logo

logo

logo

logo

logo

إلا جبال (الامبراطور-)

الا جبال (امبراطور)

Elahagabal - Elahagabal



إلاجبال (الامبراطور-)

 

 

اغتيل الامبراطور كركلا[ر]  Caracallaفي أثنا حملته الفارسية بتدبير من ماكرينوس Macrinus رئيس الحرس الامبراطوري في أثنا سفره من مدينة إديسا[ر] Edessa (أورفه) إلى مدينة حران[ر] Carrhae القريبة منها في ربيع عام 217م لزيارة أحد المعابد؛ لأنّه خشي أن يبطش به الامبراطور بعد أن بلغته - كما قيل - نبو ةٌ فحواها أنّه سينقلب عليه ليحلّ محلّه. وخلفه ماكرينوس على العرش بعد اختيار جنوده له وموافقة مجلس الشيوخ  Senatus على ذلك، ولكنّ عرشه لم يكن مستقرّاً، فقد انقلب الجند عليه بعد مدّة وجيزة لأنهم استاؤوا من سياسة المهادنة والاسترضا للدولتين الفرثيّة والأرمنيّة، فضلاً عن ولائهم للأسرة السيفيرية وحرمانهم من الامتيازات التي نعموا بها في عهد كركلا، كما أنّ أفراد الأسرة السيفيرية لم يكونوا راضين عمّا حدث. وإذا كانت جوليا دومنا[ر] Julia Domna زوجة الامبراطور سبتيميوس سيڤيروس[ر]  Septimius Severus قد لحقت بابنها كركلا سريعاً فإنّ أختها جوليا مايسا J. Maesa انتقلت بأمرٍ من الامبراطور الجديد للإقامة مع ابنتيها وحفيديها في حمص؛ وهي موطنهم الذي حكمته منذ القرن الأول قبل الميلاد أسرةٌ عربية يحمل أُمراؤها أسما عربية، وكان يُعبد فيها إلهٌ يُدعى إله الجَبَل يُمثّله حجرٌ أسود مخروطيّ الشكل، وكان لأسرة جوليا مايسا مكانة موروثة هناك لاحتفاظها بمنصب الكهانة لذلك الإله، فسارع الحفيد الأكبر فاريوس أفيتوس باسيانوس Bassianus Varius Avitus- وكان حينئذٍ في الرابعة عشرة من العمر- إلى تولّيه. وبادرت جوليا مايسا إلى الادّعا أن هذا الحفيد هو ابن الامبراطور كركلا لتكسب له مزيداً من التأييد في المنطقة  يُضاف إلى ذاك الذي تنعم به الأسرة السيفيرية من قبل، وأرسلته مع مناصريه إلى مقر الفيلق المرابط في أفامية الذي كان قائده كومازون  Comazon Eutychianus من أتباعها، فنودي به هناك امبراطوراً باسم ماركوس أورليوس أنطونينوس Marcus Aurelius Antoninus في أيّار/مايو عام 218م، وأصبح كومازون رئيساً للحرس الامبراطوري. ولمْ تمضِ سوى ثلاثة أسابيع على ذلك حتى وقعت المعركة الحاسمة بين جيشي الامبراطورين المتنافسين قرب أنطاكية[ر]، فانتهت إلى هزيمةٍ ساحقة لماكرينوس بعد أن انفضّ عنه معظم جنوده. وفرّ ماكرينوس محاولاً الهرب - وهو متنكّر - إلى إيطاليا، فانكشف أمره قبل أنْ يعبر البوسفور ليُقبض عليه ويُساق إلى الموت. واستتب الأمر للامبراطور الجديد بعد القضا على أنصار سلفه في الأقاليم الشرقية، وتولّت جدّته جوليا مايسا - التي اتخذت لنفسها لقب "صاحبة الجلالة" Augusta - الوصاية على حفيدها الذي كان عليه الحصول على اعتراف مجلس الشيوخ به قبل أن ينتقل إلى العاصمة روما. فلمّا أبلغه المجلس ذلك في تموز/يوليو ارتحل مع أمّه وجدّته غرباً ليقضوا فصل الشتا في مدينة نيقوميديا Nicomedia على شاطئ بحر مرمرة. وأصرّ الامبراطور على أن يحتفل هناك على مرأى من الناس بشكر إله مدينته حمص بالرغم من اعتراض جوليا مايسا لمعرفتها بما ينجم عن تقديس إلهٍ غريب من عواقب وخيمة، فأثارت الطقوس الغريبة والزّيّ غير المألوف للامبراطور الكاهن الامتعاضَ والاستهجان، مما أدّى - كما يروي المؤرخان كاسيوس ديو [ر] Cassius Dio وهيروديان Herodian - إلى محاولة للتمرّد في الأسطول المرابط في سيزيكوس Cyzicus في بحر مرمرة. ورافق ذلك تمرّد فيلقين في سورية بايع قائداهما والي فينيقيا  "ڤيروس"  Verus امبراطوراً، وأدّى إخفاق التمرّد إلى نيل بعض المدن السورية الثواب أو العقاب جزا موقفها، فرُفعتْ "صيدا" إلى مرتبة مستعمَرة Colonia  ُثم إلى مرتبة "المدينة الأمّ" Metropolis، في حين نُزعتْ هاتان المرتبتان عن جارتها "صور" التي كانت نالتهما في عهد الامبراطور سبتيميوس

ثم تابعت الأسرة الامبراطورية سفرها بعد انقضا الشتا لتصل إلى روما أواخر الصيف عام 219 م. وكانت جوليا مايسا على درايةٍ بما يجري في قصور العاصمة الامبراطورية، فقد وصل زوجها وصهراها من قبل إلى مرتبة العضوية في مجلس الشيوخ، وأضاف  زوجها إلى ذلك مرتبة القنصل.

منح الامبراطور أنصاره - بغضّ النظر عن امتلاكهم المؤهلات التي يُقرّرها نظام الإدارة الرّوماني- مناصب لا يحظى بها إلا أبنا طبقتي الشيوخ Senatorius Ordo والفرسان Ordo Equester، ورقّى  مساعده كومازون إلى مرتبة القنصل Consul. ويبدو أنّ المناصب صارت تُباع علناً حتى وصل إليها حلاّقٌ وسائقُ عربة، وقد وصف كاسيوس ديو الفوضى التي عمّت الجهاز الإداريّ الجديد بما في ذلك الشؤون المالية. وجعل الامبراطور الجديد مجلس الشيوخ يعترف بإله حمص الذي أصبح اسمه - بصيغته اللاتينية Elagabalus إلاجبالوس- لقباً للامبراطور، ليُضاف بذلك إلى مجمع الآلهة الرومانية، وسعى إلى جعله قريناً لإحدى الإلهتين الرومانيتين ڤستا Vesta ومينرڤا[ر]  Minerva ، وبنى له على تلّ "بلاتين " Palatinus في روما معبداً بالقرب من المقرّ الامبراطوري كان يقيم فيه طقوساً غريبة تبلغ ذروتها في موكب الصيف عندما يقود عربته بنفسه إلى هناك،يتبعه الشيوخ والفرسان وكبار القوم. ويذكر هيروديانوس[ر]  أنّ الناس كانوا يعتقدون أنّ هذا الإله جا من السما ، ويرون عليه صورة الشمس، ومما يؤيّد هذا أنّ عدداً من نقوش ذلك العهد ومسكوكاته ووثائقه العسكرية تتضمّن إهدا ً إلى الإله الشمس Deus Sol Elagabalus. أمّا الصيغة الأخرى  Heliogabalusالتي وردت اسماً للإله أو للامبراطور في بعض المصادر فليست سوى تحريف نشأ من قربها من كلمة Helios "الشمس" في لغة الإغريق.

وتتحدّث نقوش مكتوبة باللاتينية من ذلك العهد في الولايات الغربية عن العمل في إنشا الطرق وبنا المنشآت العسكرية والمدنية، مما يدلّ على استقرار الأوضاع هناك،واستتباب الأمن على حدود الامبراطورية، وحُسن تدبير القادة العسكريين. أما في الولايات الشرقية فقد أسعد الناس وصولُ امبراطورٍ شرقيّ سوريّ إلى عرش روما، ولذا كانوا يتغاضون عن أخطا الولاة ومساوئ الطريقة الرومانيّة في الإدارة، وأنعم الامبراطور على بعض المدن فرُفعتْ عرقة قيسارية في شمالي لبنان - وهي مسقط رأس أبيه - إلى مرتبة مستعمرة وسميت عمواس قرب القدس نيكوبوليس [ر] وصعدت البترا إلى مرتبة المدينة الأم، وأُذِنَ لمدينتي "الكرك" و"حسبان"- في شرقي الأردن - بضرب النقود، وتدلّ وفرة النقود المحليّة المضروبة آنذاك على الازدهار الاقتصاديّ في تلك الأقاليم.

وما لبث الامبراطور الشاب أن طلّق زوجته ليقترن بأخرى رومانية، وزعم - لتسويغ الطلاق - أنّ لهذا الزواج غرضاً دينيّاً، فلمّا رأت جوليا مايسا أن انشغال الامبراطور إلاجبالوس بأمور الكهانة لإلهه وبشؤون زوجته الثانية يصرفه عن القيام بشؤون الحكم أقنعته في حزيران/يونيو عام 221 م   بأن يُشاركه في القيام بأعبائها حفيدها الآخر "ألكسيانوس " Alexianus - وهو ابنُ خالته - الذي يصغره بأربعة أعوام،على أن يحمل الاسم الجديد "ماركوس أورليوس ألكسندر" Marcus Aurelius Alexander. وسرعان ما أدرك الامبراطور أنّ ما يحظى به صنوهُ الفتى من قبول لدى الأسرة والعامّة معاً يُعدّ تهديداً له،فحاول - فيما يُروى - اغتياله مرّتين من دون نجاح. ولمْ يتأخر الردّ على مسعى الامبراطور، إذ قرّر أصحاب النفوذ والسلطان التخلّص منه،ويبدو أنّ خالته حرّضت على قتله وأنّ جدّته تغاضت عن ذلك، فقُتل هو وأمّه - كما يقول "كاسيوس ديو"- في القصر في آذار/مارس عام 222م، وقيل إنّ جثّته جُرّت في الشارع ثم رُميتْ من فوق أحد الجسور في نهر "التيبر" Tiber الذي يخترق روما، وإنّ الحجر الأسود الذي يمثّل إلهه أُعيد إلى موطنه. أما خلفه فلم يكن سوى ابن خالته الذي دُعي بعد تتويجه "ألكسندر سڤيروس" Alexander Severus!

  وهكذا يتبين أن إلاجبالوس اعتلى العرش عام 218م وهو فتىً لم يتجاوز الرابعة عشرة من العمر - وقيل: الثالثة عشرة - وقُتل عام 222 م قبل أن يُتمّ الثامنة عشرة، فلم يكن مؤهّلاً لقيادة امبراطورية مترامية الأطراف تعيش فيها شعوب مختلفة ويُحيط بها الأعدا الأقويا شرقاً وغرباً، وكان مشغولاً جلّ وقته بطقوس الكهانة وبلهو الشباب، فيكون ما وجد من محاسن لهذا العهد راجعاً - في المقام الأول - إلى الأُسس المتينة التي وضعها من سبقه من الأسرة السيفيرية، وهما الامبراطوران سبتيميوس سيفيروس (193-211م) وكركلا (211-217م)، ثمّ إلى الذين أحاطوا به وفي مقدّمتهم جدّته جوليا مايسا - التي كانت تسوّغ تصرّفاته وتستر عيوبه و تحسّن صورته في مجلس الشيوخ - والقادة الكبار مدنيين وعسكريين في روما وفي الولايات.

 

رفعت هزيم

 

 

مراجع للاستزادة:

-The Cambridge Ancient History, Vol. XII (London, 1970).

-D. MAGI, Roman Rule in Asia Minor, Vol. I (Princeton 1950).

 


التصنيف : آثار كلاسيكية
المجلد: المجلد الثاني
رقم الصفحة ضمن المجلد :
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 738
الكل : 41148385
اليوم : 104820