logo

logo

logo

logo

logo

إفريقية الوسطى (جمهورية-)

افريقيه وسطي (جمهوريه)

Central African Republic - République centrafricaine

إفريقية الوسطى (جمهورية ـ)

 

جمهورية إفريقية الوسطى Central African Republic هي إحدى دول القارة الإفريقية الداخلية الحبيسة التي ليس لها واجهة بحرية. عاصمتها بانغي.

وكانت فرنسة قد أقامت إبان الاستعمار الأوربي لإفريقية ما يعرف باسم إفريقية الاستوائية الفرنسية، وكان هذا الكيان يضم المستعمرات الأربع: تشاد، وأوبانغي ـ شاري، والكونغو الأوسط، والغابون. وعندما تفكك هذا الكيان الاستعماري الفرنسي في عام 1959، قامت جمهورية إفريقية الوسطى مكان مستعمرة أوبانغي ـ شاري السابقة في الموقع الهضبي الذي يفصل منخفض الكونغو في الجنوب عن حوض تشاد في الشمال، والذي يتسع تدريجياً باتجاه الشرق ليشرف بحواف شاهقة على منخفض بحر الغزال في السودان.

ومع أن هذه المنطقة كانت تعد من أهم مناطق العمران والإنتاج في إفريقية الاستوائية الفرنسية، بسبب ما تضمه أراضيها من ثروات، وبسبب ملاءمة مناخها للحياة الإنسانية وللنشاط أكثر من بقية الأجزاء، فإن غارات تجار الرقيق من جهة، وسياسات الاحتكار والسخرة التي مارستها الشركات الفرنسية المستثمرة للموارد الطبيعية فيها، من جهة ثانية، كانت كفيلة بإفقار هذه المنطقة واستنزاف مواردها البشرية والطبيعية.

الموقع والأبعاد

تقع جمهورية إفريقية الوسطى وسط القارة الإفريقية بين خطي عرض 2 درجة و16دقيقة، و11 درجة و20 دقيقة شمالاً. وخطي طول 14 درجة و20دقيقة، و27 درجة و25 دقيقة شرقاً. بين المنطقة الاستوائية والسودانية. يحدها من الغرب الكمرون، ومن الجنوب جمهورية الكونغو الديمقراطية (زائير سابقاً) والكونغو برازافيل، ومن الشرق السودان، ومن الشمال تشاد، وتبلغ مساحتها 622984كم2. وهي تضم ثلاث مناطق: الأولى تنصرف مياهها شمالاً إلى تشاد ونهر شاري، وتقع الثانية في منطقة تقسيم المياه بين نهري الكونغو وشاري، أما المنطقة الثالثة، وهي أهمها، فتضم حوض الأوبانغي أحد روافد الكونغو المهمة.

الجغرافية الطبيعية

التضاريس: تتألف أراضي جمهورية إفريقية الوسطى من بقايا الهضبة الإفريقية القديمة التي تؤلف في وسط البلاد نهوض أساندي المغطى بالسافانا (السهول الكثيرة العشب) الذي يُراوح ارتفاعه بين 700م و1000م. وقد أدى توسع أحواض نهر شاري وروافده وروافد نهر الكونغو، وكلها تبدأ من أطراف النهوض ولاسيما الأوبانغي، إلى تقطيع سطح هذا النهوض تقطيعاً شديداً بفعل عوامل حت وتعرية ناشطة، حتى انتهى به  الأمر إلى سطوح محصورة بين الأودية النهرية، ارتفاعاتها محدودة واتجاهاتها مختلفة.

وقد أدت البحار التي غطت مساحات من أطراف الهضبة القديمة، في عصور جيولوجية طويلة، إلى تراكم طبقات كثيفة من الصخور الرسوبية، ولاسيما الكلسية، وتكوين النطاق الرسوبي في الجزء الشمالي من البلاد. ونتيجة لكل ذلك أصبح المظهر الجيومورفولوجي السائد في أراضي جمهورية إفريقية الوسطى هو مظهر الأحواض النهرية المتجهة شمالاً نحو تشاد، أو جنوباً نحو الكونغو، مع ما يقع بين هذه الأحواض من سطوح لتقسيم المياه.

ترتفع الأجزاء المقطعة من الهضبة القديمة في الشمال الشرقي من البلاد في كتلة جبال بونغو Bongo إلى 1500م، في حين يكوّن حوض شاري مع تشاد منطقة مستوية عظيمة الاتساع يقع جزء منها في شمالي أراضي الجمهورية.

المناخ والنبيت: يقع جزء كبير من أراضي جمهورية إفريقية الوسطى ضمن المنطقة الحارة الرطبة التي تراوح أمطارها السنوية بين 1000 و2000مم. ففي الأجزاء الجنوبية والجنوبية الغربية من البلاد المحاذية للمنطقة الاستوائية، وحيث تكون الأمطار غزيرة ودائمة، يؤدي ارتفاع كمية الرطوبة المصحوبة بحرارة مرتفعة طوال أيام السنة إلى نمو غابة مطرية تتحول تدريجياً باتجاه الشمال والشمال الشرقي إلى سافانا رطبة كثيفة مع غابة رواقية. أما في الأجزاء الشمالية من البلاد المحاذية لأطراف المنطقة المدارية الجافة فإن كمية الأمطار تهبط إلى مادون الـ500مم، ويظهر فصل جاف يطول حتى ثلاثة أشهر. ويقتصر النبات في هذه الأجزاء على السافانا القصيرة المختلطة بأشجار شوكية متناثرة لا يزيد ارتفاعها على أربعة أمتار، ذات قمم مسطحة. وتنتهي منطقة السافانا عند حافة الصحراء شمالاً بنطاق عشبي تنمو فيه الحشائش القصيرة وأشجار السنط الشوكية. وعموماً تؤلف منطقة السافانا القصيرة أحسن إقليم للرعي، في حين تكثر حيوانات الصيد من وعول وأسود وزرافات وحُمر وحشية في منطقة السافانا الرطبة ذات الأعشاب الطويلة.

والأمر الذي تجدر ملاحظته هو أن مدى الحرارة السنوي في جمهورية إفريقية الوسطى يراوح بين 8 و10 درجات مئوية، فالحرارة العظمى المطلقة تصل إلى 45 درجة والدنيا إلى 35 درجة، ونادراً ما تنخفض الحرارة إلى أقل من 20 درجة. كما أن الأمطار غزيرة في أكثر مناطق البلاد. ومع ذلك فإن الزراعة فيها تحتاج إلى مشروعات للري، ومن دونها لا تقوم زراعة تجارية، وربما كان السبب في ذلك أن الأمطار تهطل في موسم الحرارة العظمى حين ترتفع نسبة التبخر فلا يبقى منها إلا ما يكفي لزراعة إفريقية تقليدية.

ومن شهر تشرين الأول حتى شهر آذار تهب على البلاد رياح شمالية شرقية جافة مصدرها نطاق الضغط الصحراوي المرتفع تسمى هارماتان، أثرها سيئ على الإنسان والنبات والحيوان، لأنها حارة وتحمل الرمال الناعمة. أما في الصيف فالرياح تصبح جنوبية غربية، تهب من المحيط الأطلسي وتكون محملة بالأمطار تؤدي إلى ارتفاع نسبة الرطوبة التي تخلق مع الحرارة المرتفعة جواً أكثر مضايقة للإنسان منه في الفصل الجاف.

الشبكة المائية: أطول الأنهار في جمهورية إفريقية الوسطى وأهمها هو نهر أوبانغي رافد نهر الكونغو. وتأتي أهميته من كونه صلة وصل مهمة للتجارة مع الخارج إذ يصلح للملاحة حتى العاصمة بانغي Bangui التي تقع على ضفافه. ويليه من حيث الأهمية نهر شاري الذي يبدأ من منطقة مرتفعات بونغو إلى الجنوب من دار رونغا ويتجه إلى الشمال الغربي لينتهي أخيراً في بحيرة تشاد. ولنهر شاري روافد عدة تأتيه من أراضي الجمهورية من الجنوب كنهر أوهام، أو من أراضي دول أخرى مجاورة كبحر السلامات من الشرق، ونهر اللوغون من الجنوب الغربي. والجزء الواقع من هذا النهر في أراضي جمهورية إفريقية الوسطى لا يصلح للملاحة.

الجغرافية البشرية والاجتماعية: تتباين أعداد السكان بحسب المصادر المختلفة، إذ يقدر عدد سكان جمهورية إفريقية الوسطى بحسب إحصاء عام 1997 بنحو 3.418.000 نسمة، ونسبة النمو السكاني بنحو 22 بالألف، والولادات 38 لكل ألف نسمة، والوفيات 16 لكل ألف نسمة، في حين تراوح وفيات الأطفال في مختلف المناطق بين 190 و290 لكل ألف طفل. ووسطي الأعمار 45 سنة للرجال و49 سنة للنساء. وينتمي معظم السكان إلى سلالة زنوج السودان Sudanite التي تتكلم لغات البانتو، وتمثل خير تمثيل الزنجي الحقيقي بصفاته من حيث الشفاه الغليظة، وصغر عظمة الذقن، والأنف العريض في جذره وأرنبته، والشعر الصوفي الكثيف، والجبهة الضيقة البارزة، والفك العلوي البارز، والبشرة ذات اللون الأسود الداكن. وتنسجم صفات السكان هذه مع الأحوال البيئية لمنطقة شديدة الحرارة والرطوبة، موسمية الأمطار. وفي الأطراف الشمالية والغربية تنتشر مجموعات التوبو والحَوصّة التي تتكلم لغات الحَوصّة (الهوسا) والماندي، أما اللغة الرسمية للبلاد فهي الفرنسية إضافة إلى لغة السانغو.

تعد جمهورية إفريقية الوسطى من الدول ذات الكثافة السكانية القليلة بوجه عام (5.5ن/كم2)، وذلك بسبب الأحوال الطبيعية القاسية المتمثلة بارتفاع الرطوبة والحرارة، وبانتشار الغابات الكثيفة في معظم أجزاء البلاد. وتوزع السكان على المناطق غير متساو، فالكثافة لا تزيد على 3 أشخاص في كل كم2 في الأجزاء الشرقية والجنوبية، ولكنها ترتفع في بعض المناطق الغربية لتصل حتى 20 شخصاً في كل كم2. ومن الملاحظ أن الزيادة في عدد السكان كانت في الحقبة الواقعة في أواخر القرن الماضي والنصف الأول من هذا القرن ضعيفة ودون المعدل العام للقارة الإفريقية. ويعود السبب في ذلك إلى عدة عوامل أهمها:

ـ التوسع الاستعماري الذي رافقته أعمال قمع وقتل وتشريد ونقل مجموعات من السكان.

ـ الحروب والنزاعات القبلية.

ـ العمل الإجباري والسخرة في المناجم وفي جمع الثروات الزراعية وشق الطرق، وتفتيت التركيب الأسري عن طريق إجبار الرجال على العيش في معسكرات العمل حياة عزوبة، والتجائهم إلى البغايا اللواتي ظهرن عنصراً متمماً لحياة المعسكرات.

ـ ما أدت إليه حياة المدن والعمالة والاحتكاك الثقافي والحضاري المادي والسطحي مع الحضارة الأوربية الصناعية من ظهور لعدد كبير من المشكلات والأمراض الاجتماعية، على رأسها الأمراض التناسلية والأمراض السارية كالسل والإسراف في تعاطي الخمور وتفكك الأسرة وتداخل غير متناسق لأفكار وممارسات اجتماعية وجنسية أوربية، وما نتج عن ذلك كله من قلة في عدد المواليد، وانخفاض متوسط الأعمار.

ـ ما أدخلته حياة المدن ومعسكرات التعدين والعمل الإجباري من عناصر جديدة أدت إلى مزيد من التدهور الصحي، ذلك لانخفاض مستوى الخدمات في هذه المدن والمعسكرات التي تكدس فيها الناس.

ـ قلة الأجور وتدني مستوى الغذاء وعدم تنوعه وقلة أنواع اللحوم وأنواع الحبوب، مما أدى إلى تدهور الأوضاع الصحية العامة وارتفاع نسبة الوفيات بين الأطفال والبالغين على حد سواء.

ومنذ الاستقلال في أول الستينات من القرن العشرين بدأت الحكومة الوطنية تهتم اهتماماً واضحاً بالخدمات الصحية والتعليمية، وتخطط لمشروعات سكنية وعمرانية تحل مكان النمو العمراني الذي كان يرتبط في الماضي بمصالح الشركات الأجنبية والخاصة. وقد ارتفع مستوى الأجور بصورة ملحوظة، فكانت النتيجة المباشرة لكل ذلك بدء الانتقال إلى مرحلة اقتصادية واجتماعية جديدة بدأت فيها نسبة الزيادة السكانية ترتفع لتقترب من المعدل العام للقارة.

وعلى الرغم من الهجرة من الأرياف إلى المدن وإلى مراكز التعدين، فإن عملية التحضر مازالت تجري ببطء، ونسبة سكان المدن لا تزيد على 44% من مجموع عدد السكان، وعدد المدن التي يزيد عدد سكان الواحدة منها على 100 ألف نسمة مازال محدوداً، منها العاصمة بانغي في الجزء الغربي من البلاد ويسكنها أكثر من 750.000 (1996)، ومنها كل من مدينتي يالينغا Yalinga وبانغاسو Bangassou في الجزء الشرقي وبمباري وبيربيراتي في الغرب.

يتلخص الوضع الصحي العام في البلاد بعدم كفاية الخدمات الصحية، ولاسيما في الأرياف، وموازنة وزارة الصحة لا تزيد على 7.1% من مجموع الموازنة العامة للدولة.  وفي عام 1977 كان عدد الأسرّة في المشافي العامة والخاصة 3525 سريراً فقط، وعدد الأطباء 105 منهم 73 طبيباً أجنبياً، وعدد الصيادلة 16 منهم 9 صيادلة أجانب، وعدد أطباء الأسنان 3 منهم طبيبان أجنبيان. ومع كل هذا النقص في الخدمات فالضمان الصحي كان يطبق على كل السكان بمقابل 100 فرنك في السنة عن كل فرد دون الخامسة عشرة من عمره و500 فرنك عمّن هو أكبر من ذلك في العمر وقد تحسنت الأوضاع اليوم بنسبة 15-17%.

وجمهورية إفريقية الوسطى من الدول التي تقع ضمن حزام الجوع، وحصة الفرد من الحريرات في اليوم لاتزيد على 2220 حريرة، والدخل السنوي للفرد لا يزيد على 320 دولاراً أمريكياً (1997).

وبسبب انخفاض الدخل والمستوى الغذائي لغالبية السكان، ولاسيما في الأرياف، تنتشر بينهم الملاريا ومرض النوم والحمى الصفراء والالتهاب الرئوي. وأكثر الأمراض انتشاراً في المدن أمراض سوء التغذية والأمراض التناسلية والتيفوس والطاعون.

ونسبة الأميين بين السكان مرتفعة إذ تصل حتى 40% (1995). ويدين 57% من السكان بديانات وثنية لها شعائر خاصة مصحوبة بالموسيقى والرقص وحركات يقوم بها زعماء دينيون يؤثرون بتعاويذهم وصلواتهم وسحرهم في أتباعها. وقد دخلت المسيحية عن طريق التبشير. ويدين نحو 9% من السكان بالإسلام الذي انتشر من الشمال ومن الشرق.

وتعاني جمهورية إفريقية الوسطى، مثلما تعاني بعض الدول الإفريقية الفتية، من التشتت والفوضى السياسية والتناحر بين فئات السكان وعدم الاتفاق على مواقف مشتركة من القضايا الإقليمية والعالمية المطروحة. إضافة إلى التفاوت الاجتماعي وتسود النزاعات العشائرية والدينية والحزبية التي كثيراً ما تغذيها أياد أجنبية لها مصلحة في بقاء هذه النزاعات، مستغلة في ذلك جهل السكان وفقرهم، مما أثر في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تأثيراً سلبياً.

الجغرافية الاقتصادية

مازالت الأوضاع الاقتصادية في جمهورية إفريقية الوسطى تحمل الآثار العميقة التي تركها الماضي الاستعماري القريب. فالاقتصاد فيها بوجه عام متخلف ومرتبط بعجلة الاقتصاد الخارجي والمصالح الأجنبية، وهو في أسسه مازال يقوم على استنزلف الثروة الطبيعية عن طريق التعدين والقطع من دون الإنتاج والتصنيع، إلا في حدود ضيقة، فالتطور الصناعي ليس له فيها أثر فعال، ومازال 80% من مجموع سكانها يعيشون من الزراعة التي تسهم بـ 54.1% من الناتج الإجمالي لعام 1997. والمنتوجات الزراعية مع الثروة الحيوانية فيها مازالت المورد الحقيقي للعملة الأجنبية التي تصرف على شراء الحاجات الصناعية المستوردة، على الرغم من التقدم في مجال استثمار بعض الخامات المعدنية النادرة والثمينة كالألماس والأورانيوم.

ومما يزيد في سوء الحالة الاقتصادية أن الزراعة في مجملها متخلفة على الرغم من توافر شروطها الطبيعية، فهي لا تقدم الغلات الزراعية الكافية، ولا تفي أحياناً بحاجة السكان من الغذاء. كما أن تربية الماشية تعاني الكثير من وجود ذبابة تسي تسي. والرعي يتم غالباً في المراعي الواسعة الجافة. وتربية الحيوان لم تصبح حرفة جدية لخدمة الإنتاج، ويعود ذلك كله إلى جهل السكان، وحداثة معرفتهم العلمية، وحرص الاستعمار سابقاً على إبقاء البلاد متخلفة، والسكان على جهلهم وأساليبهم البدائية. والحكم الوطني الجديد الذي ورث هذه التركة المثقلة بأوضاع اقتصادية متخلفة عن المفاهيم الاقتصادية للدولة المعاصرة تخلفاً بالغاً، وجد نفسه منذ قيامه أمام تيارات سياسية ومداخلات خارجية، وفتن واضطرابات داخلية أعاقته ومازالت تعيقه عن التوجه لمعالجة هذه الأوضاع المتردية بأسرع ما يمكن. وهكذا فإن بطء النمو والتقدم لايعودان إلى فقر البلاد، فجمهورية إفريقية الوسطى تملك من الإمكانات الطبيعية الشيء الكثير، وأمامها مستقبل مزهر لو استطاع الحكم الوطني تثبيت أقدامه والتصدي بحرية لما يقف ويوضع في طريقه للإصلاح من معيقات.

ففي مجال الزراعة والثروة الحيوانية والغابية مازالت زراعة محاصيل الاستهلاك المباشر أساس اقتصاد البلاد، كما أن عمليات الاجتثاث والحرق مازالت واسعة الانتشار. وإنتاج محصولات التصدير كالبن والقطن متطور نسبياً في مزارع كبيرة هي وريثة المزارع التي أسسها المستعمرون، أو في بعض مزارع الوطنيين الصغيرة.

والأمر الذي تجدر ملاحظته أن الزراعة على الرغم من ضخامة عدد العاملين فيها والمعتمدين عليها فإنها لاتشغل أكثر من 10% من مجموع المساحة العامة للبلاد. فالأمر يتطلب نقل عدد من العاملين في حقل الزراعة إلى مجالات إنتاج أخرى، كما يجب ترك الطرائق الزراعية القديمة واتباع الأساليب الحديثة للتأقلم مع حاجات السوق المحلية أولاً ثم العالمية ثانياً. أما الغابات فإن إسهامها مازال محدوداً في اقتصاد البلاد على الرغم من توافرها وذلك لصعوبة التصدير.

أما في مجال التعدين والصناعة فقد بقي تطور الصناعة بطيئاً حتى في الحقبة الاستعمارية. وتحتفظ فروع التعدين ثم التصنيع الجزئي لبعض الخامات بمركز الصدارة. وتعد جمهورية إفريقية الوسطى من بين الدول التي تصدر خام الأورانيوم، إذ تقوم باستثماره شركات فرنسية من منطقة باكوما، ويوجد الألماس في القسم الغربي من البلاد ويبلغ إنتاجه نحو 500 ألف قيراط سنوياً. أما باطن الأرض فلم يدرس حتى اليوم الدراسة الكافية لكشف ما يحويه من ثروات دفينة متنوعة، ولاسيما في أطراف الهضبة القديمة المقطعة. كما أن معظم الأموال المستثمرة في مشروعات التعدين المهمة وفي بعض المشروعات الصناعية والزراعية هي أموال أجنبية. كذلك فإن الخبراء وكبار الموظفين في المؤسسات هم من الأجانب. لذلك فأرباح البلاد من استثمار الثروات ضئيلة، وريع مشروعات التصنيع ضعيف. ويبقى الأمر الملح في هذا المجال، إيجاد الأيدي العاملة الوطنية، ورؤوس الأموال المحلية أو النزيهة ليصبح استثمار الثروات المعدنية الثمينة دعامة للاقتصاد الوطني ولتزدهر الصناعة.

أما التجارة الخارجية فالجزء الأكبر منها هو من نصيب فرنسة والبلدان الأوربية. وتصدر البلاد أنواعاً وكميات محدودة من الخامات الثمينة ومن المنتجات الزراعية، وتستورد بالمقابل كل ما يلزمها من منتجات صناعية وما ينقصها من غلات زراعية غذائية. وأهم صادراتها الألماس والأورانيوم والبن والمطاط وأنواع خاصة من الأخشاب، وتقدر قيمة صادراتها بـ133مليون دولار، ووارداتها بـ196 مليون دولار لعام 1991. والنقل فيها بكل أنواعه، غير كاف لسد الحاجات. فحتى اليوم لا توجد فيها سكك حديدية. وتسود فيها طرق مواصلات مختلطة، فالطرق النهرية والبرية تتطلب نقل الحمولات من مكان إلى آخر بضع مرات. ويمر بالعاصمة بانغي الطريق البري الاستوائي الشمالي العابر للقارة من الغرب إلى الشرق، من أكرة على ساحل غانة[ر] إلى مومباسا على ساحل كينية[ر]. تشترك مع دول معاهدة ياوندي بمجموعة خطوط إفريقية الجوية التي بدأت عملها في عام 1961. ولموقع البلاد الداخلي أثر في ضعف التجارة الخارجية والتطور الاقتصادي والاجتماعي.

لمحة تاريخية ونشأة الدولة

كانت أراضي جمهورية إفريقية الوسطى، كغيرها من المناطق الواقعة جنوب الصحراء على أطراف الغابة الاستوائية، موطناً للإنسان الإفريقي القديم هوموسابينس Homo sapiens الذي تنحدر منه كل السلالات الزنجية. وفي هذا الموطن الانتقالي بين السافانا والغابة الرطبة، ولاسيما على طول مجاري الأنهار، وُجد ما يدل على أن أفراد السلالات الزنجية القديمة كانوا قد توصلوا إلى التحكم بالنار منذ أكثر من 50 ألف سنة، وأنهم عرفوا الزراعة منذ أكثر من 10 آلاف سنة. وقد تركت هذه الجماعات الكثير من الآثار التي تعود إلى حياتهم في هذه المناطق في العصر الحجري القديم والعصور التي تلته.

وبقيت المعلومات عن التاريخ اللاحق لشعوب هذه المناطق الواقعة في وسط القارة قليلة، حتى جاء الجغرافيون العرب مثل الإدريسي والمسعودي وابن بطوطة وليون الإفريقي، فكتبوا عن أجزاء عدة من إفريقية، وانتقلت المعلومات التي كتبوها إلى البرتغاليين والإسبان في القرن الخامس عشر. ثم جاءت الكشوف الأوربية الحديثة لإفريقية في القرون الثلاثة، السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر، التي انتهت إلى إنشاء محطات على طول ساحل غرب إفريقية، من غانة إلى أنغولة [ر]، بقصد تجميع الإفريقيين وشحنهم رقيقاً إلى أمريكة.

وفي منتصف القرن التاسع عشر دخلت الدول الأوربية بكل ثقلها في الميدان الإفريقي لتتسابق وتتصارع من أجل تقاسم مناطق النفوذ، وليبدأ التاريخ الطويل لاستعمار إفريقية، ومنه الاستعمار الفرنسي لأراضي أوبانغي ـ شاري. فبعد أن أنهت القوات الفرنسية احتلالها لأراضي الكونغو برازافيل على الساحل الغربي للقارة في عام 1880، اندفعت إلى داخل القارة باتجاه الشمال الشرقي على طول مجرى نهر الكونغو ورافده الأوبانغي، ثم إلى حوض نهر شاري، لتضم في عام 1889 كل هذه الأراضي الداخلية الواقعة ضمن حوضي الأوبانغي وشاري إلى الممتلكات الفرنسية.

ومنذ ذلك الحين، ارتبط تاريخ هذه المنطقة بتاريخ الاستعمار الأوربي للقارة الإفريقية. كما ارتبط مصيرها بما أحاط بهذا الاستعمار من تطورات في المناطق التي كانت سابقاً مستعمرات ومناطق نفوذ، ثم أصبحت تؤلف اليوم دولاً إفريقية مستقلة.

من المعروف أن همّ الأوربيين الأول، في سنوات نزولهم الأولى على الشواطئ الإفريقية الغربية، كان البحث عن الذهب وجمع العاج وسوق الزنوج إلى أسواق تجارة الرقيق. ولكن سرعان ما انتهى الأمر إلى استعمار حقيقي لأرض القارة وتسابق بين المستعمرين من أجل السيطرة على مواطن الثروات فيها. وقد نتج عن هذا التسابق مواجهات ونزاعات سياسية لم تنته حتى اليوم، بدليل ما يجري على مسارح الأحداث فيها، والمؤتمرات التي تعقد بين الحين والآخر لمعالجة ما ينتج عن هذه الأحداث من أمور، كمؤتمر القمة الذي عقد في مدينة بانغي في شهر آذار من عام 1975 وحضره الرئيس الفرنسي ديستان وممثلون عن 13 دولة إفريقية من منظومة الفرنك، ثم المؤتمر الذي عقد بتاريخ 11/12/1987 في ضواحي باريس وحضره أكثر من 15 رئيس دولة من دول القارة المرتبطة مع فرنسة بعلاقات اقتصادية وثقافية.

وإذا كانت المؤتمرات الكثيرة التي عقدت قبل الحرب العالمية الأولى لم تتوصل إلى وضع حد للنزاعات بين الأطراف المتنازعة على مناطق النفوذ، فإن نتائج هذه الحرب، التي كانت هذه النزاعات أحد أسبابها، قد مكنت من وضع خريطة جديدة للقارة تقاسم المنتصرون بموجبها المناطق فيما بينهم. وتظهر الخرائط التي تمثل الأوضاع السياسية في إفريقية في عام 1924 احتواء الحصة الفرنسية لمناطق أوبانغي وشاري.

وعلى الرغم من استيقاظ الشعور القومي الإفريقي في هذه المستعمرات، فقد بقي تطور الأوضاع السياسية في مستعمرة أوبانغي وشاري بطيئاً، وبقيت حتى قيام الحرب العالمية الثانية ترزح تحت نير الاحتلال الفرنسي.

كانت السياسة الاستعمارية الفرنسية تسير على قاعدة الحكم المركزي للمستعمرات. إلا أن الحرب العالمية الثانية بأحداثها ونتائجها، وما رافقها وأعقبها في القارة من حركات سلمية أو ثورات على النفوذ والاحتلال الفرنسييْن. أدى ذلك كله إلى إجبار المستعمرين على تغيير أسلوبهم الاستعماري المباشر، وإلى أن يستبدلوا به أساليب أخرى من الهيمنة الاقتصادية والثقافية والسياسية.

 ففي عام 1946 صدر الدستور الفرنسي الجديد وفيه تغيير لسياسة فرنسة في المستعمرات، فبدلاً من الوضع السابق أصبحت هذه المستعمرات أجزاء من فرنسة وراء البحار. وعلى غرار الكومنولث البريطاني أصبحت هذه الأجزاء تكوّن ماعرف باسم الاتحاد الفرنسي Union Française، إلا أن تغاير الأوضاع الاقتصادية واختلاف النمو الاقتصادي في أعضاء هذا الاتحاد قد عجل بإخفاقه. فحل وأبدل بشكل جديد تحت اسم المجموعة الفرنسية Communauté Française التي كانت لا تمثل في الحقيقة إلا رابطة ضعيفة بين فرنسة ومستعمراتها السابقة، لذلك لم تلبث هذه المجموعة أن تحولت إلى دول ذات استقلال ذاتي نتيجة لاستفتاءات شعبية تمت فيها، ولمعاهدات أبرمت بينها وبين فرنسة لتحديد العلاقات الاقتصادية والثقافية والسياسية والعسكرية.

وقد شجعت هذه التغيرات في السياسة الفرنسية زعيم أوبانغي ـ شاري الوطني آبي بارتيملي بوغاندة على الإقدام على تأسيس جمعية زراعية إفريقية في عام 1946، هدفها الرئيسي حماية الأفارقة من استغلال الشركات الاستعمارية. وقد انقلبت هذه الجمعية إلى حركة للتحرير الاجتماعي.

وفي عام 1958 استبدل بالاسم القديم للمستعمرة «أوبانغي ـ شاري» الاسم الجديد «جمهورية إفريقية الوسطى». وقد حصلت هذه الجمهورية على استقلالها في عام 1960م، ونصب دافيد داكو، أحد أقرباء الزعيم بوغاندة، رئيساً لها على أساس النظام الرئاسي والحزب الواحد. ولم تمض على حكم داكو إلا مدة قصيرة حتى أطاح به انقلاب عسكري مفاجئ قاده في عام 1966 جان بيديل بوكاسا[ر]، أحد أقارب الزعيم بوغاندة أيضاً.

وقد مرت البلاد في عهد بوكاسا بمرحلة من عدم الاستقرار دامت حتى أواخر السبعينات، رافقها اضطراب وفساد في الحكم والإدارة نجم عنهما أسوأ العواقب الاقتصادية والاجتماعية، فقد بدأ  هذا الحاكم عهده بتعطيل الدستور وحصر السلطات بيده وممارسة حكم ديكتاتوري. فبعد أن نصب نفسه في عام 1972 رئيساً للجمهورية مدى الحياة، ثم مارشالاً في عام 1974. وفي عام 1976 أعلن قيام امبراطورية إفريقية الوسطى بدلاً من الجمهورية. وقد صحب هذه الفوضى في الحكم بلبلة وغموض في السياسة الخارجية، فبعد أن اتجه بوكاسا في بدء حكمه نحو الغرب، ولاسيما نحو باريس، ثم بعد أن تقرب من الجمهورية العربية المتحدة ومن السودان، غيّر اتجاهه نحو الدول الاشتراكية في عام 1970، وألغى الاتفاقات الاقتصادية مع فرنسة حول استخراج الأورانيوم، وأخرج الفرنسيين من بلاده، ثم عاد في عام 1976 واتجه نحو الغرب من جديد إثر إعلانه عن قيام الامبراطورية. وعاد مرة ثانية نحو شمالي إفريقية والبلاد الاشتراكية وأعلن إسلامه. ولكن الاضطرابات الداخلية التي قامت في أواخر السبعينات بسبب استفحال الفساد وتفاقم الصعوبات الاقتصادية، عجلت بإنهاء حكمه بانقلاب عسكري أطاح به وأعاد الرئيس السابق داكو من منفاه في باريس. لم يستطع الرئيس العائد معالجة الأوضاع المتردية فاستبدل به في عام 1982 رئيس أركان الجيش الجنرال أندريه كولنغبا الذي حل محله أنغه ـ فيلكس باتاسه منذ 19/9/1993 ونظام الحكم اليوم برلماني رئاسي منذ عام 1986.

محمود رمزي

 

الموضوعات ذات الصلة

 

إفريقية ـ بانغي ـ بوكاسا.

 

مراجع للاستزادة

 

ـ محمد عبد الفتاح إبراهيم، إفريقية من مصب الكونغو إلى منابع النيل (القاهرة 1968).

ـ محمد رياض، إفريقية: دراسة لمقومات القارة (بيروت 1973).

-Sixiéme rapport d’organisation mondiale de la sanitaire dans le monde (Géneve 1980).




التصنيف : التاريخ و الجغرافية و الآثار
النوع : سياحة
المجلد: المجلد الثاني
رقم الصفحة ضمن المجلد : 901
مستقل

آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

للحصول على اخبار الموسوعة

عدد الزوار حاليا : 1
الكل : 8061000
اليوم : 193

و بون نيا

و پون نيا (نحو 1807 ـ نحو 1866)   و پون نيا U Pon Nya أو (U Ponnya) كاتب مسرحي وشاعر بورمي [ر. مينمار]. لا تقدم المراجع شيئاً عن سيرة حياته سوى أنه من سادة اللغة البورمية وأحد كبار مثقفي عصره القلق ما بين التمسك بالتراث الشعبي الوطني وبين المؤثرات الثقافية الأجنبية، في المرحلة الممتدة ما بين الحرب البورمية ـ البريطانية الأولى (1824ـ 1826) والثانية (1852) عند احتلال بريطانيا البلد بكاملها وتأثير ذلك في بنيتها الثقافية، كما حـدث في الهند المجاورة [ر. الهند (اللغة والأدب)]. ولـد في العاصمة ماندَلَي Mãndalay وتوفي فيها، وعاصر الكاتب والشاعـر المسرحي و كوين U Kyin (نحو 1813ـ نحو 1868) الذي أدخل تجديدات جذرية على التقاليد المسرحية السائدة؛ إذ صار ممكناً في أعماله تقديم سيرة سلالة ملكية كاملة في أمسية عرض في الهواء الطلق، تمتد من المغرب حتى الفجر،  بدلاً من تقديمها على مدى خمسين أمسية متتابعة في حال عروض الرامازات Ramazat، أو أربعين أمسية في حال عروض إناونغ Inaung التراثية، أو سبع أمسيات في حال عروض مانينِك Maninek الأحدث.

المزيد »