، وتدعى فلانكس Phalanx إذ كانت هذه الكتل المتراصة أو الكراديس تعدُّ قلب الجيش في المعركة. وقد أثبت هذا التنظيم كفايته وتفوقه في كثير من المعارك ومن أهمها معركة ماراتون Marathon سنة ٤٩٠ ق.م؛ حيث انتصر الأثينيون بقيادة ميلتياديس Miltiades على جيش فارسي كبير يفوقهم عدداً، وكذلك في معركة بلاتايا Plataea سنة ٤٧٩ ق.م، وهي أكبر معارك الحروب الفارسية البرية؛ إذ شاركت أثينا بثمانية آلاف هوبليت كانوا ينتظمون في عشر وحدات عسكرية (تدعى تاكسيس taxeis) تبعاً لعدد القبائل الأثينية العشر، يرأس كلاً منها قائد عسكري منتخب يدعى استراتيجوس strategos. وكان الجيش الأثيني يضم أيضاً وحدات المشاة الخفيفة التي تتكوّن من المواطنين الأقل ثراء، ولكن غالبيتها كانت من المرتزقة الأجانب. لم يكن للفرسان إلا دور ثانوي بسبب تراجع دور النبلاء في الحياة السياسية والاجتماعية، وهكذا فإن الإغريق في الحروب الفارسية كانوا تحت رحمة سلاح الفرسان الفارسي، وبعدها كوّنت أثينا قوة خيالة تتألف من ٣٠٠ فارس، وقد اشتهرت منطقتا تساليا وبيوثيا بفرسانها المسلحين.

مقاتل هوبليت إغريقي

الجيش الإسبرطي:

كانت إسبرطة مثال الدولة العسكرية بامتياز، وتكاد تكون كلمة مواطن مرادفة لكلمة جندي المشاة المسلح hoplite. ولم يعرف الإسبرطيون مهنة لهم سوى التدرب على القتال والحياة العسكرية التي نذروا أنفسهم لها منذ نعومة أظفارهم حتى سن الستين، لذلك صاروا مضرب المثل في صمودهم وشجاعتهم وتفانيهم في القتال.

وهكذا كان الجيش الذي يقوده ملوك إسبرطة عماد قوتها وباني أمجادها. كان الموت في ميدان القتال أعظم شرف يناله الإسبرطي، أما الهزيمة في الحرب فكانت عاراً لا يمحى، وكانت الأم تودع ابنها حينما يذهب إلى ساحة الوغى بقولها: «عد بدرعك أو محمولاً عليه».

كانت التشكيلة الرئيسة في الجيش الإسبرطي هي الكتيبة (اللوخوس lochos) المكونة من ٦٤٠ رجلاً، وخلال القرن الخامس ق.م ظهرت تشكيلة اللواء (المورا mora) الذي يضم كتيبتين إحداهما من الإسبرطيِّين والأخرى من السكان القاطنين. كما كان لدى إسبرطة قوات خفيفة التسليح من الرماة وحملة الرماح، وهم من جنود الحلفاء تحت قيادة الضباط الإسبرطيِّين.

اشتهر الفلانكس الإسبرطي بأنه قوة لا تقهر في المعركة، وقد أظهر تفوقه الكبير في الحروب الفارسية؛ إذ شاركت إسبرطة بخمسة آلاف هوبليت في معركة بلاتايا، وكان ملكها القائد العام للقوات الإغريقية كافة التي أحرزت النصر، مثلما خرجت منتصرة أيضاً في الحرب البيلوبونيزية (٤٣١-٤٠٤ ق.م) ضد أثينا وحلفائها، وتسلمت زعامة بلاد اليونان بلا منازع عشرات السنين.

ولكن هذا الجيش الذي لا يقهر لقي هزيمة منكرة في معركة لويكترا Leuktra (٣٧١ ق.م) ثم في معركة مانتينيا Mantinea (٣٦٢ ق.م) على يد القائد الطيبي إبامنيونداسEpaminondas الذي تمكن بفضل تنظيم سلاح المشاة والفرسان واستخدام طريقة القتال الجانبي وتركيز قواته على الجناح الأيسر؛ من اكتساح ميمنة الجيش الإسبرطي ثم هاجم مؤخرة الفلانكس الذي اضطربت صفوفه وتفكك ولم تقم له قائمة بعدها، وكان ذلك نهاية مجد إسبرطة العسكري.

مقاتل هوبليت إسبرطي

الجيش المقدوني:

يعود إلى الملك فيليب الثاني Philippos II (٣٥٦-٣٣٦ق.م)؛ الفضل في تنظيم الجيش المقدوني على أحدث الأسس في عصره باستخدامه كل أنواع الأسلحة المعروفة آنذاك بفعالية كبيرة: المشاة والفرسان والرماة. وأعظم إنجازاته تأليف ما أصبح يعرف باسم الفلانكس المقدوني الذي تميز بمضاعفة قوته البشرية فصار يتألف من ثمانية آلاف مقاتل ينتظمون في ١٦ صفاً مزودين برماح قوية يزيد طولها على ستة أمتار. كما تدارك نقطتي الضعف في الفلانكس الإغريقي- وهما انكشاف الجانبين وعدم القدرة على المناورة- بأن نظم قوة من المشاة الخفاف التسليح (رماة ورماحين وقاذفي سهام) ودرّبها، كانت مهمتها الاساسية العمل على جانبي الفلانكس لتوفير الحماية له وحرية الحركة كما نظم سلاح فرسان ثقيل التسليح للهجوم والصدام يتألف من الشبان النبلاء المقدونيِّين، واستخدم كتائب من الفرسان الخفاف التسليح للاستطلاع والمطاردة.

أثار مقاتلو هذا الفلانكس المدججون بالسلاح وبدروعهم ورماحهم الطويلة (المسماة ساريساsarissa) التي يلوحون بها؛ منظراً مرعباً في ساحة القتال لا يمكن مقاومته سواء في الهجوم أم في الدفاع. وكانت كتائب الفرسان الثقيلة على الجناحين هي المدربة على إحداث الصدمة بهجماتها الخاطفة؛ في حين كانت كتائب المشاة الخفيفة على جانبي الفلانكس توفر له المناورة والمرونة اللازمة في المعركة. كان هذا هو الجيش الذي تمكن فيليب بوساطته من إخضاع بلاد اليونان، والذي قاده ابنه الإسكندر لاجتياح الامبراطورية الفارسية والسيطرة على العالم القديم.

وقد أثبت مقدرته وامتحانه الكبير في معركة إيسوس Issos سنة ٣٣٣ق.م مثلما أثبتها في معركة جاوجميلا (قرب أربيل ) سنة ٣٣١ق.م حيث تمكن من تحقيق انتصار كاسح على جيوش الفرس التي كانت تفوقه أضعافاً مضاعفة.

المرتزقة الإغريق:

إضافة إلى هذه الجيوش القومية المؤلفة من المواطنين بدأ الإغريق منذ الحرب البيلوبونيزية يستعينون بالجنود المرتزقة؛ فاستخدمت أثينا رماة السهام من أهالي كريت ورماة المقاليع من رودوس وحملة الدروع من تراقية. وبدأت المدن الإغريقية بتحوير جيوشها وإدخال عناصر من المرتزقة فيها بعد أن تراجعت الروح العسكرية لجنودها ومواطنيها بسبب كثرة الحروب الخارجية والداخلية.

وظاهرة الارتزاق قديمة في بلاد الإغريق، نشأت بسبب فقر بلاد اليونان وقلة مواردها واستمرار الصراعات بين دول مدنها وطبقاتها الاجتماعية، وقد اشتهر المرتزقة الإغريق بمهارتهم القتالية وانضباطهم العسكري، فكانوا يخدمون في جيوش مصر منذ القرن السابع ق.م، كما خدموا في جيوش الفرس حتى تلك التي حاربت الإسكندر في إيسوس وجاوجميلا، واستعان بهم الملك فيليب رديفاً لجيشه، وكذلك الإسكندر الذي اعتمد عليهم ولاسيما في المستوطنات العسكرية، وخلال توغله في الشرق وصولاً إلى الهند.

الجيش الفارسي:

كان الجيش الفارسي الذي أنشأه مؤسس الامبراطورية الأخمينية الملك قورش الكبير(٥٥٩-٥٢٩ق.م) قد اقتبس كثيراً من أساليب القتال والتنظيمات العسكرية الآشورية وعلى رأسها سلاح الفرسان والعربات الحربية التي تم تطويرها لتصبح سلاح هجوم يثير الذعر في صفوف الأعداء؛ وذلك بتزويد حوافها وعجلاتها بمناجل فولاذية قاطعة.

كانت فرقة الحرس الملكي النواة الأساسية لهذا الجيش، وتتكون من جنود النخبة الفرس الذين عرفوا بـ «الخالدين» لأن عددهم عشرة آلاف بصورة دائمة، وكان الجيش العامل كله من الفرس والميديِّين بلا استثناء، ومنه تألفت معظم الحاميات المرابطة في الأماكن الاستراتيجية المهمة. أما القوات الحربية فكانت تتكوّن حين يدعو داعي القتال؛ من فرق يتم تجنيدها من جميع الأمم الخاضعة لسلطان الفرس، وكل فرقة تتكلم بلغتها وتقاتل بأسلحتها وتتبع أساليبها الحربية الخاصة بها، ولكنها تقاتل تحت إمرة قادة فرس. يضاف إلى هؤلاء المرتزقة وعلى رأسهم الإغريق الذين خدموا بأعداد كبيرة في الجيوش الفارسية وشاركوا في كثير من معاركها، وخاض هذا الجيش معارك الحروب الفارسية في بلاد اليونان (في مراتون وبلاتايا) بقيادة الملك اكسركسيس الذي حشد (سنة ٤٨٠ق.م) جيشاً عرمرماً من مختلف أنحاء الامبراطورية، وصل تعداده بحسب المؤرخ الإغريقي هيرودوت إلى مليوني جندي، وهو رقم خرافي يصعب تصوره. ويقدر المؤرخون المعاصرون عدده بنحو ١٥٠ألف مقاتل. كما خاض معارك ضارية مع الإسكندر الكبير المقدوني بقيادة الملك دارا الثالث في معركتي إيسوس على خليج الإسكندورنة (٣٣٣ق.م) وجاوجميلا في شمالي العراق (٣٣١ ق.م)، ولكنه هزم في كل هذه المعارك بسبب قلة تنظيمه وتدريبه ومقدرته القتالية على عكس الجيوش الإغريقية والمقدونية.

وقد اشتهرت جيوش الفرس بخيالتها من شعوب آسيا الوسطى المتمرسين بالفروسية وبمهارتهم في رمي السهام، وكانوا في غاية الخطورة على جيش الإسكندر في معركة جاوجميلا.

كما أن خيالة الفرثيِّين أحرزت انتصارات كبيرة على الجيوش السلوقية والرومانية، كما تمكنوا في سنة ٥٣ ق.م من إبادة جيش روماني كبير في معركة حران.

جنود النخبة الفرس (الخالدون)

الجيوش الهلنستية:

نشأت جيوش الممالك الهلنستية في المقام الأول من تفكك الجيش الكبير الذي خلفه الاسكندر المقدوني وتقاسمه كبار قواده من بعده، وعلى رأسهم سلوقس وبطلميوس وأنتيجونوس ولوسيماخوس، الذي صار نواة تلك الجيوش، ثم أضيف إليها فيما بعد وبصورة متزايدة عناصر أخرى من المرتزقة والشعوب المحكومة. وهكذا فإن السمة البارزة هي أنها لم تكن جيوشاً قومية أو وطنية وإنما غلبت عليها الصبغة الدولية. وبما أن الجيوش والقوة العسكرية كانت الأساس الذي قامت عليه الممالك الهلنستية، كما كانت الوسيلة التي تمكنها من توسيع ممتلكاتها وحمايتها من الأطماع الخارجية، فقد أولى الحكام والملوك الهلنستيون الجيش عظيم إهتمامهم، وفي مقدمتهم السلوقيون والبطالمة.

الجيش السلوقي:

كانت الامبراطورية السلوقية بحكم اتساعها الهائل وامتدادها من البحر المتوسط غرباً حتى الهند شرقاً وبسبب تعدد العناصر والشعوب التي تضمها، بحاجة إلى جيش كبير، ولكن الإمكانات المادية لم تكن تسمح بالإبقاء على مثل هذا الجيش تحت السلاح بصورة دائمة. ونجم عن ذلك أن الجيش السلوقي النظامي (أو العامل ) كان محدود العدد، وقد انتشرت فرقة في الأقاليم والعواصم والحصون بصفة حاميات عسكرية تكفل الأمن والاستقرار في ربوع المملكة.

وإلى جانب هذا الجيش عمد ملوك سورية السلوقيون إلى إنشاء عشرات المستوطنات العسكرية katoikia في المناطق الاستراتيجية أو المهددة من امبراطوريتهم، وأسكنوا فيها مستوطنين عسكريِّين katoikoi أقطعوهم أرضاً زراعية kleroi توفر لهم وسائل العيش في أوقات السلم على أن يلتحقوا بالجيش كلما دعا داعي القتال. وهكذا كانت تحت تصرف الدولة السلوقية خلايا عسكرية وأعداد كبيرة من المقاتلين يلبون النداء من دون الحاجة إلى الإنفاق عليهم باستمرار كما كان الحال بالنسبة إلى الجيش النظامي.

ومن أشهر الأمثلة على هذه المستوطنات العسكرية في سورية مدينة دورا أوروبوس (الصالحية ) على الفرات التي بقيت حصنا ًعسكرياً مهماً في العصور التالية، وكانت تعسكر فيها حامية عسكرية قوية تدافع عنها وتحمي الطرق التجارية المارة بها.

وتجدر الإشارة إلى أن مدينة أفامية الواقعة على نهر العاصي كانت العاصمة الحربية للسلوقيِّين، والتي وضعوا فيها ترسانتهم الحربية ومخازن أسلحتهم والقسم الأكبر من الجيش وأهم فرقهم والمدربين ومعلمي فنون القتال، وبحسب ما يذكره استرابون في جغرافيته (Str.XVI) فإنها كانت تضم في عهد مؤسس المملكة سلوقس الأول ثلاثمئة جواد كريم وثلاثين ألف فرس إضافة إلى خمسمئة فيل هندي وجدت في سهول الغاب مرتعاً وفيراً لها.

وقد عمد البطالمة في مصر أيضاً إلى استخدام هذا النظام في جيوشهم فوطنوا الجنود في مستعمرات عسكرية دعيت كليروخيا kleruchia وهم في الأصل مرتزقة من جنسيات مختلفة يغلب عليها العنصر الإغريقي، ومن أشهر الأمثلة على هذه المستوطنات تلك التي قامت في منطقة الفيوم جنوبي القاهرة.

كان الجيش السلوقي يتألف من ثلاثة أقسام رئيسة تضم المشاة والخيالة والفيلة.

المشاة:

كان الفيلق المقدوني (فلانكس phalanx) يمثّل العمود الفقري لسلاح المشاة، وقد اشتهر جنوده برماحهم الضخمة التي يصل طولها إلى سبعة أمتار (وتدعى ساريسا sarissa) ومجناتهم الكبيرة، وكانوا يتسلحون أيضاً بالسيوف ويتسربلون بالدروع والخوذ والصفائح المعدنية التي تغطي سواعدهم وأرجلهم، وكانت صفوفهم المتراصة تعدّ جبهة حديدية لا تقاوم ولا يمكن اختراقها؛ ويبدو أن عدد رجال الفيلق كان يمثل ثلث الجيش السلوقي أي نحو عشرين ألف مقاتل.

وإلى جانب الفيلق كانت توجد فرق الرفاق المشاة (بيزيتايروي pezetairoi)؛ وهي فرق نظامية خفيفة العدة وتسمى حملة الدروع لأن رجالها كانوا يحملون الدروع المقدونية، وكانوا يلازمون الملك شخصياً، ويمثلون جزءاً من الحرس الملكي.

كما اعتمد السلوقيون على صنف آخر من المشاة خفيفي التسليح، وكانوا من المرتزقة الذين يُعرفون أحياناً باسم أسلحتهم أو جنسياتهم. وقد كوّن الكريتيون أحد عناصر الجيش السلوقي المهمة لبراعتهم في استخدام القوس والنشاب ولاسيما في حرب الجبال، ونظراً لشهرتهم في هذا النوع من القتال فإن الجيوش الهلنستية كانت تضم فرقاً منهم.

كما كان هذا الجيش يضم فرقاً من الكاريّين والكيليكيّين والتراقيّين وكذلك الغاليّين (الغال في آسيا الصغرى ) الذين اشتهروا بدروعهم المستطيلة وسيوفهم الطويلة وشدة بأسهم.

الفرسان:

كوّن الفرسان فرقاً مختلفة تتباين في أهميتها ومكانتها ويأتي على رأسها فرقة الخيالة الملكيّين التي كانت تحيط بالملك في أثناء المعركة، وتعد صفوة كتائب الفرسان الرفقاء (هيتايروي hetairoi) المؤلفة من الفرسان النبلاء المقدونيّين، وقد وصل عددها إلى ألفي فارس في عهد الملك أنطيوخوس الثالث الكبير.

أما فرق الفرسان العاديِّين، والتي كانت تعرف باسم (أجيما agema)؛ فتختلف المصادر التاريخية في تعريف جنسياتهم، في حين يذكر المؤرخ الروماني ليفيوس أنها كانت تتألف من الفرسان الفرس؛ يذكر المؤرخ ديودور الصقلي أن التساليّين من سكان مدينة لاريسا Larisa السورية (قلعة شيزر) كانوا يؤلفون الكتيبة الأولى من الأجيما في زمن سلوقس الأول، وقد ضمت هذه الفرقة فيما بعد جنسيات مختلفة إضافة إلى المقدونيّين. وكان سلاح الفرسان يضم أيضاً فرقة الفرسان المدرعة المعروفة باسم كتافراكتوس kataphraktos وهي الفرقة المسلحة حسب النموذج الفارسي، وكذلك فرق العربات المنجلية التي سار منها١٢٠ في العرض العسكري الذي جرى في دفنة قرب أنطاكية سنة ١٦٧ ق.م. ولكن يبدو أنه لم يكن لها أهمية كبيرة مثلما كانت في الجيوش الفارسية ومن قبلها الآشورية.

الفيلة الحربية:

كان الإسكندر المقدوني قد اصطدم بالفيلة الحربية الهندية سنة ٣٢٦ ق.م في المعركة التي خاضها ضد ملك الهند بوروس Poros، ورأى هو وكبار قادته تأثيرها النفسي الكبير في المقاتلين وفعاليتها في الهجوم؛ فقد كانت أشبه بسلاح الدبابات في هذه الأيام. وهكذا عرف أهميتها خلفاؤه السلوقيون (وكذلك البطالمة) واستخدموها في جيوشهم وعلى رأسهم سلوقس الأول الذي يدين لها بانتصاره الكبير في معركة إبسوس Ipsos سنة ٣٠١ق.م، وبعد استيلائه على سورية التي جعل منها قاعدة ملكه وأقام فيها عاصمته الحربية أفامية التي صارت تضم فيلته الحربية الهندية التي وصل عددها كما يذكر المؤرخون إلى خمسمئة فيل حربي. لذلك لم يكن من الغريب أن أُطلق عليه لقب قائد الفيلة elephantarchos، وأن يبقى رسم الفيل أحد الشعارات المميزة للنقود السلوقية حتى أواخر القرن الثاني قبل الميلاد.

وقد استخدم أنطيوخوس الأول هذه الفيلة ضد الغلاطيّين Galati في آسيا الصغرى، وكذلك أنطيوخوس الثالث في معركة رفح الشهيرة سنة ٢١٧ ق.م؛ حيث أظهرت تفوقها على فيلة البطالمة الإفريقية، وكذلك في معركة ماغنيزيا ١٨٩ ق.م ضد الرومان، واستخدمها دمتريوس الثاني ضد المتمردين اليهود في فلسطين.

كانت الفيلة تؤدي خدمات كبيرة في المعارك فهي إلى جانب تهديدها الفرسان والمشاة وهدم تحصينات العدو، فإنها كانت تحمل على ظهورها أبراجاً خشبية يقف فيها عادة أربعة محاربين من رماة السهام والرماح إضافة إلى سائقها الماهوت mahout. وكان يضاف إلى شرابها قبل المعركة مواد مسكرة لزيادة هياجها وعنفوانها. ولم يكن الفلانكس الإغريقي بكتله المتراصة قادراً على مجابهتها لأنه يفتقد إلى حرية الحركة والمناورة، على عكس الليجون الروماني الذي كانت كتائبه قادرة على التراجع والتباعد أمامها يمنة ويسرة، كما حدث في معركة ماغنيزيا ضد أنطيوخوس الكبير مما أضعف تأثيرها وسهل عزلها والإحاطة بها.

ونظراً لأهميتها الكبيرة في المعارك فقد اشترط الرومان على السلوقيِّين في معاهدة أفامية سنة ١٨٨ ق.م تسليم فيلتهم الحربية. وقد أثار قتل هذه الحيوانات الضخمة سنة ١٦٢ق.م في أحد ملاعب مدينة اللاذقية نقمة جماهيرية كبيرة أدت إلى مقتل الموفد الروماني الذي جاء لتنفيذ بنود المعاهدة ويختفي ذكرها بعد ذلك إلا فيما ندر. وهكذا تراجعت أهمية الفيلة الحربية مع نهاية العصر الهلنستي وصعود روما قوة عسكرية عظمى في العالم القديم.

كانت الفيلة تحظى بشعبية كبيرة في سورية تدل عليها الألقاب التي أطلقت على بعضها وكذلك الطرف والأمثال التي تروى عنها، ومن الطريف الإشارة إلى أنها كانت تحصل أحياناً على أوسمة استحقاق مثالية مصنوعة من الفضة.

الجيش السلوقي في المعارك:

كان الفيلق المقدوني يمثّل قلب الجيش السلوقي؛ في حين مثّل المشاة الخفاف التسليح-ولا سيما حملة الرماح مع كتائب الفرسان-جناحي الميمنة والميسرة. وقد وصفه المؤرخ أبيانوس بأنه يبدو في المعركة كسورٍ قوي على حين تبدو الفيلة كأنها أبراج لهذا السور، كما سمى الحروب التي خاضتها الجيوش السلوقية ضد الرومان بالحروب السورية Syrian Wars.

كان الملك هو القائد الأعلى للجيش ومصدر كل سلطة حربية، وهو الذي يقود الجيش في المعارك، ومن خلال استعراض سيرة ١٤ ملكاً سلوقياً حكموا حتى سنة ١٢٩ ق.م تتجلى الطبيعة القتالية لملوك سورية السلوقيّين؛ إذ سقط عشرة منهم في ميادين القتال أو في أثناء حملاتهم الحربية.

ويظهر استعراض الفرق المشاركة في معركة رفح سنة ٢١٧ق.م-وهي أكبر المعارك التي جرت على أرض سورية بين السلوقيِّين والبطالمة- وضع الجيش السلوقي في أوج قوته، وقد كانت على النحو التالي:

1 - المقدونيون وتعدادهم ٠٢ ألف رجل

2 - العناصر الآسيوية ٥١ ألف رجل

3 - العرب ٠١ آلاف رجل

4 - الميديون ٥ آلاف رجل

5 - المرتزقة الإغريق ٥ آلاف رجل

٦ - حملة الأقواس الفرس ألفان

٧ - الكريتيون ٠٠٥١ رجل

٨ - التراقيون ٠٠٠١ رجل

٩ - عناصر أخرى ٠٠٥٢ رجل

ومما يثير الاهتمام مشاركة العرب في هذه المعركة بعشرة آلاف جندي، ويبدو أنهم كانوا يكونون فرقاً خاصة من الجمالة الذين اشتهروا برمي السهام، والذين لا يمكن الاستغناء عنهم في حروب الصحراء.

ولكن مقدرة الفلانكس المقدوني تراجعت في القرن الثاني قبل الميلاد حتى في مقدونية نفسها ولذلك لم يستطع الصمود أمام الليجون legion الروماني سواء في معركة كنوس كفالي سنة ١٩٦ ق.م ضد فيليب الخامس المقدوني أم في معركة ماغنيزيا ضد أنطيوخوس الكبير، وأخيراً في معركة بيدناPydna سنة ١٦٨ ق.م التي انتهت بالقضاء على المملكة المقدونية وملكها برسيوس.

لقد كان بإمكان السلوقيِّين تجنيد جيوش كبيرة عندما يعلنون التعبئة العامة في المملكة، فقد بلغ عدد الجيش الذي قاده أنطيوخوس الثالث في معركة رفح ٦٢ ألف جندي من المشاة إضافة إلى ٦ آلاف فارس و١٠٢ فيل حربي، وشارك في العرض العسكري الكبير الذي أقامه أنطيوخوس الرابع سنة ١٦٧ ق.م في دفنة نحو ٥٠ ألف جندي وفارس إضافة إلى وحدات عسكرية من المدن السورية.

كما كان الجيش السلوقي يضم أرتالاً كبيرة من قوافل النقل والوحدات الخدمية غير المقاتلة بدءاً من الطباخين وانتهاء بالفنانين والمترجمين من أجل توفير الخدمات التموينية في أثناء الحملات العسكرية.

الجيش القرطاجي:

لم يكن للجيش البري في قرطاجة شهرة أساطيلها البحرية، ومع ذلك فقد برز في الحرب البونية الثانية (٢١٨-٢٠١ ق.م) بقيادة هانيبال بوصفه أعظم قوة حربية في عصره. اعتمد القرطاجيون في جيوشهم على المرتزقة وذلك منذ القرن السادس قبل الميلاد، أي إنهم سبقوا المدن الإغريقية في هذا المجال. كانت الجيوش القرطاجية تحاكي في تشكيلها الجيوش الإغريقية والهلنستية وتضم جنوداً من مختلف البلدان الذين كانوا يحتفظون بتسليحهم وطريقة قتالهم المعهودة مثل رماة الحراب من جزر الباليار والإيبريِّين بأسلحتهم الإسبانية وكذلك الليبيّون والليجوريون، وكانت الكتلة الرئيسة تتمثل في وحدة الفلانكس phalanx وجنودها المسلحين تسليحاً ثقيلاً.

كانت قوة الجيوش القرطاجية تعتمد بصورة خاصة على الفرسان والمشاة الخفاف التسليح، وقد اشتهر الفرسان النوميديون بمهارتهم الفائقة في القتال ورمي السهام والحراب من على ظهور خيولهم الصغيرة الحجم، والتي كانوا يمتطونها من دون سرج وليس لها سوى الرسن. أما فرسان النخبة فكانوا من الخيالة المدرعين والمسلحين تسليحا ثقيلاً، وهم من القرطاجيّين النبلاء الذين كانوا يتسابقون إلى الخدمة العسكرية؛ في حين كان معظم القرطاجيّين معفيّين منها وينصبُّ نشاطهم على التجارة في المقام الأول.

استخدم القرطاجيون الفيلة الحربية في حروبهم، وكانت الفيلة تعيش قديماً في جبال المغرب ولكنها لم تكن بحجم أو قوة الفيلة الهندية، ويبدو أنهم اقتبسوا استخدامها من السلوقيِّين والبطالمة. وقد عثر في قرطاجة على إصطبلات تتسع لنحو (٣٠٠) من هذه الحيوانات الضخمة.

وكان جيش هانيبال الذي غزا فيه إيطاليا يضم نحو ٤٠ فيلاً اجتاز بهم جبال البيرينه ثم جبال الألب في فصل الشتاء، ولكنها لم تتحمل الثلوج والبرد الشديد ومشقات عبور الجبال فنفقت ولم يبق منها سوى فيل واحد استخدمه هانيبال في تنقلاته، كما عرف الجيش القرطاجي العربات الحربية المصفحة سلاحاً للهجوم في مستهل المعارك.

كما أظهر القرطاجيون مهارة كبيرة في حصار المدن الإغريقية في جزيرة صقلية، وينسب إليهم ابتكار آلة الكبش (المعروفة عند الآشوريين)، واستعمال الأبراج المتحركة في الحصار، وحفر الأنفاق تحت الأسوار. ويروى أنه في أثناء حصار قرطاجة في الحرب البونية الثالثة (١٤٩-١٤٦ ق.م) كيف أن النساء تبرعن بشعورهن من أجل صنع أوتار المنجنيقات، وقد وُجدت كميات كبيرة من آلات الحصار والقذائف والكريات الحجرية في التنقيبات الأثرية في قرطاجة.

من المعروف أن المرتزقة لم يكونوا يدينون دائماً بالولاء للدولة التي تستخدمهم، ويعدون أحياناً خطراً عليها، ومن أشهر الأمثلة على تمردهم ثورتهم في أعقاب الحرب البونية الأولى (٤٦٢-١٤٢ ق.م) التي مثلت تهديداً كبيراً لقرطاجة حتى تمكن هملقار (والد هانيبال) من القضاء على هذا التمرد. ولمجابهة مثل هذه الأخطار فإن قرطاجة احتفظت لمواطنيها بالقيادة العليا، أما القيادات الدنيا فتُركت لقادة المرتزقة، وكانت تعاقب القادة الذين يخسرون المعركة بمنتهى الشدة.

وأعظم الحروب التي خاضتها قرطاجة، والمعروفة باسم الحروب البونية، كانت تلك الحرب التي شنها قائدها الكبير هانيبال على الرومان في عقر دارهم منطلقاً من إسبانيا عبر فرنسا وعبوره الأسطوري جبال الألب في فصل الشتاء ليهبط في شمالي إيطاليا ويُلحق الهزائم المتتالية بالرومان معتمداً طريقة الهجوم الخاطف، وحصر الأعداء بين فكي كماشة، وهكذا ألحق بالرومان هزيمة منكرة في معركة كاناي Cannae سنة ٢١٧ ق.م، والتي خلفوا فيها خمسين ألف قتيل، فكانت أعظم كارثة حربية في تاريخهم.

فريسكو في قاعة هانيبال في متحف الكابيتول في روما يصور هانيبال يعبر جبال الألب نحو روما قبل معركة كاناي سنة ٢١٧ ق.م

الجيش الروماني:

يمثل الجيش الروماني حالة فريدة في نوعها بين جيوش العالم القديم، إذ يمكن تتبع مراحل تطوره من جيش صغير لمدينة ناشئة إلى جيش هائل لامبراطورية مترامية الأطراف. وتميز الرومان عبر تاريخهم الطويل بروحهم العسكرية، فقد كان المواطن في الوقت ذاته جندياً، ومجموع المواطنين يكوّنون الجيش. كان تكوين الجيش في العصر الملكي (٧٥٣-٥١٠ ق.م) يستند إلى التنظيم القبلي فكانت كل قبيلة من قبائل روما الثلاثة (اللاتينية والسابينية والإتروسكية) تقدم ألف مقاتل ومئة فارس ينتظمون في عشر وحدات تضم كل منها مئة جندي وعشرة فرسان، وبذلك يكون مجموع الجيش الملكي ثلاثة آلاف جندي وثلاثمئة فارس.

وتغيرت الأمور مع تنظيم المجالس الشعبية المئوية، والمنسوب إلى الملك سرفيوس Servius لتصبح الثروة أساس تكوين الجيش في العصر الجمهوري، إذ جرى تقسيم المواطنين إلى ١٩٣ وحدة مئوية تنتظم في خمس طبقات اجتماعية فكان أغنى المواطنين يخدمون فرساناً (١٨ وحدة مئوية) ويمثل الأثرياء وحدات الجنود المسلحين تسليحاً ثقيلاً (٨٠ وحدة)، وباقي المواطنين يمثلون جند المشاة الخفاف التسليح (٩٠ وحدة مئوية)، وثمة خمس وحدات للحرفيِّين والموسيقيِّين وباقي الخدمات. وبالتالي فإن تعداد الجيش الروماني بلغ في مطلع العصر الجمهوري نحو عشرين ألف جندي (١٩٣٠٠جندي) يتوزعون على أربع فرق عسكرية.

كان على المواطنين الرومان الالتحاق بالخدمة العسكرية منذ سن ١٧ حتى ٤٦ سنة، وهؤلاء يدعون الجنود الشبان iuniores الذين يؤلفون الجيش المقاتل، أما المواطنون من سن ٤٧ حتى ٦٠ فهم المحاربون القدماء ويدعَون الشيوخseniores فيوكل إليهم مهمة الدفاع عن روما، وكان القنصلان يتوليان قيادة الجيش.

وبعد إصلاحات الزعيم الشعبي ماريوسMarius (١٠٥ ق.م) تغيرت طبيعة الجيش الروماني وتكوينه الطبقي فصار يضم عموم المواطنين الرومان بغض النظر عن ثروتهم وملكيتهم خاصة من طبقة البروليتاريا أي الفقراء الذين كانوا في أسفل السلم الاجتماعي، والذين صاروا يتطوعون للخدمة العسكرية مقابل الحصول على راتب من الدولة، وبعد خدمة تصل إلى ٢٠ سنة (وأحياناً أكثر) يتم تسريحهم ويصبحون جنوداً متقاعدين veterani يمنحون أرضاً يعيشون من دخلها. وكان من نتيجة هذا النظام أن أصبح هؤلاء الجنود أداة في أيدي قوادهم الكبار في الحروب الأهلية الرومانية التي اندلعت في أواخر العصر الجمهوري، وبالتالي صار لهم دور كبير في الحياة السياسية الرومانية.

كان سلاح المشاة في الجيش الروماني يتألف من فرق نظامية تدعى ليجونات، إذ يضم الليجون Legio نحو ٤٢٠٠ جندي ينتظمون في ثلاثة تشكيلات قتالية وفقاً للثروة والسن (١٢٠٠ من الرماحة hastati + ١٢٠٠ الأوائل princepes + ٦٠٠ احتياط triarii)، وكان هؤلاء من المشاة ثقيلي العدة والتسليح، يضاف إليهم ١٢٠٠ جندي خفاف التسليح. وكان كل تشكيل يتألف من عشر سرايا تدعى مانيبولوس manipulus، وتلحق بكل فرقة وحدة فرسان تدعى ala تضم ٢٠٠ فارس ينقسمون إلى عشر كتائب تدعى cohortes.

الجيش الروماني

ولكن منذ إصلاحات ماريوس طرأ تغيير على تشكيلة الليجون الذي صار ينقسم إلى ١٠ كتائب تضم كل منها ٦٠٠ جندي يتوزعون على سريتين manipulum، وتضم كل سرية وحدتين مئويتين؛ وهكذا صار تعداد الفرقة ستة آلاف جندي (ولكنه بقي عملياً لا يتجاوز ٤٢٠٠ جندي ). وقد اختفى في هذا التنظيم (المشاة خفاف التسليح) وكذلك وحدات الفرسان التي صارت تتكوّن من كتائب الحلفاء الإيطاليِّين الذين أصبحوا فيما بعد -منذ عام ٨٨ ق.م بعد حصولهم على حقوق المواطنة الرومانية -جنوداً في الفرق الرومانية. كانت القيادة العليا imperium في الجيش الروماني بيد القناصل consules، ولكن في أوقات الأخطار الداخلية أو الخارجية كان يتولاها الدكتاتور dictator يعاونه قائد الفرسان، وكان ضباط الفرقة يدعون النقباء العسكريِّين tribuni Militum، وكان عددهم ستة في كل لجيون، أما الوحدات المئوية فيقودها ضباط الصف سنتوريون centurions.

كان الانضباط disciplina في الجيش الروماني في منتهى الصرامة والشدة، وكان القائد الأعلى يملك حق الحياة والموت لجنوده بما في ذلك العقاب الجماعي الذي كان يقضي بإعدام عُشر الكتيبة (أي جندي من كل عشرة جنود بحسب القرعة). وبالمقابل كان الجنود الشجعان يكرمون بمنحهم جوائز وأوسمة مختلفة أما القائد المنتصر فيكافأ بإقامة موكب نصر في روما.

كانت كتائب الليجون الروماني تأخذ مواقعها في المعركة على شاكلة رقعة الشطرنج فتترك فراغات أو مسافات فيما بينها بحيث أن كتيبة في الصف الخلفي تأخذ موقعها دائماً في الفراغ الذي يفصل بين كتيبتين أماميَّتين؛ ممّا أعطاها قدرة كبيرة على المناورة والحركة.

وكان أهم سلاحَين لجندي الليجون هما الرمح القصير أو الحربة وتدعى بيلوم pilum والسيف الصالح للطعن والقتال، وكان يبدأ الهجوم بإطلاق الحراب ثم الالتحام مع العدو والقتال بالسيف.

نحت رخامي بارز لجنديي مشاة رومانيين مع دروع طويلة وفارس مع حصانه (١٢٢ ق.م)

ومن أهم ما تميزت به الجيوش الرومانية من غيرها هو المبدأ الصارم بألا يخيم الجيش في الليل أبداً من غير إقامة معسكر (كاستروم castrum) محصن بالخنادق والستائر الترابية.

شهد الجيش الروماني تطوراً آخر في العصر الامبراطوري فقد كانت الحاجة تدعو إلى وجود جيش دائم وقوي يستطيع الدفاع عن نظام الحكم الجديد ويحمي حدود الامبراطورية المترامية الأطراف، وهكذا نشأ الجيش الامبراطوري الروماني في عهد أغسطس (٢٧ق.م -١٤م) الذي صار يضم نوعين من القوات:

1 - الفرق النظامية (ليجونات) الثقيلة التسليح، وتتألف من المواطنين الرومان، والتي وصل عددها إلى ٢٥ فرقة تضم نحو ربع مليون جندي.

2 - القوات المساعدة auxilia الخفيفة التسليح التي لم تكن أعدادها تقل عن أعداد الفرق النظامية، وكان أفراد هذه القوات من سكان الولايات الذين يحصلون بدخولهم الجيش على حق المواطنة ويصبحون بمجرد انتهاء خدمتهم مواطنين روماناً. وهكذا صارت الخدمة في الجيش السلّم الذي يرتقي بوساطته سكان الولايات (من غير الرومان) إلى نيل حقوق المواطنة الرومانية.

كما أنشأ الامبراطور أغسطس الحرس الامبراطوري (البريتوري praetoriani) الذي يتألف من ٩ كتائب يصل عددها إلى نحو ٥ آلاف جندي يتم اختيارهم من المتطوعين الإيطاليِّين وكانوا تحت إمرة ضابطين كبيرين praefectus، ويتمتعون بامتيازات كثيرة، ويرابطون قرب مدينة روما وفيما بعد في روما نفسها.

كان الامبراطور القائد الأعلى للجيوش الرومانية، وهو الذي يُعيِّن قادة الفرق (الليجونات) الذين ينوبون عنه ويدعون legati، وكانوا من طبقة الشيوخ والفرسان، أما صف الضباط فكانوا من الطبقات الدنيا.

كانت معظم الفرق الرومانية ترابط على حدود الامبراطورية، ولاسيما على ضفاف نهر الراين والدانوب في أوربا وضفاف نهر الفرات في آسيا الصغرى وسورية.

وكان والي سورية الذي يحكمها باسم الامبراطور ويدعى (Legatus Augusti pro praetore) يقود الفرق الرومانية المرابطة فيها، والتي وصل عددها في أوقات السلم في عهد الامبراطور ترايانوس (٩٨-١١٧م) إلى خمس فرق وهي:

الفرقة السادسة عشرة الفلافية ترابط في سورا على الفرات Legio XVI Flavia ، الفرقة الرابعة السكيثية Legio IV Scythica ، الفرقة الثالثة الغالية Legio III Gallica، الفرقة الثالثة القورينية (ترابط في الولاية العربية ) Legio III Cyrenaica ، الفرقة السادسة فرَاتا (ترابط في رافنيا ومصياف )Legio VI Ferrata .

وكان يدعم هذه الفرق القوات المساعدة المكوّنة من أبناء البلاد، وينبغي الإشارة إلى الوحدات العسكرية التدمرية التي خدمت في الجيش الروماني في أماكن مختلفة من الامبراطورية.

أما سلاح الفرسان فكانت أهميته ثانوية عند الرومان، ولكن حروبهم مع قرطاجة ومقدونيا أظهرت الحاجة إلى الفرسان فاستعانت بهم روما، وكان بعضهم من حلفائها فتم الاعتماد على خيالة الحلفاء الإيطاليين ثم على الشعوب المشهورة بالفروسية كالنوميديِّين والغاليين. ومنذ عهد يوليوس قيصر تكوّنت كتائب الفرسان من القوات المساعدة في الولايات، واستخدمت للاستطلاع ولمطاردة الأعداء، كما كانت تتولى حماية أجنحة الجيش في المعركة.

بدأ استخدام الفرسان المدرعين في الجيش الروماني منذ عهد الامبراطور سبتيميوس سفيروس (١٩٣-٢١١م)، وذلك تقليداً لخيالة الفرس الذين عرفوا باسم (cataphractarii)، وكان الفرسان يتسربلون بدرع معدني وخوذة تحمي الرأس والخدين، كما يحمي الخيول درع يغطيها من الحديد أو النحاس، وكان سلاحهم الرئيس هو الرمح، وسيزداد استخدام هؤلاء الفرسان وأهميتهم في حروب الرومان والبيزنطيِّين مع الساسانيِّين.

تفاصيل مشهد فوق عمود تراجان يصور حملة الامبراطور الروماني تراجان في داسيا (رومانيا) (١١٣م)

الجيش البيزنطي:

تمخض عصر الفوضى السياسية والعسكرية في الامبراطورية الرومانية الذي أعقب نهاية حكم الأسرة السيفيرية (٢٣٥-٢٨٥م) وما رافقه من حروب وغزوات؛ عن إصلاحات جذرية تناولت الجيوش الرومانية ولاسيما منذ مطلع القرن الرابع الميلادي في عهد الامبراطور ديوقليتيانوس ومن بعده قسطنطين الكبير، وغيرت من طبيعتها ومهامها. وهكذا تراجع دور الفرق النظامية legiones والمشاة الثقيلة لأنها بطيئة التحرك، واستُبدَل بها عناصر خفيفة سريعة الحركة، وزاد الاعتماد على سلاح الخيالة الذي صار يضم:

1 - وحدات الفرسان الخفيفة السريعة المكونة من فصائل الفرسان النوميديِّين والموريتانيِّين من رماة الحراب والفرسان الدلمايتين السلافيين والفرسان النبالة (الجمالة ) الذين جندوا من مدينة تدمر خاصة.

2 - وحدات الفرسان المدرعة المدجّجين بالسلاح على الطريقة الفارسية المسماة (cataphractarii)، والتي صار قائدها ينافس قائد الحرس الامبراطوري في الأهمية والمكانة.

وقد لجأ الأباطرة إلى نظام الدفاع المتحرك بعد أن انهارت معظم الخطوط الدفاعية الثابتة limes، وتحولت قوات الحدود إلى ميلشيات مسلحة محلية limitanei استوطنت المناطق الحدودية وتكوّنت من سكان البلاد.

وبدأ تكوين قوات ضاربة متحركة دعيت vexiliatones، وضعت على أهبة الاستعداد والتحرك في المناطق الاستراتيجية المهمة، وكانت نخبة تلك القوات تكوّن فرقة جديدة هي فرقة رفاق الامبراطور comitatenses، أي قوات الحرس الخاص التي تحظى بامتيازات خاصة سواء في التسليح أم الرواتب أم شروط الخدمة.

وفي القرن الخامس الميلادي كان ثمة خمسة جيوش بيزنطية تحت إمرة القادة العسكريّين magistri militum تدافع عن الامبراطورية الرومانية الشرقية: اثنان يرابطان قرب القسطنطينية، وجيشان آخران ينتشران على امتداد نهر الدانوب في إيلّيريا (يوغسلافيا سابقاً) وتراقيا، وجيش خامس في الشرق m.m. per Orientem يرابط على امتداد نهر الفرات. وأحدث في القرن السادس منصب قائد جيش أرمينية m.m.per Armeniam.

وشمل هذا التطور أيضاً التسليح والتدريب، فأبطل نظام بناء المعسكرات المحصنة castra عند كل تحرك، والذي كان يعد من أهم خصائص الجيش الروماني، واستخدم الجلد السميك بدلاً من الحديد بالنسبة إلى دروع الصدر، وأُهملت الأسلحة القديمة الثقيلة، واستعيض منها بالحراب القصيرة والسيوف الخفيفة.

كما طرأ عامل خطير على الجيش الروماني منذ القرن الثالث؛ هو الإكثار من تجنيد المرتزقة ولاسيما الجرمان في وحدات خاصة تحت إمرة قادة من جنسهم. وزاد الاعتماد على الجيوش الحليفة foederati من جنسيات مختلفة. وبالنسبة إلى سورية فقد اعتمد الروم البيزنطيون على الغساسنة في حماية حدود البادية السورية من هجمات الفرس وحلفائهم المناذرة.

وقد وصلت قوة الجيش البيزنطي في القرنين الرابع والخامس إلى نحو ٦٥٠ ألف مقاتل، ولكن فقط كانت أقلية من هذا الجيش الهائل مدربة تدريباً جيداً وجاهزة للمعارك والقتال.

وفي عهد الامبراطور جستينانوس (٥٢٧-٥٦٣م) الذي سعى إلى إحياء أمجاد الامبراطورية الرومانية وقائديه الشهيرين بليزاريوس ونرسيس هبط عدد القوات الضاربة المقاتلة إلى ١٥٠ ألف جندي، واستمر العدد بعد ذلك في الهبوط، وأصبح لقب دوكس dux أي الدوق لقباً عسكرياً يحمله كبار قادة الفرق من المشاة والفرسان في النظام العسكري الجديد الذي تم فيه فصل السلطة العسكرية عن السلطة السياسية والإدارية.

محمد الزين

 

التصنيف : آثار كلاسيكية
المجلد: المجلد الخامس
رقم الصفحة ضمن المجلد :
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 1032
الكل : 43824249
اليوم : 107644