logo

logo

logo

logo

logo

جلجامش (ملحمة-)

جلجامش (ملحمه)

Gilamesh Epic - Gilgamesh épopée

 ¢ جلجامش

 جلجامش (ملحمة -)

 

قبل ما يقرب من أربعة آلاف عام دُوِّن نص «ملحمة جلجامش» Gilgamesh Epic لأول مرّة بالخط المسماري وباللغة الأكادية. ومنذ ذلك الحين تميز هذا النص الأدبي بسحر خاص جعله من أشهر القطع الأدبية في العالم القديم، ولعله أشهرها على الإطلاق. فخلال القرون التي مرت منذ تدوين الملحمة لأول مرّة لم ينقطع تداولها استنساخاً ورواية وقراءة وترجمة سواء في العالم القديم- بلاد الرافدين وسورية ومصر وبلاد الأناضول وإيران - أم في معظم أرجاء العالم المعاصر. وإذا كانت قد ترجمت في العصور القديمة إلى اللغتين الحثية والحورية، ويرجح إلى العيلامية أيضاً؛ فإنها في الوقت الحاضر ترجمت أكثر من أربعين مرّة إلى ثلاث عشرة لغة حديثة. ولقد خلدت هذه الملحمة ذكر بطلها جلجامش الذي لم ينقطع ذكره في نصوص الحضارات القديمة، وانتقل ذكره من النصوص المسمارية إلى المؤلفات الرومانية؛ إذ ذكره كلوديوس إيليانوس Claudius Aelianus في كتابه الموسوم «طبيعة الحيوان» De Natura Animalium (في القرن الثاني الميلادي) بصيغة جلجاموس. وفي المؤلفات السريانية ورد ذكره في إثبات ثيودور برخوني للملوك البابليين (عام 893م) بصيغة جميموس. ومنذ اكتشاف أول ألواح الملحمة في العصر الحديث في عام 1872م حتى اليوم تجاوز عدد المؤلفات والدراسات والبحوث الخاصة بجلجامش وملحمته الثلاثمئة.

ورد ذكر جلجامش في قائمة الملوك السومرية بصفته ملكاً حكم مدينة أوروك في نحو 2600 ق.م أو قبل ذلك بقليل، وذكر في نصوص سومرية من الألف الثالث قبل الميلاد على أنه من آلهة العالم الأسفل (عالم الأموات). وفي النصف الأول من الألف الثاني قبل الميلاد- أي العصر البابلي القديم- ظهرت أولى روايات ملحمة جلجامش، وكذلك ظهرت خمس قطع أدبية سومرية متفرقة عن جلجامش، تشترك ثلاث منها في مواضيعها مع ملحمة جلجامش. على أنه لم يعثر على أي نص كتابي معاصر لعهد جلجامش نفسه يذكر اسمه، وليس من المتوقع العثور على مثل هذا النص مستقبلاً؛ فالعصر الذي عاش فيه جلجامش كان في المراحل المبكرة من تاريخ الكتابة، ولم تكن صيغ النصوص التاريخية أو الأدبية قد تبلورت أو ظهرت بذلك المستوى من التوثيق الذي شهدته العصور اللاحقة. وتجدر الإشارة إلى أن اسم جلجامش يرد في نسخ نص الملحمة بصيغ مختلفة، منها بِلجامش، ويختصر أحياناً كثيرة بصيغة جِش.

من النصوص السومرية الخمسة المتفرقة عن جلجامش يوجد نص عنوانه «طبيعة الحيوان جلجامش، خواوا وغابة الأرز». وهو النص الذي تدور حوادثه في سورية، وخواوا Khuwawa هي الصيغة السومرية لاسم خُمبابا Khumbaba المارد الذي يحرس غابة الأرز في النص الأكادي للملحمة. وقد ضُمِّن الموضوع الرئيسي لهذا النص السومري في ملحمة جلجامش الأكادية مع اختلاف الرواية والحوادث وحتى المكان الذي تدور فيه الوقائع، إذ يبدو أنه كان في الشرق (إيران). وتشغل رواية رحلة جلجامش وأنكيدو إلى سورية وتوجههما إلى غابة الأرز وصراعهما مع خُمبابا الألواح الثالث والرابع والخامس من ألواح الملحمة الاثني عشر. القصة السومرية عن جلجامش وخمبابا وغابة الأرز تتألف من نصين شعريين منفصلين حمل الأول عنواناً قديماً، هو «سيد جبل الأحياء»، والثاني «هوْ، هُرّا !» الذي يبدو أنه صيحة القتال. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن «ملحمة جلجامش» هو العنوان الذي أطلقه العلماء المحدثون على هذه الملحمة، أما الكتبة القدماء فقد أطلقوا عليها عنوانين مختلفين. فالرواية البابلية القديمة كان عنوانها باللغة الأكادية «شوتُر أيلِ شَرّي»Shutur eli Sharri بمعنى «المتفوق على الملوك»، وعنوان الرواية البابلية الوسيطة (القياسية) هو «شا نَجبَ إيمُرُ»Sha nagba Îmuru الذي يعني بالأكادية «الذي رأى منبع (الحكمة)».

على الرغم من أن الروايتين البابليتين القديمة والقياسية تتفقان في السرد العام لحوادث الملحمة، وتقتصر الاختلافات فيما بينهما على التفاصيل والتغاير اللغوي؛ فإن كلاً من النسخ الأخرى المتعددة من الملحمة أينما اكتشفت تتبع إحدى هاتين الروايتين. وكان الفاصل الزمني بين تدوين الروايتين نحو أربعة قرون، والكاتب القديم الذي دوّن الرواية القياسية، ويرحج أنه صاغها أيضاً؛ هو سين- ليقي- أونّينّي. وبعد مرور خمسة قرون كانت النسخ التي دونت في العصر الآشوري الحديث متداولة. ولم تمر ثلاثة قرون أخرى حتى كانت النسخ البابلية المتأخرة عن الملحمة موجودة في مدينتي بابل وأوروك. وفي نحو 130 ق.م دونت آخر نسخة بابلية عن الملحمة من قبل بيل-أخّي- أوصُرBel-akhkhe-usur ، الفلكي المتدرب في معبد مدينة بابل؛ أي إنها دونت بعد موت جلجامش بنحو 2450 سنة.

إن وجود نسخ عدة عن ملحمة جلجامش لا يعني أنها اكتشفت كاملة؛ إذ لم يحدث أن اكتشفت الألواح الاثنا عشر التي دونت عليها الملحمة في موضع واحد سوية، وإنما كان ما يكتشف كسراً من بعض ألواحها، ونادراً ما اكتشف لوح واحد أو أكثر بشكل سليم. لذلك يستعمل المختصون جميع ما اكتشف- وما سيكتشف- من كسر تعود إلى ألواح الملحمة لإعداد قراءة وترجمة أكمل للملحمة؛ إذ لم تزل الترجمة تفتقد بعض أجزائها بسبب النقص الموجود نتيجة للفراغ الذي تركته الكسر غير المكتشفة. بعبارة أخرى: إن الملحمة المعروفة في الوقت الحاضر لم تتكون نتيجة لقراءة نسخة من نسخها، وإنما هي نتيجة لعملية تحرير وتنقيح لتكوين أكمل نص ممكن للملحمة من جميع كسرها المكتشفة. ولقد تجاوز عدد هذه الكسر حتى الآن 222 بأحجام مختلفة ومن نسخ متعددة فضلاً عن قطع كبيرة من ألواح النسخ البابلية المتأخرة الموجودة في المتحف البريطاني في لندن. وهذه جميعها مكنت من إعادة تكوين نحو أربعة أخماس نص الملحمة، ويؤمل إكماله كله من خلال ما سيكتشف من كسر في المواقع الأثرية التي ينقب فيها، أو مما يتم تعرّفه في مخازن المتاحف. ويمكن حالياً تقدير عدد أسطر الملحمة بما يتجاوز 3150 سطراً وبأسطر يراوح عددها ما بين 154 و326 سطراً في كل لوح من ألواحها. أما عدد الأسطر التي ماتزال مفقودة فيصل إلى 575 سطراً. وأكثر ألواح الملحمة اكتمالاً هي الألواح :الأول والسادس والعاشر والحادي عشر.

يصنف المختصون ملحمة جلجامش ضمن الأعمال الروائية من أبواب الأدب الرئيسة في حضارة بلاد الرافدين القديمة. وهذه الأبواب تسعة، هي: الأعمال الروائية، الترانيم، الصلوات والابتهالات، المراثي، الرسائل الأدبية، الحوارات والمناظرات، أدب الحكمة، أدب الطقوس والسحر، أدب الهزل والهجاء والدعاية السياسية. ويتضمن باب الأعمال الروائية أربعة أصناف أدبية، هي: الأساطير والملاحم والسِّير الأسطورية والسِّير الملحمية الملكية. وتُعدّ ملحمة جلجامش من الصنف الأخير الذي يضم - فضلاً عن ملحمة جلجامش- نصين آخرين يدور موضوعاهما حول الملك سرجون [ر] الأكادي، وعنواناهما: «ملك النزال» و»سرجون الفاتح». ومثلما كان لملحمة جلجامش جاذبيتها في العالم القديم أصبح لها وقع أخاذ في عالم الفكر والأدب في العصر الحديث. فهذا النص الأدبي الملحمي يتناول مواضيع تمس حياة الإنسان في كل العصور، وعلى رأسها الموت والخلود. ويزخر النص بمعالجات فلسفية واجتماعية ومقاربات لمفردات تخص البطولة والمغامرة والحب والصداقة والقلق والحزن والروح والتضحية والتمرد وقوة الإنسان وضعفه.

يتضمن اللوح الأول من ملحمة جلجامش وصفاً لمدينة أوروك وتمجيداً لجلجامش، ثم ترد قصة خلق أنكيدو وحياته في البرية كالوحوش. يُستدرج أنكيدو للتمدن والمجيء إلى أوروك؛ ليكون نداً لجلجامش الذي توصف الإلهة نِنسون على أنها أمه. ونِنسون هي الإلهة التي عرفت بأسماء مختلفة، ومنها جولا [ر]، وكانت إلهة الطب والشفاء، ومركز عبادتها في مدينة إيسن (إيشان بحريات في جنوبي العراق)، وعبدت أيضاً في مدينة تيرقا (تل العشارة على الفرات في سورية). تروى في اللوح الثاني قصة لقاء جلجامش وأنكيدو وتصارعهما ثم تحولهما إلى صديقين. وهنا تتكون لدى جلجامش فكرة السفر إلى غابة الأرز لمقاتلة حارسها الوحش المخيف خُمبابا. وبعد تردد أنكيدو في الذهاب يقتنع بوجوب أن يرافق جلجامش في رحلته الخطرة هذه.

لوح من ملحمة جلجامش محفوظ في المتحف البريطاني (لندن)

في اللوح الثالث تبتدئ قصة سفر الصديقين إلى غابة الأرز، وتوصف المراسم والشعائر التي رافقت رحلتهما. وحين توصف وقائع هذه الرحلة في اللوح الرابع يتضح أن الصديقين قطعا مسافة تعادل 540 كم تقريباً بعد مغادرتهما أوروك. وتوضح الوقائع اللاحقة أن رحلتهما كانت موجهة إلى سورية. ويقوم جلجامش في أثناء الرحلة بشعائر تستجلب الأحلام ليتعرف من خلالها ّما ينتظره مع أنكيدو، وتنتهي أحداث اللوح الرابع بمواجهة الصديقين لخُمبابا. وبعد المواجهة الكلامية بين الطرفين ينشب الصراع الذي يتضح أنه كان في غابة الأرز على جبال لبنان الشرقية والغربية، فالأسطر 131 - 134 من اللوح الخامس تنص على أنه حين كان جلجامش وأنكيدو يتصارعان مع الوحش خُمبابا:

«تفطرت الأرض عند أعقاب أقدامهم.

لقد هّزوا بجولتهم جبال سريون ولبنان.

وتحولت الغيوم البيضاء إلى السواد،

وأمطرت عليهم الموت مثل الضباب».

منحوتة لجلجامش يمسك أسداً

وفي المصطلحات الجغرافية القديمة كان اسم سريون يطلق على سلسلة جبال لبنان الشرقية، وبضمنها جبل الحرمون،ولعله الأصل الصحيح لاسم سورية. ويقصد بجبال لبنان سلسلة جبال لبنان الغربية. وتنتهي حوادث اللوح الخامس بمقتل خُمبابا وقيام جلجامش وأنكيدو بقطع أشجار من غابة الأرز لنقلها بوساطة نهر الفرات إلى مدينة نِبُّر في جنوبيّ بلاد الرافدين. وتستمر رواية حوادث الملحمة في الألواح التالية، فترد قصة خلاف جلجامش مع عشتار ومقتل «ثور السماء» في اللوح السادس. ويتضمن اللوح السابع قصة مرض أنكيدو واحتضاره، وتستكمل هذه القصة في اللوح الثامن الذي يصف موت أنكيدو ومراسم دفنه والحداد عليه. في اللوح التاسع يوصف حزن جلجامش على أنكيدو واحتدام قلقه من الموت وهيامه في البراري حتى يصل إلى «بوابة مطلع الشمس» ومن ثم إلى حانة سدوري. يروي اللوح التاسع قصة إبحار جلجامش إلى الجزيرة التي يعيش عليها أوتا- نَبِشةِ Uta-napishti- بطل قصة الطوفان البابلية- ليسأله عن سر الخلود، فيسرد أوتا- نَبِشةِ على مسامع جلجامش في اللوح الحادي عشر قصة الطوفان التي أدت إلى حصوله على الخلود، ويبلغه باستحالة تكرر ذلك الحدث الكوني واستحالة حصول بشر على الخلود. بعد ذلك يعود جلجامش إلى مدينة أوروك لينشغل بإعمارها سعياً وراء تخليد ذكره. وأخيراً ترد في اللوح الثاني عشر قصة خاصة باستحضار روح أنكيدو؛ لتحاور جلجامش وتبلغه عن الأحوال في عالم الأموات (العالم الأسفل).

منحوتة تمثل جلجامش يصارع الثور السماوي

لقد عثر على ألواح وكسر من الرواية البابلية القديمة في مواقع عدة من مدن بلاد الرافدين منها نفر وتل حرمل واشجالي وأبو حبة. ووجدت ألواح وكسر من الرواية القياسية (العصر البابلي الوسيط) من موقعي مدينتي نِبُّر وأور وكذلك من مكتبات الألف الأول قبل الميلاد في مواقع مدن نينوى وآشور وبابل وأوروك. اكتشفت أجزاء من الملحمة في بوغازكوي [ر]- موقع العاصمة الحثية حاتوشا في بلاد الأناضول- في موسم تنقيبات ١٩٠٦-١٩٠٧م. وهذه الأجزاء من لوح يعود تاريخه إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد. واكتشفت كسرة من ألواح الملحمة في الموقع نفسه عام ١٩٣٤م وكسر أخرى في عام ١٩٨٣م. في عام ١٩٧٤م اكتشفت كسرتان من لوحي الملحمة الخامس والسادس في مسكنه، موقع مدينة إيمار على الفرات الأعلى في سورية، ويعود تاريخ هاتين الكسرتين إلى القرن الثالث عشر أو أوائل القرن الثاني عشر قبل الميلاد، وقد حفظتا في متحف حلب.

في عام ١٩٩٤م اكتشف لوح كامل بحالة جيدة في رأس شمرا؛ موقع مدينة أوغاريت [ر] على الساحل السوري. وهذا اللوح يخص ملحمة جلجامش، وقد عثر عليه في بيت أورتينو Urtenu في القاطع الجنوبي من المدينة. يعود تاريخ اللوح إلى القرن الثاني عشر قبل الميلاد على أقل تقدير. ومما يعرف عن هذا اللوح أنه يحمل نصاً مؤلفاً باستقلال عن ملحمة جلجامش، ولكنه يقتبس من حوادثها. ويرجح أن هذا النص صيغ على يد كاتب متدرب أو المعلم المشرف عليه.

وهناك كسرة من آخر اللوح السابع من ملحمة جلجامش اكتشفت مصادفة في موقع مدينة مجدّو [ر] (تل المتسلم في فلسطين) في عام 1957م. وكانت هذه الكسرة موجودة في مكب لأتربة التنقيبات الأثرية التي أجريت في الموقع قبل الحرب العالمية الثانية، ويعود تاريخها إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد. وفي عام 1951م اكتشفت كسر من ألواح الملحمة في سلطان تبه؛ موقع مدينة خوزيرينا القديمة على أعالي نهر البليخ شماليّ سورية. ومن الجدير بالذكر أن المكتشفات من موقع العاصمة الحثية حاتوشا دلت على وجود محاولات قديمة لترجمة نص الملحمة إلى اللغتين الحثية والحورية.

نائل حنون

مراجع للاستزادة:

-نائل حنون، ملحمة جلجامش: ترجمة النص المسماري مع قصة موت جلجامش والتحليل اللغوي للنص الأكادي (دمشق2006م).

- Andrew George, the Epic of Gilgamesh: A New Translation, (London,1999).

 


التصنيف : العصور التاريخية
المجلد: المجلد الخامس
رقم الصفحة ضمن المجلد :
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 1037
الكل : 43821425
اليوم : 104820