logo

logo

logo

logo

logo

الأقصى (المسجد-)

اقصي (مسجد)

Al-Aqsa Mosque - Mosquée Al-Aqsa

الأقصى (المسجد )

 

يشغل المسجد الأقصى أو حرم بيت المقدس بقعة مهمّة من مدينة القدس القديمة في فلسطين العربية، ويقع في الزاوية الجنوبية الشرقية من المدينة. يؤلف سور الحرم في الشرق والجنوب جزءاً مكملاً لسور المدينة؛ وقد ظل هذا الجزء معزولاً عن العمران، في حين اتصل سور الحرم في الجهتين الشمالية والغربية بأحياء المدينة وأسواقها، وفتحت معظم أبوابه في هاتين الجهتين. كذلك توزعت المآذن في هذه الناحية من الحرم لتكون قريبة من المنطقة السكنية.

يتناول هذا البحث مكانة هذه البقعة المقدسة في تاريخ العرب والمسلمين، ووصفاً لما فيها من تراث معماري، موزع إلى ثلاث منشآت رئيسية:

أولها: الحرم القدسي أو حرم بيت المقدس، كما اصطلح على تسميته في العهود التاريخية.

وثانيها: المسجد الأقصى، وهو المسجد الجامع المشيد في الجهة الجنوبية من أرض الحرم.

وثالثها: قبة الصخرة، وهي مسجد مستقل في وسط الحرم.

كانت حادثة الإسراء والمعراج وما نزل فيها من آيات القرآن الكريم وما ذكرته الأحاديث النبوية بداية اهتمام المسلمين بهذه البقعة من بيت المقدس، وتعزز هذا الاهتمام بعد أن حرر العرب المسلمون القدس من أيدي الروم البيزنطيين، وحضر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ليشهد الفتح، ويعنى بالأقصى المبارك، ويقيم مسجداً عنده، ما تزال ذكراه وآثاره باقية. وتأكدت مكانة بيت المقدس وحرمه الشريف في أنظار العالم الإسلامي، حين شيد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان [ر] صرح المسجدين العظيمين، الأقصى وقبة الصخرة.

أصبحت كلمة «المسجد الأقصى» مرتبطة بالمسجد الجامع الذي يشغل جانباً من أرض الحرم الواسع، بعد أن كانت تطلق على الحرم كله.

وحين ورد اسم المسجد الأقصى في القرآن الكريم، لم يكن المسجدان الأقصى وقبة الصخرة قد وجدا بعد }سُبْحَانَ الَّذيِ أَسْرَى بِعَبدِهِ لَيْلاً مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إلى المَسْجِدِ الأَقْصى الذي بَاركْنَا حَوْلَهُ{ (الإسراء 1). وقُصد بالمسجد الأقصى الصخرة وما حولها مكاناً للعبادة قبل الإسلام، واستمرت هذه التسمية القرآنية شائعة الاستعمال عدة قرون، تطلق على الحرم كله. ثم أصبحت فيما بعد خاصة بالمسجد الجامع وحده.

وقد تعارف الناس على تسمية المكان المسوّر بمجمله بالحرم الشريف أو الحرم القدسي، أسوة بالحرمين المكي والمدني.

ولا يُعْلَم متى حدث ذلك على وجه الدقة. لكن من يتتبع كتب التاريخ يلاحظ أن أول من أسمى المسجد الجامع بالمسجد الأقصى هو الرحالة ناصر خسرو، الذي زار القدس عام 438هـ/1047م وتبعه الهروي الذي زار القدس عام 569هـ/1173م، ثم تأكد هذا التخصيص عند المؤرخ عز الدين بن شداد، أي في القرن السابع الهجري، ثم عند ابن بطوطة.

أما القدماء من المؤرخين فلم يطلقوا على المسجد الجامع اسماً معيناً قبل تسميته «الأقصى»، فقد سماه المقدسي المؤرخ في القرن الرابع: «المُغطَّى». وقال عنه المهلبي «رواق المسجد القبلي الذي فيه المحراب»، وأسماه ياقوت الحموي: المصلّى، استناداً إلى قوله في معجم البلدان: «المصلى الذي يخطب فيه للجمعة». وحين التبس الأمر على الناس، توقفوا عن إطلاق اسم الأقصى على الحرم، فسماه ابن جبير في كتاب «الرحلة» مسجد بيت المقدس.

وكان ابن فضل الله العمري في القرن الثامن أول من استعمل عبارة الحرم والحرم الشريف في كتابه «مسالك الأبصار»، في حين عبّر عن المسجد الجامع بقوله «الجامع المسمى الآن بالمسجد الأقصى». وبقي هذا الاصطلاح منذئذ إلى يومنا. إذاً هما في اصطلاح المسلمين اليوم مسجدان، الأقصى وقبة الصخرة في مسجد واحد كبير هو الحرم القدسي أو الحرم الشريف.

الحرم القدسي وآثاره

للحرم شكل مستطيل غير منتظم، أطوال أضلاعه: الضلع الشرقية (462 متراً)، والغربية (492 متراً)، والشمالية (310 أمتار)، والجنوبية (182 متراً). ومساحته الكبيرة هذه تجعله أشبه بمدينة صغيرة  تحفل بالمباني والمنشآت التاريخية، كالمدارس والزوايا والقباب والسُّبُل، إضافة إلى البناءين الرئيسين، المسجد الأقصى وقبة الصخرة.

أ ـ أبواب الحرم: للحرم خمسة عشر باباً أكثرها في الجهتين الغربية والشمالية تصله بأحياء المدينة. وقد سميت هذه الأبواب بأسماء مختلفة تبدلت مع الزمن.

فأبواب الجهة الشمالية ثلاثة هي: باب الأسباط وباب حطّة وباب شرف الأنبياء الذي سمي في القرن التاسع الهجري باب الدوادارية لكونه يجاور خانقاه الدوادارية، ثم عرف في العصر الحديث بالباب العتم وباب فيصل.

أما أبواب الجهة الغربية فهي ثمانية، وهي من الشمال إلى الجنوب: باب الغوانمة وباب الرباط الناصري أو باب الناظر، وكان يدعى قديماً باب ميكائيل، ثم أطلق عليه في العصر الحديث باب المجلس، والثالث هو باب الحديد، والرابع باب القطانين، وهو من أهم الأبواب وقد جدد في عهد السلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون سنة 736هـ/1335م، كما تشير الكتابة المنقوشة على صفائح النحاس التي تكسو مصراعيه. والخامس باب الطهارة أو باب المتوضأ، والسادس باب السلسلة، والسابع باب السكينة، والثامن باب المغاربة (الشكل1).

ب ـ المآذن: شيدت المآذن على جداري السور: الشمالي والغربي المتصلين بالمدينة مباشرة. وهي أربع مآذن: شيدت الأولى على السور الشمالي بين باب الأسباط وباب حطّة في عام 769هـ في أيام السلطان الأشرف شعبان.

وتقع الثانية في الزاوية الشمالية الغربية من السور، عند باب الغوانمة، بناها ناظر الأوقاف القاضي شرف الدين بن الوزير الخليلي، في أيام السلطان المنصور حسام الدين لاجين نحو عام 697 هـ، وهي أهم المآذن وأكثرها إتقاناً.

وتقع الثالثة عند باب السلسلة في منتصف السور الغربي. بنيت في ولاية الأمير تنكز نائب الشام سنة 730هـ/1329م.

وأما الرابعة فتقع في الناحية الجنوبية الغربية، وقد أقيمت في العهد المملوكي على سطح المدرسة أو الزاوية الفخرية.

ج ـ القباب والمنشآت الأخرى: زوّد سور الحرم من الداخل برواق تحمله العُمُد والعضادات غير أنه لم يكن يحيط بكامل السور. كما أن معظم الحرم كان مفروشاً بالبلاط. ولم تكن أرضه في مستوى واحد، فالقسم الذي أقيمت عليه قبة الصخرة والذي يسمى الدكّة، يرتفع عن بقية أرض الحرم، ويصعد إليه بأدراج حجرية عرفت بالمراقي. وهي موزعة في أطراف الدكة الأربعة، وتنتهي بمجموعة من القناطر تعرف بالميازين. وقد أقيمت حول قبة الصخرة عدة قباب صغيرة، أهمها قبتا السلسلة والمعراج.

وحول الدكة في أرض الحرم زوايا وقباب ومنشآت كثيرة، وصفها المؤرخون منها: قبة سليمان في الجانب الشمالي، وقبة موسى في الجهة الغربية، بالقرب من باب السلسلة أنشأها الملك الصالح نجم الدين أيوب سنة 643هـ. والزاوية النَّحْوية إلى الجنوب من الدكة، بناها الملك المعظم عيسى بن الملك العادل الأيوبي، وقبة الطومار في الجهة الجنوبية الشرقية. ويشاهد على طرف الدكة منبر جميل من الرخام أقامه القاضي برهان الدين بن جماعة في العهد المملوكي.

وهناك آبار وصهاريج موزعة في أنحاء الحرم، عدّ منها الحنبلي اثنتين وثلاثين وسماها بأسمائها. وهناك السُّبُل التي أُحسن بناؤها وزخرفتها، من أهمها سبيل السلطان قايتباي. والسبيل الذي أنشأه الوالي قاسم باشا في عهد السلطان سليمان القانوني.

واشتهرت البقعة الجنوبية غربي المسجد الأقصى بمسجديها الصغيرين، مسجد النساء ومسجد المغاربة.

د ـ المدارس والمنشآت الثقافية: عند السور الشمالي للحرم مجموعة من المدارس أهمها: المدرسة الكريمية التي أنشأها كريم الدين ناظر الخواص الناصرية نسبة إلى السلطان الناصر محمد. ثم المدرسة الغادرية والرباط الدواداري، وكلها من العهد المملوكي، والمدرسة الأمينية نسبة إلى منشئها الصاحب أمين الدين، ومدرسة سيف الدين الجوكنداري، وخانقاه مجير الدين الأسعردي، والمدرسة الفارسية والمدرسة الصبيبية، وهناك التربة الأوحدية نسبة إلى الملك الأوحد نجم الدين الأيوبي.

وعند الجهة الغربية يقوم الرباط المنصوري والمدرسة التنكزية والمدرسة المعظمية، والمدرسة الأشرفية، نسبة إلى السلطان الأشرف قايتباي، وقد أنشئت عام 887هـ/1482م. ثم الزاوية الفخرية في الناحية الجنوبية الغربية عند مسجد المغاربة (الشكل1) يضاف إلى ذلك المدارس الأخرى التي بدأ إنشاؤها منذ القرن الخامس الهجري عند أسوار الحرم وبواباته وبلغت خمساً وعشرين مدرسة.

هـ ـ النشاط الثقافي: كان من أهداف المدارس تهيئة المنزل المريح الهادئ لنزلائها من العلماء والطلبة، وإتاحة الفرص الدراسية لمزيد من التخصص. وهكذا كان يؤلف الحرم القدسي والمدارس الملحقة به ما يعرف اليوم بالمدينة الجامعية.

لم تكن وظيفة الأقصى كغيره من المساجد الكبرى، تقتصر على العبادة وحدها، بل كانت تشمل كل النشاطات الثقافية والفكرية والتربوية، وكل ما يفيد الفرد والمجتمع. بدأت فيه حلقات الوعظ والتدريس منذ صدر الإسلام وأمَّه على مدى القرون العدد الوافر من العلماء والمشايخ والقضاة، القادمين من أنحاء العالم الإسلامي وكانت تدرّس فيه مختلف العلوم، وتعقد المناظرات، وتؤلف الكتب، فيفيد من ذلك السكان وأهل العلم.

وممن أقام في الحرم القدسي الإمام الغزالي وألف بعض كتبه في رحابه، في عام 488 للهجرة. كذلك مكث فيه ثلاث سنوات الشيخ محي الدين بن عربي المتوفى في دمشق عام 638هـ/1240م.

واشتهر حرم بيت المقدس بمكتباته ذات العدد الضخم من المؤلفات الموزعة في المسجدين، وفي المدارس الملحقة، وأضخمها مكتبة الأقصى، وكان لكل مكتبة قيِّم وأمين يرعى شؤونها.

المسجد الأقصى (المسجد الجامع)

تكاد الروايات التاريخية تُجمع على أن المسجد الأقصى وقبة الصخرة شيدا معاً في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان.

والكتابة التاريخية التي ما تزال في جدار قبة الصخرة من الداخل والمكتوبة بخط كوفي بالفسيفساء تتضمن تاريخ الإنشاء سنة اثنتين وسبعين، وقد تعرض اسم عبد الملك للتحريف قديماً ليوضع مكانه اسم المأمون وأصبح كما يلي: «عبد (الله الإمام المأمون) أمير المؤمنين سنة اثنين وسبعين فليقبلها الله منه ويرضى عنه آمين».

ومن المؤرخين من ينسب أعمال البناء إلى الوليد بن عبد الملك، كالمهلّبي وأبي الفداء وابن كثير، وما عُثر عليه في مصر من نصوص مكتوبة على أوراق البردي، وفيها يأمر الوليد عامله قُرَّة ابن شريك بإرسال العمال إلى بيت المقدس للإسهام في أعمال البناء في المسجد الأقصى وقصر الإمارة. ويبدو أن أعمال البناء جرت في عهد عبد الملك ولم تكتمل فأتمها الوليد بعد وفاة أبيه، ولاسيما أعمال الكسوة الرخامية والفسيفساء، ويؤيد هذا الرأي أن تصميم الأقصى الذي يقوم على أساس البلاطات العمودية على القبلة التي هي أحواز ناتجة عن تقسيم المكان بصفوف من القناطر، يختلف عن تصميم جامع دمشق الذي شيد في عهد الوليد وجعلت بلاطاته موازية لجدار القبلة ومتساوية فيما بينها.

وبديهي ألاّ تزول آثار الأقصى الأموي كلياً، بل بقيت منها أجزاء أدمجت في المسجد المجدد، وحَدَّد مكانها المقدسي عندما تحدث عن الزلزال الذي ضرب القدس بتجديد المسجد في عهد الخليفة المهدي العباسي، وقد وصفه المقدسي بعد التجديد وصفاً دقيقاً، مكّن العالم البريطاني كريزويل من وضع مخطط له (الشكل 2)، ولكن الرسم ينقصه الرواق الذي يتقدم أبواب المسجد الشمالية. ولعل كريزويل لم يفهم عبارة المقدسي الخاصة بالرواق، لما فيها من غموض.

يُفهم من نص المقدسي أن المسجد في العهد العباسي أصبح مؤلفاً من خمس عشرة بلاطة عمودية على القبلة، ينتهي كل منها، من الجهة الشمالية بباب. والباب الأوسط أكبرها لأنه يقابل البلاطة الوسطى الواسعة المسقوفة بسقف جملوني، مصفح بالرصاص من الخارج، وكذلك بقية السقوف، وتنتهي البلاطة الوسطى بقبة تقوم أمام المحراب.

 

وكانت الأبواب الشمالية الخمسة عشر مزودة بمصاريع خشبية، صُفِّح ثلاثة منها بالنحاس المذهب هي: الأوسط الكبير واثنان يتوسطان الجناحين الشرقي والغربي، أما الأبواب الشرقية، وعددها أحد عشر باباً فكانت سواذج بسيطة لم تُولَ فضل عناية كالأبواب الشمالية. وقد خصّ المقدسي الواجهة الشمالية بالحديث عن رواق يتقدم الأبواب الخمسة عشر، وهو محدث، أي إنه لم يكن في العهد الأموي.

يعزو مؤرخو العمارة الحديثون المسجد القائم اليوم (الشكل 3) الذي لا يمثل، في المساحة والشكل، المسجد الأقصى كما كان في العهدين الأموي والعباسي، إلى تجديد جرى في أيام الخليفة الفاطمي الإمام الظاهر في إثر زلزال حدث في عام 424هـ/1033م. لكن كتب التراث لا تذكر شيئاً عن انهدام المسجد في ذلك الزلزال، بل تتحدث عن وقوع زلزال في فلسطين عام 424هـ/1033م، تهدمت من جرائه مدينة الرملة وبعض القرى الأخرى. كذلك لا يذكر الرحالون الذين زاروا المسجد بعد الزلزال عملية التجديد الفاطمية. وكان الرحالة ناصر خسرو أول من زار المسجد الأقصى بعد الزلزال من أولئك الرحالين في عام 438هـ/1047م. لكن الوصف الذي وصفه لا يُعتمد عليه لما فيه من غموض ومبالغة. وأول وصف للأقصى في وضعه الحالي (الشكل 3) نجده عند المؤرخ مجير الدين الحنبلي أي في عام 900هـ.

وهكذا تبقى نظرية العلماء حول نسبة المسجد الأقصى الحالي إلى العهد الفاطمي مشكوكاً فيها، لأن النص الفاطمي لا يشير إلى تجديد الجامع، بل إلى تشييد القبة فحسب. كذلك يبقى التساؤل قائماً حول الزمن الذي تحول فيه الأقصى من مسجد كبير مؤلف من خمس عشرة بلاطة، كما وصفه المقدسي في العصر العباسي إلى مسجد مؤلف من سبع بلاطات فقط، كما وصفه الحنبلي في عام 900هـ وكما هو عليه اليوم.

وبعد أن حرر السلطان صلاح الدين الأيوبي مدينة القدس من يد الصليبيين عام 583هـ/1187م، وصف كاتبه العماد الأصفهاني  أحوال الحرم القدسي بعد خروج الصليبيين وأشار إلى ما أحدثوه في الأقصى وقبة الصخرة، وإلى قيام صلاح الدين بإزالة آثار الفرنج وإجراء الإصلاحات الضرورية. ومعلوم أن الصليبيين لم يرعوا حرمة المسجد الأقصى، فقتلوا المسلمين الذين لجؤوا إليه، ثم غيروا معالمه فاتخذوا جانباً منه كنيسة وجانباً آخر مسكناً لفرسانهم، وأضافوا من الناحية الغربية بناء جعلوه مستودعاً لذخائرهم. يقول في ذلك المؤرخ أبو شامة نقلاً عن العماد الأصفهاني: «وأمر صلاح الدين بتعمير المحراب وترخيمه، واحتيج إلى منبر فذكر السلطان المنبر الذي أنشأه الملك نور الدين محمود لبيت المقدس قبل فتحه بنيف وعشرين سنة، وأمر أن يُكتب إلى حلب ويُطلب فَحُمِل». ومازال محراب صلاح الدين باقياً يحمل الكتابة التي تؤرخ ترخيمه في عام الفتح أي سنة 583 للهجرة. أما المنبر المنقول من حلب فقد ظل يزين الأقصى كأحسن منابر المساجد بنقوشه الخشبية الرائعة إلى أن أحرقه الصهاينة في حادث حريق الأقصى المشهور في 21 آب من عام 1969 الذي كان جزءاً من مخططات مستمرة لتهديم الأقصى. وقد وسعت إسرائيل شبكة الأنفاق وحفرت تحت المسجد بحجة البحث عن «هيكل سليمان» المزعوم الذي لم يظهر له أي أثر بعد عشرات السنين من التنقيب، وتحولت هذه الأنفاق إلى خطر محدق بالأقصى قد يودي به في أي وقت تراه إسرائيل مناسباً لذلك.

جرت في العصر الحديث، ولاسيما بين عامي 1927 و1933 إصلاحات أخرى في الأقصى لم تغير شيئاً من المخطط والوضع العام، وتناولت الأعمال تقوية البنية العامة وإصلاح السقف الأوسط وتذهيبه.

قبة الصخرة

حافظ مبنى قبة الصخرة على وضعه الأصيل الأموي، على خلاف المسجد الأقصى، فلم يتغير تصميمه، ولم تتبدل بنيته الأصلية أو عناصره المعمارية وزخارفه. وكل ما طرأ عليه في تاريخه الطويل إصلاحات ظاهرية تناولت الكسوة الخارجية واستكمال بعض العناصر التي  أصابها التلف، حرصاً من الحكام العرب والمسلمين في كل العهود على بقاء هذا المبنى المكرم في أجمل حلة، لمكانته المقدسة لدى المسلمين، وأهميته في تاريخ الفن والعمارة.

ولاشك في أن صخرة المعراج هي المنطلق، وكان الهدف من البناء حمايتها وإحاطتها بالإطار المعماري اللائق، وكانت القبة هي أنسب شيء وأجمله. وليس للصخرة شكل منتظم، ويقدر طولها بثمانية عشر متراً وعرضها بثلاثة عشر، وارتفاعها قرابة متر ونصف فوق سطح الأرض المحيطة بها. وتحتها مغارة عرفت بمغارة الأرواح.

أ ـ تصميم المبنى وأقسامه وعناصره المعمارية: يتألف مبنى القبة من جدار خارجي شكله مثمن منتظم، طول ضلعه عشرون متراً وقطره خمسون. يليه مثمن أصغر من القناطر الداخلية، طول ضلعه خمسة عشر متراً، وقطره أربعون. ثم تأتي دائرة القبة لتحتل مركز المبنى وقطرها عشرون متراً. ويُحْدِث المثمنان حول القبة رواقين، الداخلي عرضه عشرة أمتار، والخارجي أربعة أمتار. أما الارتفاع فيتدرج من اثني عشر متراً في الجدار الخارجي، إلى خمسة وثلاثين متراً عند رأس القبة، باستثناء الهلال الذي يرتفع مع رمحه أربعة أمتار أخرى (الشكل 4) وهذا ما جعل لقبة الصخرة تناسقاً وانسجاماً، يحسّ بهما المتأمل من كل جوانب البناء.

أما القبة التي تظلل الصخرة فتقوم على  قاعدة مستديرة مؤلّفة من ست عشرة قنطرة ذات عقود نصف دائرية محمولة على أربع دعائم، يتوزع فيما بينها اثنا عشر عموداً من الرخام، ثلاثة بين كل دعامتين (الشكل 5).

وفوق هذه القاعدة تأتي رقبة القبة وهي أسطوانية الشكل تنفتح فيها ست عشرة نافذة. يليها طاسة القبة المكونة من طبقتين من الخشب بينهما فراغ. كان ظاهرها مكسواً بالرصاص وصفائح النحاس المذهب قديماً. وقد طلي باطنها بالجص المزين بالزخارف الملونة.

ويتألف المثمن الداخلي المحيط بالقبة المركزية من أربع وعشرين قنطرة، محمولة على ثماني دعائم تحتل رؤوس المثمن،  يتوزع بينها ستة عشر عموداً، اثنان بين كل دعامتين (الشكل 5). وأما المثمن الخارجي الذي يؤلف واجهة البناء الخارجية، فيتألف من جدران حجرية ارتفاعها تسعة أمتار ونصف، تعلوها ستائر فوق سطح البناء ارتفاعها متران ونصف، وفي كل جدار من جدران المثمن سبعة محاريب مسطحة أو تجويفات تنتهي في أعلاها بنوافذ باستثناء المحرابين الأخيرين، وبذلك يصبح عدد النوافذ المفتوحة في المثمن الخارجي أربعين، تمد المسجد بالنور إضافة إلى النوافذ الست عشرة المفتوحة في رقبة الصخرة. وفتحت في جدران المثمن أربعة أبواب، تحتل وسط الأضلاع الواقعة في الجهات الأصلية الأربع. يتقدّمها سقائف محمولة على أعمدة، أكبرها تلك التي تتقدم الباب الجنوبي المجاور للمحراب، وأبعادها 15.65م × 2.5م محمولة على ثمانية أعمدة، وهي مسقوفة بقبوة نصف أسطوانية ويبلغ ارتفاع الباب 4.30م وعرضه 2.5م، وقد سقف الرواقان المحيطان بالقبة بسقف يتألف من طبقتين من الخشب؛ الخارجية مائلة ومصفحة بالرصاص كي تسيل عليها مياه الأمطار وتخرج من المزاريب الموزعة فوق كل ضلع من أضلاع المثمن، أما الداخلية فمستوية تغطيها الزخارف والأصبغة.

وحول الصخرة سياج أطنب المؤرخون والرحالة في وصفه وتغير أحواله في العهود التاريخية. ومازال هذا السياج باقياً إلى اليوم يحول دون الوصول إلى الصخرة المباركة، وهو على هيئة شبك من الحديد يمتد بين الدعائم والأعمدة الحاملة للقبة ويسد المنافذ المؤدية إلى الصخرة. وقد شاهد الهروي هذا السياج في أثناء الاحتلال الصليبي ووصفه بأنه «درابزين حديد علوه قامتان».

وبعد تحرير القدس أمر صلاح الدين بتنظيف قبة الصخرة وإزالة ما وضعه الصليبيون من صور، كما يقول كاتبه العماد الذي يضيف: «وعملت عليها (أي على الصخرة) حظيرة من شبابيك حديد. وكان الفرنج قد قطعوا من الصخرة قِطَعاً وحملوا منها إلى قسطنطينية وإلى صقلية».

ب ـ الزخرفة: زين المبنى من الداخل والخارج بعناصر زخرفية زادته بهاء وجمالاً. وأهم هذه العناصر هي الترخيم والفسيفساء.

ويشاهد الترخيم في الأعمدة، وفي كسوة الجدران حيث يؤلف وزرة تغطي الأجزاء السفلية، وهو من النوع الذي أُطلق عليه في كتب التراث اسم «المجزَّع».

أما الفسيفساء، وهي من النوع الذي تغلب فيه فصوص الزجاج الملون أو المذهب والمفضض، فإنها تغطي الأقسام العليا للجدران جميعها من الداخل، وتكسو واجهة القناطر ورقبة القبة. وما تزال الفسيفساء في الداخل سليمة تزين المبنى بالصور النباتية والهندسية والكتابات الكوفية، والمشاهد المعمارية شبيهة بفسيفساء جامع دمشق، لكنها زالت من الواجهات الخارجية بسبب العوامل الجوية.

ومن الزخارف، إضافة إلى الرخام والفسيفساء، النحاس المزخرف أو البرونز المطلي بالذهب يكسو بصفائحه سطح القبة الخارجي، ومصاريع الأبواب الخشبية وأُسْكفّاتها، وقد استعملت الأصبغة والتذهيب في تزيين السقوف الخشبية.

ج ـ أعمال التجديد والترميم: أعمال التجديد والترميم في قبة الصخرة طفيفة إذا قيست بسائر العمائر التراثية مما جعل هذا المبنى يتميز بأصالته وقدمه.

والأبواب في المباني، ولاسيما مصاريعها الخشبية، هي أكثر مايتعرض للتلف والتجديد. ولقد جددت الأبواب الأموية التي كانت مصفحة بالفضة والذهب بأخرى في العهد العباسي كما وصفها المقدسي، ثم جددت ثانية في العهد المملوكي. والعنصر الثاني الذي أصابه التجديد طاسة القبة، وهي من الخشب. ذكرت المصادر خبر سقوطها في عام 407هـ/1016م فجددها الخليفة الفاطمي الظاهر. شاهدها بعد التجديد الرحالة ناصر خسرو وقال إنها مصفحة بالرصاص، في حين كانت مكسوة بصفائح النحاس المذهب، كما وصفها المقدسي قبل التجديد. ولقد صفحت بالألمنيوم الذهبي اللون في آخر عملية ترميم أجرتها الحكومة الأردنية عام 1964، بعد أن ضربها الصهاينة بالقنابل في حرب 1948.

 

الحرم القدسي وقبة الصخرة ـ الدرج المتجه إلى السور العربي

أما الزخرفة الداخلية لباطن القبة، فقد تجددت في عهد السلطان صلاح الدين عام 583هـ/1187م، ثم في أيام السلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون. وجددت الكسوة الزخرفية للواجهة الخارجية في أيام السلطان العثماني سليمان القانوني سنة 952هـ/1546م فكسيت بالخزف القاشاني بدلاً من الرخام والفسيفساء الأموية المتشعثة وهذه الكسوة يتخللها لوحات من آيات القرآن الكريم بالخط النسخي العثماني، موزعة فوق النوافذ، يعلوها شريط يطوق واجهة المثمن الخارجي وآخر يطوق رقبة القبة. وماتزال عناصر التجديد هذه باقية. كذلك جددت شبابيك النوافذ بالخزف الملون.

وتمّ آخر ترميم لسقوف أروقة مسجد الصخرة الداخلية بالخشب المزخرف في عهد السلطان العثماني عبد العزيز سنة 1291هـ/1874م.

 

عبد القادر الريحاوي

 

الموضوعات ذات الصلة

 

الأمويون ـ الحروب الصليبية ـ العربي الإسلامي (الفن ـ) ـ فلسطين.

 

مراجع للاستزادة

 

ـ الحسن المهلبي، المسالك والممالك، قطعة من المخطوط نشرها صلاح الدين المنجد (مجلة معهد المخطوطات، المجلد 4-1958).

ـ شمس الدين محمد البشاري المقدسي، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم (ليدن 1909).

ـ علي بن أبي بكر الهروي، الإشارات لمعرفة الأماكن والزيارات، تحقيق جنين سورويل (دمشق 1953).

ـ مجير الدين الحنبلي، الأنس الجليل في تاريخ القدس والخليل (المطبعة الوهبية، القاهرة 1383هـ).

- K.A.C.CRES WELL, Early Muslim Architecture, tom1 (Oxford 1932).

- MARGUERAITE VAN BERCHEM et SOLANGE ORY, La Jerusalem musulmane, ed. des trois, continents (Lausanne 1978).

 




التصنيف : التاريخ
النوع : دين
المجلد: المجلد الثالث
رقم الصفحة ضمن المجلد : 65
مستقل

آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

للحصول على اخبار الموسوعة

عدد الزوار حاليا : 1
الكل : 7852354
اليوم : 571

استمرار اليرقية

استمرار اليرقية   وضع كولمان J.Kollmann عام 1884، تعبير استمرار اليرقة neoteny، وبعني الأصل اللاتيني حرفياً «إطالة الفتوة». ومن المدهش حقاً أن لا يكتب عن هذه الظاهرة الشيء الكثير منذ عام 1930 مع الأهمية التطورية لهذه الظاهرة في حفظ النوع. ولعل سبب ذلك يرجع إلى بساطة الأصل الفيزيولوجي لاستمرار اليرقية. وقد أخذ تعبير استمرار اليرقية شكلين متعارضين: يعرف الشكل الأول باستمرار اليرقية الكلي أو الحقيقي، ويتميز بمقدرة المتعضية، وهي ماتزال في طور اليرقة، على التوالد، فيصبح الجسم محتفظاً ببنى فتية غير بالغة، في حين تصبح المناسل وأعضاء التوالد وظيفية شكلاً وبنية. أما الشكل الثاني فهو استمرار اليرقية الجزئي أو الكاذب، إذ يستمر جسم اليرقة بالنمو من دون أن يبلغ المقدرة على التوالد لأسباب بيئية معينة.

المزيد »