logo

logo

logo

logo

logo

الأهلية

اهليه

Capacity - Aptitude

الأهلية

 

الأهلية في اللغة الاستحقاق والصلاحية والاستيطان. يقال: فلان أهل للإكرام، أي مستحق له. وفلان أهل للقيام بهذا العمل، أي صالح له. وفلان من أهل هذا البلد، أي من المستوطنين فيه.

وهي في الاصطلاح الشرعي والقانوني: صفة يقدرها المشرع في الشخص تجعله محلاً صالحاً للخطاب التشريعي.

ومن المتفق عليه لدى فقهاء الشريعة الإسلامية ورجال القانون أن الأهلية شرط انعقاد [ر. العقد] في كل التصرفات القولية. ومن دونها لا يكون للتصرف القولي أي أثر. إلا أن المقدار المطلوب من الأهلية لانعقاد التصرف وصحته يختلف من تصرف إلى آخر. ذلك أن الأهلية ليست مرتبة واحدة بل هي مراتب يعلو بعضها بعضاً. وما يطلب من الأهلية لتمام تصرف معين قد لا يطلب لتمام تصرف آخر.

أنواع الأهلية

تمر أهلية الإنسان بأطوار عدة بحسب تطوره منذ انعقاده نطفة في رحم أمه حتى آخر لحظة من عمره. ولكل طور أحكام معينة أو قابلية معينة للخطاب التشريعي، وقد قسم الفقهاء الأهلية قسمين اثنين:

1ـ أهلية وجوب: مناطها الحياة الإنسانية، وحكمها صلاحية الإنسان للإلزام والالتزام. وتنقسم قسمين: ناقصة، وكاملة.

2ـ أهلية أداء: مناطها العقل والتمييز، وحكمها صلاحية الإنسان لإصدار الأقوال والأفعال التي تترتب عليها الآثار الشرعية. وهي أيضاً تنقسم قسمين: ناقصة، وكاملة.

أطوار الأهلية

وهي المراتب التي تثبت للإنسان في مراحل تطوره بحكم الشرع:

1ـ طور الاجتنان: هو الطور الأول من أطوار الإنسان و يبدأ منذ انعقاد الجنين نطفةً في رحم أمه، حتى يولد حياً كله أو أكثره. فإذا ولد ميتاً، لم يثبت له طور الطفولة التالي، وألغي الطور الأول أيضاً. والأهلية الثابتة للجنين هي أهلية الوجوب الناقصة، لأنها مشروطة بولادته حياً. وإلا ألغي تعلق هذه الأهلية به. وهذه الأهلية تجعل الجنين صالحاً لثبوت بعض الحقوق له لا كلها. كما أنها لا تجعله أهلاً لثبوت الحقوق عليه. أي إنها تجعله صالحاً للإلزام الناقص، دون الالتزام الكامل. فالجنين إنسان حي، ولكن حياته تابعة لحياة أمه، وهو جزء من أجزائها. ويبقى كذلك حتى يولد حياً.

وقد أثبت فقهاء الشريعة الإسلامية للجنين أحكاماً أربعة هي:

(1) ثبوت نسبه من أبيه وأمه. وثبوت قرابته من جميع أقربائه.

(2) حقه في إرث من يموت من أقربائه الذين يستحق الإرث منهم.

(3) استحقاقه ما يوصى له به.

(4) استحقاقه لما وقف عليه.

وقد أخذ القانون السوري بذلك إلا حالة الوقف هذه لأن القانون السوري قد ألغى الأوقاف الذرية ومنعها منعاً باتاً.

2ـ طور الطفولة: هو الطور الثاني من أطوار الإنسان. ويبدأ منذ ولادة الجنين حياً كله أو أكثره، وتعرف ولادته باستهلاله بصوت أو حركة. وينتهي ببلوغ الطفل سن التمييز وهي السابعة من العمر. والأهلية الثابتة للطفل في هذا الطور هي أهلية الوجوب الكاملة لأن مناطها الحياة الإنسانية. ومن شأن هذه الأهلية أن تجعل الطفل محلاً صالحاً للإلزام مطلقاً. فتصح له الهبة والصدقة ويتملك ما يشترى له، ويسري في حقه البيع الجاري من وليه أو وصيِّه [ر. النيابة الشرعية]، أما قابليته للالتزام نحو غيره فعلى التفصيل التالي:

(1) العبادات البدنية: كالصلاة والصوم والحج، فهذه لا يلتزمها الطفل.

(2) العقوبات والالتزامات المالية: كالدية، وضمان ثمن ما يتلفه للغير وأجرة العقار المستأجر له، فهذه يكون الطفل ملزماً إياها فقهاً. وخالف القانون السوري إذ عد مسؤولية الطفل المالية مسؤولية احتياطية لا أصلية وعدها مخففة أيضاً، وأوجب هذه الالتزامات على ولي الطفل لا على الطفل نفسه.

3ـ طور التمييز: هو الطور الثالث من أطوار الإنسان ويبدأ ببلوغ الطفل سن السابعة، وينتهي ببلوغه رشيداً، مع حسن التصرف بالمال على الوجه المعتاد. وللمميز فوق أهلية الوجوب الكاملة التي كانت له، أهلية أداء ناقصة، تكتمل ببلوغه رشيداً. ومن شأن هذه الأهلية أن تجعل المميِّز أهلاً لصدور بعض الأقوال والأفعال على وجه يعتد به شرعاً. وقد قسَّم الفقهاء تصرفات المميز عموماً إلى ثلاثة أقسام:

(1) تصرفات ضارة ضرراً محضاً: كالهبة والصدقة فهذه تعد باطلة بطلاناً مطلقاً وليس للولي أو الوصي إجازتها. وعلى فرض قيام الولي أو الوصي بإجازتها، فإن هذه الإجازة ذاتها تعد باطلة أيضاً لا أثر لها.

(2) تصرفات نافعة نفعاً محضاً: كقبول الهبة والصدقة فهذه تعد صحيحة ومقبولة من دون أن تتوقف على إجازة الولي أو الوصي.

(3) تصرفات دائرة بين النفع والضرر: كالبيع والإجارة فهذه تعد صحيحة إلا أنها «موقوفة» على إجارة الولي أو الوصي.

وعلى هذا التقسيم وحكم كل قسم سار قانون الأحوال الشخصية السوري أيضاً. أما فيما يتعلق بالعبادات جميعها فهي صحيحة مطلقاً، وإن كانت غير واجبة في الأصل، إلا أنها تقع من المميز نفلاً لا يسقط بها الفرض.

4ـ طور البلوغ مع الرشد: هو الطور الرابع والأخير من أطوار الإنسان. ويبدأ منذ البلوغ حتى الموت. ويكون البلوغ بالفعل أو بالسن. أما البلوغ بالفعل فهو أن يبلغ الشخص سن النكاح. ويعرف ذلك بأماراته وهي احتلام الذكر وحيض الأنثى. والحدّ الأدنى لبلوغ الذكر اثنتا عشرة سنة، والحدّ الأعلى خمس عشرة سنة عند جمهور الفقهاء، وثماني عشرة سنة عند أبي حنيفة. والحدّ الأدنى لبلوغ الأنثى تسع سنوات، والحدّ الأعلى خمس عشرة سنة عند جمهور الفقهاء، وسبع عشرة سنة عند أبي حنيفة. فإذا ظهرت أمارات البلوغ بين الحدين الأدنى والأعلى عُدَّ الشخص منذ ظهورها بالغاً، وإن لم تظهر عد الشخص عند الحد الأعلى بالغاً حكماً وهذا هو البلوغ بالسن. أما القانون السوري وكذلك اللبناني والأردني والعراقي فقد حدد للبلوغ سناً معينة هي ثماني عشرة سنة كاملة. في حين ذهب القانون التونسي والمغربي إلى أنها عشرون سنة. أما القانون المصري فقد حددها بإحدى وعشرين سنة.

إذا بلغ شخص غير رشيد، بأن كان سفيهاً، ناقص الفكر، سيئ التصرف في المال، ولا يهتدي إلى وجوه التصرف السليم، فقد اختلف الفقهاء في أمره. فذهب أبو حنيفة إلى أنه ينتقل إلى طور البلوغ، إلا أنه يحتاط له، فلا يسلم إليه ماله حتى الرشد الفعلي، أو بلوغه سن الخامسة والعشرين. وذهب الصاحبان أبو يوسف ومحمد، وجمهور الفقهاء إلى أنه يبقى في طور التمييز حتى يبلغ رشيداً. وبهذا الرأي أخذ القانون السوري. والأهلية الثابتة للبالغ الراشد أهلية الأداء الكاملة لأن مناطها العقل، وهو مفترض في البالغ الراشد عند الفقهاء، وبمن بلغ الثامنة عشرة من عمره، ذكراً كان أم أنثى، في القانون السوري وبمن بلغ العشرين في القانون التونسي والحادية والعشرين في القانون المصري على ما ذكر آنفاً. ومن شأن هذه الأهلية أن تجعل المتمتع بها أهلاً للقيام بجميع التصرفات والأفعال التي تترتب عليها الأحكام الشرعية، فينفذ بيعه وشراؤه، وتنفذ صدقته وهبته، ويعد مسؤولاً عن جميع الأفعال التي تستوجب المسؤولية. وتزول عنه ولاية وليه المالية، ويكون مكلفاً أيضاً جميع الواجبات الدينية.

عوارض الأهلية

قد تعترض الإنسان، في أطواره الطبيعية، عوارض معينة، تحدُّ من تطوره، وتقف به عند طور معين لا يتجاوزه، بل قد ترجع به إلى طور سابق. وتؤثر هذه العوارض في الأحكام المرتبطة بأهلية الأداء، وفي التصرفات المتوقفة عليها. أما أهلية الوجوب فإنها لا تتأثر بأي عارض من هذه العوارض، لأن مناطها الحياة الإنسانية، سوى عارض واحد هو الموت فإنه ينفي أهلية الوجوب والأداء جميعاً.

وقد قسم الفقهاء هذه العوارض  قسمين: عوارض سماوية لا علاقة للإنسان في اكتسابها، وعوارض مكتسبة تصيب الإنسان بكسبه وفعله هو.

فالعوارض السماوية عشرة، ولكل منها حكمه الخاص وهي:

ـ الجنون: وهو آفة تعتري العقل فتذهب به. أو هو اختلال القوة المميزة بين الحسن والقبيح. أو هو فقدان الإدراك كلياً بآفة. والجنون على نوعين: مطبق، وهو المستديم الذي لا ينفك عن صاحبه. ومتقطع، وهو الذي يصيب الإنسان في وقت ما، ويغيب عنه، ثم يعود إليه في أوقات منتظمة أو غير منتظمة. والجنون المطبق معدم لأهلية الأداء كلية. سواء أكان الإنسان متمتعاً بها قبل الجنون أم لا. فالمولود مجنوناً له أهلية وجوب كاملة، ومهما كبر لا تثبت له أهلية الأداء الناقصة أو الكاملة إلا إذا شفي من جنونه. وكذلك المميز العاقل الذي تثبت له أهلية الأداء الناقصة، فإن هذه الأهلية تلغى عند جنونه ويعود كالطفل غير المميز تماماً.

أما الجنون المتقطع فهو يعدم أهلية الأداء عند وجوده. ويعود الشخص بعد زواله متمتعاً بأهليته السابقة من دون أي فرق بينه وبين أقرانه العقلاء. وهذا محل اتفاق بين القانون والشريعة.

ـ العته: وهو آفة تعتري العقل فتنقصه. فيختلط كلام المعتوه بسبب هذه الآفة فيشبه العقلاء مرة والمجانين مرة أخرى، والمعتوه أرقى حالاً من المجنون.

والمعتوه يأخذ حكم الصبي المميز، وتطبق عليه أحكام أهلية الأداء الناقصة؛ مهما كان عمره. فلو أصيب الصبي المميز بعته منذ صغره، وقف عند أهلية الأداء الناقصة، ولم يغادرها إلى ما بعدها. وإذا أصيب به بعد أن بلغ رشيداً، رُدَّ من أهلية الأداء الكاملة إلى أهلية الأداء الناقصة. وهذا أيضاً محل اتفاق بين القانون والشريعة.

ـ النسيان: وهو نوع من الذهول والشرود الفكري، يعتري الإنسان العاقل فيجعله يتصرف وفق تصور سابق مخالف والواقع أن لا أثر للنسيان على أهلية الأداء مطلقاً، سواء أكانت هذه الأهلية ناقصة أم كاملة، مما هو من حقوق العباد. أما ما هو من حقوق الله تعالى فإنه على قسمين: نسيان بتقصير من المكلف، كالأكل في الصلاة، فهذا لا أثر له ومن ثمَّ تبطل صلاته ولا يعذر بهذا النسيان. ونسيان من دون تقصير من المكلف، كالأكل في الصيام، وهذا يؤثر في التصرف ولكنْ لا يفسد به الصوم ويعذر الإنسان بهذا النسيان.

ـ النوم: وهو حالة طبيعية طارئة يتوقف العقل والإدراك في أثنائها عن العمل مدة محدودة. والنوم معدم لأهلية الأداء كاملة كانت أم ناقصة طول مدة النوم. وتصرفات النائم باطلة شرعاً وقانوناً. فإذا استيقظ عادت إليه أهليته كما كانت قبل نومه.

ـ الإغماء: وهو حالة من النوم غير الطبيعي، يفقد المكلف فيها عقله وإدراكه مدة محدودة. وحكم الإغماء كحكم النوم تماماً من دون أي فارق بينهما، سواء في الشرع أم في القانون.

ـ الرق: وهو حكم من أحكام التصرف بالأسرى المحاربين، وتثبت للرقيق أحكام أهلية الأداء الناقصة كالصبي المميز تماماً. إلا أنه مُكلّفٌ بجميع الواجبات الدينية البدنية لكمال عقله.

ـ مرض الموت: وهو اعتلال في الصحة يعجز معه الإنسان عن القيام بأعماله المعتادة مدة لا تتجاوز السنة من دون ازدياد، ويتصل بالموت. والواقع أن أثر مرض الموت في الأهلية ينحصر في التقييد من أهلية المريض للتبرع فقط. فإذا كان المريض مديناً بدين يستغرق كل ماله وجب عليه تحت طائلة البطلان الامتناع عن التبرع مطلقاً إلا إذا أجازه الدائنون. وإذا كان مديناً بدين لا يستغرق كل ماله انحصر حقه في التبرع بثلث ماله الخالي عن الدين. وكذلك الحال إذا لم يكنْ مديناً أصلاً. وعلى كل حال فإنه يمنع من التبرع لأحد ورثته إلا بموافقة باقي الورثة في المذاهب الأربعة والقانون. وأجاز الجعفرية له التبرع لأحد ورثته في حدود الثلث ولو من دون موافقة الورثة الآخرين.

والإجماع منعقد فقهاً وقانوناً على أنه لو زاد في تبرعه على ثلث ماله، لكانت هذه الزيادة تنعقد موقوفةً على إجازة الورثة.

ـ الحيض: وهو دمٌ ينفضه رحم امرأة بالغة لا داء فيها، ولا حبل، ولم تبلغ سن اليأس والحيض لا ينقص الأهلية مطلقاً إلا أنه يغيّر بعض أحكامها في العبادات. فتسقط الصلاة عن الحائض، وتتأخر مطالبتها بالصيام، ويحرم عليها قراءة القرآن، ومس المصحف، ودخول المسجد، ويحرم على زوجها جماعها.

ـ النفاس: وهو دم ينفضه رحم المرأة بعد وضع الحمل. وهو لا يؤثر في أهلية الأداء إلا من جهة العبادات ويأخذ حكم الحيض تماماً.

ـ الموت: وهو انتهاء الحياة في الإنسان بخروج روحه من جسده. وللموت في الشرع والقانون نوعان اثنان، الموت الحقيقي، وهو المذكور أعلاه و الموت الحكمي وهو عد الشخص ميتاً بحكم القاضي ويكون ذلك في حالة ارتداد المسلم عن دينه. وفي حال غلبة الظن بوفاة المفقود. والموت بنوعيه معدم لأهلية الوجوب ولأهلية الأداء معاً لفقدان الحياة والإدراك في الميت. وإذا تبين أن المفقود لم يكن ميتاً، وكذلك إذا رجع المرتد إلى الإسلام فإن أهليته تعود كما كانت [ر.المفقود].

أما العوارض المكتسبة: فثمانية، ولكل منها حكمه الخاص وهي:

ـ الجهل: هو ضد العلم. والمقصود به هنا الجهل بالأحكام الشرعية والقانونية التي تحدد أسس التصرف والفعل وجزاءاتهما اللذين يرتب المشرع عليهما أحكاماً.

والواقع أنه، من حيث الأصل، لا أثر للجهل في الأهلية؛ للقاعدة المتفق عليها شرعاً وقانوناً «الجهل بالأحكام ليس عذراً». إلا أن الجهل مع ذلك يعد عذراً في حالات استثنائية ضيقة. كمن دخل في الإسلام حديثاً فيعذر في جهله بالأحكام الإسلامية الفرعية، وتسقط عنه القراءة بالعربية في الصلاة، ويكتفى منه بالذكر والتسبيح حتى يتعلم ما يلزمه للصلاة. وكذلك من دخل إلى البلاد حديثاً ولا يعرف قانون السير فيها، أو بعض القوانين الخاصة بهذه البلاد مما لا تتصور معرفته بها.

ـ السُكْر: هو فقدان الوعي والإدراك مدة محدودة بسبب تناول مادة تعطل العقل. والسكر يسقط أهلية الأداء كليةً مدة قيامه إذا كان المسكر حلالاً كالدواء. أما إذا كان حراماً فلا تتأثر الأهلية به مطلقاً؛ فتصح عقود السكران ويقع طلاقه عند الجمهور خلافاً لبعض الفقهاء والقانون.

ـ الهزل: هو إطلاق اللفظ على وجه لا يراد به معناه الحقيقي أو المجازي. وهو ضد الجِدّ. وإذا دخل الهزل على أصل التصرفات القابلة للفسخ كالبيع والإيجار والشراكة، فإن هذه التصرفات لا تصح وتفسخ لهذا العارض. أما إذا دخل الهزل على التصرفات التي لا تقبل الفسخ بطبيعتها كالنكاح والطلاق والعتاق واليمين والنذر، فإن هذه التصرفات تقع صحيحة ولا أثر للهزل فيها.

 ـ السَّفه: هو التصرف بالمال على غير ما يوافق العقل والشرع. كالتبذير والإسراف في المباحات أو في الطاعات المالية فضلاً عن المحرمات. والسفه لا ينافي الأهلية، ولكنه يغير بعض أحكامها. وهناك فرق بين سفه رافق البلوغ، وسفه طرأ بعد البلوغ.

فأما السفه المرافق للبلوغ فقد تقدم حكمه عند الكلام في طور البلوغ مع الرشد. وأما السفه الطارئ على البلوغ، فقد ذهب أبو حنيفة إلى عدم عدِّه أصلاً، وإلى أنه لا يؤثر في الأهلية مطلقاً. وذهب الصاحبان أبو يوسف ومحمد والجمهور إلى الحجر على السفيه بقرار من القاضي. وعند ذلك يُعدُّ كالبالغ غير الرشيد، وقد تقدم حكمه فيما سبق. مع ملاحظة أن تصرفات السفيه قبل شهر قرار الحجر عليه تعد صحيحة إجماعاً، وبرأي الجمهور أخذ القانون السوري.

ـ السفر: هو مجاوزة العمران في مكان الإقامة بقصدٍ، مسافة تقدر بتسعين كيلو متراً تقريباً. ولا أثر للسفر في أهلية الأداء ولكنه يعد سبباً لتخفيف بعض الفروض والأحكام الدينية. فتقصر الصلاة الرباعية وجوباً عند الحنفية وجوازاً عند الجمهور، ويجوز الإفطار في رمضان. وتزداد مدة المسح على الخفين فتصبح ثلاثة أيام، وترتفع سنية صلاة الجماعة وفريضة الجمعة.

ـ الخطأ: هو ضد القصد. وهو أقرب للنسيان. والمخطئ غير قاصد للفعل، بخلاف الناسي فإنه قاصد، والخطأ من حيث المبدأ، لا يفقد أهلية الأداء ولا ينقصها، ولكنه يغير بعض أحكامها. فيعد العقد مع الخطأ قابلاً للإبطال في القانون[ر.العقد، عيوب الإرادة]، وقابلاً للفسخ في الشريعة  الإسلامية. والجريمة بطريق الخطأ ذات عقوبة مخففة في القانون [ر.الجريمة]، وتسقط بها العقوبة في الشريعة الإسلامية. إلا أن التعويض عن الأضرار الناجمة عنها لا يسقط أبداً. أما الخطأ في العبادات فيعد عذراً يسقط به الإثم مع وجوب إعادتها سليمة.

ـ الإكراه: هو حمل الغير على ما يكرهه بوسيلة مرهبة أو تهديد بها. وهو نوعان ملجئ وغير ملجئ. فالملجئ ما يكون بوسيلة مرهبة تعدم الرضا والاختيار كالتهديد الجدي بالقتل مثلاً. أما غير الملجئ فيكون بوسيلة خفيفة نسبياً تعدم الرضا من دون الاختيار كالضرب الخفيف.

ويراعى في تحديد نوع الإكراه حالة الشخص وجنسه وعمره وقوته البدنية. والإكراه لا يفقد الأهلية ولا ينقصها، ولكنه يغيّر بعض أحكامها بحسب نوع التصرف. ففي التصرفات القولية ينظر، فإذا كان التصرف مما يقبل الفسخ أو الإبطال كالبيع والإجارة وقعت هذه التصرفات فاسدة شرعاً أو غير لازمة بنحو أدق وقابلة للإبطال قانوناً ما لم يوافق عليها المكره بعد زوال الإكراه عنه. وهذا محل اتفاق بين الشريعة والقانون. أما إذا كان التصرف مما لا يقبل الفسخ أو الإبطال كالنكاح والطلاق والعتاق واليمين والنذر فتقع هذه التصرفات صحيحة من المكره عند الحنفية خلافاً للجمهور والقانون. أما التصرفات الفعلية فينظر فيها أيضاً، فإن كان المُكْرَهُ فيها أداة للمُكْرهِ، كحمل إنسان وإلقائه على آخر لقتله، ففي هذه الحالة لا يُسألُ المُكْرَه عن الجريمة وتكون المسؤولية على الشخص المُكْرِه. أما إذا لم يكن الشخص المُكْرَهُ أداة بيد المُكْرهِ، كالزنى مثلاً، فهذه تسقط بها العقوبة شرعاً وقانوناً عن المُكْرَهِ أيضاً. إلا أنه يجب عليه المهر.

ـ الردة: هي الرجوع عن دين الإسلام بعد اعتناقه إلى دين آخر، أو الإلحاد. والردة تغيّر بعض أحكام الأهلية. وقد قسم الفقهاء تصرفات المرتد قسمين لكل منهما حكمه الخاص:

(1) تصرفات تتوقف على اعتناق دين سماوي: هي النكاح والذبح والصيد والشهادة والإرث. وهذه التصرفات باطلة من المرتد ولا يعد أهلاً لها أبداً.

(2) تصرفات لا تتوقف على اعتناق دين سماوي: وهذه تنقسم أربعة أقسام:

ـ ما يقوم على المساواة بين المتعاقدين في الدين: كشركة المفاوضة. فهذه موقوفة على عودته إلى الإسلام.

ـ ما يعتمد على الولاية المتعدية: كالتصرف في مال ولده الصغير. فهذا موقوف أيضاً على عودته إلى الإسلام.

ـ ما لا يعتمد على الولاية المتعدية: كالطلاق وقبول الهبة وتسليم الشفعة، فهذه لا أثر للردة فيها وتقع من المرتد صحيحة نافذة.

ـ عقود المعاوضة وعقود التبرع: كالبيع والإيجار والهبة والشراكة والوصية. وقد اختلف الفقهاء في أمرها بين مجيز مطلقاً، ومجيز بشروط ، ومانع مطلقاً.

وهذا كله ضمن المدة الواقعة في أثناء استتابة المرتد. وقدرها بعض الفقهاء بثلاثة أيام حتى تمكن مناقشته وإزالة الشبهات التي حملته على الردة عن فكره.

محمد وفا ريشي  

 

الموضوعات ذات الصلة:

 

القوامة ـ النيابة الشرعية ـ الوصاية ـ الولاية.

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ سيف الدين علي بن أبي علي الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام (دار الكتب العلمية، بيروت 1980).

ـ علي بن محمد بن الحسين البزدوي، كشف الأسرار، الطبعة الأولى (دار الكتاب العربي، بيروت 1991).

ـ إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة (دار المعرفة، بيروت، بلا تاريخ).




التصنيف : الشريعة
النوع : دين
المجلد: المجلد الرابع
رقم الصفحة ضمن المجلد : 113
مستقل

آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

للحصول على اخبار الموسوعة

عدد الزوار حاليا : 1
الكل : 7851897
اليوم : 114

المنفعة

المزيد »