logo

logo

logo

logo

logo

برغسون (هنري-)

برغسون (هنري)

Bergson (Henri-) - Bergson (Henri-)

برغسون (هنري ـ)

(1859ـ1941)

 

هنري برغسون Henri Bergson يهودي فرنسي. وهو فيلسوف مثالي، وممثل الحدسية intuitionism. نزحت أسرته من إنكلترة إلى فرنسة. تخرج من «مدرسة المعلمين العليا» في باريس سنة 1881، وعُيّن مدرساً في التعليم الثانوي، ثم أستاذاً للفلسفة بالكوليج دي فرانس سنة 1900 بعد حصوله على الدكتوراة. انتخب عضواً بالأكاديمية الفرنسية سنة 1914. وفي سنة 1927 حصل على جائزة نوبل للآداب.

وأشهر كتبه هي: «فكرة المكان عند أرسطو» (1889)، ومقال في «المعطيات المباشرة للشعور» (1889)، «المادة والذاكرة» (1896)، «الضحك» (1900)، «التطور الخالق» (1907) «الطاقة الروحية» (1919)، «الديمومة والمعية» (1922)، «منبعا الأخلاق والدين» (1932)، «الفكر والمتحرك» (1934).

والمفهوم الرئيسي في مثالية برغسون هو «الديمومة الخالصة» duration أي اللامادية، وهي أساس وأصل جميع الأشياء. والمادة والزمان والحركة هي أشكال مختلفة فيها نتصور «الديمومة». ولايمكن إحراز المعرفة بالديمومة إلا بالحدس مفهوماً على أنه «إدراك» صوفي أو «معرفة» صوفية، فيها «يتطابق فعل المعرفة مع الفعل الذي يخلق الواقع».

والحدس كما يعرّفه برغسون في «المدخل إلى الميتافيزيقة» هو ذلك الجهد الذي به ننفذ إلى باطن الموضوع لكي نعرفه «من الداخل»؛ أما في «التطور الخالق» فالحدس هو ضرب من «التعاطف العقلي» الذي يمتزج فيه العقل بالغريزة. وعلى هذا يكون الحدس البرغسوني عملية ذهنية عسيرة، أقرب إلى «التفكير» منه إلى «العاطفة»، ولذلك فالحدس ليس وليد الغريزة، بل هو وليد التفكير العقلي المتواصل والتأمل الفكري المستمر. ويمتاز الحدس من العقل والغريزة، بأن الحدس هو «التجربة الميتافيزيقية» التي فيها تنكشف لنا ذواتنا، فندرك «المطلق» في صميم نفوسنا.

وعلى هذا كانت نقطة البدء في فلسفة برغسون عن مشكلة الوجود والديمومة هي معطيات الشعور، وهي معطيات «مباشرة» بمعنى أن «الحدس» يدركها إدراكاً عيانيّاً، فبرغسون لا يعرض للوجود على أنه تصور، وإنما بصفته وجوداً حياً. وهو يتخذ من الإنسان محوراً لدراسة طبيعة هذا الوجود. والغاية من تحليل الوجود الإنساني هي معرفة مقومات الوجود على الإطلاق.

يقوم الوجود على الجمع بين حقيقة الذات وحقيقة الموضوع، بمعنى أن الذات ليست مجرد مجموعة من الآثار الصادرة عن العالم الخارجي، فهي ليست منفعلة دائماً، والموضوع هو حقيقة خارجية، لها وجود في الواقع ومستقل عن الذات المُدرِكة. بيد أن كلاً منهما ليس مغلقاً على ذاته، فثمة مجال للاتصال المباشر قائم على الرؤية. وهكذا يضع برغسون اتفاقاً مقدماً بين الفكر والشيء موضوع الفكر.

والديمومة الحقيقية المشخصة هي الزمان النفسي أو الزمان الداخلي، والحياة النفسية تلقائية أو هي انبعاث من باطن وخلق مستمر أو «ديمومة» لاتحتمل رجوعاً إلى الماضي، ولاتوقعاً ضرورياً للمستقبل، كما تحتمل الظواهر المادية. ويخلص برغسون إلى أن الأنا في جوهرها وحدة لاتنفصم.

وترتبط الحرية عند برغسون بالديمومة التي لاتعرف انفصالاً في الحياة النفسية، والتي تؤلف وحدة لا يمكن تقسيمها إلى لحظات. فليس هناك آلية أو جبرية في النفس إذ أن الديمومة كَيْف محض، والحرية عين صيرورة الأنا، والفعل الحر هو مايصدر عن الأنا. وترتبط الحرية بفكرة «الخلق أو الإبداع»، لأن الإنسان هو ذلك الموجود الذي تنحصر حريته في خلقه لنفسه بنفسه. الحرية في أعلى صورها عند برغسون «تلقائية روحية خالصة». وبهذا المعنى فالحرية تعبير عن الشخصية.

ويرى برغسون أن الذاكرة ليست ظاهرة فيزيولوجية، بل ظاهرة نفسية تعبر عن صميم حياتنا الشعورية، فيميز نوعين من الذاكرة: الذاكرة العادة والذاكرة المحضة. فالذاكرة العادة مكتسبة بالتكرار ولها جهاز محرك في الجهاز العصبي، وتلك هي الذاكرة التي تقيم في الجسد وتنصب على الفعل، وهي تستعيد الماضي بطريقة آلية بحتة. وهذه الذاكرة هي التي تعي شعراً أو نثراً محفوظاً عن ظهر قلب. أما الذاكرة المحضة فهي تختزن الماضي كله وتحيا في ديمومة مستمرة، إنها «الأنا العميق»، ذاكرة النفس، وهي تَصوُّر حادثةٍ انطبعت في الذهن دفعة واحدة، واحتفظت بخصائصها وتاريخها. ولأن الجسم «مركز عمل» وأداة الوصل بين الأشياء المؤثرة فينا وما نؤثر فيه من أشياء، فليس بوسعه أن يحفظ صوراً ولا أن يبعث صوراً، ولكنه يوفر للصور الوسيلة كي تصير مادية وتعود إلى الشعور. ففي حالة فقدان الذاكرة ليست الذاكرة هي المعطلة بل الدماغ، وليس هناك محو للذكريات بل اضطراب في الأجهزة المحركة.

ويؤدي التمايز بين الإدراك الحسي المحض والذاكرة المحضة إلى تفرقة بين النفس والجسد. فالذاكرة هي نقطة البداية، وتوطئة لحل مشكلة الصلة بين النفس والجسد. حيث يرفض برغسون نظرية «التوازي» النفسي الفيزيولوجي، ويقول بالتوازي بين النشاط العقلي والنشاط الدماغي الذي يجمع المذهب المثالي والمذهب المادي، ويخالف التجربة. فالفكر مستقل عن الدماغ، بيد أن هذا الاستقلال ليس إنكاراً للتضامن الوثيق بينهما، وإنما هو رفضٌ بأن النفسي يعادل الفيزيولوجي ويوازيه. [فالصلة بين النشاط الدماغي والنشاط العقلي هي كالصلة بين حركات عصا رئيس الأوركسترا وبين السيمفونية التي يعزفها سائر الموسيقيين بقيادته]. ومعنى هذا أن الصلة وثيقة بين النفس والجسد. فلايمكن أن تعمل النفس من دون الجسم، لأنه أداة تستخدمها النفس في تحقيق أفعالها وتأدية حركاتها. وقد توجد النفس بغير الجسد، ولكنها لن تستطيع أن «تفعل» بغيره. وبهذا أقر برغسون احتمال خلود النفس، لأن حياة النفس ليست هي حياة الجسد، ويمكن بذلك انفصالهما.

إن فلسفة برغسون تعبير حي عن اللاعقلانية، فلقد وضع مقابل الجدل مذهبه في «التطور الخالق»، القائم على كلية المفاهيم المستمدة من المثالية البيولوجية (المذهب الحيوي). فهو يرى أن تطور الحياة يسير في اتجاهات متعددة ومتباينة ولكنها متكاملة، لذلك فهو يفرق بين نوعين أساسيين من الاتجاهات: الأول يفصل عالم النبات عن عالم الحيوان، والثاني يقسم عالم الحيوان إلى نوعين هما: الحيوان غير الناطق والإنسان.

يرى برغسون في «التطور الخالق» أن النبات ينزع إلى الجمود والركود، وهو لايتصف بالوعي أو الشعور عموماً. أما الحيوان فينعم بالحركة والقدرة على التحرك، وتبلغ الغريزة أوجها لدى النمل والنحل. أما العقل فيبلغ أوجه لدى الإنسان والفارق بين الغريزة والعقل هو فارق في الطبيعة.

الإله والعالم

تتحد فكرة برغسون عن الله مع فكرة الاندفاع الحيوي. ففي كتابه «التطور الخالق» يبدو الإله ديمومة اشتدت وتوترت وتركزت، نصل إليه حينما ننفذ إلى صميم الحياة المتطورة الخالقة. فالإله هو ذلك المطلق الذي يتجلى فينا، وهو موجود كماهية نفسية لارياضية أو منطقية، وهو منبع كل شيء في الوجود، وعنه تصدر العوالم، فالخلق عند برغسون هو نبع وصدور عن الإله، لكن الإله مستقل عن الكون ومتعال عليه.

كما تتسم فلسفة برغسون الطبيعية بطابع روحي يتجلى في التجربة الصوفية التي تتجاوز المجال النفسي والمجال الأنطولوجي. ففي التجربة الصوفية ندرك الديمومة بوصفها طاقة خلاقة لاتعرّف إلا بأنها الحب نفسه «فالحب الإلهي ليس شيئاً آخر غير الإله، بل هو الإله نفسه» الذي استدعى الموجودات إلى الوجود.

الأخلاق والدين

يتحدث برغسون في كتابه «منبعا الأخلاق والدين» عن الغريزة والحدس. فلكل من هاتين الوظيفتين أخلاقاً معينة وديناً معيناً. والحياة المتدفقة هي منبع الأخلاق والدين. وكما أن للتطور اتجاهين متمايزين هما: اتجاه الغريزة واتجاه العقل؛ كذلك يوجد اتجاهان متعارضان للأخلاق، يقابلان هذين الاتجاهين المتمايزين.

يفرق برغسون بين نوعين من الأخلاق، أخلاق ساكنة مغلقة، وأخلاق متحركة مفتوحة. الأخلاق المغلقة تشمل مجموعة العادات التي تفترضها الجماعة، وتنحصر مهمتها في صيانة كيان المجتمع فيكون الرباط الذي يجمع بين الأفراد، مثل الرباط الذي يجمع بين خلايا الجسم الواحد، وهذه الأخلاق هي بمنزلة رجعة إلى حياة الغريزة. غير أن هناك فارقاً، وهو أن الإنسان حاصل على عقل وحرية، لذا تظل الأخلاق المغلقة في مستوى أدنى من مستوى العقل. فالإلزام الأخلاقي في هذا النوع من الأخلاق ليس إلا الضغط الذي يمارسه المجتمع على الفرد بوساطة العادة؛ والعادة ماهي إلا محاكاة للغريزة.

أما الأخلاق المتحركة المفتوحة فتتجاوز حدود الجماعة، وهي ليست وليدة الضغط الاجتماعي، وإنما هي تعبير عن استجابة الفرد لنداء الحياة الصاعدة. وتظهر هذه الأخلاق في بعض الأفراد الممتازين الذين يتملكهم انفعال جديد فائق لمستوى العقل شبيه بالانفعال الموسيقي الذي يهز كيان النفس هزاً عنيفاً وهو «لا يتصل بشيء». وهؤلاء الأفراد هم «الأبطال» والقديسون وكبار المتصوفة الذين يجذبون الناس بالقدوة لا بالاستدلال وأخلاقهم هي الأخلاق الكاملة. «وهذه الأخلاق لاتقوم على دوافع أو بواعث، ذلك أن الأنا كله هو الذي يفعل». ولكن «الضغط الاجتماعي وفورة المحبة مظهران للحياة متكاملان» أي إن نوعي الأخلاق مظهران طبيعيان للتطور الحيوي ومرحلتان في تقدمه. فالأخلاق المتحركة انفعال بحت وفورة نفسية عميقة عند «البطل» ومثال يُحتذى عند الجمهور، وليس قانوناً خلقيِّاً ملزماً في صميم الضمير. إن الأخلاق المفتوحة هي أخلاق نداء: «نداء البطولة».

كذلك يفرق برغسون بين نوعين من الدين. فهناك دين ساكن مغلق وآخر متحرك مفتوح أي الدين الاستاتيكي (السكوني) والدين الديناميكي (الحركي).

كان لبرغسون تأثير ملحوظ على الفكر والأدب، وكان لأسلوبه البليغ أشد الأثر في رواج كتبه، وإن كان كثير الغموض ولم يوف مناقشاته حقها، وكان يلجأ للإنشاء في الوقت الذي يتطلب الأمر التحليل والمنطق، وكان يبدو واضح النقل عن غيره، فالصيرورة منقولة عن هراقليطس وهيغل، والتلقائية من تشلنغ ومين دي بيران ورافيسون، والدافع الحيوي شبيه بالنفس الكلية عند أفلوطين Plotinus وآراؤه في الدين يهودية بالرغم من محاولاته إخفاء أصولها.

 

سليمان الضاهر

 

الموضوعات ذات الصلة:

 

الحدس ـ الحرية ـ الزمان ـ ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقة).

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ زكريا إبراهيم، برغسون (دار المعارف 1967).

ـ ج.ينروبي، مصادر وتيارات الفلسفة المعاصرة في فرنسة، ترجمة عبد الرحمن بدوي (دار النهضة العربية، القاهرة 1967).


التصنيف : الفلسفة و علم الاجتماع و العقائد
النوع : أعلام ومشاهير
المجلد: المجلد الرابع
رقم الصفحة ضمن المجلد : 867
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 24
الكل : 11083996
اليوم : 1830

ماخا (كارل هينك-)

ماخا (كارِل هينِك ـ) (1810ـ 1836)   كارِل هينِك ماخا Karel Hynek Mácha شاعر وروائي تشيكي، يعدُّ أبرز شعراء الحركة الإبداعية[ر] (الرومنسية) Romanticism في الأدب التشيكي. ولد في مدينة براغ وتوفي في مدينة ليتوميريس Litomêrice في منطقة بوهيميا Bohemia في الامبراطورية النمساوية آنذاك. كانت أسرته فقيرة، لكنه تمكن من الحصول على الشهادة الثانوية ثم درس الفلسفة والحقوق في براغ بين عامي 1830- 1836، وعمل مساعداً قانونياً في ليتوميريس قبيل وفاته بالتهاب الزائدة الدودية. كان مغرماً بالتجوال في ربوع بوهيميا الغنية بالآثار التي يعود بعضها حتى بداية العصور الوسطى فتستيقظ في نفسه الأحاسيس الوطنية والاعتزاز القومي. قام في عام 1834 برحلة عبر النمسا إلى شمالي إيطاليا حيث زار ڤينيسيا (البندقية) Venezia وتريسته Trieste وكتب انطباعاته عن البشر والطبيعة هناك في «صور من حياتي» Pictures From My Life (1834).
المزيد »