logo

logo

logo

logo

logo

الخيال الجامح (فن-)

خيال جامح (فن)

FANTASTIC (ART-) - FANTASTIQUE (ART-)

الخيال الجامح (فن -)

 

الخيال الجامح

في عام 1825، وبعد النجاح الباهر لقصص هوفمن، تشكل الخيال الجامح جنساً أدبياً، وصار المصطلح، من حينه، صيغة سحرية تغطي أكثر النتاجات الأدبية تنوعاً، وحمل من «ارتباطه بالعائدين من العالم الآخر» و«الأرواح والشياطين» معنى خاصاً، بعد أن كان في القرن السادس عشر يعني  «المتخيل أو صاحب الرؤى الذي يقتات بالأوهام» وفي القرن العشرين، ومع اقتحام الخيال الجامح عوالم الأدب والشعر والفن والعمارة والموسيقى وغيرها، اتسع المفهوم وامتد ليشمل معاني أخرى.

الخيال الجامح في الفن

الخيال الجامح هو الشعور بالغموض والالتباس واللاواقعية، والإحساس بالقلق يتسلل إلى العلاقة بين المشاهد والعمل الفني، به يستحضر الفنان الغيب، سواء أكان ذلك عن عمد وتصميم أم بتداعيات لا إرادية، وبوساطته يُضمِّن عمله كل ما يصدم العقل: حتمية الموت، والجهل بالمستقبل، والظواهر الطبيعية غير المتوقعة، وهشاشة المدنيات. إن مثل هذا الشعور لا يرتبط بالعصور ولا بالأجناس ولا بالمدارس، فما برح إنسان العصر الحالي شديد التأثر بعالم الخيال الجامح يستشعره إذا ما وقف أمام تميمة إفريقية قادمة من غابر الأزمان أو لوحة من صنع فنان معاصر.

كتب غويا[ر] في مقدمة كتابه الثاني «أهواء»: «إن رقاد الفكر يولّد المسوخ» والحلم هو اللغة العالمية الشاملة، والوسيلة المثلى تعبر بوساطته الشعوب كافة عما في اللاشعور من رواسب قديمة. إن لكل ديانة في أولوياتها أحداثاً خيالية خارقة يسعى الفنانون للتعبير عنها، فبفضلها ينجو الفرد من قوانين الطبيعة القاهرة (بعث أوزيريس والمسيح، وولادة بوذا المعجزة وأساطير الإغريق القديمة وجلجامش الرافدي وغيرها).

ولد الخيال الجامح مع ولادة الفن، وارتبط كما يبدو مع النماذج الأصلية الكبرى التي رسخها في الذاكرة الجمعية تساؤل الإنسان الحائر حيال المبادئ الأولية، وإلى بواعث العصور السحرية الدينية السابقة أضاف القرن الماضي حوافز اللاوعي، وفي توزع الإنسان بين الخير والشر تحول اللاوعي في آداب وفنون الإنسان المعاصر إلى العبث واللامعقول.

والخيال الجامح حاضر في فنون البلدان جميعاً وفي كل العصور، وهو لا يخضع لقواعد محددة في الابتكار، وإذا ما شجعته بعض المدارس الفنية وجعلته محط اهتمامها، فمن الملائم دراسته في محيط مفهوماتها الجمالية الخاصة بها، ومع اتخاذ الخيال الجامح أكثر المظاهر تنوعاً، يبقى، كغاية، خاضعاً لبعض الثوابت المساعدة على دراسته، وعليه فالخيال الجامح، قبل أي شيء آخر، تعبير عن القلق من المريب، وغير المألوف، والمرهوب الجانب، وأشكال المسوخ، وكل أشكال المخلوقات الغريبة.

الخيال الجامح في العمارة

ينحصر مبدأ العمارة الخارقة في تحدي قواعد القياس والتوازن (برج بابل - الزيقورة)، واستحضار المصورين له غالباً ما يجيء مضللاً ومحيراً أكثر من الواقع، فالقصر المبني على رأس إبرة (مخطوطة محفوظة في فيينا القرن الثالث عشر) هو التعبير الأكثر كمالاً لعمارة مستحيلة، كما أن كنيسة سان ميشيل ديغوي على صخرة، رد على تجربة الهلاك والوقوع في الجحيم، وإغواء كل ما هو ضخم وهائل كالمعابد التي تخترق السماء هو ما يميز الزيقورات الرافدية والأهرامات الفرعونية.

وثمة خيال جامح وليد الخوف من الفراغ (غوبورا سريراغام، والكنائس الباروكية لسلفادور)، كما أن أحد الأطروحات المفضلة لدى المخيلة الخارقة: المتاهة التي استحوذت على عقول البنائين بدءاً من قصر مينوس في الأسطورة اليونانية وانتهاء بالتعرجات والمنعطفات بين أشجار شُذِّبت حسب الطلب لهانس فريدمان في القرن الخامس عشر، وفي حدائق القرن الثامن عشر سعى الفنانون، باستخدام النبات والأطلال، إلى خلق المرعب والخلاب معاً، وصار الشعار: «على المعماري أن يحاصر المشاهد ويورطه في إغواء الرائع والخارق».

الخيال الجامح في النحت

الحجر وسيلة نقل أصيلة لخوف مقدس (نصب يسكن الإله فيه - بيت إيل) وكل حجر يتجاوز حجم الحجارة المألوفة يستثير الشعور بالغرابة، وهذا الشعور قابل للزيادة إذا ما تعلق الأمر بأشكال إنسانية ذات غايات مجهولة (تماثيل جزيرة الفصح، الرؤوس العملاقة في أولميك فينتا).

سعى الخيال الجامح إلى استحضار ما لا يستطيع أحد أن يراه، فالعابدون بعيونهم الجاحظة الواسعة في تل أسمر (الألف الثالثة ق.م)، والموتى العائدون إلى الحياة في مقبرة جوار Jouarre (القرن السابع ب.م) يتسمون بمظاهر الانبهار غير المشروطة نفسها، كما ابتكر آلهة هجينة ترمز خصائصها المروعة إلى القوى الخيرة المكلفة بطرد قوى الشر والشياطين المجنحة، فعلى النحت ذي الأغراض السحرية أن يضلل القوى الشريرة أو أن يبطل تأثيرها، تلك هي الغاية التي ترنو إليها حتى اليوم التمائم الإفريقية المحفوفة بالإبر أو بالمعادن المدببة.

واستعار كل من الفن الرومي والفن القوطي من الشرق الأشكال الحيوانية كلها: تنانين برقابها الطويلة المتشابكة التي تزين لوح نارمر (متحف القاهرة)، ومخالب، وطيور - عقارب، وأفاع خرافية لها رؤوس ديكة. ولقد ألمحت المسيحية، بتهويلها الخطيئة والموت، إلى التفسخ والانحلال.

وابتداء من عصر النهضة، راح الفنان يسعى إلى ما يفتن ويقلق ويشوش (وحوش حديقة بومارتزو)، ويصنع الغريب المدهش من المفارقة القائمة ما بين الأثر والمكان الذي يؤويه (الاضطراب غير المألوف لأشكال تمثيلية استحضارية على الدرج المدوِّخ في البرتغال).

الخيال الجامح في التصوير والغرافيك

التصوير هو الوسيلة الرئيسة في فن الخيال الجامح، فهو الأكثر إيحاء، والأشد تغريباً وإثارة للبلبلة، إذ يتيح المجال واسعاً أمام تداخل الواقع بالحلم: انطباعات تثير القلق لأيد مبتورة في العصر الحجري القديم على «جدران كهف غارغاس في البيرينة»، وقوى مفترسة تترصد الأرواح في كتب الموتى المصرية، وآلهة هجينة لا تحصى تدير شعائر خاصة بالموتى (توت وأنوبيس في مصر)، وساق مقطوعة حلت محلها مرآة يتصاعد منها الدخان، فالبتر والمرآة السحرية من مدخرات فن الخيال الجامح، التي اتخذت عبر العصور، بجانب مجموعة صور الأطياف والأشباح المعتادة للموتى والمسوخ، الأشكال نفسها الحاملة للدلالات الأولية والثانوية مثل: العين وعين الآلهة الموجودة في كل مكان( ميترا متعددة العيون)، والعين الشريرة والبيضة، والحيوانات المكلفة باصطحاب الأرواح إلى العالم الآخر.

وتختلف المعاني والنزعات من حضارة لأخرى، فالهيكل العظمي عند المسيحيين صورة للتهديد، في حين أنه يدفع الأبيقوريين للتمتع بالحياة، كما كان فن العصور الوسطى في الغرب تحذيراً شاملاً وجماعياً واسعاً حيال القوى الجهنمية: وجوه ممسوخة لها أذرع، ورجال متوحشون، وتنانين مزودة بأجنحة خفافيش مستعارة من الصين، وساحرات ذات أظلاف، وشياطين بمخالب تستحوذ على المخيلة، وقد توزعت هذه المخاوف في ثلاث دوريات: الحيوانيات والجهنميات والرؤيات التي صورت بنجاح الخوف العظيم من عام 1000، وامتد هذا الخوف إلى القرن الثاني عشر بتنبؤات جواشيم دو فلور، وإلى عصر النهضة في رسوم كثير من الفنانين.

كانت آثار جيروم بوش[ر] الفنية، وعصر النهضة في أوجه، سفراَ لضروب الرعب في القرون الوسطى، ومع ذلك فإن انزياحاً ذا مغزى قد حدث، ألا وهو الاهتمام بالماورائيات، حيث تقتات سوداوية دورر[ر] التي حلت محل الخوف من الجحيم، في حين كان المنجمون والعرافات تواكب كل مذابح الإصلاح.

     

 

دادو: هسبيتال «Hspital» (متحف جان بوشيه، باريس)

 

جيروم بوش: «حمل الصليب» (نحو عام 1505)

     
     

لم تكن الاتباعية[ر] (الكلاسيكية) مواتية للأجواء الغريبة التي حافظ عليها التكلفيون[ر] والتي عبر عنها فنانو اللورين بنجاح باهر. ولكن شكلاً من أشكال «العبث والأباطيل» كان يحرض على مقاربات غريبة وتخيلات ملتبسة تدور حول الشرط الإنساني وواقعه.

وبالتوازي مع رواج علم التنجيم الذي وسم نهاية القرن التاسع عشر، أصاب الخيال الجامح والميل إليه نجاحاً باهراً، وتزايدت الرموز: حيوانات خرافية، وأقنعة، وأشباح، وحشرات هجينة، وشخوص أسطوريون (بروميثيوس وأورفيوس).

أبرز التصوير الميتافيزيقي والسريالية، فيما بعد، الطرق الملتوية التي يقرض العبث بوساطتها الحياة اليومية (دي كيريكو[ر] وماغريت[ر])، ومصدر معوقات المخيلة التي تحول دون انطلاقها (دالي[ر] وبول دلفو)، إن منهجة الصدفة والتداعيات الغريبة أفسحت في المجال واسعاً أمام استيهامات اللاوعي، وتلتحق السريالية عند فيكتور برومر أو ماتا بخفايا السحر وأسراره. وقد برهن كل من وولز وإيف تانغي وهنري ميشو أن الشعور بالقلق لا يختفي مع الرائع التقليدي، ولكنه يطرق أشد المناطق ظلمة، تلك المناطق التي سلط عليها الفن الشعبي[ر] والهيبريالية[ر] (الواقعية المغرقة بواقعيتها) الضوء.

فائق دحدوح، محمد حسام الدين

 

 

 


التصنيف : العمارة و الفنون التشكيلية والزخرفية
النوع : عمارة وفنون تشكيلية
المجلد: المجلد التاسع
رقم الصفحة ضمن المجلد : 61
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 27
الكل : 11083726
اليوم : 1560

تاتلين (فلاديمير-)

تاتلين (فلاديمير ـ) (1885 ـ 1953)   فلاديمير تاتلين Vladimir Tatlin، فنان روسي، وُلد وتوفي في موسكو، أحد مؤسسي تيار البنائية[ر]، مصوّر ومؤلف أعمال فنية: طبيعة صامتة ومناظر طبيعية وصور شخصية وأعمال جدارية ونصبية، وهو معمار ومؤلف مشاريع هندسية، ونحات، وحفّار ورسام توضيحي للكتب، وفنان مسرح صمّم الكثير من ديكورات المسرحيات والاستعراضات في الشوارع، وصمّم أشكال أثاثٍ جديدة وأوعية زجاجية وملابس وأجهزة إنارة وغي ذلك.
المزيد »