logo

logo

logo

logo

logo

ألمانيا(الموسيقى والرقص)

المانيا(موسيقي ورقص)

Germany - Allemagne

الموسيقى في ألمانية

 

إن التداخل في التراث الجرماني عامة، والمقصود تراث كل من ألمانية والنمسة وجزء من سويسرة، يجعل من الصعب استخلاص ما هو ألماني صرف، ولاسيما ذلك التراث القديم الذي نشأ في عهود كانت فيها الشعوب الجرمانية ما تزال متقاربة الصلات. ويقتصر هذا البحث على ما هو ألماني فعلاً، أي النتاج الموسيقي الذي وضعه موسيقيون ألمانيو المولد وإن اختلف انتماؤهم الموسيقي في بعض الحالات.

يبدو أن الموسيقى الألمانية، في بدايات العصر الوسيط، لم تختلف عن تلك التي ظهرت في دير القديس غالّن Saint-Gallen (نحو القرن التاسع الميلادي) في سويسرة، وهي المدرسة المعروفة بمصطلح «الفن القديم»  ars-antiqua، وكان من أهم أساليبها: التروب tropes، والأورغانوم organum، وكان إكهارد Ekkhard الألماني أحد أعمدة تلك المدرسة. ولقد عرف الألمان تعدد الأصوات polyphonie في القرن الرابع عشر متأخرين عن أندادهم الفرنسيين الذين عرفوا الغناء الذي يشبه الزجل والذي عُرف بغناء المنشدين الجوالين «التروبادور» troubadours في جنوبي فرنسة و«التروفير» trouvères في شمالها، وقد أخذه الألمان عنهم فعُرف عندهم بغناء الحب minne- sang، وذلك في القرن الثاني عشر الميلادي. ومن مشاهير هذا الأسلوب الوحيد الصوت كلٌ من الألمانيين راينمار فون هاغناو Reinmar Von Hagenau، والامبراطور هنري السادس Heinrich VI، وفالترفون دِرفوغلفايده Walter Von der Vogelweide وهو من أهمهم في التراث الألماني، وكذلك هاينريش فون مايسنْ Heinrich Von Meissen الملقب بـمحبوب النساء Frauen lob ويُذكر أن النساء بكته عندما مات.

وفي بدايات القرن الرابع عشر ظهرت في ألمانية مدرسة موسيقية لها أهمية خاصة في تاريخ الموسيقى الألمانية، لأنها كانت ذات طبيعة خاصة لم تشهدها دول أوربة الأخرى وهي مدرسة «أساتذة الغناء» die meister singer. لقد ظهرت هذه المدرسة نتيجة شيوع أغاني الحب بين أفراد الشعب وأصحاب المهن والتجار البرجوازيين بدلاً من الفرسان النبلاء. كان غناؤهم أحادي الصوت monodie، وأهم أنماطه البارفورم barform، وهو شبيه بالموشح الشرقي المكون من دورين stollen وخانة abgesang ويأخذ الصيغة (A-A-B). ولقد حفل غناء الأساتذة بالكثير من القواعد والأصول التي كبّلت هذا الغناء وعرقلت نموه واستمراره، كما حفل غناؤهم بالتزيينات اللحنية. وكان للمغنين الأساتذة ترتيب طبقي يبدأ بالتلميذ، والزميل، والمغني، والشاعر، وينتهي بالمغني الأستاذ. ولقد تأثر هؤلاء أيضاً بغناء الحب، وكان واحدهم شاعراً ومغنياً في الوقت نفسه. ومن أهم هؤلاء هانس ساكس Hans Sacchs، وهانس روزِنبلوت H.Rosenblüt. وكان الأساتذة المغنون من أصحاب الحِرف فمنهم الحانوتي، أو صانع الأحذية، أو التاجر. ولقد صورهم ريتشارد فاغنر R.Wagner أجمل تصوير في أوبّراه المسماة «أساتذة غناء نورنبرغ» die Meistersinger Von Nürnberg. وقد استمر فن «أساتذة الغناء» حتى القرن السادس عشر.

ولا بد من الإشارة إلى أن الغناء الشعبي لقي  عناية في نهاية القرن العاشر من لودفيغ التقي Ludwig der Fromme. ومن أهم أنواع هذا الغناء «اللايز» Leis الذي يعود إلى الغناء الكنسي.

بعد ازدهار تعدد الأصوات على يد كل من ليونين Leoninus، وبيروتين Perotinus ظهر موسيقي ألماني شهر بالتأليف الموسيقي، وبالنظريات الموسيقية، هو فرانكو فون كولن  Franko Von Koeln، وإليه يعود أحد أنواع الكلامية (الموتيت) motetus التي لُقبت بالفرنكونية. والكلامية تلحين متعدد الأصوات، لكل خط لحني فيه كلمات خاصة به، ومن ذلك أخذ اسمه نسبة إلى Mot الفرنسية أي «كلمة».

وفي القرن  الخامس عشر وبدايات السادس عشر ظهر آدم فون فولدا Adam Von Fulda، وهاينريخ إيزاك Heinrich Isaac التابعان للمدرسة الهولندية في ألمانية. وعمل إيزاك في بلاط مكسيميليان الأول مما سمح له برحلات أدت إلى تنوع مؤلفاته من الأغاني مثل الأغنية الفرنسية «شانسون» chanson، والإيطالية «فروتولا» frottola، والألمانية «لايدر» leider. وظهر في هذه المرحلة بعض كتب الأغاني مثل كتاب لوخامِر لمؤلفه فولفلاين فون لوخامر Wolflein von Lochamer  وقد احتوى على أغانٍ بثلاثة أصوات لحنية يُعطى الغناء الأساسي cantus firmus بصوت الصادح tenor وتأخذ هذه الأغاني أسلوب المدرسة الهولندية الأولى.

ومع التحول الفكري والاجتماعي في عصر النهضة ويقظة الفكر الإنساني بدأ تحول في الموسيقى إذ بدأ التعبير بالعزف الآلي ينفصل شيئاً فشيئاً عن الغناء والشعر، وظهرت في ألمانية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر أعمال  ذات مكانة موسيقية لآلة الأرغن على يد كل من كونراد باومان K.Paumann،  وآدم إلبورغ A.Ileborgh، وأرنولد شيلك A.Schilck وبلغت تلك الأعمال أوجها على يد صمويل شايْدت S.Scheidt. وفي هذه الحقبة اشتهرت أيضاً آلة العود على يد كثيرين أمثال نويْزيدلر H.Neusiedler.، وأُكسِنكوهن S.Ochsenkuhn. وقد تطورت موسيقى الآلات لتصبح في خدمة الرقص، إذ حاكى الألمان غيرهم بالمتتاليات suites الراقصة مثل البافان pavane والغاغلياردة gagaliarde، والكورانت courante، والساراباند sarabande، والجيغ gigue.

ولا بد من الإشارة إلى أن المصلح الديني الألماني مارتن لوثر ظهر في هذه الحقبة التاريخية، فتغيرت بعض المعايير الموسيقية الألمانية نتيجة الإصلاح الديني، إذ اعتمد لوثر على الغناء الجماعي choral وباللغة الألمانية وكان هو نفسه يصوغ شعره باللغة الألمانية بدلاً من اللاتينية، ويضع ألحانه بما يتناسب وقدرات جموع المصلين الموسيقية. وأجرى لوثر أيضاً بعض التعديلات على القداس يتفق وأفكاره الجديدة، وظهرت الأغاني البروتستنتية إلى جانب بعض الأغاني الغريغورية القديمة. وقد نهل لوثر وأتباعه من الغناء الألماني المتوارث ألحاناً ألبسوها أشعاراً دينية، مثل بعض أغاني اللايز leis-leich القديمة. واشتهرت مجموعات الأغاني البروتستنتية التي وضعها ألمان مثل لوكاس أوسياندر Lukas Osiander، وهانس ليو هاسلر H.L.Hassler، ومساعد لوثر الموسيقي المعروف يوهان فالتر J.Walther.

في هذه المرحلة اشتدت الحاجة في أوربة إلى الإصلاح النظري الموسيقي وأدى هذا الإصلاح إلى زيادة المقامات الموسيقية الكنسية على يد هنريكوس غلاريانوس Henricus Glareanus السويسري، وكان للألمان دور في هذا التغيير على يد الموسيقيين والنظريين من أمثال: غيورغ راف G.Rhaw، وكونراد سيلتس K.Celtes، وهاينريش فابر H.Faber.

أما الموسيقى الدنيوية الألمانية فسارت إلى جانب الموسيقى الدينية، إذ قدّم كبار الموسيقيين الكنسيين، إلى جانب القداسات والموتيتات والأناشيد الدينية، أغاني دنيوية إيطالية المنشأ من نوع الفيلاّنِلاّ villanella، والمارديغال mardigale، والكانسونيتا canzonetta. واشتهر كل من ياكوب رغنارت J.Regnart، وأورلاندو دي لاسّو O.di Lasso الذي كتب أيضاً أغاني ألمانية ذات ثلاثة خطوط لحنية أو أربعة وطبعت في حياته.

سار ليونارد لِشنر L.Lechner على خطا أستاذه لاسّو في كتابة أغاني ألمانية، كما قام هانس هاسلر بكتابة مؤلفات ذات طابع ألماني  مميز تشمل أغاني جماعية بروتستنتية وأغاني خفيفة ومارديغالات. وسار الاتجاه في عصر النهضة نحو تطوير موسيقى الآلات التي أسهم فيها الألمان أيضاً إذ قدّم كل من النورنبرغي كونراد باومان، وأرنولد شيلك مؤلفات متميزة للأرغن.

وفي نهاية القرن السادس عشر وبدايات السابع عشر، ومع تطور العزف الآلي وظهور «الباص المتواصل» basso continuo أضاف يوهان هرمان شاين J.Herm.Schein أغاني متعددة الأصوات مع «الباص المتواصل". وكتب يوهان نويفاخ J.Neuwach أغاني ألمانية من نوع الفيلاّنِلاّ بمرافقة الكلافسان [ر.البيانو]، والعود الذي غدا متنوع الأشكال والحجوم ومنها التيوربة tiorba. وفي هذا المجال لا بد من التنويه بكل من صمويل شايدت، وهاينريش شوتس H.Schutz. اشتهر الأول بأغانيه الجماعية والإفرادية الدينية المتعددة الألحان والحواريات «الكونشرتو» concerten manier. أما شوتس فيعدّ من أعظم موسيقيي الكنيسة البروتستنتية وحامياً للتراث القديم إلى جانب كونه مجدداً، وقد عمل رئيساً لفرقة بلاط درسدن، كما عمل قبل ذلك عازفاً للأرغن في بلاط مدينة كاسل Kassel، وكانت مؤلفاته متنوعة وبكل الأساليب المعاصرة له. أما ديتريش بوكستهوده D.Buxtehude فيعدّ من أساتذة العزف  على الأرغن والمحدثين والمجددين. وقد اشتهر عازفو الأرغن على الخصوص بالتنوعات، والارتجالات، والتسلل (الفوغة) fugue.

دخلت الأوبرا الأراضي الألمانية بعد ظهور الأوبرا في إيطالية بعدة عقود من الزمن، وقامت هذه النهضة بجهود موسيقيين إيطاليين أولاً كانوا يعملون في  أكثر بلاطات ألمانية، ثم ما لبث بعض المؤلفين الألمان أن جاروهم وقلدوهم. وكانت «دافني» Daphne لشوتس، وهي أولى التمثيليات الغنائية الألمانية، قد ظهرت في حفل زواج أمير تورغاو Torgau. وأنشئت عام 1678م أول دار للأوبرا في هامبورغ، وكان أهم المؤلفين لها راينهارد كايزر R.Keiser. وكان لجورج فيليب تيليمان G.Ph.Telemann محاولات في هذا المجال، وتيليمان هو من الموسيقيين المهمين جداً في عصر الباروك، إذ كتب مؤلفات لجميع الأساليب المعاصرة له من موسيقى الحجرة، والسوناتا، والأوركسترا، والغناء من أنواع الكانتاتا cantata، والأوراتوريو oratorio، والأوبرا، عدا كونه من كبار النظريين الموسيقيين.

تَمثل أوج عصر الباروك الألماني في أعمال كل من يوهان سباستيان باخ J.S.Bach، وغيورغ فريدريش هَنْدل G.F.Händel اللذين عاصر أحدهما الآخر، وقد اشتهر باخ بالعزف على الأرغن، فقد كتب أعمالاً غنائية خالدة مثل الكانتاتا، وآلام المسيح، والأغاني الدينية الجماعية كما كتب عدداً وفيراً من موسيقى الآلات مثل الاستهلال «بريلود» prélude، والفوغة، والتوكّاتا للآلات ذات لوحة الملامس keyboard كالأرغن والكلافسان. وكتب كذلك أعمالاً كثيرة للآلات الموسيقية المنفردة وللأوركسترا مثل الحواريات الكبيرة البراندنبورغية Brandenburg concertors. إلا أن من أهم إنجازات باخ الموسيقية مؤلفه «الكلافسان المعدّل جيداً» das wohltemperierte klavier في جزأين، وقد أثبت فيه إمكان عزف السلّمين الكبير majeur والصغير mineur في كل درجات السلم الموسيقي الملون chromatique الاثنتي عشرة. أما هندل فاشتهر في تأليف الأوبرات، وقد بلغ عددها ما يقارب الأربعين. وفي العقد الأخير من حياته توجّه إلى كتابة الأوراتوريو، كما أن مؤلفاته الدينية وموسيقى الآلات والحواريات والمتتاليات للأوركسترا لا تقل أهمية عن باقي أعماله الموسيقية.

وبعد أن قام العالم الإيطالي زارلينو Zarlino في النصف الثاني من القرن السادس عشر بتأكيد النظرية الثنائية للسلالم الكبيرة والصغيرة، أضاف الألمان أعمالاً نظرية ذات أهمية خاصة ومنهم يوهان ماتّسون Joh.Mattheson الذي كان ذا ثقافة واسعة متعدد الممارسات الموسيقية من نظرية وعملية. فقد كتب في موضوعات موسيقية كثيرة، إذ نشر، عام 1722 ـ 1723م، أول مجلة موسيقية ألمانية «نقد موسيقي»، كما كتب «قائد الجوقة المثالي» الذي يعد معجماً موسيقياً. وكان يوهان شتاميتس J.W.Stamitz، البوهيمي المولد، وزعيم «مدرسة مانهايم الموسيقية» école de Mannheim، قد أرسى مع زملائه الموسيقيين الألمان دعائم الأوركسترا الحديثة، كما كان له تأثير كبير في كل من هايدن Haydn، وموتسارت Mozart.

أما الأوبرا فقد سارت على الدرب الإيطالي. ومن أشهر مؤلفي الأوبرا الألمان في القرن الثامن عشر يوهان أدولف هاسّه A.J.Hasse الذي اشتملت أعماله على الأوبرا الجادة seria والهزلية buffa. ثم جاء بعده يوهان آدم هيلّر J.A.Hiller فأسهم في إحياء المسرحيات الغنائية الألمانية.

وفي موسيقى الآلات، في هذه الحقبة، كان لكل من يوهان يواخيم كفْانتس J.J.Quantz عازف الفلوت، وشتاميتس، وابني باخ الكبير: كارل فيليب إيمانويل K.Ph.E.Bach، ويوهان كريستيان J.Ch.Bach أثر بالغ في تطوير الصيغ الموسيقية التي مهدت لظهور السوناتا sonata، والحوارية، والسمفونية ببنائها التقليدي المتكامل.

ومع أنهم أطلقوا على المدرسة التقليدية صفة «الفييناوية» نسبة إلى فيينة عاصمة النمسة، فإن اثنين من أعمدتها: كريستوف فيليبالد غلوك Ch.W.Gluck، ولودفيغ فان بتهوفن L.Van Beethoven هما ألمانيان، وذلك بغض النظر عن الثقافة المشتركة للنمسة وألمانية في تلك الحقبة. ولكن فيينة التي عاشا فيها مدة طويلة من حياتهما صقلت اتجاههما وصبغته بصبغتها. ويُعد غلوك مصلح الأوبرا إذ خلّصها من تسلط المغنين المنفردين والألحان المزخرفة التي تسبب انقطاعاً في الحبكة الدرامية للأوبرا، كما أعطى للافتتاحية ouverture دوراً في تهيئة المشاهد لجو المسرحية الغنائية، وجعل الموسيقى والألحان الغنائية متوازنة مع المعنى والتعبير الشعري لهذه المشاهد مما هيّأ للأوركسترا دوراً أكثر شمولاً. أما بتهوفن، الذي يعد مخضرماً بين الاتباعية والإبداعية فقد كان له أثر بالغ على الخصوص في تطوير الشكل البنائي للسوناتا والسمفونية. وقد جعل من «السوناتا فورم» sonata form «حركة» mouvement متكاملة وجامعة للتعبير الإنساني عن عواطف وإحساسات عميقة، كانت وسيلته فيها الانتقالات الانسجامية (الهارمونية) الجديدة، والتغيرات الإيقاعية، والألحان المعبرة.

وقد طور بتهوفن استخدام الوحدات اللحنية motives فأصبحت العمود الفقري لمؤلفاته مثل السمفونيتين الخامسة والتاسعة، كما فتح الباب للتغيير وهكذا برزت الحركة الإبداعية إلى الوجود مع التزام بتهوفن بمبادئ الحركة التقليدية التي تقول بالتزام مبدأ التنوع ضمن الوحدة المتكاملة.

أما الحركة الإبداعية الألمانية فقد تميزت بمحاكاتها للغناء الشعبي ولألحانٍ ذات تتابع حرّ غنية بالهارمونية، وبمحاولة الانعتاق من الأشكال البنائية التقليدية إلى أشكال تعكس خيالاً حراً، وبنماء استخدام التوزيع الآلي. لقد دعمت هذه الميزات الاتجاه نحو التعبير عما يعتلج في النفس وهو ما يُميَّز بشيء من الحزن والتشاؤم الظاهرين عموماً في مؤلفات الإبداعيين الأوائل. فكان كارل ماريا فون فِبر M.C.Von Weber المثل الأعلى الألماني في كتابة الأوبرا في ذلك الوقت. وقد جمعت أوبراه «القنّاص الحر» der freischütz العادات والخرافات والألحان الشعبية الألمانية. وكافح فِبر لبناء أوبرا ألمانية تقف في وجه المد الأوبرالي الإيطالي. أما روبرت شومان R.Schumann الذي عمل في النقد الموسيقي إلى جانب كونه مؤلفاً موسيقياً شهيراً، فقد أنجز مؤلفات متنوعة تحمل طابعاً غارقاً في الإبداعية. وقام مؤلفون موسيقيون كثيرون بكتابة الأغاني الألمانية من نوع «الليد» lied الذي امتاز به العصر الإبداعي، إذ كان يقال إن الشعراء الرومنسيين يغنون، والموسيقيين يكتبون الشعر. وجمع فاغنر في شخصه ميزات العصر الإبداعي، فكان يكتب نص الأوبرات ويلحنها هو نفسه. وقد أخذ موضوعات أوبراته من التراث الألماني الأدبي والشعبي. ويُعد فاغنر أوج الإبداع الألماني، إذ غدت الأوركسترا أضخم ما عُرف حتى عصره. وكانت أوبراته تحتاج إلى قدرات تقنية عالية من العازفين والمغنين الذين يجب أن تكون لهم مقدرة جيدة على التمثيل أيضاً. ومن أهم أوبراته «أساتذة غناء نورنبرغ» meistersinger von Nürnberg، وأوبرات «خاتم النيبلونغـن» ring der Nibelungen وهي سلسلة مكونة من أربع أوبرات. لقد حرر فاغنر الهارمونية من بعض قيودها القديمة، وتوسع في التوزيع الآلي، وضخّم الأوركسترا فكان ذلك تبشيراً بعصر جديد متحرر من القديم ومتعطش إلى أساليب موسيقية جديدة في التعبير. وكان وجود فاغنر، في هذه الحقبة، أحد أسباب ظهور «المدرسة الانطباعية» impressionisme الفرنسية المناقضة لمُثُله. كما أن الاستمرار الطبيعي لأسلوبه أدى إلى ظهور ريتشارد شتراوس R.Strauss الذي يُعد من أهم موسيقيي الإبداعية في أوجها، فقد كتب في جميع الأشكال البنائية الموسيقية تقريباً أعمالاً خالدة. وتعد أوبراته من روائع الفن الموسيقي المسرحي ومنها «سالومي» Salome، و«فارس الورود» der rosenkavalier. كما كتب مؤلفات متعددة لموسيقى الآلات أهمها القصائد السمفونية poèmes symphoniques التي تعبّر عن عمق الإبداعية الرومنسية ولكن بروح تدل على العصر الحديث القادم.

ومن أوائل الألمان الذين خالفوا الإبداعية بول هيندميت P.Hindemith الذي حاول التجديد في استخدام الآلات الموسيقية، والاعتماد على الألحان التي يعاملها بطرائق متعددة التصويت معقدة أحياناً مما أضعف التأثير الهارموني الذي يؤدي إلى التعبير الرومنسي على الرغم من برودة مؤلفاته، إلا أن تأثيره كان كبيراً  على حركة التأليف الموسيقي الأوربي عامة. ومن الأسماء الألمانية اللامعة في العصر الحديث: كارل هارتمان A.K.Hartmann الذي ساير الحركة الموسيقية الجديدة التي مالت إلى توكيد الإيقاع والحركة الآلية بما يشبه أعمال سترافنسكي I.Stravinsky، وبارتوك B.Bartäk من الناحية الإيقاعية، واستخدام فرق موسيقية ذات تركيب إيقاعي (بيانو، وآلات إيقاعية، وآلات نفخ، وقليل من الوتريات)، هذا إلى جانب عدد من السمفونيات ومؤلفات أخرى للآلات المتنوعة. ومن الأسماء اللامعة كذلك هانس هنتسه H.W.Henze، وبرند تسيمرمان B.A.Zimmermann، وكارل أورف K.Orff الذي اشتهر بطريقته في تعليم الموسيقى عن طريق الإيقاع، كما اشتهرت له مؤلفات موسيقية متعددة مثل «كارمينا بورانا»  Carmina Burana، وأوبرا «الذكية» die kluge، ومنهم أيضاً كارل هاينتس شتوكهاوزن Karlheinz Stockhausen الذي تأثرت مؤلفاته بموسيقى الاثني عشر صوتاً serielle musik dodecaphonic التي بدأها شونبرغ A.Schoenberg النمسوي وخرج بها عن الأصول الموسيقية التقليدية، وابتكر نظاماً صوتياً وضعياً يقوم على أسس منطقية بالدرجة الأولى. ثم خاض شتوكهاوزن تجربة جديدة عن طريق تثبيت تكوينات صوتية صغيرة يمكن للعازفين اختيار تواليها عشوائياً أي بحسب رغبتهم. ولكن أهم ما قام به كانت مؤلفاته في الموسيقى الإلكترونية التي اعتمدت على استخدام الأجهزة الإلكترونية والصوتية الحديثة من لاقطات صوت، ومكبرات، وأجهزة تسجيل، ومصفّيات، ودمج التسجيلات مع العزف الحي.

إن الموسيقى الألمانية الحديثة تساير التطور العالمي في كثير من أغراضه ونواحيه، وقد تأثرت حديثاً بالموجة الأمريكية لموسيقى البوب (الشعبية) pop musik، والجاز jazz الواسعة الانتشار، كما استعاد الألمان المحافظة على التراث الألماني الشعبي الذي تقوم بأدائه فرق موسيقية كثيرة في جميع أنحاء ألمانية.

 

عبد الحميد حمام

 

 




التصنيف : الموسيقى والسينما والمسرح
النوع : موسيقى وسينما ومسرح
المجلد: المجلد الثالث
رقم الصفحة ضمن المجلد : 364
جزء : ألمانيا

آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

للحصول على اخبار الموسوعة

عدد الزوار حاليا : 1
الكل : 7852382
اليوم : 599

السونيته

السونيته   السونيته sonnet أو sonetto بالإيطالية، وتعني الأغنية القصيرة. هي أحد أهم أشكال الشعر الغنائي الذي انتشر في أوربا إبان العصر الوسيط وكتب فيها كبار الشعراء، وتتألف من أربعة عشر بيتاً بأوزان وقواف معروفة ومحددة. تعود بدايات هذا اللون الفني، على الأرجح، إلى القرن الثالث عشر، مع شعر الغزل والحب العذري الذي كان سائداً لدى شعراء ملوك صقلية وكان هؤلاء لايزالون يحتفظون بطابع الثقافة العربية، على الرغم من انتهاء الحكم العربي في الجزيرة لصالح النورمنديين.

المزيد »