logo

logo

logo

logo

logo

الحجاز (جغرافيا)

حجاز (جغرافيا)

Al-Hedjaz - Al-Hedjaz

الحجاز

 

يقع إقليم الحجاز في الجزء الغربي من المملكة العربية السعودية[ر]، متطاولاً مع ساحل البحر الأحمر بين خطي عرض 20 و29درجة شمالاً، ويمتد من الحدود الأردنية - السعودية شمالاً حتى منطقة عسير في الجنوب، بامتداد يبلغ نحو 1200كم. يبلغ أقصى اتساع للحجاز بين الشرق والغرب نحو 450كم، ومساحته 436454كم2.

ويميز في هذا الإقليم ثلاث وحدات تضريسية:

1- السهل الساحلي: يمتد على طول ساحل البحر الأحمر، ويُطلق عليه اسم تهامة الحجاز، وتعني كلمة تهامة المكان المنخفض ذا الحرارة المرتفعة والرطوبة العالية والرياح الساكنة. تشكل السهل من مواد وتكوينات رسوبية بحرية وقارية، ومنقولات رملية وحصوية، ولايزيد عرضه على 25كم. يختلف عرض السهل من منطقة إلى أخرى، فهو يضيق في الشمال ويتسع في الجنوب، وهو منبسط وينحدر انحداراً تدريجياً من الشرق إلى الغرب. تتدرج التربة في هذا السهل من المرتفعات في الشرق إلى ساحل البحر في الغرب، فبالقرب من الجبال تنتشر الأراضي التي تكثر فيها الحجارة والحصى، بينما تنتشر الترب الطميية على أطراف الأودية، تليها الترب الرملية الفقيرة التي تتصل مع الأراضي الملحية والسبخات المحاذية لشاطئ البحر.

يتميز ساحل البحر الأحمر باستقامته وقلة تعرجاته وكثرة جزره المرجانية، مما يجعله غير صالح لرسو السفن، لذلك تتم إقامة الموانئ المناسبة بتكاليف مادية كبيرة، لتصبح صالحة لاستقبال السفن، كما في ميناء جدة وميناء ينبع.

2- النطاق الجبلي: يعد النطاق الجبلي الظاهرة الأهم في إقليم الحجاز، فهي الأكثر أمطاراً، ومنه تنطلق الوديان المتعددة، وتختزن فيها ثروات معدنية مهمة ومتنوعة. ويتكون هذا النطاق من سلاسل جبلية موازية لساحل البحر الأحمر، تُعرف باسم جبال السروات أو السراة، أي الأرض المرتفعة، أو جبال الحجاز، لأنها تحجز بين تهامة وهضبة نجد. تمتد على مسافة 1200كم بين الشمال والجنوب، وتتكون من صخور نارية ومتحولة، تغطيها في بعض الجهات صخور رسوبية، يراوح عرضها بين 120-200كم، ويبلغ أقصى اتساع لها بين الوجه وينبع، يزداد ارتفاعها من الشمال إلى الجنوب، ويبلغ متوسط ارتفاعها 1300م بين العقبة ومكة المكرمة، وفيها بعض القمم التي يتجاوز ارتفاعها 2000م، في بلاد مدين في الشمال، وبلاد غامد في الجنوب.

3- الهضاب والحرات: يمتد إلى الشرق من النطاق الجبلي عدد من الهضاب والحرات التي يتزايد ارتفاعها من الشمال إلى الجنوب، ويراوح بين800 -1500م فوق سطح البحر، وأهمها:

أ- هضبة الحسمي: وتقع في الشمال، بين جبال السروات ووادي السرحان، يبلغ متوسط ارتفاعها 900م، يخترقها وادي سابا من الجنوب إلى الشمال، ماراً بمدينة تبوك، ووادي فجر الذي يتجه من الجنوب الغربي نحو الشمال الشرقي، وهي تتكون بصورة عامة من الصخور الرملية، يوجد فيها عدد من الحافات والتلال الحتية.

ب- هضبة الحجاز: تقع إلى الجنوب من هضبة الحسمي، ممتدة بين المرتفعات الجبلية والنفوذ الكبرى حتى حرة خيبر. يصل متوسط ارتفاعها إلى 1000م تقريباً، وهي تتكون من الصخور الرملية، يجري فيها بعض الأودية مثل وادي العقيق والحمض، وادي الجزل.

ج- سهل ركبة: يقع إلى الشرق من مدينة الطائف، بين حرة كشب شمالاً وحرة حضن جنوباً. يتكون من الصخور الأركية، تغطيها بعض المفتتات المنحدرة من الجبال، يبلغ متوسط ارتفاعه 1100م، يمر فيه الطريق البري بين الرياض ومكة المكرمة.

د- الحرات: تتكون من صهير اللابات البركانية التي اندفعت إلى سطح الأرض من خلال الشقوق في القشرة الأرضية، خلال الزمن الثالث الجيولوجي، يراوح ارتفاعها بين 1100-1300م، أهم هذه الحرات العويرض بين العلا وتبوك، وخيبر إلى الشمال الشرقي من المدينة المنورة، ورهاب بين المدينة والطائف.

المناخ

تقع الحجاز ضمن النطاق الصحراوي لشبه الجزيرة العربية[ر]، وتأثير البحر الأحمر ضعيف، ويظهر في زيادة الرطوبة والضباب في سهل تهامة، وبعض الأمطار في المناطق الجبلية. يتميز المناخ بارتفاع درجة الحرارة، وخاصة في فصل الصيف، إذ يكون الجو صافياً، قليل الغيوم، فيزداد تعرض المنطقة لأشعة الشمس، مما يزيد شدة البخر، وتقل الاستفادة من الهطل السنوي القليل. يبلغ معدل الحرارة العظمى في الصيف 43درجة مئوية في المدينة المنورة، و40درجة في تبوك، و37درجة في جدة، و33درجة في الوجه. أما معدل النهاية الصغرى، فيراوح بين 20درجة مئوية في الطائف، و25درجة مئوية في المدينة المنورة، و27درجة في جدة. في الشتاء ينخفض معدل الحرارة العظمى في شهر كانون أول، ويراوح بين 18درجة مئوية في تبوك و28.5درجة مئوية في جدة.

أمطار الحجاز قليلة، وهي صيفية موسمية في الجنوب، متوسطية شتوية في الشمال، تتفاوت كمية الأمطار من سنة إلى أخرى ومن موقع إلى أخر. ولاتوجد أنهار دائمة الجريان في الحجاز، بل توجد أودية سيلية تجري بالمياه عقب سقوط الأمطار، ثم لا تلبث أن تجف. ومن أهم الأودية وادي فاطمة ونعمان وسابا والحمض والعقيق وفجر والجزل. بما أن أرض الحجاز تتكون بمعظمها من الصخور النارية والمتحولة، وتتلقى كميات قليلة من الأمطار، لذا كانت مياهها الجوفية سطحية وقليلة، تتجمع في مناطق المجروفات السيلية والرمال. وقد أُقيمت سدود عدة أمام المياه السيلية والوديان للاستفادة منها للشرب والزراعة.

الترب

تتنوع الترب في أراضي الحجاز من حيث تكوينها، وصلاحيتها للزراعة، ففي بطون الأودية توجد ترب طينية رملية، لونها مائل إلى الصفرة أو الاحمرار، بحسب المكونات المعدنية للصخر الذي تكونت منه، وهي عميقة في بطون الأودية الكبرى، خاصة في المناطق الجنوبية حيث يزداد الهطل السنوي، وهي ترب صالحة للزراعة. كما تكثر الترب الرملية والترب الملحية في سهل تهامة، حيث يمكن استصلاح بعضها وإضافة الأسمدة إليها، واستغلالها في الزراعة. وفي مناطق الحرّات، توجد ترب عميقة طينية حصوية ذات نفاذية متوسطة، يمكن استصلاحها واستخدامها في الزراعة.

النبات والحيوان

تقع الحجاز في نطاق الإقليم المداري الجاف، لذلك فإن معظم غطائها النباتي الطبيعي يتكون من نباتات صحراوية فقيرة، مثل الأعشاب الشوكية والنباتات القصيرة التي تنمو بعد سقوط الأمطار. تظهر الغابات في الأودية والمرتفعات الجبلية، وتسود فيها أشجار العرعر والطلح والأثل والسدر ونخيل الدوم والزيتون البري.

الحيوانات البرية قليلة جداً، وتقتصر على الطيور المحلية والمهاجرة، والزواحف.

الجغرافية البشرية

قُسمت المملكة العربية السعودية عام 1992 إلى 13منطقة إدارية، منها خمس مناطق حجازية هي: منطقة تبوك، المدينة المنورة، مكة المكرمة، الباحة، الجوف (القريات).

بلغ عدد سكان الحجاز نحو 2.657مليون نسمة حسب تعداد 1974، أي ما يعادل 33% من مجمل سكان المملكة. ارتفع عدد السكان إلى نحو 4.371مليون نسمة عام 1985، ووصل إلى نحو 5.463مليون نسمة تقريباً في عام 1991، وهو ما يعادل 32% من مجموع سكان المملكة، منهم 3.201مليون نسمة في منطقة مكة المكرمة، و1.307مليون نسمة في منطقة المدينة المنورة، و487.564ألف نسمة في منطقة تبوك، و467.649ألف نسمة في منطقة الباحة، و243782 في منطقة الجوف. أهم مدن الحجاز من الناحية السكانية: مدينة جدة، إذ بلغ عدد سكانها نحو 2.046مليون نسمة في عام 1993، وتأتي في المرتبة الثانية من حيث عدد السكان بعد مدينة الرياض، ثم مكة المكرمة وعدد سكانها 965.697ألف نسمة، والمدينة المنورة 608ألف نسمة، والطائف 416.131ألف نسمة، وتبوك 292ألف نسمة، وينبع 120ألف نسمة، والباحة 16ألف نسمة. غالبية السكان من الحضر، والقليل من سكان الأرياف والبدو الرحل، إذ تراوح نسبة الحضر بين 50 و70% من مجموع السكان بحسب المناطق، فيكثر البدو الرحل في منطقة المدينة المنورة (46%)، ومكة المكرمة (14%)، بينما تنخفض نسبة الحضر بصورة استثنائية في منطقة الباحة إلى نحو 3% من مجموع السكان، وترتفع نسبة سكان الريف إلى نحو 82% من مجموع السكان بسبب غلبة النشاط الزراعي في المنطقة.

الجغرافية الاقتصادية

ترتبط الزراعة بوجود المياه السطحية من بحيرات وأنهار ووديان، إضافة إلى المياه الجوفية والأمطار، وبما أن المياه بأشكالها المختلفة قليلة في الحجاز، فالزراعة محدودة، لكن التطور الحديث في بناء السدود، وحفر الآبار العميقة لاستخراج المياه الجوفية، أفاد التقدم في الإنتاج الزراعي، وخاصة في السنوات العشرين الأخيرة، وتشتهر الحجاز بزراعة القمح والشعير والذرة والدخن، وإنتاج الخضراوات، وخاصة حول مدن الطائف وجدة والمدينة وينبع، كما تشتهر الحجاز بإنتاج التمور الجيدة، وخاصة في منطقة المدينة المنورة.

 تُربى الأغنام والأبقار والماعز والإبل في المناطق الجبلية والهضاب لتوافر المراعي. وبلغت نسبة أعداد الثروة الحيوانية في الحجاز نحو 22% من مجموع أعداد الثروة الحيوانية في المملكة العربية السعودية عام 1995.

تضم الحجاز ثروات معدنية متعددة ضمن نطاق الصخور النارية والمتحولة، وأهم هذه الثروات خامات الحديد في منطقة وادي فاطمة ووادي الصواوين في منطقة تبوك ومواقع أخرى. وتوجد خامات النحاس في وادي العقيق بجانب مهد الذهب وفي شمالي جدة ومناطق أخرى، ويوجد الذهب في جنوب شرقي المدينة المنورة في مهد الذهب.

يعد الحج من أهم المناسبات السنوية لتنشيط الحركة الاقتصادية في الحجاز، وخاصة في منطقة مكة المكرمة والمدينة المنورة.

شهد الحجاز تطوراً كبيراً في المجال الصناعي، تعد مدينة جدة أقدم وأكبر مدينة صناعية في الحجاز، ففيها صناعة الحديد والصلب، والصناعات المعدنية التحويلية، وصناعة السيارات وتكرير النفط الخام، وصناعة الإسمنت ومواد البناء، وصناعة السفن والزوارق، والأدوات المعدنية المنزلية والزجاج والأسمدة وصناعة المنسوجات والأثاث المنزلي. في الشمال أقامت مدينة ينبع الصناعية الحديثة على ساحل البحر الأحمر ميناء لتصدير النفط الخام وتكريره وتصدير الكثير من منتجات النفط والغاز وتصنيع بعضها محلياً، كما تطورت فيها الصناعات البتروكيمياوية والصناعات المعدنية والأسمدة وصناعة الإسمنت. كما تقوم في مدينة الطائف الصناعات الغذائية ومواد البناء وصناعة الأثاث، كما تكثر في المدينة المنورة ومكة المكرمة الصناعات الغذائية والنسيجية ومواد البناء، والأدوات الكهربائية والأثاث المنزلي والمكتبي.

ترتبط مدن الحجاز بشبكة من الطرق المعبدة، تربطها ببقية مدن المملكة في الجنوب والشرق والشمال الشرقي، كما ترتبط مع العالم الخارجي عن طريق الموانئ المقامة على البحر الأحمر، وخاصة ميناء جدة وينبع وضبا، أو عن طريق النقل الجوي عبر مطارات جدة والمدينة المنورة والطائف وتبوك وينبع والوجه.

محمد الحمادي

 




التصنيف : التاريخ و الجغرافية و الآثار
النوع : سياحة
المجلد: المجلدالثامن
رقم الصفحة ضمن المجلد : 61
جزء : الحجاز

آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

للحصول على اخبار الموسوعة

عدد الزوار حاليا : 1
الكل : 7988540
اليوم : 470

تقي الدين محمد بن معروف

تقي الدين محمد بن معروف (نحو 932 ـ 993هـ/1525 ـ 1585م)   تقي الدين محمد بن معروف بن أحمد، عالم فلكي، وراصد رياضي ومهندس ميكانيكي، اشتهر أوائل الحكم العثماني. ورد اسمه كاملاً ومدوناً بخط يده على مخطوط له عنوانه «الطرق السنية في الآلات الروحانية». يرجع في نسبه إلى الأمير ناصر الدين منكويرس، ابن الأمير ناصح الدين خمارتكين. أشارت معظم المراجع إلى أنه من مواليد مدينة دمشق، ثم انتقلت أسرته إلى مصر، حيث استقرت فيها. نشأ تقي الدين في بيت علم ودين، فقد كان والده قاضياً في مصر. ودرس هو علوم عصره، وأصبح قاضياً مثل أبيه. تحدث عن نفسه في أحد مؤلفاته، وهو «سدرة منتهى الأفكار في ملكوت الفلك الدوار» فقال: «ولما كنت ممن ولد ونشأ في البقاع المقدسة، وطالعت الأصلين «المجسطي»، و«كتاب إقليدس في الأصول» أكمل مطالعة، ففتحت مغلقات حصونها، بعد الممانعة والمدافعة. ورأيت ما في الأزياج المتداولة (الجداول الفلكية) [ر] من الخلل الواضح، والزلل الفاضح، تعلق البال والخلد بتجديد تحرير الرصد». وهذا يدل على أن تقي الدين قد اطّلع على الكتب العربية التي وردت فيها الأرصاد والحسابات الفلكية والأزياج فسعى لإصلاحها. واستخرج زيجاً وجيزاً مستعيناً بأبحاث أَلُغ بك، كما ذكر في كتابه «الدر النظيم في تسهيل التقويم». ويبدو من أقوال تقي الدين، التي وردت في كتابه «الطرق السنية في الآلات الروحانية» أنه زار اصطنبول، مع أخيه عام 953هـ/1546م. وربما كان ذلك بحكم وظيفته، أو رغبة في طلب العلم.  وفي تلك المدينة قام بمشاركة أخيه بتصميم آلة لتدوير سيخ اللحم على النار، فيدور من نفسه من غير حركة الحيوان. عمل تقي الدين في خدمة الوالي علي باشا، الذي كان يحكم مصر من قبل السلطان سليمان القانوني، بدءاً من عام 956هـ/1549م. فأهداه كتابين من مؤلفاته وهما «الطرق السنية في الآلات الروحانية»، و«الكواكب الدرية في البنكامات الدورية». وجاء في كتاب «كشف الظنون» أنه في عام 975هـ/1568م ألف تقي الدين كتاب «ريحانة الروح في رسم الساعات على مستوى السطوح» في قرية من قرى نابلس. ثم شرحها العلاّمة عمر بن محمد الفارسكوري شرحاً بسيطاً بإشارة من المصنف، وسماها «نفح الفيوح بشرح ريحانة الروح»، وفرغ منها في ربيع الأول 980هـ، ولها ترجمة إلى اللغة التركية موجودة نسخة منها في المكتبة الظاهرية بدمشق. رحل تقي الدين بعد ذلك إلى اصطنبول، حيث تقرّب من الخواجه سعد الدين، معلّم السلطان، وصار من خواصه الملازمين. ونظراً لبراعة تقي الدين في العلوم الفلكية دعمه الخواجه سعد الدين ليكون رئيساً للمنجمين في أواخر حكم السلطان سليمان، وكان ذلك عام 979هـ/1571م. كان تقي الدين يرغب في إنشاء مرصد في اصطنبول، على غرار مرصد مراغة، الذي أنشأه أَلُغ بك، لذلك قدّم تقريراً للسلطان، عن طريق الصدر الأعظم محمد باشا، ووساطة الخواجه سعد الدين، وشرح في تقريره أن الجداول الفلكية الموجودة صارت غير قادرة على إعطاء معلومات صحيحة، لذلك صارت الحاجة ملحة لعمل جداول فلكية تستند إلى أرصاد جديدة. استجاب السلطان لطلب تقي الدين، وبدأ بإنشاء المرصد أوائل عام 983هـ/1575م، وانتهى بناؤه وتجهيزه بالأجهزة والأدوات بعد ذلك بعامين. وحدث في ذلك الوقت ظهور مذنب في سماء اصطنبول، ولما شاهده تقي الدين في مرصده تقدم بالتهنئة للسلطان، متنبأ له بالنصر على الفرس، الذين كانوا في حرب مع الدولة العثمانية. وقد تحقق ذلك النصر، لكنه لم يكن مجرداً من الخسائر الفادحة. كما أن وباء الطاعون انتشر انتشاراً واسعاً في ذلك الوقت. فانتهز الفرصة قاضي زاده شيخ الإسلام هو وجماعته المنافسون للصدر الأعظم وللخواجه سعد الدين، وشنوا حملة معادية لإنشاء المرصد، ونجحوا بإقناع السلطان بهدمه، فتم لهم ذلك في عام 1580م. كان السلطان مراد قد كافأ تقي الدين، عقب إنشائه المرصد، فمنحه راتب القضاة، كما منحه قطائع درت عليه دخلاً كبيراً. إلا أن هدم المرصد كان له تأثير سيء في نفس تقي الدين، وقد توفي بعد ذلك بخمس سنوات، ودفن في مدينة اصطنبول. كان تقي الدين، كما يقول عن نفسه، في كتابه «الكواكب الدرية في البنكامات الدورية»، مغرماً منذ حداثته بمطالعة كتب الرياضيات، إلى أن أتقن الآلات الظلية والشعاعية علماً وعملاً، واطلع على نسب أشكالها وخطوطها. كما اطّلع على كتب الحيل الدقيقة والميكانيك، ورسائل علم الفرسطون والميزان وجر الأثقال. وكان يتقن معرفة الأوقات ليلاً ونهاراً، معتمداً على عدة أشكال من الآلات، وخاصة البنكامات الدورية (الساعات). وقد دوَّن فن الساعات الميكانيكية ومبادئها، وذكر عدداً من الآلات التي اخترعها. ولكي يبرهن على مدى تقدمه في العلوم الرياضية، ورغبته في نشر المعرفة، وضع عدة مؤلفات، منها رسالة «بغية الطلاب في علم الحساب»، وكتاب في الجبر عنوانه «كتاب النسب المتشاكلة». وكتاب في الفلك عنوانه «سدرة منتهى الأفكار في ملكوت الفلك الدوّار». وسجل في كتابه الأخير المشاهدات الفلكية التي حققها في مرصد اصطنبول. ووصف الآلات التي استعملها فيه، وماكان منها من مخترعاته، محتذياً في ذلك حذو العلامة نصير الدين الطوسي الذي كان يعدّه المعلم الكبير. كان تقي الدين وافر الإنتاج العلمي، قام بتصنيف عدد من الرسائل والكتب، ولما يزل أكثرها مخطوطات محفوظة في عدة مكتبات عالمية. وفي عام 1976 قام أحمد يوسف الحسن بتحقيق ودراسة مخطوط «الطرق السنية في الآلات الروحانية»، ونشره مصوراً في كتاب عنوانه «تقي الدين والهندسة الميكانيكية العربية»، وبين بالرسم والشرح شكل وعمل الآلات التي وردت في هذا الكتاب، وقال: «إن أهمية كتاب الطرق السنية في أنه يكمل حلقة مفقودة في تاريخ الثقافة العربية، وتاريخ الهندسة الميكانيكية». أما موضوعات الكتاب فتشمل مقدمة وستة أبواب. تكلم تقي الدين في مقدمة هذا الكتاب على الآلة المعروفة بحق أو علبة القمر، وهي مشابهة في تركيبها للساعات الميكانيكية. وفي الباب الأول: تكلم على أربعة أصناف من البنكامات، وهي ساعات رملية أو مائية، مما عرفه العرب في مطلع حضارتهم. وفي الباب الثاني: ذكر ثلاث آلات لجر الأثقال. وفي الباب الثالث: وصف أربع آلات لرفع الأثقال ومثلها لرفع الماء. وفي الباب الرابع: تكلم على عمل آلات الزمر الدائم والنقارات (ثلاثة أنواع) والفوارات المختلفة الأشكال (أربعة أنواع). وفي الباب الخامس ذكر أنواعاً شتى من آلات طريفة (أحد عشر نوعاً). وفي الباب السادس: وصف لسيخ اللحم الذي يدور بصورة آلية على البخار.   محمد زهير البابا   مراجع للاستزادة:   ـ بنو موسى بن شاكر، الحيل، تحقيق أحمد يوسف الحسن (معهد التراث العلمي العربي، حلب). ـ تقي الدين، الطرق السنية في الآلات الروحانية، تحقيق أحمد يوسف الحسن (معهد التراث العلمي العربي، حلب).

المزيد »