logo

logo

logo

logo

logo

الخِبْرة

خبره

Experience - Expérience

الخبرة

 

يبدو معنى الخبرة ملتبساً، فالخبرة لغة هي المعرفة، وبهذا المعنى يقال: خَبِرَ الشيء عرفه، وتوصف هذه المعرفة بأنها معرفة عيانية. وهذا ما يُقرب المعنى اللغوي من المعنى الذي تولد للخبرة في سياق الفلسفة والنظريات النفسية والتربوية.

وفي اللغة الإنكليزية يُستخدم مصطلحا  experienc و empirical للدلالة على الخبرة والتجربة معاً، وقد استخدمها الفيلسوف الذرائعي جون ديوي[ر] J.Dewey بالتناوب للدلالة على المعنى ذاته.

إن مصطلح empirical أخذ يستقر في منظومة المنهج التجريبي بصفته واحداً من مناهج البحث العلمي، إذ التجربة تخضع للضوابط وتؤدي إلى نتائج أكثر موضوعية مما تؤدي إليه الخبرة الشخصية. والخبرة تربوياً ونفسياً هي وعي العالم المحيط بنا (خبرة شعورية) أو وعي لما كان قد حدث للعضوية في الماضي (خبرة ماضية).

الخبرة والمعرفة

تُعدُّ الخبرة مظهراً من مظاهر المعرفة، ولكن هذه المعرفة تقف في مواجهة التجريد اللفظي وتختلف عنه. فقد ينحو التجريد اللفظي نحواً يستدل فيه على قضايا من قضايا أخرى، مستخدماً الاستدلال من دون امتحانٍ صارم لدقة المفهومات والاستدلالات. وإذا كان ثمة تجريد في الخبرة، فإن التجريد يقع على السلوك الذي نقوم به وليس على صفات الأشياء، فالذي يجري تجريده وتعميمه هو سلوك استنشاق لشذا الوردة وليس صفات الوردة ذاتها.

وتشير الخبرة إلى وقائع، وإذا كانت المعرفة التجريدية لا تقتضي بالضرورة الاتصال بالأشياء عن طريق الحواس ولا معالجتها والإفادة منها في العمل، فإن الخبرة تتولد في سياق العمل، وهي ثمرة من ثمرات المعرفة الحسية والتفكير هنا يتولد من المعرفة وفي مجراها، إنه  التوجيه الذكي الناتج من الخبرة والموجه لها في آن واحد.

ومن أجل ذلك يرى ديوي أن قوام الخبرة ومصدر تكونها هو العلاقات الفعّالة بين الإنسان والبيئة، وما يحدثه هذا الإنسان في البيئة وما يترتب على ذلك من نتائج وآثار.

إن حياة الإنسان الخاصة، كما يرى ديوي، سلسلة من المواقف جوهرها التفاعل مع البيئة بطريقة الإنسان الخاصة، إذ يستخدم في هذا التفاعل حواسه وعقله وجسده وخلقه وشعوره، دامجاً النظر في العمل والإحساس في الإدراك، والعقل في الانفعال، والفردي بالمجتمعي. ونتيجة هذا التفاعل يفهم الإنسان نفسه كما يفهم البيئة في آن واحد.

ولهذا السبب رفض ديوي الفلسفات السابقة التي حاولت فهم العالم بوساطة منظومة من المفهومات. لأن العالم، بحسب ديوي، غير مُتعينٍ بصورة نهائية بل هو دائم التغير والتجدد.

وإذا كانت الخبرة الشخصية هي السبيل لاكتشاف معاني الأشياء، فإن المعنى لا يكتسي دلالة إطلاقية، إذ إن الفكرة التي توحي التجربة بها هي ما يعطي الشيء معناه وهي صادقة في سياق التجربة، ومن ثم ليس هناك ما يدعو للبحث عن صدقها المطلق. ففي الخبرة لا نتساءل عن ماهية الشيء وجوهره بل نتساءل عن معناه بالنسبة لنا وما سيكون عليه.

تختلف معاني الأشياء بحسب منطق الخبرة من شخص إلى آخر، كما أنها مختلفة بالنسبة للشخص ذاته. فالعصا بيد المعلم قد يراها متعلم ما أداة للقمع والإكراه والقيام بسلوك يريده المعلم، وقد يراها طفل آخر مؤشراً للأشكال والكلمات المدونة على السبورة. وبسبب البنية المفتوحة للمفهومات التي تكونها الخبرة فهي قابلة للتغير والارتقاء.

وحين تنشأ مفهومات مغلقة ومنمطة وغير صحيحة، غالباً ما يُشار بإصبع الاتهام إلى الخبرة على أنها المسؤولة عن ذلك.

وحين يتم تصحيح المفهومات لابد أن تكون الخبرة مرنة، فالخبرة الصلدة تقاوم التطور، والخبرة الحقيقية هي النافذة التي يتألق العالم بها ويتسع مجال العالم بوساطة الخبرة .

ويقف ديوي موقفاً حذراً من الخبرات التي كونتها الأجيال السابقة وعهدت إلى التربية بنقلها من جيل إلى جيل تحت اسم التراث الثقافي. ويرى أن على التربية العمل على تكييف هذه الخبرات مع الحاضر، وأن الثقافة الحقيقية هي الثقافة التي تنشأ في سياق العمل، وتكون فروضاً توجهه بالبحث ويتم التحقق من صحتها عندما يثبت نفعها.

تشريح الخبرة

مع أن الخبرة تتصل بالمعرفة وطابعها الحسي والعملي، إلا أن محتوى الخبرة لا يقف عند هذه الحدود، بل ينطوي على عناصر انفعالية أيضاً، فالخبرة يحرض عليها الاهتمام الذي يرتكز على الدافعية. ويرى أن الخبرة التي تكتسب بسبب من الاهتمام تؤدي إلى معرفة قابلة للتمثل وتؤدي إلى تعلم قصدي مقابل التعلم العارض. وللخبرة أيضاً جانب انفعالي آخر، وهي عند ديوي العلاقة بين الفعل والانفعال، فعل الإنسان في الأشياء وانفعاله بها. فانفعالي بالنار هو ما يولد خبرتي بأن النار محرقة. ويعمم هذا السلوك الانفعالي على كل نارٍ، وبذلك تتكامل عناصر ثلاثة في تكوين الخبرة: مكون حسي - عملي، ومكون انفعالي، ومكون معرفي - عقلي.

نظريات في تفسير نشوء الخبرة

أن أُخبِر شيئاً يعني أن أعرفه، ذلك أمر متفق عليه. ولكن الجدل ما يلبث أن ينشأ عندما يتصل الأمر بتفسير الخبرة الذي يتصل اتصالاً وثيقاً بنظرية المعرفة، ويختلف باختلافها. ويدور هذا الاختلاف والجدل حول دور كل من الذات العارفة والموضوع.

فالاختباريون الإنكليز ينحون منحى آلياً في تفسيرها، وقد أصر جون لوك J.Lock  ت(1632-1704)  على تفسير المحتوى العقلي (التصورات) بالوقائع الحسية وحدها مستبعداً الأفكار الفطرية. كما أصر على أن الوقائع الحسية تنطبع على الصفحة البيضاء للدماغ، وبين أن اقتران الإحساسات ببعضها يتم بحسب قوانين موضوعية بحتة هي القوانين التي وضعها أرسطو.

وبالمقابل أكد كنت[ر] A.Kant   ت(1724- 1804)   أن الخبرة تتلبس الحكم التركيبي البعدي. والحكم التركيبي البعدي ما هو إلا تأليف لمعطيات الحواس من جهة ومقولات العقل المحض من جهة أخرى ففي مثال: النار تُسخن الحجر الذي هو حكم تركيبي بعدي، وما تمدنا به الإحساسات هو رؤية الشمس والحجر والإحساس بالسخونة، أما إصدار حكم بأن النار هي سبب تسخين الحجر فيحتاج إلى مفهوم السببية وهو أمر يسعف به العقل المحض.

ويؤكد جان بياجيه[ر] J.Piaget خلافاً للاختباريين، فاعلية الذات في تشكيل الخبرة، وتابعية هذه الخبرة للمجرى التطوري للكائن الإنساني إذ يكون الموضوع واحداً. لكن الخبرة به ومعناه بالنسبة للذات تختلف باختلاف المرحلة النمائية للإنسان، فالقمر الذي يعطيه الطفل معنى الوجه الإنساني الذي يبتسم له لن يكون له المعنى ذاته فيما بعد، لأن الطفل يكون قد تجاوز البنية العقلية الطفلية ذات الطابع الإحيائي، وذلك بسبب استكمال نمو معداته العصبية والمعرفية.

وتؤكد الفلسفة الماركسية والنظريات النفسية المتأثرة بها أهمية الإحساس والعمل في تشكيل الخبرة، ولكنها ترفض وجهة نظر الاختباريين، لأن الإحساس والعمل يتدخلان في دماغ بشري فائق المرونة والتعقيد، لا يعكس المثيرات آلياً، وإنما ينتج صوراً مبدعة فتنتج مفاهيم ورموزاً.

ولعل أكثر من أعطى الخبرة أهمية وعدّها المسألة المركزية في نظريته المعرفية وفي أساس الفعل التربوي هو جون ديوي، إذ إنه إضافة إلى تحديد الخبرة وأهميتها، واستنادها إلى النشاط والعمل، ودور العقل الاستطلاعي وصلة الخبرة بحل المشكلات التي تعترض سبيل التكيف، يُحدد شروط الخبرة الجيدة. ومن هذه الشروط:

- الاستمرار: بحيث تكون كل خبرة حلقة في سلسلة متصلة الحلقات من النمو الإنساني، وترتبط بما سبق من خبرات وتنتظم معها.

- التكامل: هو تكامل جوانبها الحسية والجسمية والعقلية والانفعالية.

- المرونة: أن تكون مرنة قابلة للتغير والتبديل والارتقاء ولا تتعارض مع التصحيح واكتساب خبرات جديدة.

خالد عبد الرحيم 

الموضوعات ذات الصلة:

 

بياجيه (جان ـ) ـ ديوي (جون ـ) ـ كنت ـ لوك (جون ـ) ـ الماركسية. 

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ يسايا بيلين، عصر التنوير، ترجمة فؤاد شعبان (منشورات وزارة الثقافة، دمشق 1980).

ـ جون ديوي، الخبرة والتربية، ترجمة محمود البسيوني ويوسف الحمادي (دار المعارف، مصر 1954).

ـ محمد منير مرسي، فلسفة التربية، اتجاهاتها ومدارسها (عالم الكتب، القاهرة 1984).


التصنيف : تربية و علم نفس
المجلد: المجلدالثامن
رقم الصفحة ضمن المجلد : 745
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 71
الكل : 12528808
اليوم : 4191

ابن سكرة الهاشمي (محمد بن عبد الله-)

ابن سُكرة الهاشمي (محمد بن عبد الله-) (… ـ 385هـ/… ـ 995م)   أبو الحسن محمد بن عبد الله بن محمد الهاشمي البغدادي، من ولد علي بن المهدي بن المنصور الخليفة العباسي، شاعر مشهور، عُرف  بابن رائطة أو رابطة، كان من وجهاء عصره، ينوب في نقابة الهاشميين في بغداد، ويفصل في بعض القضايا التي ترفع إليها. وكان على صلة بالخلفاء والوزراء والقادة وأعيان زمانه.
المزيد »