logo

logo

logo

logo

logo

التمثيل

تمثيل

Acting - Représentation

التمثيل

 

عرّف أرسطو فن التمثيل acting أنه «محاكاة للطبيعة». والتمثيل قديم قدم البشرية، إذ يعتقد أن الإنسان في العصر الحجري كان يجسد لأفراد القبيلة أحداث القنص والقتال التي يمر بها في النهار بأسلوب تمثيلي. لكن أقدم فن تمثيلي معروف، ارتبط بالمسرح الإغريقي حيث كان الممثل يتمتع بمكانة اجتماعية حسنة. وهذا لايلغي وجود ظواهر تمثيلية اجتماعية شعائرية لدى الشعوب والحضارات الأسبق، كالفراعنة والبابليين والآشوريين، وفي المسرحين الياباني والسنسكريتي القديمين. أما في عهد الرومان، فقد تدهورت سمعة الممثل، وصار لايزاول المهنة سوى العبيد. وانتقل التمثيل إلى الكنيسة في العصور الوسطى عبر «مسرحيات الأسرار»، و«المسرحيات الأخلاقية»، ثم جاب الساحات والشوارع العامة، مع أن قصور الملوك والنبلاء أخذت تحتضن فن التمثيل، وترحب بالممثلين للترفيه عنهم في مختلف المناسبات. ولم يسمح للنساء بممارسة التمثيل في عصر شكسبير. وازدهر فن التمثيل شعبياً، فيما بعد، فظهرت الملهاة (الكوميديا) في إيطالية، ومسرحيات موليير في فرنسة، والمسرح الإليزابيثي (نسبة إلى الملكة إليزابيث)، ومسرحيات عصر النهضة، والمسرحيات الكلاسيكية الجديدة.

ومن المؤكد أن فن التمثيل يحتاج، في الأساس، إلى الموهبة الفنية، بمعنى أنه ليس بوسع أي إنسان أن يكون ممثلاً بارعاً. لذلك، تلجأ معاهد المسرح في العالم إلى امتحان قبول تختبر فيه قدرات الطالب الفطرية ويحتاج بعدها إلى تدريب لياقته في الحركة والإلقاء. وصار بدهياً، في القرن العشرين، أن يدرس الممثلون في مدارس خاصة للتمثيل أو للرقص أو للإخراج أو للتصميم والتقانات المسرحية. ولم يعد تدريب الممثل يقتصر على إمكاناته الفيزيولوجية في الصوت والحركات الجسدية، بل امتد إلى تنمية طاقاته الحسية والروحية والانفعالية والفكرية.

أخذ فن التمثيل يتطور سريعاً. ففي بداياته، كان الإلقاء والحركة الجسدية المفخمة عاملين أساسيين في المأساة (التراجيديا) الإغريقية، والملهاة الرومانية. ثم صار التمثيل مميزاً بينهما (المأساة والملهاة) إذ إن من يمثل واحداً منهما لا يمثل الآخر.

كان التمثيل في إنكلترة وفرنسة، بوجه عام، يحتفي بالعناصر الظاهرية من صوت وإيماءات جسدية. ولعل أعظم المنظرين لهذا الطراز من الأداء المحترف الفرنسي كوكلان الأكبر، الذي دعا إلى عزل عواطف الممثل، والتعبير الصوتي والجسدي المبالغ فيهما. لكن الأمر تغيّر في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، مع ظهور «الواقعية» لكتّاب مثل أنطون تشيخوف، وإبسن، وبرناردشو. وبدأ يلمع اسم كونستانتين ستانسلافسكي، الذي أطلق مع زميله المخرج دانشنكو «مسرح الفن» بموسكو، داعية للتمثيل الواقعي ـ النفسي، ليغدو كونستانتين المعلم الأساس لفن التمثيل في العالم أجمع. ثم انفتح فن التمثيل على تجارب طليعية رائدة مغايرة لطريقة ستانسلافسكي، مثل «الأداء البيوميكانيكي» لمايرخولد، و«الأداء التغريبي ـ الملحمي» في مسرح برخت، وطموح «الممثل الدمية» لدى غوردن كريغ مروراً ببعض تجارب التمثيل والإخراج التي كانت تحتفي بأساليب السيرك، ومسرح المنوعات الموسيقية «الميوزيك هول»، ودموع التقانات الحديثة في فن المسرح المبهر. إلا أن الإنكليز والفرنسيين والألمان وجدوا، لدى ستانسلافسكي في أواسط القرن العشرين، اختلافاً في الوسائل والمقاربة، ولا في النتائج والحصيلة ضمن عراقة كل من ثقافاتهم الفنية في هذا المجال، خاصة عند رواد التمثيل، مثل لورنس أوليفييه، وفيفيان لي وسواهما. لكن المخرجين الفرنسيين الرواد في المدرسة «الطبيعية» كانوا قد تلقفوا منهج التمثيل الواقعي بشغف، وطبقوه على مسرحيات تناقض المرحلة الرومنسية السابقة في عنايتها بالتفاصيل الطبيعية للحياة الإنسانية. وسرعان مااحتضنت الولايات المتحدة الأمريكية طريقة ستانسلافسكي، منذ ثلاثينات القرن العشرين، التي نقلها بعض المهاجرين الروس وتبنّتها «فرقة مسرح الجماعة» في نيويورك، وصيغت فيما سُمي بعدئذٍ بـ «المنهج» عبر محترف (استوديو) الممثلين الذي أسسه إيليا كازان، وروبرت لويس، ثم ارتبط باسم ستراسبرغ بسبب انشغال كازان بالإخراج المسرحي والسينمائي. لكن فن التمثيل، بحسب «المنهج» الذي كانت له إنجازات باهرة بإطلاقه نجوم السينما ـ الكثيرين ـ، تحول إلى نوع من جواز مرور مقدس لفن التمثيل ونجوميته. ولم يكن «المنهج» يُعنى كفاية بالإلقاء والتعبير الحركي، بقدر عنايته بالاسترخاء والتركيز. واستُنبطت محرضات ذاتية باستخدام تقانة «الذاكرة الانفعالية» من تجارب الممثل الشخصية. وكانت نقلة التمثيل في الثقافة الروسية تعتمد بوجه رئيس على كتابات تشيخوف، أما في الثقافة الأمريكية، فقد اعتمدت على مسرحيات الجيل الذي تلا يوجين أونيل مثل آرثر ميلر وغيره. إلا أن جزءاً كبيراً من شهرة «المنهج» أتت من كبار النجوم السينمائيين في هوليود، ومنهم مارلون براندو، ومارلين مونرو، وغاري كوبر.

ويجدر القول إن اتجاهات فن التمثيل انطلقت جميعها من أسس ستانسلافسكي بأساليب تعبيرية مختلفة لتعيد بناء العلاقة بين الممثل والمشاهد في جو مسرحي شاعري جديد، مثل التجارب التي أجريت في «مسرح المختبر» البولندي التي حملت شعار «نحو المسرح الفقير»، وفي الارتجال في «المسرح الحي» الأمريكي، وفي «المسرح المفتوح» لدى جوزيف تشيكن الذي أطلق طرازاً جديداً من الكتابة والأداء في الأماكن الشعبية، وفي «مسرح أودين» الدنمركي الذي يُعنى بالأنتروبولوجية والتواصل بين الشعوب. وقد أفرزت هذه التجارب الطليعية حركة عالمية غنية وطموحة تبلورت في اتجاهات مخرجين مجربين مثل أريان منوشكين، وبيتر هول، وجون دكستر.

أما التمثيل الإيمائي، فكان الفرنسيون من أوائل واضعي أسسه وتطويره، ومنهم مارسيل مارسو، قبل أن يطوره الأمريكي آدم داريوس في أوربة الغربية تحت اسم «الإيماء التعبيري» [ر.الإيمائية]، والبولندي توماشيفسكي في أسلوب المزج بين الباليه Ballet والأداء في المسرح الياباني والصيني.

وظهر فن الإيماء في البلاد العربية، مثل سورية ولبنان ومصر، على يد فنانين عرب قديرين، إلا أنه ظل رافداً للتمثيل الواقعي، ولمناهج التدريب في معاهد المسرح العربي في مختلف الأقطار العربية.

يُعد عام 1848 بداية للمسرح العربي على يدي مارون النقاش في بيروت. ثم كان لأحمد أبي الخليل القباني فضل كبير في تأسيس المسرح العربي في سورية، وفي تطوير فن التمثيل في دمشق والقاهرة، لما كان له من قدرة في التمثيل والإخراج وكتابة النصوص المسرحية. وفي مصر، كان ليعقوب صنوع دور كبير في تطوير فن التمثيل فيها، كما لمع جورج أبيض، اللبناني في الأدوار الشكسبيرية، ونجيب الريحاني في الأدوار الهزلية، ويوسف وهبي في الأدوار المأسوية، وعبد الوارث عسر في تعليم مبادىء الإلقاء كما قام زكي طليمات بتأسيس معهد الكويت المسرحي. وتطور التمثيل العربي تدريجياً مع تطور التمثيل العالمي، فظهر محترفون عرب واقعيون كثيرون، وبدأ التمثيل يُدرس في المعاهد العالمية والعربية التي تخرّج فيها أعداد كثيرة، يصعب تعدادها، من الفنانين العرب الذين شُهروا بالإخراج والتمثيل وسائر الفنون المسرحية والسينمائية المتخصصة.

 

رياض عصمت

 

الموضوعات ذات الصلة:

 

الإيمائية ـ السينما ـ المسرح.        




التصنيف : الموسيقى والسينما والمسرح
النوع : موسيقى وسينما ومسرح
المجلد: المجلد السادس
رقم الصفحة ضمن المجلد : 854
مستقل

آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

للحصول على اخبار الموسوعة

عدد الزوار حاليا : 1
الكل : 7831685
اليوم : 1368

الندرة الاقتصادية

الندرة الاقتصادية   تتمثل المشكلة الاقتصادية في الندرة النسبية للموارد الاقتصادية إزاء تعدد احتياجات الإنسان وتطورها ولهذه المشكلة ركنان أساسيان هما: الندرة من جهة، والاختيار، وهو الطريق الذي يحدده علم الاقتصاد بهدف حلها من جهة أخرى.

المزيد »