logo

logo

logo

logo

logo

المعيار والمقاييس في الفن

معيار مقاييس في فن

- - -

المعيار والمقياس في الفن

 

بدأ الفن والعمارة منذ ما قبل التاريخ تلبية لحاجات معاشية أو اجتماعية متصلة بثقافة الإنسان البدائية وبتقاليده وإحساساته الفطرية، وكان هذا الهدف هو المعيار الأساسي critère الذي يكشف عن سمات ذلك الفن وتلك العمارة، وتمثَّل هذا المقياس échelle بالتناسب الذي ولّد مفهوم الجميل والرائع.

منذ بداية التاريخ ابتدأ العقل في التدخل على حساب الإحساس الفطري، لكن هذا التدخل استمر وئيداً حتى عهد الأسرات في مصر، حينما أصبح للفن والعمارة قواعد ثابتة استمرت على امتداد الحضارة المصرية. على أن هذا التدخل كان يستند إلى عقائد مصرية قديمة أهمها بعث الحياة بعد الموت، وأبدية الحياة لمن هم في قمة المجتمع. وهذه العقيدة كانت سبب أبدية العمارة. فجميع الروائع المعمارية؛ الأهرامات والقبور والمعابد وما فيها من أعمدة وصروح ومسلات ترمز إلى هذه الأبدية. وفي مجال التصوير فإن جميع الآثار المكتشفة على جدران هذه الأوابد تشير إلى تأكيد الحياة بعد الموت.

لم يتخل المعمار المصري عن العضوية في العمارة [ر]، وبدا ذلك في المقاييس والنسب، معتمداً على ألواح الطين التي شكلها بقياس ثابت هو قياس الرأس ويعادل 38×14×11 سم. وابتكر المعمار «المثلث المصري» قائم الزاوية وأبعاده 3 ، 4 ، 5 ويبدو أثر هذا المثلث واضحاً في عمارة قصر ساروستان في بلاد فارس.

ومن أبرز خصائص النحت المصري القديم اعتماد قانون المواجهة الذي اكتشفه العالم لانج Lange. فقد لاحظ أن جميع الهيئات الإنسانية تبدو مجابهة في جميع أوضاعها ومنتصبة ليبقى الرأس مع منبت العنق ووسط الجذع في مستوى واحد من دون أي انثناء، ويستند الجسم بكل ثقله على مشط القدمين وتمتد الرجل اليسرى إلى الأمام.

وفي التصوير اتُبعت الطريقة الجبهية أي إن الرأس يبدو جانبياً، أما العين فكانت جبهية وكذلك الصدر ويبقى الفخذان والقدمان جانبيان. وكانت العمارة ترسم مسقطياً. وتخضع النقوش البارزة والغائرة لجميع معايير الرسم والتصوير.

واعتمدت الفلسفة في البداية على نظرية العدد عند فيثاغورس Pythagoras في القرن السادس ق.م، والتي تدعو إلى الانتقال من الهندسة إلى العلاقات العددية التي تحدد الأشكال ونسبها المتناسقة. ولم يلبث الفن الإغريقي أن سعى إلى بلوغ الكمال عن طريق التوفيق بين الإيقاعات والنسب، معبراً عنها بالأرقام. واحتضنت الفلسفة الديكارتية هذا الطريق. ولكن كانت[ر] Kante سار قدماً في توثيق العلاقة بين العقل والإحساس ليصل إلى الحدس Intuition كمنطلق للإبداع والتذوق. ثم ركز هيغل[ر] Hegel على معيار «الفكرة» Pensée؛ فالواقع الفني يتناسب مع مفهومه، والفن شكل من أشكال إنتاج الإنسان لذاته. وتحدث هيغل عن الباتوس Pathos الذي يفسر العلاقة بين الإنسان والعصر وقضايا الإنسان.

في الحضارة الكلاسية (الإغريقية الرومانية) ظهرت بقوة تأثيرات الفلسفة التي تقوم على النظام الرياضي والتوازن الحسابي، وكان الإنسان منذ بداية هذه الحضارة حتى بداية العصر الحديث معياراً للحقيقة، تبدى ذلك في مفهوم الآلهة والأبطال، إذ يبقى الإنسان في رأس الهرم الجمالي، فهو المثال والأنموذج archétype، والمقياس الكامل بأشكاله وتناسبه. بل أصبح المقياس العضوي «المودول» module وحده الصالح لتصور الكون بتمامه على أساس المقطع الذهبي الذي يعبر عن التناسب بين1 وجذر2 ليحدد علاقة جمالية ثابتة بين بعدين، وهو يُرى أساساً في جمالية بعض الزهور والمحارات. وكان مطبقاً عند المصريين في مقاييس الأهرامات. وفي العصر الإغريقي تبين أن العلاقة بين ضلع المعشر في دائرة مع نصف قطر هذه الدائرة متطابقة مع المقطع الذهبي. كما وجد فيثاغورس [ر] أن هذا المقطع يحكم العلاقة بين أبعاد النجمة الخماسية. وفي عصر النهضة اُعتمد هذا المقطع في تنظيم علاقة أبعاد الجسم الإنساني، كأن تقوم المسافة بين قمة الرأس والسرة وبين المسافة من السرة إلى أسفل القدم على نسبة المقطع الذهبي. وفي العصر الحديث اعتمد المعمار لوكوربوزييه[ر] Le Corbusier على هذا المقطع، كما اعتمده المصور موندريان[ر].

قامت العمارة الإغريقية على النظام Ordre وثمة ثلاثة أنظمة هي الدوري والأيوني والكورنثي [ر]. وكان هذا المصطلح قد ورد على لسان أفلاطون [ر] واعتمد هذا النظام على الانسجام والتناسب العضوي الذي تحدث عنه فيتروفيوس [ر] Vitruvius.

حدد الإغريق بدقة بالغة المقاييس والنسب التي تساعد على التأليف والإيقاع، سواء أكان ذلك في العمارة أم النحت أم التصوير، وظل الهدف دائماً تحقيق التناسب والتوافق في جميع أجزاء الموضوع، وفق نظام موحد سمي Canon أي القانون الذي ينظم المقياس العضوي للأشياء، ففي قياس العمود كان قطره وحدة قياس ارتفاعه، فنسبة ارتفاع العمود الدوري إلى قطره هي 1/5.5 وفي العمود الأيوني 1/9 وفي العمود الكورنثي 1/10. وهكذا خضع الجمال لمعيار ومقياس رياضي علمي، وأصبح قائماً على الوحدة وليس على الافتراق. وهذا المعيار يبقى أساساً لمفهوم الكلاسية في الفن والتي تجلت في النحت خاصة إذ أصبح الرأس في الجسم الإنساني الوحدة القياسية المتكاملة للجسم كله، وصارت الإصبع Dactyl وحدة جزئية لأبعاد الجسم. وقد حاول النحات بوليكليتوس [ر] Polyclète أن يرسخ قواعد التوازن في الجسم الإنساني، وتوصل إلى تكوين معياري دعاه (القانون)، وعنده أن ارتفاع الرأس يعادل 1/7 من ارتفاع التمثال، ويعادل نصف طول الساق أو نصف الجذع أو نصف عرض الكتفين. أما ليزيب Lysippe المصور والنحات فقد ابتكر قانوناً جديداً يجعل الجسم الإنساني يعادل ثمانية أمثال طول الرأس.

واعتمد الفن الإغريقي ولاسيما في العمارة على قاعدة بصرية متقدمة تقوم على تصحيح الخطأ البصري في العمارة، ففي معبد البارثنون [ر] في أثينا نرى العمود أكثر انتفاخاً في جزئه الأسفل لكي يبدو أكثر امتشاقاً، وصار العمودان الجانبيان أكثر غلظاً لأن الضوء المعاكس خلفهما يوحي بتآكل أطراف العمود، وهكذا عدّل في استقامة الخطوط الأفقية وفي تعديل أبعاد المربعات.

وأخذ المعمار الإسلامي بالأسس العضوية معياراً فنياً وقياساً إنسانياً، إذ اعتمد على الذراع والكوع والإصبع لتحديد الأبعاد تحقيقاً للتناسب والانسجام.

وفي الفنون المسيحية صار المقياس المتري أو الهندسي سائداً ولم تعد هذه الفنون ملتزمة بالعلاقات العضوية، وكان المعمار فيوليه لودوك Viollet- le- Duc قد وضع قواعد هندسية ثابتة للعمارة القوطية.

ابتدأ عصر النهضة محاولاً استمداد معاييره من الفنون الكلاسية التي قامت على علوم الحساب والهندسة، وكان كل من ألبرتي [ر] Alberti في العمارة وليوناردو دافنشي [ر] Leonardo da Vinci في الرسم أول من استعاد هذه المعايير. كانت المحاكاة مقياساً مهماً ولكنها لم تكن عقلانية محضة بل رافقتها رؤية الفنان الخاصة، وكانت رؤية نبيلة تتخطى حدود الفنون الشعبية العفوية. وكان على الفنان كما يذكر فازاري [ر] Vasari أن يختار من الواقع والطبيعة أكثر المقاطع جاذبية وبهاءً.

ومع أن معايير الفن في بداية عصر النهضة اعتمدت على المبادئ الفيثاغورية في التعرف على الكون من خلال العدد، وصارت هذه المبادئ أساساًَ في تكوين فن عصر النهضة، لكن الدمج بين العقل والإحساس في فن عصر النهضة بدا أكثر وضوحاً في النزعة الإنسانية Humanisme وهي لا تعني الإنسان بوصفه موضوعاً، أو بوصفه كينونة، بل بوصفه معياراً للعمل الإبداعي، وهو وحده القادر على تكوين الجمال عن طريق انفعالاته وحدسه.

وفي جانب آخر صارت الرياضيات أساساً معيارياً في تكوين الجمال الفني، ويعدّ بييرو ديلا فرانشيسكا[ر] Piero della Francesca واحداً من أوائل الذين اعتمدوا على الرياضيات، وكانت أبحاثه قد أسست لمفهوم الفن في عصر النهضة، هذا المفهوم الذي تجلى في استخلاص قواعد علم المنظور Perspective. وقد عكست أعماله الجدارية في كنيسة سان فرانسوا في أريتسو Arezzo نظرياته في علم المنظور.

ومضى عصر الباروك [ر] في أوربا متحرراً من القواعد والمعايير، إلى أن جاءت الكلاسية المحدثة[ر] التي عادت إلى المعايير الكلاسية في بناء العمارات الشهيرة، كالأنفاليد Invalides وكنيسة المادلين La Madeleine وبناء السوربون La Sorbonne في باريس.

وفي عصر الحداثة استعاد المعماريون المعايير العضوية في العمارة، وكان لو كوربوزييه أول من عالج نظرية التناسب منذ عام 1945 مؤسساً القاعدة الذهبية تحت تسمية «المودول الذهبي» اعتماداً على أبعاد ثابتة لجسم الإنسان، فهي 1.829 م ارتفاع الإنسان و 1.130 م ارتفاع السرة. وتؤلف هذه المسافات القاعدة الذهبية التي تعتمد على المقياس الإنساني الذي كان سائداً عبر التاريخ.

على أن المعيار الأكثر اتباعاً في العمارة الحديثة هو المعيار العضوي «المودول» الذي دعم أهميته المعمار فرانك لويد رايت [ر] L.F. Right في كتابه «مستقبل العمارة» 1957، والذي يقوم على ربط جميع أجزاء العمارة ببعد محدد مأخوذ من جزء أساسي من الشكل المعماري، كارتفاع الباب مثلاً أو التاتامي في اليابان، أي بطول الحصيرة التي ينام عليها الإنسان.

أما عمارة بعد الحداثة فقد انفصلت عن جميع المعايير وأعطت التصميم حقه بمرجعية مختارة من الطرز والأساليب والمعايير القديمة في تاريخ الفن والعمارة، إذ اتخذت قاعدة التعددية Plurality، كان للعمارة السابقة الصنع أثر في التخلي عن المعيار والمودول.

 

 

عفيف البهنسي

الموضوعات ذات الصلة:

العمارة العضوية.

مراجع للاستزادة:

ـ عفيف البهنسي، العمارة العربية- الجمالية، الوحدة والتنوع (منشورات المجلس القومي للثقافة العربية، روما 1996).

 




التصنيف : العمارة و الفنون التشكيلية والزخرفية
النوع : عمارة وفنون تشكيلية
المجلد: المجلد التاسع عشر
رقم الصفحة ضمن المجلد : 137
مستقل

آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

للحصول على اخبار الموسوعة

عدد الزوار حاليا : 1
الكل : 8586243
اليوم : 705

التصعيد

التصعيد   التصعيد أو الإعلاء أو التسامي sublimation مصطلح نفسي، نشأ في ظل مدرسة التحليل النفسي. وهو يشير إلى وسيلة دفاعية أولية لا شعورية في الغالب، يلجأ إليها الفرد للدفاع عن ذاته وصورتها أمام الآخرين، عندما يتهدده صدور سلوك لا يسوّغه المجتمع أو يرفضه، يشوِّه صورة ذاته بأبعادها المختلفة.

المزيد »