logo

logo

logo

logo

logo

وقف تنفيذ القرارات الإدارية

وقف تنفيذ قرارات اداريه

stay of execution of administrative decisions - sursis à l'execution des décisions administratives

 وقف تنفيذ القرارات الإدارية

وقف تنفيذ القرارات الإدارية

عقبة سلطون

ماهية وقف تنفيذ القرار الإداري

شروط وقف التنفيذ

أنواع وقف التنفيذ

آثار وقف التنفيذ

 

أولاًـ ماهية وقف تنفيذ القرار الإداري Le sursis à exécution d’une décision administrative:

يعد القرار الإداري أحد الدعائم الأساسية التي يقوم عليها القانون الإداري، ووسيلة الإدارة المفضلة والأساسية للقيام بوظائفها المتعددة لما يحققه من سرعة وفاعلية في العمل الإداري، فالإدارة في إطار أدائها لوظائفها، لا بد لها من وسائل فاعلة تمكنها من أداء وظائفها بسرعة وفاعلية على نحو يحافظ على انتظام سير المرافق العامة بانتظام واطِّراد، ويأتي في مقدمة هذه الوسائل القرار الإداري لما يتمتع به من خصائص تتيح للإدارة إمكانية البت من جانب واحد في أمر من الأمور من دون الحاجة إلى الحصول على رضا ذوي الشأن أو حتى معاونتهم، فهو يتمتع بقدر من الحصانة، وتفترض فيه السلامة، وعلى من ينازع في صحته اللجوء إلى القضاء لطلب إلغائه، وعليه يقع عبء إثبات الدليل على العيب الذي يعتور القرار الإداري، وهي قرينة بدونها تختل الحياة الإدارية.

فالإدارة يجب أن تسمو على الأفراد لخطورة مهامها ووظائفها، ولا بد أن تكون في وضع يختلف عن وضع الأفراد الذين يهدفون إلى تحقيق مصالح فردية، فتحقيق المصلحة العامة يقتضي منح الإدارة وسيلة تحقق لها السرعة وتعطيها حق امتياز التنفيذ المباشر Exécution d’office لتحقيق هذه الأهداف وهو ما يوفره لها القرار الإداري.

وبناءً على ذلك يعد القرار الإداري واجب الاحترام والتنفيذ من جانب المخاطبين به وإن كان معيباً، فثمة قرينة على سلامة القرارات الإدارية، تتجسد من خلال قاعدة الأثر غير الواقف للطعن بالإلغاء Le caractère non suspensif des recours devant la juridiction administrative، أو ما يعبر عنه بالقوة التنفيذية للقرار الإداري، أي إن للقرار الإداري سمة خاصة به تتجلى في طابعه التنفيذي.

ومن ثم فإن مهاجمة القرار الإداري بدعوى الإلغاء لا توقف ـ مبدئياً ـ تنفيذه، الذي يجب أن يستمر إلى أن يقضى بإلغاء القرار المطعون فيه قضائياً أو يسحب من قبل الإدارة إذا ما شابه أحد أوجه عدم المشروعية بالأصول المقررة لذلك، أو تتمهل الإدارة في تنفيذه إلى أن ينجلي الموقف.

والحكمة من ذلك تتمثل في عدم السماح بشل حركة الإدارة ووقف نشاطها الهادف إلى تحقيق المصلحة العامة نتيجة للطعون الكيدية المقدمة ضد قراراتها الإدارية، وخشية عرقلة أعمال السلطة التنفيذية، لما هو مفروض فيها من أنها توجه لتحقيق مصلحة عامة، فيجب انتظار كلمة القضاء فيها، وإعمالاً لمبدأ الفصل بين السلطات المقدس في القانون العام والذي سيصاب بأساسه إذا كان رفع الدعوى أمام القضاء بصدد إلغاء قرار إداري يترتب عليه مباشرة وبمجرد رفع الدعوى وقف تنفيذ القرار المشكو منه.

وإذا كان لمبدأ الأثر غير الواقف للطعن بالإلغاء في القرار الإداري مبرراته، غير أن التطبيق العملي أثبت أن إطلاق هذا المبدأ وآثاره بغير إمكانية للاستثناء خاصة مع ازدياد تدخل الدولة في المجالات كافة قد يستتبع نتائج ضارة لا يمكن إصلاحها، ذلك لأن طول فترة سريان آثار المبدأ غير الواقف للطعن بالإلغاء لحين الفصل في دعوى الإلغاء ـ خاصة مع طول الفترة الزمنية التي يستغرقها الفصل في دعوى الإلغاء ـ قد يجعل السير في دعوى الإلغاء غير ذي موضوع ومجرد مسألة أدبية بحتة فيما لو نفذ القرار، أو يجعل من الحكم الصادر بإلغاء القرار الإداري غير ذي جدوى عملية، في حال رتب القرار آثاراً يتعذر إصلاحها فيما بعد.

وتلافياً لمساوئ هذا المبدأ، ولإيجاد نوع من التوازن بين المصلحتين العامة والخاصة، ابتدع نظام وقف التنفيذ ليكون بمنزلة استثناء على هذه القاعدة لا كأثر من آثار دعوى الإلغاء، بحيث يمكن تقديمه على أنه إجراء وقائي مؤقت في مسار دعوى الإلغاء ومنظور غايتها، عنها يتفرع حماية عاجلة لمصالح لا تحتمل الانتظار والتأخير لحين البت النهائي في أمرها، وبها يرتبط ابتداءً وانتهاءً، أو بأنه إجراء تحفظي وقتي يقصد به الحيلولة دون المضي في أعمال يتعذر تدارك نتائجها في حال استمرارها، فهو بمنزلة أمر من قاضي الوقف بتعطيل القوة التنفيذية للقرار الإداري لمدة موقوتة هي مدة الفصل في موضوع إلغاء القرار الإداري.

فالغاية من هذا النظام إنما تتجلى في وقف تنفيذ النتائج التي قد يتعذر تدارك أضرارها إذا ما تم تنفيذ القرار الإداري المطعون بفيه بالإلغاء من جانب الإدارة، وإلا لن تكون هناك فائدة لحكم يصدر بإلغاء قرار إداري تم تنفيذه وأنتج كل آثاره.

وقد أخذ المشرع السوري في قانون مجلس الدولة رقم /55/ لعام 1959 بنظام وقف تنفيذ القرارات الإدارية، إذ نصت المادة (21) منه على أنه: "لا يترتب على رفع الطلب إلى المحكمة وقف تنفيذ القرار المطلوب إلغاءه (إلغاؤه) على أنه يجوز للمحكمة أن تأمر بوقف تنفيذه إذا طلب ذلك في صحيفة الدعوى ورأت المحكمة أن نتائج التنفيذ قد يتعذر تداركها.

وبالنسبة للقرارات التي لا يقبل طلب إلغائها قبل التظلم منها إداريا لا يجوز طلب وقف تنفيذها، على أنه يجوز للمحكمة بناء على طلب المتظلم أن تحكم مؤقتاً باستمرار صرف مرتبه كله أو بعضه إذا كان القرار صادراً بالفصل أو بالوقف، فإذا حكم له بهذا الطلب ثم رفض تظلمه ولم يرفع دعوى الإلغاء في الميعاد اعتبر الحكم كأن لم يكن واسترد منه ما قبضه".

إلا أن المشرع السوري أخرج من نطاق تطبيق المادة السابقة بعض القرارات الإدارية، كالقرارات الإدارية المتعلقة بأعمال السيادة، إذ حظر المشرع السوري في المادة (26) من قانون السلطة القضائية رقم /98/ لعام 1961 والمادة (12) من قانون مجلس الدولة السوري طلب إلغائها ومن ثم وقف تنفيذها، كما حظر المشرع السوري بموجب نصوص خاصة وقف تنفيذ بعض القرارات الإدارية كما هو الحال في القرارات الإدارية الصادرة عن مجلس الوزراء بصرف أي موظف من الخدمة استناداً لأحكام المادة (85) من قانون الموظفين الأساسي رقم /135/ لعام 1945، وقرارات ومراسيم الاستملاك، والقرارات الإدارية الصادرة بالهدم استناداً لأحكام المادة (113) من المرسوم التشريعي رقم (59) لعام 2008…إلخ.

ثانياً ـ شروط وقف التنفيذ:

يشترط لقبول الطلب بوقف التنفيذ ضرورة توافر شرطين أساسيين: شرط شكلي (إجرائي) يتمثل في ضرورة تقديم الطلب في صحيفة الدعوى، وشرط موضوعي بأن تكون نتائج تنفيذ القرار المطلوب وقف تنفيذه مما يتعذر تداركها، وقد أضاف الفقه والاجتهاد الإداري شرطاً موضوعياً ثالثاً وهو أن يستند الطلب إلى أسباب جدية.

1ـ الشروط الشكلية:

يشترط لقبول طلب وقف التنفيذ شكلاً أن يكون الطلب مقدماً في صحيفة الدعوى، أي أن يكون مرتبطاً بدعوى الإلغاء وأن يكون مقدماً ضمن الميعاد القانوني:

أ ـ ارتباط طلب وقف تنفيذ القرار الإداري بدعوى الإلغاء:

سنداً لأحكام المادة (21) من قانون مجلس الدولة السوري رقم /55/ لعام 1959 فإنه: "يجوز للمحكمة أن تأمر بوقف تنفيذ القرار المطلوب إلغاؤه إذا طلب ذلك في صحيفة الدعوى". والثابت من هذا النص أن المشرع السوري اشترط لقبول طلب المدعي بوقف تنفيذه القرار الإداري أن يقدم طلب وقف التنفيذ في عريضة الدعوى ذاتها، بحيث لا يجوز إبداؤه بعد ذلك خلال نظر الدعوى، كما لا يجوز أن يرفع هذا الطلب بدعوى مستقلة، فلا بد أن يقترن الطلب بعريضة دعوى الإلغاء الأصلية، كما لا يمكن أن يطلب وقف تنفيذ قرار إداري من دون أن يُطلب إلغاؤه.

ومع أن هذا الشرط شكلي وإجرائي إلا أنه يستوي في الأهمية والقيمة القانونية مع الشرط الموضوعي، أي إنه لا يسوغ للمحكمة أن تضحي به بوصفه شرطاً شكلياً وذلك حرصاً على إزالة ضرر يهدد المدعي من تنفيذ القرار المطلوب وقف تنفيذه وإلغاؤه.

والحكمة من وراء وجوب اقتران طلب وقف التنفيذ بطلب الإلغاء في صحيفة واحدة وأهميته تتحدد من وجهة نظر القضاء الإداري بأمرين اثنين:

الأمر الأول: إن طلب وقف التنفيذ لا يعدو أن يكون طعناً في القرار المطلوب إلغاؤه، وأن وجه الاستعجال المبرر لهذا الطلب وفقاً للقانون هو أن يترتب على تنفيذ القرار الإداري نتائج يتعذر تداركها، لذلك افترض القضاء الإداري أن احتمال هذا الخطر يكون متلازماً زمنياً بصفة دائمة مع القرار ذاته من يوم صدوره تبعاً لقابلية هذا القرار للتنفيذ بالطريق المباشر.

أما الأمر الثاني: فيتمثل في أن اقتران طلب وقف التنفيذ بطلب الإلغاء في صحيفة واحدة يحقق اتحاداً في بدء ميعاد الطعن في القرار إلغاءً ووقفاً، ويمنع الاختلاف والتفاوت في حساب هذا الميعاد.

وعليه فإن جمع طلب وقف التنفيذ مع الطلب الأصلي بالإلغاء في دعوى واحدة هو الشرط الشكلي وهو شرط شكلي جوهري إذا تخلف يحكم بعدم قبول وقف التنفيذ، بحيث يبدو كل من طلبي الوقف والإلغاء وجهاً للنزاع نفسه المتعلق بالقرار المطعون فيه، فطلب الوقف (هو الوجه المستعجل للنزاع)، وطلب الإلغاء (هو الناحية الموضوعية للنزاع)، والمنازعة في جملتها تتعلق (بطلب وقف تنفيذ القرار عاجلاً وبطلب إلغائه آجلاً).

ويترتب على لزوم ارتباط طلب وقف تنفيذ القرار الإداري بطلب إلغائه النتائج التالية:

(1) ـ إن شروط قبول طلب الإلغاء هي أيضاً بصفة عامة شروط لقبول طلب الوقف، وذلك ما لم يكن هناك مانعٌ من قبول طلب الوقف برغم قبول طلب الإلغاء، كما في حالة القرارات الإدارية الخاضعة لنظام التظلم الوجوبي والتي حظر المشرع السوري وقف تنفيذها على الرغم من قابليتها للإلغاء.

إلا أنه يستثنى من هذه القاعدة والتطابق ما يتعلق بشرط المصلحة تبعاً لاختلاف الطبيعة والغاية لكل من طلب وقف تنفيذ القرار الإداري وطلب إلغائه، ذلك أنه من المتصور قيام المصلحة للمستدعي بطلب إلغاء القرار الإداري دون قيامها بخصوص طلب وقف التنفيذ، كما لو أوقف تنفيذ القرار الإداري المطلوب وقف تنفيذه وإلغاؤه بغير الطريق القضائي، ففي هذه الحالة مثلاً لن يكون هناك محل لطلب الوقف ولن يكون هناك مصلحة للمدعي في طلب الوقف على الرغم من توافر شرط المصلحة بخصوص طلب إلغاء هذا القرار، وهنا سيكون طلب الإلغاء مقبولاً في حين سيصادف طلب الوقف عدم القبول، وهذه الحالة لا تقبل العكس، لأنه لو لم يكن للمدعي مصلحة في طلب الإلغاء ـ وهو الطلب الأصليـ فإن الدعوى بشقيها الموضوعي والعاجل تكون غير مقبولة ولا يمكن قبول طلب وقف التنفيذ المقدم مستقلاً عن طلب الإلغاء.

(2) ـ إن القاضي لا يستطيع النظر في طلب وقف تنفيذ القرار الإداري إذا حال دون نظره ابتداءً في طلب الإلغاء مانع قبول، كغياب المصلحة أو فوات الميعاد أو عدم التظلم مسبقاً من القرار إذا كان التظلم وجوبياً ولكنه غير مانع من الوقف، إذ ينسحب عدم القبول هنا في الوقت نفسه تلقائياً على طلب الوقف.

كما لا يستطيع القاضي النظر في طلب وقف التنفيذ في حال عدم استمرار طلب الإلغاء قائماً، إذ تنقضي الخصومة في طلب وقف التنفيذ تلقائياً بانقضاء خصومة الإلغاء لأي سبب، وفي حالة تنازل المدعي عن طلب الإلغاء، أيضاً، فإن ذلك يستتبع التنازل عن طلب وقف التنفيذ وينسحب عليه، وكذلك في حالة زوال محل الخصومة كما في حالة إلغاء القرار أو سحبه من الإدارة. كما لا يستطيع القاضي النظر في طلب وقف التنفيذ إذا كان القرار محل طلب وقف التنفيذ والإلغاء من القرارات غير القابلة للإلغاء أو إذا كان القرار مستنداً إلى عقد إداري ـ وذلك باستثناء القرارات الإدارية القابلة للانفصال عن العقد.

(3) ـ الأصل أن يقدم طلب وقف التنفيذ في صحيفة دعوى الإلغاء ذاتها، بحيث يتوجب رفض طلب وقف التنفيذ المقدم بصورة مستقلة أو حتى لاحقة على دعوى الإلغاء، إلا أن اجتهاد المحكمة الإدارية العليا السورية استقر على قبول طلب وقف التنفيذ المقدم بصورة لاحقة ومستقلة عن صحيفة دعوى الإلغاء بشرط أن تكون دواعي وقف التنفيذ قد حدثت أول مرة بعد رفع الدعوى.

ب ـ ميعاد تقديم طلب وقف تنفيذ القرار الإداري:

لم ينص المشرع السوري في قانون مجلس الدولة رقم /55/ لعام 1959 على ميعاد محدد يجب خلاله تقديم الطلب بوقف تنفيذ القرار الإداري المطلوب وقف تنفيذه وإلغاؤه، إلا أنه اشترط من خلال المادة (21) من قانون مجلس الدولة رقم /55/ لعام 1959 وجوب تقديم الطلب بوقف التنفيذ في صحيفة دعوى الإلغاء، بما يستفاد منه أن ميعاد تقديم الطلب بوقف التنفيذ هو بحكم اللزوم ميعاد الستين يوماً المقررة للطعن بالإلغاء، إذ نصت المادة (22) من قانون مجلس الدولة السوري رقم /55/ لعام 1959 على ما يلي: "ميعاد رفع الدعوى إلى المحكمة فيما يتعلق بطلبات الإلغاء ستون يوماً من تاريخ نشر القرار الإداري المطعون فيه في الجريدة الرسمية أو في النشرات التي تصدرها المصالح أو إعلان صاحب الشأن فيه، وينقطع هذا الميعاد بالتظلم إلى الهيئة الإدارية التي أصدرت القرار أو إلى الهيئات الرئيسية ويجب أن يبت في التظلم قبل مضي ستين يوماً من تاريخ تقديمه، وإذا صدر القرار بالرفض وجب أن يكون مسبباً، ويعتبر فوات الستين يوماً على تقديم التظلم دون أن تجيب عنه السلطات المختصة بمثابة رفضه، ويكون ميعاد رفع الدعوى بالطعن في القرار الخاص بالتظلم ستين يوماً من تاريخ انقضاء الستين يوماً المذكورة".

وقد استقر قضاء المحكمة الإدارية العليا السورية على أن شرط تقديم طلب وقف التنفيذ ضمن الميعاد السابق إنما هو من النظام العام، إلا أنه يستثنى من الخضوع له الطلب المقدم بوقف تنفيذ القرار الإداري المنعدم، والطلب المقدم بوقف تنفيذ القرار الإداري السلبي، والطلب المقدم بوقف تنفيذ القرار الإداري المستمر، كما أن ميعاد تقديم الطلب بوقف التنفيذ ينقطع في حال تقديمه أو تقديم دعوى الإلغاء أمام محكمة غير مختصة. كما استقر على عدم تطبيق قانون أصول المحاكمات السوري رقم/84/ لعام 1953 بخصوص مهلة المسافة على دعوى الإلغاء وبالتبع على الطلب بوقف التنفيذ التابع لها.

2ـ الشروط الموضوعية:

يشترط لقبول طلب وقف التنفيذ موضوعاً أن يترتب على تنفيذ القرار المشكو منه نتائج قد يتعذر تداركها وهو ما يعرف بشرط الاستعجال، وأن يكون الطلب مؤسساً على أسباب جدية تبرره وهو ما يعرف بشرط جدية الطلب:

أ ـ الاستعجال (الضرر المتعذر رأبه، النتائج التي قد يتعذر تداركها):

وفقاً لأحكام المادة (21) من قانون مجلس الدولة السوري رقم /55/ لعام 1959 فإنه يجوز للمحكمة أن تأمر بوقف تنفيذه إذا طلب ذلك في صحيفة الدعوى ورأت المحكمة "أن نتائج التنفيذ قد يتعذر تداركها".

وواضح من النص السابق أن المشرع السوري أجاز للمحكمة الناظرة في طلب إلغاء القرار الإداري أن تقرر وقف تنفيذه بشرط أن يتبين لها من فحص ظاهر النزاع أن تنفيذ القرار المطلوب وقف تنفيذه وإلغاؤه قد يرتب نتائج يتعذر تداركها.

وقد فسِر هذا الشرط (شرط ترتب نتائج قد يتعذر تداركها) على أنه يعني ضرورة قيام حالة الاستعجال L’urgence، بحيث إذا ظهر للمحكمة أمور يخشى عليها من فوات الوقت أو نتائج قد يتعذر تداركها لو لم تقضِ بوقف تنفيذ القرار، أو ضرر محدق بالحق المطلوب المحافظة عليه من خلال الموافقة على هذا الطلب كان لهاـ أي المحكمة ـ أن تأمر بوقف تنفيذ القرار المطعون فيه. ذلك أن المشرع السوري بنصه في المادة السابقة على أن قبول وقف التنفيذ منوط بأن تكون نتائج التنفيذ مما قد يتعذر تداركها قد اشترط الاستعجال في هذه الحدود، فإن تعذر تدارك النتائج هو بغير شك من أبرز صور الاستعجال التي تستوجب المسارعة بالالتجاء إلى القضاء لتفادي الخطر قبل فوات الأوان، فالاستعجال يتوافر إذا كانت نتائج التنفيذ الفوري قد يتعذر تداركها وإزالتها إذا ما قضى القضاء الإداري فيما بعد في الموضوع بإلغاء القرار المطعون فيه.

فنتائج التنفيذ التي قد يتعذر تداركها تمثل إذاً جوهر ركن الاستعجال، بمعنى أن مفهوم الضرر الذي يتعذر رأبه Préjudice irréparable ينطوي على حالة استعجال قصوى تبرر لجوء المتضرر منها إلى القضاء المستعجل لوقف الآثار المترتبة على قيام هذه الحالة والمتمثلة بوقوع نتائج خطيرة Inconvénients graves لا يمكن تداركها في حال استمرت إلى حين البت في أساس النزاع، أي إن جوهر وفحوى النتائج التي يتعذر تداركها هو وجود ضرر لاحق بطالب الوقف وخطر محدق به يظل قائماً لحين الفصل في طلبه، فالضرر والخطر تتجسد فيهما عملياً نتائج التنفيذ المراد التوقي منهما والتعبيران يترادفان في الدلالة على قيام شرط الاستعجال.

وعلى الرغم من أهمية هذا الشرط إلا أن المشرع السوري لم يعرف الاستعجال، غير أن الشراح يجمعون على أن الاستعجال هو الأساس الجوهري لكل الأحكام المستعجلة، كما أن اتفاقهم منعقد على وضع تعريف محدد لحالة الاستعجال بحسبان أنها فكرة مرنة غامضة يتوقف وجودها على عناصر متعددة مثل التقدير الشخصي للقاضي، بطء الإجراءات، الحقوق المدعاة، المصالح المثارة، الظروف الخارجية.

فشرط الاستعجال ـ بعبارة موجزةـ هو خشية الضرر الذي يصعب تداركه Préjudice difficilement réparable إذا تم تنفيذ القرار الإداري، وهذا الضرر الواجب تلافيه هو الذي يوضح أهمية وقف تنفيذ القرار الإداري، وإلى ذلك يشير بعض الفقهاء، بقولهم إن الشرط ـ شرط الاستعجال ـ هو الذي يربط بين نظام وقف التنفيذ وفكرة الاستعجال، فإن وجود خطر جدي يسبب ضرراً جسيماً Préjudice grave وحقيقياً réel قد يتعذر تداركه من جراء تنفيذ القرار المطعون فيه يقتضي وجود وسيلة سريعة يستطيع بها من لحقه هذا الضرر، أو يحتمل أن يصيبه، مجابهة آثار هذا القرار واتقاء الضرر المترتب عليه مؤقتاً حتى الفصل في دعوى الإلغاء، وذلك بحسبان أنه من دون وقف نفاذ آثار القرار المطعون فيه مؤقتاً، فإن الإلغاء فيما لو قضي به لن تكون له إلا قيمة نظرية للمضرور في أحوال كثيرة .

والمحكمة هي التي تقدر ما إذا كان الطلب المقدم إليها ينطوي على حالة استعجال قد يتعذر تداركها فيما لو تم تنفيذ القرار الإداري الذي طعن فيه بالإلغاء أم لا تتوافر صفة الاستعجال في هذه الحالة، ذلك أن الاستعجال في حقيقة الأمر ما هو إلا أمر نسبي تقديري قد تختلف بشأنه وجهات النظر، ولهذا فكثيراً ما يختلف التقدير بين محكمة القضاء الإداري والمحكمة الإدارية العليا وفقاً للزاوية التي تنظر المحكمة منها إلى الموضوع.

فالاستعجال المبرر لقبول طلب وقف تنفيذ القرار الإداري محل الطعن بالإلغاء يقوم في كل حالة يؤدي تنفيذ هذا القرار فيها في الفترة ما بين الطعن بإلغائه والفصل في الدعوى إلي نتائج قد يتعذر تداركها فيما لو قضي بإلغاء القرار، بمعنى أنه لن يتسنى للحكم الصادر بالإلغاء إعمال أثره في إعادة الحال إلى ما كان عليه قبل صدور القرار المقضي بإلغائه.

وتكمن أهمية شرط الاستعجال في تقرير القضاء رفض كل طلب بوقف التنفيذ لا يتوافر فيه شرط الاستعجال، وتأكيداً لأهمية هذا الشرط فقد حظر المشرع السوري في المادة (21) من قانون مجلس الدولة السوري رقم /21/ لعام 1959 طلب وقف تنفيذ طائفة من القرارات الإدارية قبل التظلم منها معللاً ذلك بانتفاء قرينة الاستعجال بخصوص هذه القرارات.

والتعذر المقصود في توافر شرط الاستعجال يتحدد من خلال وقته، وهو صدور الحكم بإلغاء القرار، ذلك أن مقتضى الإلغاء أن يعدّ القرار كأن لم يكن من لحظة صدوره فيعود بالتبع ما كان إلى ما كان، وانتفاء إمكانية إعادة الحال إلى ما كانت عليه تنفيذاً لحكم الإلغاء هو بالتحديد ما يتعذر تداركه ويستلزم التوقي من حدوثه بطريق وقف التنفيذ المؤقت.

كما يتحدد التعذر المقصود في توافر شرط الاستعجال من خلال معناه ونطاقه وذلك من خلال تعذر إمكانية الإصلاح العيني أو تعذر الإصلاح بطريق المقابل المادي، فتعذر الإصلاح العيني يكون من خلال استحالة إعادة الحال إلى ما كان عليه عند صدور القرار من النوع والجنس نفسه، كما هو الحال مثلاً في حالة سحب أو إلغاء الترخيص في حمل السلاح إذا كان من شأنه أن يعرض حياة المرخص له طالب وقف التنفيذ لخطر عدم إمكان الدفاع الشرعي عن نفسه، أو تعذر إصلاح النتائج قانوناً، كما في حالة قرار الحرمان من دخول الامتحان، وتعذر الإصلاح المادي يكون قائماً في حالة عجز المال عن إصلاح النتائج المترتبة على تنفيذ القرار، بمعنى أنه لا يكون هناك تعذر ومن ثم لا استعجال عندما يكفي المال لتعويض آثار التنفيذ فيما لو ألغي القرار المطعون فيه أو عندما تكون الآثار الناجمة عن تنفيذ القرار هي آثار مادية محضة، على أن يراعى هنا أن التعويض المالي كمانع من الوقف لا يعني مجرد إمكانية، إذ هو من حيث المبدأ موجود في أي حال يتعذر الإصلاح فيها عيناً، فالتعويض المالي لا يكفي مثلاً في مخاطر هدم الآثار التاريخية، وفي حال الذكريات الشخصية، وكذلك في حالة الأضرار الناجمة عن الأبنية المخالفة، وكذلك في حال المساس بالحريات والحقوق الأساسية للمواطن، ففي هذا الإطار حتى الأضرار المادية يمكن أن يشملها مفهوم التعذر في نطاقه ومعناه.

والتعذر المقصود في توافر شرط الاستعجال لا يشترط أن يصل إلى درجة الاستحالة، بمعنى أن يكون هناك استحالة في الإصلاح العيني أو المادي لنتائج تنفيذ القرار المطلوب وقف تنفيذه وإلغاؤه، وهذا ثابت من خلال إضافة المشرع لكلمة (قد) في المادة (21) من قانون مجلس الدولة المصري رقم /55/ لعام 1959، وهذا النص يؤكد أن المشرع إنما اشترط لقبول شرط الاستعجال أن تكون هناك صعوبة في الإصلاح العيني ومن ثم المادي لنتائج تنفيذ القرار المطلوب إلغاؤه ووقف تنفيذه، وترك للقاضي تقدير هذه الصعوبة حسب ظروف كل دعوى ووقائعها.

وبطبيعة الحال فإن زوال النتائج التي يتعذر تداركها في أثناء الفصل في الطلب أو تنفيذ القرار المطعون فيه، يترتب عليه رفض طلب وقف التنفيذ لعدم توافر ركن الاستعجال، إذ يشترط أن يكون لوقف التنفيذ فائدة عملية، ذلك أن طلب وقف التنفيذ يستهدف غاية توقي النتائج التي يتعذر تداركها فيما لو نفذ القرار الإداري قبل أن يقول القضاء الإداري كلمته فيه، لذلك يشترط لقبول طلب وقف التنفيذ أن تكون الإدارة لم تنفذ قرارها بعد، فإذا نفذته لم يعد الطلب ذا موضوع ويتعين رفضه موضوعاً.

وأخيراً، فإنه يتعين عدم الخلط بين الدعاوى التي تنظر على وجه السرعة وحالة استعجال الدعوى والدعوى المستعجلة، فالدعاوى التي تنظر على وجه السرعة وحالة استعجال الدعاوى هي دعاوى موضوعية يرغب المشرع أو الأفراد في حث القضاء على سرعة الفصل فيها بحكم نهائي، على خلاف الدعاوى المستعجلة التي يكون الهدف منها الحصول على إجراء مؤقت لحين الفصل في موضوع الحق بحكم نهائي.

ب ـ جدية الطلب (الأسباب الجدية، عدم المشروعية):

لا يكفي للحكم بوقف تنفيذ القرار الإداري المطلوب وقف تنفيذه وإلغاؤه أن يكون تنفيذ هذا القرار من شأنه أن يرتب نتائج قد يتعذر تداركها، بل يشرط إضافة إلى ذلك أن يكون الطلب بوقف التنفيذ مشروعاً، وذلك بأن تكون الأسباب التي أسس عليها طالب الإلغاء دعوى الإلغاء من الجدية بمكان بحيث ترجح احتمال الحكم بإلغاء القرار الإداري.

فشرط المشروعية أو الأسباب الجدية Moyens sérieux التي يستند إليها طلب الإلغاء هي الشرط الثالث من شروط الحكم بوقف تنفيذ القرار الإداري المطلوب إلغاؤه بعد الشرط الشكلي وشرط الاستعجال، وهو الشرط الموضوعي الثاني بعد شرط الاستعجال.

وهو شرط قضائي ابتدعه مجلس الدولة السوري أسوة بمجلس الدولة الفرنسي والمصري بقضائه المتواتر على تطلبه شرطاً موضوعياً للحكم بوقف التنفيذ على خلاف شرطيه الآخرين المتمثلين في ضرورة تضمين طلب وقف تنفيذ القرار الإداري في صحيفة دعوى الإلغاء وشرط الاستعجال؛ إذ تطلبهما المشرع صراحة لقبول طلب وقف التنفيذ في المادة (21) من قانون مجلس الدولة المصري رقم /55/ لعام 1959. واكتفى المشرع السوري في المادة (21) من قانون مجلس الدولة السوري بالنص على شرط الاستعجال (الضرر المتعذر رأبه أو ترتب نتائج قد يتعذر تداركها) دون شرط المشروعية (جدية الطلب) التي تركها لتقدير القضاء الإداري الذي استقر اجتهاده منذ باكورة أحكامه على اشتراط جدية الطلب شرطاً لقبول الحكم بوقف تنفيذ القرار الإداري المطلوب وقف تنفيذه.

ويقصد بشرط جدية الطلب (الأسباب الجدية، مشروعية الطلب) أن يؤسس المدعي دعواه على أسباب قوية توحي لأول وهلة باحتمال إلغاء القرار المطلوب إيقافه، وألا يكون المقصود من الطلب مجرد عرقلة نشاط الإدارة بإيراد أدلة ضعيفة واهية لا تصلح سبباً للإيقاف وإنما يراد بها استخدام طريق قانوني ولو بغير حق وعلى غير أساس للمشاغبة على الإدارة ومحاولة مضايقتها والتنديد بتصرفاتها. ولهذا يجب أن يكون إدعاء طالب الوقف في هذا الشأن قائماً ـ بحسب الظاهر ـ على أسباب جدية تبرره، بمعنى أن يكون هناك احتمال لأحقية المدعي فيما يطلبه من حيث الموضوع ـ أي إلغاء القرار الإداري ـ بصرف النظر عما إذا كان هذا الاحتمال قابلاً للتحقق أم لا.

فالأسباب الجدية لطلب وقف التنفيذ والتي تمثل موضوع هذا الشرط يبحث عن مفهومها بصفة أساسية من ناحية القانون لا من ناحية الواقع، فهذه الأسباب تنصرف بالتحديد إلى الأسباب ذاتها التي تقوم عليها دعوى الإلغاء، ولذلك  يجب ألا تكون أسباباً تسويفية عبثية recours fantaisites يقصد بها مجرد المماطلة وإطالة الإجراءات، كما لا يكفي أن تطرح مسألة جديرة بالبحث ويجب على القاضي أن يأخذها بالحسبان لدى فصله في الدعوى الموضوعية، بل يجب فوق ذلك أن يكون بادياً للوهلة الأولى قيامها على أسس قانونية سليمة وعلى الأرجح مؤدية إلى إلغاء القرار المطعون فيه عند الفصل في الدعوى الأصلية، إلا أنه لا يشترط بالأسباب الجدية أن تصل إلى مستوى الأسباب الحاسمة أو القاطعة manifestes أو الصحيحة fondés لدعوى الإلغاء والتي لن يتوصل إليها القاضي إلا بعد فحص متعمق لدعوى الإلغاء ولا يملكه حين نظره لطلب وقف التنفيذ بحسبانه قاضياً للأمور المستعجلة ينحصر اختصاصه في الفحص الظاهري للأوراق.

وبطبيعة الحال، فإن القاضي الإداري هو الذي يقدر مدى توافر الجدية في الأسباب التي أسس عليها الطاعن دعواه بطلب إلغاء القرار الإداري المطلوب وقف تنفيذه بصفة مستعجلة. وإذا كان القاضي وهو في سبيل الفصل في هذا الطلب يتناول الموضوع، فإن نظرته له يجب أن تكون نظرة أولية، بحيث لا يتعرض له إلا بالقدر الذي يسمح له بتكوين رأي في خصوص وقف التنفيذ من دون أن يسبق قاضي الموضوع وينتهي إلى تكوين عقيدة فيه.

وهذا يعني أن القاضي الإداري يبحث في جدية المطاعن الموجهة للقرار الإداري من ظاهر المستندات ومن دون تعمق في بحث ذلك موضوعاً، فهذا هو القدر الكافي للبت في الإجراء الوقتي المطلوب منه وهو وقف التنفيذ، ومحكمة الموضوع هي التي تتعمق في بحث هذه المطاعن.

ولا بد من تأكيد أن قبول طلب وقف تنفيذ القرار الإداري يستلزم حكماً توافر شرطي الاستعجال وجدية الطلب معاً، لأن الارتباط بينهما هو ارتباط لزوم، بمعنى أنه لا يقضى بوقف تنفيذ القرار الإداري إلا إذا اجتمع في طلب الوقف شرطا الاستعجال والجدية معاً، فذلك من مقتضى الطابع الاستثنائي لنظام الوقف الذي يستتبع تضييق نطاقه بقدر الضرورة المستدعية خروجاً على الأصل العام في الأثر غير الواقف للطعن تحقيقاً للتوازن الواجب بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، وهو أيضاً مقتضى لمنطق الأشياء بحسب غاية النظام ووضعه من دعوى الإلغاء لأن تعذر تدارك نتائج تنفيذ القرار المطعون فيه (شرط الاستعجال) المعتد به في تقرير الوقف أساس الخشية منه بالتحديد رجحان زوال هذا القرار (شرط الجدية) واعتباره كأن لم يكن من تاريخ صدوره.

وبناءً على ما تقدم، فإنه لا يغني وجود أحد الشرطين عن وجود الأخر ولا يكفي أي منهما وحده أياً كانت درجته وقوة حجته للقضاء بوقف التنفيذ، بل يجب أن يبحث قاضي وقف التنفيذ الشرطين السابقين ويثبت توافرهما إذا ما أمر بوقف التنفيذ، فإذا تحقق انتفاء أحد الشرطين، انتفى مناط الوقف بغير حاجة إلى البحث في الشرط الأخر.

ولزوم اجتماع الشرطين معاً على هذا النحو لا يجعل لتقدم أيهما على الآخر في القضاء أي أهمية عملية، فلا يعني ذلك تدرجاً في الأهمية، وإن عناه فمن ناحية المدخل المباشر إلى طريق الوقف فقط، ولكن في النهاية لا انعكاس للتقدم أو التأخر على درجة أهمية كل من الشرطين، ولا أهمية عملية للترتيب ما دام الوقف لا يمكن أن يقرر إلا بكليهما معاً.

وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن مجلس الدولة السوري منذ أحكامه الأولى اتبع سياسية قضائية في مجال وقف التنفيذ تقوم على عدم تسبيب أو تعليل الحكم الصادر بوقف التنفيذ إلا في حالات نادرة جداً وبتسبيب مقتضب جداً في مثل هذه الحالات، إذ تكتفي محكمة القضاء الإداري السورية عند تقديرها قبول طلب وقف التنفيذ بتعليل الحكم باستخدام الصيغة التقليدية التالية: "إن المحكمة بما لها من حق التقدير بموجب القانون وجدت دون مساس بأساس الدعوى أن شرطي وقف التنفيذ، وهما جدية الطلب وترتب نتائج يتعذر تداركها عن تنفيذ التدبير المشكو منه، متوافران بالطلب" أو (غير متوافرين) عند رفض الطلب.

وقد أيدت المحكمة الإدارية العليا السورية محكمة القضاء الإداري في سياستها هذه إذ تكتفي في حالة تأكيدها للقرار الصادر عن محكمة القضاء الإداري بخصوص وقف التنفيذ بتصديق قرار وقف التنفيذ المطعون فيه أمامها بعد رفض الطعن بقرار صادر عن دائرة فحص الطعون لدى المحكمة الإدارية العليا، وفي حال مخالفتها للقرار الصادر عن محكمة القضاء الإداري بخصوص وقف التنفيذ فإنها تتبنى الصيغة التقليدية التالية: "إن المحكمة الإدارية العليا بما لها من حق الرقابة القانونية على الأحكام الصادرة بالدرجة الأولى وجدت أن طلب وقف تنفيذ القرار… غير مستوفٍ (أو مستوفٍ) للشرطين الواجب توافرهما وهما جدية الطلب وترتب نتائج يتعذر تداركها خلافاً لما قدرته محكمة الدرجة الأولى".

وفي الحقيقة إن سياسة محكمة القضاء الإداري السورية والمحكمة الإدارية العليا السورية بعدم تسبيب وتعليل الأحكام الصادرة بوقف تنفيذ القرارات الإدارية حالت دون إمكانية تحديد واستخلاص المفهوم القضائي لمجلس الدولة السوري بخصوص تحديد مفهوم شرط الاستعجال وكيفية تطبيقه على القرارات الإدارية والمبادئ والأسس التي يعتمدها في تقرير توافر شرط الاستعجال من عدمه، كما حالت أيضاً دون تحديد المفهوم القضائي لمجلس الدولة السوري بخصوص شرط جدية طلب وقف التنفيذ وكيفية استخلاصه وتحديد مفهوم ترجيح الإلغاء من عدمه، وذلك بخلاف سياسة مجلس الدولة الفرنسي والمصري في هذا الخصوص، إذ يقوم مجلس الدولة في كل من فرنسا ومصر بتسبيب الحكم الصادر بوقف التنفيذ سواء أكان صادراً بقبول طلب وقف التنفيذ أم برفضه مبيناً موقفه من توافر شرطي طلب وقف التنفيذ الموضوعيين في كل دعوى على حدة في ضوء المبادئ التي أرساها مجلس الدولة في فرنسا ومصر بخصوص شروط الحكم بوقف تنفيذ القرارات الإدارية بحيث جاءت هذه المبادئ كثمرة لالتزام مجلس الدولة الفرنسي والمصري بتسبيب الأحكام الصادرة بوقف التنفيذ، ولا يخفى ما لهذه السياسة القضائية من فائدة تكمن في الحد من طلبات وقف تنفيذ القرارات الإدارية على الرغم من مشروعيتها الظاهرة لما في ذلك من تأثير سلبي في فاعلية نشاط الإدارة حال ممارستها بواسطة هذه القرارات هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية، فإن سياسة مجلس الدولة السوري بعدم تسبيب وتعليل الأحكام الصادرة بخصوص وقف تنفيذ القرارات الإدارية من شأنها أن تبطل هذه الأحكام لمخالفتها لنص المادة (204) من قانون أصول المحاكمات المدنية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم /84/ لعام 1959 والتي تنص على أنه: "يجب أن تكون الأحكام مشتملة على الأسباب التي بنيت عليها والرد على جميع الدفوع التي أثارها الخصوم تحت طائلة الطعن بها".

ثالثا ًـ أنواع وقف التنفيذ:

إن استقراء أحكام مجلس الدولة السوري بخصوص وقف تنفيذ القرارات الإدارية، تظهر أن هذا المجلس ابتدع في السنوات القليلة الأخيرة أنظمة واتجاهات جديدة لوقف تنفيذ القرارات الإدارية مشتقة من طلب وقف التنفيذ العادي، بحيث يجب أن تتوافر في هذه الأنظمة شروط طلب وقف التنفيذ العادي الشكلية والموضوعية على أن الاختلاف يكمن غالباً في الآثار المترتبة على هذه الأنظمة والاتجاهات الحديثة بحيث تقتصر آثارها على بعض آثار وقف تنفيذ القرار الإداري العادي، وهذه الأنظمة والاتجاهات الحديثة لوقف تنفيذ القرارات الإدارية يمكن تحديدها بما يلي:

1ـ وقف التنفيذ المؤقت:

يشترط لإعمال أحكام نظام وقف التنفيذ المؤقت شروط وقف التنفيذ العادي الشكلية والموضوعية نفسها، كما يعدّ الحكم الصادر بوقف التنفيذ المؤقت شأنه شأن الحكم الصادر بوقف تنفيذ القرار الإداري العادي حكماً قضائياً قطعياً ومؤقتاً. إلا أن أثر الحكم الصادر بوقف التنفيذ المؤقت ينتهي بانتهاء المهلة المحددة بقرار وقف التنفيذ المؤقت، وذلك بخلاف وقف التنفيذ العادي الذي ينتهي اعتباراً من تاريخ الحكم في موضوع الدعوى بصورة نهائية، كما يترتب على الحكم الصادر بوقف تنفيذ القرار الإداري مؤقتاً ـ بخلاف وقف التنفيذ العاديـ أن يبقى الحال على ما هو عليه حتى انتهاء مدته المحددة بالحكم الصادر بوقف التنفيذ المؤقت ما لم يتم تجديده لمدد أخرى.

وترجع أسباب ظهور نظام وقف التنفيذ المؤقت إلى أن خصوصية طلب وقف تنفيذ القرار الإداري كطلب مستعجل تقتضي من القاضي الإداري أن يتعرض لموضوع مشروعية القرار الإداري المطلوب وقف تنفيذه بنظرة أولية بحيث لا يتعرض لموضوع النزاع إلا بالقدر الذي يسمح له بتكوين رأي في خصوص وقف التنفيذ ويكون ذلك بتحسس ظاهر المستندات من أوراق الملف بالقدر اللازم للحكم بوقف التنفيذ دون المساس بأصل الحق، إلا أن استقراء أحكام مجلس الدولة بهذا الخصوص ـ تظهر أن بعض القرارات الإدارية المطلوب وقف تنفيذها وإلغاؤها ذات خصوصية، بحيث تكون عملية تحسس ظاهر المستندات من قبل القاضي الإداري في معرض دراسته الأولية للقضية لتكوين قناعة أولية لديه كافية لترجيح مشروعية القرار من عدمه تمهيداً للبت في وقف التنفيذ من عدمه ـ تكون متعذرة بسبب خصوصية هذه النوعية من القرارات، وهذه الخصوصية تتجلى في أن تقدير ترجيح مشروعية القرار من عدمها تستلزم الإلمام بأمور فنية يتعذر على القاضي الإداري معرفتها من دون إجراء الكشف والاستعانة بأصحاب الخبرات الفنية، ومن ثم إجراء كشف وخبرة فنية من خلال نتيجتها يستطيع ترجيح مشروعية القرار من عدمها ومن ثم إمكانية البت في وقف التنفيذ العادي، بحيث يكون الدافع وراء الحكم بوقف التنفيذ المؤقت هو استظهار مدى قانونية بعض الأمور الفنية التي يتعذر على الخصوم والقضاء معاً معرفتها من دون الاستعانة بأهل الخبرة الفنية، ومن دون هذه المعرفة يتعذر الفصل في طلب وقف تنفيذ القرار الإداري.

كما تظهر أحكام مجلس الدولة السوري بخصوص وقف التنفيذ المؤقت، أن المجال الرحب لتطبيق وقف التنفيذ المؤقت يتعلق بالقرارات الإدارية التي محلها منح الرخص أو الامتناع عن منحها أو سحبها أو إلغاؤها أو إيقافها والمخالفات المتعلقة بهذه الرخص والتعويض عنها دون تنفيذها، مع إمكانية تطبيق أحكام هذا النظام على نطاق ضيق على الأنواع الأخرى للقرارات الإدارية.

أما عن سبب الحكم بوقف تنفيذ القرار الإداري المطلوب وقف تنفيذه وإلغاؤه مؤقتاً، فهو تقرير إجراء كشف وخبرة فنية (لتقصي مدى قابلية المخالفة موضوع الدعوى للتسوية، أو لتقصي مدى قانونية الترخيص، أو مدى حاجة المحلات إلى الترخيص في ضوء القوانين والأنظمة النافذة).

أما عن مدة وقف التنفيذ المؤقت فهي قصيرة نسبياً تحدد عادة بمدة شهرين، (أو شهر واحد فقط، أو ثلاثة أشهر، أو أربعة أشهر، وأحياناً لمدة ستة أشهر، أو لحين انتهاء العام الدراسي)، مع إمكانية تمديد هذه المدة أكثر من مرة لأسباب مختلفة (لحين ورود تقرير الخبرة الفنية، أو لاستكمال إجراءات الخبرة، أو لحين ورود جواب الإدارة على الدعوى أو على الخبرة أو على مذكرة المدعي، أو ليتسنى للمدعي الرد على تقرير الخبرة، أو ليتسنى للأطراف الرد على تقرير الخبرة، أو لإجراء الخبرة الثلاثية، أو لاستكمال إجراء الخبرة الثلاثية، أو لاستيضاح الخبير الذي نهض بمهمة الخبرة حول تقرير الخبرة المقدم من قبله وتقديم تقرير تكميلي)، وذلك إلى حين إتمام الإجراء الذي تستكمل من خلاله المحكمة قناعتها بما يؤهلها لتقرير وقف تنفيذ القرار الإداري المطلوب وقف تنفيذه وإلغاؤه وقفاً عادياً أو رفضه.

2ـ وقف التنفيذ الجزئي:

يمثل نظام وقف التنفيذ الجزئي شأنه شأن نظام وقف التنفيذ المؤقت أحد الاتجاهات الحديثة لمجلس الدولة السوري في نطاق الطلب المستعجل المتعلق بوقف تنفيذ القرارات الإدارية، وبمقتضاه فإن المحكمة المختصة بنظر طلب وقف التنفيذ تقرر في حال قبول الطلب، وقف تنفيذ بعض آثار القرار الإداري المطلوب وقف تنفيذه وإلغاؤه لا كل ما يترتب عليه من آثار.

ويخضع نظام وقف التنفيذ الجزئي أيضاً للشروط الشكلية والموضوعية لنظام وقف التنفيذ المؤقت أو العادي، كما يعدّ الحكم الصادر بوقف التنفيذ الجزئي شأنه أيضا شأن الحكم الصادر بوقف تنفيذ القرار الإداري العادي أو المؤقت حكماً قضائياً قطعياً ومؤقتاً.

ويلاحظ من استقراء الاجتهاد القضائي لمجلس الدولة السوري المتعلق بوقف التنفيذ الجزئي، أن محكمة القضاء الإداري قد استحدثت حالتين لوقف التنفيذ الجزئي:

الحالة الأولى: تقرر فيها محكمة القضاء الإداري وقف تنفيذ القرار الإداري المشكو منه جزئياً ومؤقتاً لمدة محددة، تحدد غالباً بمدة شهرين، مع إمكانية تمديد هذا الوقف الجزئي والمؤقت للقرار الإداري المطلوب وقف تنفيذه وإلغاؤه لمدد أخرى ولأسباب مختلفة (كإجراء الكشف والخبرة الفنية، أو لورود جواب الأطراف على الخبرة، أو لورود جواب الإدارة).

أي إن وقف التنفيذ الجزئي يكون في هذه الحالة مقترناً ومتلازماً مع وقف التنفيذ المؤقت، ويكون مؤقتاً ومحدداً بمدة محددة قصيرة نسبياً ومعلقاً على نتيجة الخبرة في نهاية المطاف، بحيث لا يستمر إلى حين البت في أساس النزاع بقرار مبرم كما هو الحال في وقف التنفيذ العادي.

وفي هذه الحالة فإن أثر الحكم الصادر بوقف تنفيذ القرار الإداري المشكو منه جزئياً لمدة محددة يتماثل مع الحكم الصادر بوقف تنفيذ القرار الإداري مؤقتاً لمدة محددة، وذلك من حيث استمرار أثره في هذه الحالة إلى حين انتهاء المدة المحددة بالحكم الصادر بوقف التنفيذ الجزئي للقرار الإداري المطلوب إلغاؤه.

الحالة الثانية: تقرر فيها محكمة القضاء الإداري وقف تنفيذ القرار الإداري المشكو منه جزئياً ومؤقتاً بحيث يستمر هذا الوقف الجزئي إلى حين البت في أساس النزاع بقرار مبرم، أي إن وقف التنفيذ الجزئي يحل في هذه الحالة محل وقف التنفيذ العادي المنصوص عليه في الفقرة الأولى من المادة (21) من قانون مجلس الدولة السوري رقم /55/ لعام 1959، وغالباً ما تقرر محكمة القضاء الإداري هذه الحالة من الوقف الجزئي للقرار المطلوب إلغاؤه في ضوء نتيجة الخبرة الفنية التي تكون قد أجرتها وبعد مناقشة الأطراف لها، وبعد أن تكون قد أوقفت تنفيذ القرار المشكو منه جزئياً ومؤقتاً لمدة محددة.

وفي هذه الحالة يتماثل الحكم الصادر بوقف تنفيذ القرار الإداري المشكو منه جزئياً مع الحكم الصادر بوقف التنفيذ العادي من حيث استمرار أثره إلى حين البت في أساس النزاع بقرار مبرم، إما بإلغاء القرار المطعون فيه وما ترتب عليه من آثار، وإما برفض إلغاء القرار المطعون فيه، ومن ثم إلغاء مفعول قرار وقف التنفيذ الجزئي من تاريخه.

إلا أنه يختلف عن الحكم الصادر بوقف التنفيذ العادي والحكم الصادر بوقف التنفيذ المؤقت، في أن آثار هذا الحكم تقتصر على بعض آثار القرار الإداري المطلوب وقف تنفيذه وإلغاؤه، وذلك بخلاف الحكم الصادر بوقف التنفيذ العادي أو المؤقت والذي تشمل آثاره في هذه الأحوال جميع الآثار المترتبة على القرار الإداري المطلوب وقف تنفيذه وإلغاؤه.

كما يلاحظ من خلال استقراء أحكام مجلس الدولة السوري ـ ولاسيما أحكام محكمة القضاء الإداري ـ في هذا الخصوص، أن المجال الخصب لتطبيق وقف التنفيذ الجزئي يتعلق بالقرارات الإدارية التي يكون محلها المطالبة بمبلغ (كالقرارات الإدارية التي يكون محلها المطالبة بمبلغ ناجم عن التكليف بضريبة من الضرائب أو رسم أو غرامة أو المطالبة بفروق أسعار التنفيذ على حساب المتعهدين، أو القرارات الإدارية التي يكون محلها حسم جزء من استحقاقات المتعاقدين مع الإدارة، أو الحجز على جميع أموالهم المنقولة وغير المنقولة).

وتظهر وقائع الدعاوى أن سبب وقف تنفيذ القرار الإداري المشكو منه جزئياً ومؤقتاً لمدة محددة إلى حين إجراء الخبرة الفنية، يعود إلى أن بعض القرارات الإدارية يكون محلها أو جزء من هذا المحل المطالبة بمبلغ مالي ناجم عن رسم أو غرامة أو ضريبة أو بدل إيجار أو أجر مثل الخ، وأن محكمة القضاء الإداري لا تستطيع التأكد من صحة ودقة المبلغ المطالب به إلا بعد إجراء خبرة فنية غالباً ما تكون حسابية، فإذا ما تبين للمحكمة بنتيجة الخبرة الفنية أن المبلغ المطالب به بالقرار الإداري المطلوب وقف تنفيذه وإلغاؤه صحيح قررت رفض وقف تنفيذ القرار، أما إذا تبين لها أن المبلغ المطالب به في جزء منه مخالف للقانون قررت وقف تنفيذ القرار الإداري المشكو منه جزئياً في حدود هذا الجزء المخالف للقانون حتى البت في أساس النزاع بقرار مبرم، في حين تقرر وقف تنفيذ القرار الإداري المشكو منه إذا تبين لها بنتيجة الخبرة الفنية عدم دقة وصحة المبلغ المطالب به بالكامل.

وأخيراً فإنه يترتب على الحكم الصادر بوقف تنفيذ القرار المشكو منه جزئياً آثار تختلف باختلاف الحالة التي يصدر فيها القرار وباختلاف طبيعة القرار المطلوب إلغاؤه.

ففي حالة صدور حكم بوقف تنفيذ القرار الإداري المشكو منه جزئياً ومؤقتا لمدة محددة، فإن آثار هذا الحكم تقتصر على جزء المبلغ المحدد بحكم وقف التنفيذ الجزئي وللمدة المحددة فيه مع إمكانية تمديد هذا الوقف استناداً إلى نظام وقف التنفيذ المؤقت.

أما في حالة صدور الحكم بوقف تنفيذ القرار الإداري المشكو منه جزئياً حتى البت في أساس النزاع بقرار مبرم، فإن آثار هذا الحكم تقتصر على جزء المبلغ المحدد بحكم وقف التنفيذ الجزئي حتى البت في أساس النزاع بقرار مبرم.

وفي الحالتين السابقتين فإن آثار الحكم الصادر بوقف التنفيذ الجزئي تقتصر على بعض الآثار المالية للقرار الإداري المطلوب وقف تنفيذه وإلغاؤه،

 وإذا كان الغالب بحسب اجتهاد مجلس الدولة السوري أن يصدر حكم وقف التنفيذ الجزئي بخصوص القرارات الإدارية التي يكون محلها المطالبة بمبلغ مالي ناجم عن ضريبة أو رسم أو غرامة أو نفقات ورواتب الإيفاد أو تنفيذ عقد، كما في الحالتين السابقتين، إلا أن بعض أحكام وقف التنفيذ الجزئي بخصوص بعض القرارات تشمل جميع الآثار المالية المترتبة على القرار المطلوب إلغاؤه دون بقية الآثار الأخرى للقرار الإداري المشكو منه، كما هو الحال في أحكام وقف التنفيذ الجزئي لقرارات سحب الأعمال من المتعهدين مع مطالبتهم بفروق أسعار التنفيذ على حسابهم، بحيث يصدر حكم وقف التنفيذ الجزئي في هذه الحالة متضمناً رفض طلب وقف تنفيذ قرار سحب الأعمال من المتعهد مع تأخير مطالبته بفروق أسعار التنفيذ على حسابه، ويبدو جلياً من هذا الاتجاه لمحكمة القضاء الإداري أنها تريد التوفيق بين مصلحتين متعارضتين هما المصلحة العامة التي تمثلها الإدارة والمصلحة الخاصة للمتعهدين، فمن جهة أولى، هي ترفض وقف تنفيذ قرار سحب الأعمال من المتعهد بحيث تبقي الباب مفتوحاً أمام الإدارة لإعادة التعاقد مع متعهد آخر لإنجاز المرفق العام أو تسييره أو إدارته بما يحقق المصلحة العامة، ومن جهة أخرى، تؤخر مطالبة المتعهد الذي سحبت الأعمال منه بفروق أسعار التنفيذ حتى البت في أساس النزاع بقرار مبرم يكون عنوان الحقيقة وبالتالي يحقق مصلحة المتعهد الخاصة.

كما قد يشمل الحكم الصادر بوقف التنفيذ الجزئي الآثار الأخرى للقرار الإداري المطلوب وقف تنفيذه وإلغاؤه دون الآثار المالية له، كما هو الحال في القرارات الإدارية التي يكون محلها مثلاً طلب أجر مثل إشغال العقار ونزع اليد عن العقار، وذلك بأن تقرر محكمة القضاء الإداري وقف تنفيذ القرار الإداري المشكو منه جزئياً فيما يتعلق بنزع اليد عن العقار دون الأثر المالي للقرار المتعلق بالمطالبة بأجر مثل إشغال العقار.

وأحياناً قد لا يكون للقرار المطلوب وقف تنفيذه وإلغاؤه آثارٌ مالية، ومع ذلك قد تقرر المحكمة وقف تنفيذ بعض آثاره جزئياً، كأن يكون القرار المطلوب وقف تنفيذه وإلغاؤه صادراً بهدم المخالفة وإزالة السياج الخارجي والتحويل من سكني إلى تجاري وتقرر المحكمة وقف تنفيذه جزئياً لجهة أثر الهدم دون بقية الآثار.

3ـ وقف التنفيذ المعلق على شرط:

يمثل نظام وقف تنفيذ القرارات الإدارية المعلق على شرط آخر الاتجاهات الحديثة لمجلس الدولة السوري في نطاق الطلب المستعجل بوقف تنفيذ القرارات الإدارية. وبمقتضاه فإن المحكمة المختصة بنظر طلب وقف التنفيذ تعلق في حال قبول الطلب، وقف تنفيذ القرار الإداري المشكو منه على تنفيذ المدعي للشرط أو الشروط التي تراها المحكمة ضرورية ولازمة لتنفيذ الحكم الصادر بوقف التنفيذ.

ويخضع نظام وقف تنفيذ القرارات الإدارية المعلق على شرط أيضاً للشروط الشكلية والموضوعية نفسها لنظام وقف التنفيذ المؤقت أو الجزئي أو العادي. كما يعدّ الحكم الصادر بوقف التنفيذ المعلق شأنه أيضاً شأن الحكم الصادر بوقف تنفيذ القرار الإداري العادي أو الجزئي حكماً قضائياً قطعياً ومؤقتاً، كما يترتب على الحكم الصادر بوقف التنفيذ المعلق على شرط آثار هي في الواقع الآثار نفسها المترتبة على الحكم الصادر بوقف التنفيذ العادي، مع فارق وحيد يتحدد في أن آثار هذا الحكم لا تسري إلا بعد تنفيذ المدعي طالب وقف التنفيذ والإلغاء الاشتراطات المذكورة بالحكم.

ونظام وقف التنفيذ المعلق على شرط يجد أساسه القانوني في القواعد العامة لوقف تنفيذ القرارات الإدارية العادي المنصوص عليها في المادة (21) من قانون مجلس الدولة السوري رقم /55/ لعام 1959، إذ ليس في هذا النص ما يقيد سلطة المحكمة في هذا الخصوص.

وأخيراً فإن استقراء الاجتهاد القضائي لمجلس الدولة السوري المتعلق بوقف تنفيذ القرار الإداري المعلق على شرط يظهر أن محكمة القضاء الإداري تقرر غالباً تطبيق مفاعيل هذا النظام بمناسبة ثلاث طوائف من القرارات الإدارية:

الطائفة الأولى: هي طائفة القرارات الإدارية التي يكون محلها منع مغادرة الشخص المخاطب بها إلى خارج سورية، وذلك بسبب انشغال ذمته بمبلغ مالي مترتب لمصلحة إحدى وزارات الدولة أو إداراتها (كالقرار الإداري الصادر بمنع مغادرة الشخص إلى خارج سورية لإخلاله بشروط عقد الإيفاد وترتب دين في ذمته لمصلحة الإدارة الموفدة ناجم عن نفقات ورواتب الإيفاد).

إذ تقرر محكمة القضاء الإداري في هذه الحالة وقف تنفيذ قرار منع المغادرة إلى خارج سورية بشرط تقديم المدعي (طالب وقف تنفيذ القرار الإداري الصادر بمنع مغادرته خارج سورية وإلغائه) كفالة تقبل بها الإدارة، أو كفالة تفي أو تعادل المبلغ المترتب في ذمته لمصلحة الإدارة.

الطائفة الثانية: هي طائفة القرارات الإدارية التي يكون موضوعها إغلاق المنشأة الصناعية أو المحل التجاري أو المكتب المهني لمخالفة صاحب الترخيص لشروط الترخيص الممنوح له، أو عدم وجود هذا الترخيص أصلاً.

الطائفة الثالثة: هي طائفة القرارات الإدارية التي يكون محلها تحصيل قيمة الكفالات النهائية المقدمة من المتعاقدين مع الإدارة كتأمينات نهائية للعقود المبرمة بين الإدارة والمتعهدين (كالقرار الإداري الصادر بتحويل قيمة الكفالات النهائية إلى حساب أمانات جامعة دمشق، أو إلى حساب الإدارة المتعاقدة مع المتعهد).

تقرر المحكمة في هذه الحالة وقف تنفيذ تحصيل قيمة الكفالة موضوع الدعوى وإبقاءها محجوزة تحت يد المصرف إلى حين الفصل في أساس النزاع بشرط قيام المدعي بدفع العمولات المترتبة على هذه الكفالات وتمديد صلاحية الكفالات بصورة دائمة لمصلحة الإدارة المدعى عليها.

وتجدر الإشارة أخيراً إلى أن محكمة القضاء الإداري قد تقرر أحياناً الاستعانة بنظام وقف التنفيذ المؤقت لإجراء الكشف والخبرة الفنية مع إمكانية تمديد وقف التنفيذ المؤقت، وذلك كخطوة أولى قبل أن تقرر وقف تنفيذ القرار الإداري المطلوب إلغاؤه وفقاً لنظام وقف التنفيذ المعلق على شرط.

رابعاً ـ آثار وقف التنفيذ:

بعد أن تقوم المحكمة المختصة بنظر طلب وقف تنفيذ القرار الإداري المطلوب إلغاؤه، بتفحص الشروط الشكلية والموضوعية الواجب توافرها في طلب وقف التنفيذ فإنها تفصل بطلب وقف التنفيذ بصورة حكم قضائي بالمعنى الدقيق للكلمة، لأنه يتمتع بجميع خصائص الأحكام، وأهمها إمكانية الطعن فيه مستقلاً، كما أنه حكم قطعي لأنه يفصل في خصومة بين طرفين، ويتم الفصل في هذه الخصومة في مواجهة الأطراف، كما يتمتع هذا الحكم بحجية الشيء المحكوم فيه حيال ما فصلت فيه المحكمة من مسائل فرعية قبل البت في موضوع الطلب (كالمسائل الشكلية والمسائل الفرعية)، إلا أن هذه الحجية هي بنفس الوقت حجية مؤقتة لأنها لا تقيد المحكمة عند نظر أصل طلب الإلغاء، كما أن أثرها ينتهي بمجرد صدور حكم في موضوع دعوى الإلغاء، ويترتب على صدور الحكم بطلب وقف التنفيذ آثار أهمها:

1ـ إمكانية الطعن استقلالاً في الحكم الصادر في طلب وقف التنفيذ:

كشأن أي حكم قضائي، يمكن الطعن في الحكم الصادر في طلب الوقف استقلالاً، ويتحصل أساس هذه القاعدة في أنه ما دام الحكم الصادر في طلب وقف التنفيذ يتمتع بخصائص ومقومات سائر الأحكام، فهو بالتبع جائز الطعن فيه كسائرها واستقلالاً عن الحكم الصادر في طلب الإلغاء.

وبناءً على ذلك يكون الطعن استقلالاً بالحكم الصادر في طلب وقف التنفيذ جائزاً من دون انتظار لما تقضي به المحكمة في موضوع طلب الإلغاء، إذ لا جدوى من الربط بين الطعن في الحكم الصادر بوقف التنفيذ وبين الطعن في الحكم الصادر في طلب الإلغاء، لأن القول بلزوم انتظار الحكم في دعوى الإلغاء هو (لزوم ما لا يلزم)، فضلاً عما ينطوي عليه من مجافاة لطبائع الأشياء في أمر المفروض فيه أنه مستعجل بطبيعته، تتعرض فيه مصالح ذوي الشأن للخطر، ويخشى عليه من فوات الوقت، هذا من جهة.

ومن جهة ثانية، فإنه لا جدوى أيضاً من الانتظار إلى حين صدور حكم في موضوع طلب الإلغاء لإمكانية الطعن في الحكم الصادر في طلب وقف التنفيذ، لأن حكم الوقف بطبيعته حكم مؤقت، يزول ويغدو لا محل له حالما يصدر الحكم في موضوع طلب الإلغاء، مما يعني أن انتظار الطعن في حكم الوقف إلى حين صدور الحكم في موضوع طلب الإلغاء يعد عديم الجدوى، لأن الطعن في هذه الحالة سيكون وارداً على غير ذي محل، وهكذا ينعدم الطعن لانعدام محله.

والطعن في الحكم الصادر في طلب وقف التنفيذ يقدم استقلالاً أمام المحكمة الإدارية العليا طبقاً للقواعد العامة للطعن في الأحكام الإدارية الواردة في قانون مجلس الدولة السوري رقم /55/ لعام 1959، وذلك خلال ميعاد أقصاه ستون يوماً تبدأ من تاريخ صدور الحكم في طلب وقف التنفيذ وذلك إذا كان حكم وقف التنفيذ صادراً عن محكمة القضاء الإداري أو المحاكم التأديبية أو المحكمة الإدارية في مجلس الدولة السوري سنداً لأحكام المادة (15) من قانون مجلس الدولة السوري رقم /55/ لعام 1959، وخلال ثلاثين يوماً تبدأ من اليوم التالي لتاريخ التبليغ في الأحكام الصادرة عن المحاكم البدائية في المحافظات والتي تتولى مهام وصلاحيات المحاكم الإدارية إلى حين تشكيلها (والتي لم تشكل حتى تاريخه) سنداً لأحكام المادة (160) من نظام العاملين الأساسي في الدولة الصادر بالقانون رقم /50/ لعام 2004، وخلال ثلاثين يوماً تبدأ من تاريخ التبليغ في الأحكام الصادرة عن المحاكم المسلكية سنداً لأحكام المادة (22) من القانون رقم/7/ تاريخ 25/2/1990 المتضمن إحداث محاكم مسلكية للعاملين في الدولة.

2ـ التزام الإدارة بتنفيذ الحكم الصادر بوقف التنفيذ:

بعد أن تقوم المحكمة المختصة بنظر طلب وقف تنفيذ القرار الإداري المطلوب إلغاؤه، بتفحص الشروط الشكلية والموضوعية الواجب توافرها في طلب وقف التنفيذ فإنها تقضي:

> إما بتوافر الشروط الشكلية والموضوعية في طلب وقف التنفيذ، ومن ثم وقف تنفيذ القرار الإداري المطلوب إلغاؤه بما يترتب عليه من آثار، وهو ما يعرف بوقف التنفيذ الكلي، أو بوقف تنفيذ بعض آثار القرار الإداري المطلوب إلغاؤه، وهو ما يعرف بوقف التنفيذ الجزئي.

> وإما برفض وقف تنفيذ القرار الإداري محل طلب وقف التنفيذ، وذلك لتخلف الشروط الموضوعية بطلب وقف التنفيذ أو أحدها.

> وإما بعدم قبول طلب وقف التنفيذ لتخلف الشروط الشكلية أو أحدها في طلب وقف التنفيذ أو في طالب وقف التنفيذ.

> وإما بعدم البحث في طلب وقف التنفيذ وذلك لسبق الفصل فيه أو لتنازل المدعي عن طلب وقف التنفيذ أو عن دعوى الإلغاء، أو لأنه أضحى غير ذي موضوع بسبب التنفيذ الكامل للقرار الإداري محل طلب وقف التنفيذ قبل الفصل في طلب الوقف.

والواقع أن الحكم الصادر بقبول طلب وقف تنفيذ القرار الإداري هو الذي يحتاج إلى التنفيذ فقط، وذلك دون الحكم الصادر برفض طلب وقف التنفيذ أو بعدم قبوله أو بعدم البحث فيه. لأن الحكم في هذه الأحوال لا يثير أي مشكلة بخصوص التنفيذ لأنه صادر في كل هذه الأحوال لمصلحة الإدارة، فضلاً عن أن القاعدة العامة في تنفيذ الأحكام تقضي بأن تنفيذ الأحكام لا يرد إلا على الحكم الصادر إيجاباً بالوقف، لأن التنفيذ لا يمكن أن يرد إلا على الأحكام الصادرة بإلزام، بحسبانها تنطوي على قضاء يستلزم تدخل المحكوم عليه لتنفيذ مقتضى الحكم بالقيام بعمل أو الامتناع عنه، وهو ما لا يتحقق إلا في حالة الحكم الصادر بوقف تنفيذ القرار الإداري المطلوب إلغاؤه، أما الحكم الصادر برفض طلب وقف التنفيذ أو عدم قبوله أو البحث فيه فإنه لا يحتاج إلى التنفيذ، ومن ثم لا يحتاج إلى تدخل من المحكوم عليه لتنفيذ مقتضاه كونه لا يحدث في الواقع أي أثر ولا يتضمن الإلزام بالقيام بعمل أو الامتناع عنه، إذ يقتصر أثره على تأكيد قضائي باستمرار تنفيذ القرار الإداري إن كان هذا التنفيذ قد بدأ، أو البدء بتنفيذه إن كان لم يبدأ تنفيذه بعد.

وبناءً على ما تقدم، فإن النطاق الموضوعي لتنفيذ الأحكام الصادرة في طلبات وقف التنفيذ إنما يقتصر على الأحكام الصادرة بوقف تنفيذ القرارات الإدارية دون سواها، لأنها هي الوحيدة التي تتضمن إلزام المحكوم عليه بالقيام بعمل، بحيث يتوجب على الجهة الإدارية أن تلتزم بناءً على الحكم الصادر بوقف تنفيذ قرارها الانصياع للحكم والمبادرة إلى تنفيذه وإعمال مقتضاه بأن تكف فوراً عن موالاة التنفيذ. فإذا استمرت الإدارة في تنفيذ القرار على الرغم من صدور الحكم بوقفه، كان ذلك غصباً يلزمها أشد التعويض، إضافة إلى كونه جريمة جزائية هي الامتناع عن تنفيذ حكم قضائي.

غير أنه على خلاف الحكم الصادر في دعوى الإلغاء والذي يستلزم من الإدارة إعادة الحال إلى ما كان عليه بهدم القرار الإداري المحكوم بإلغائه كأنه لم يكن، وهدم القرارات الإدارية والمراكز القانونية التي ترتبت على صدور ذلك القرار، ثم بناء حالة جديدة على هذا الأساس، فإن الحكم الصادر بوقف تنفيذ القرار الإداري لا يكون له إلا تأثيرات مستقبلية فقط، دون أن يكون له أثر رجعي، وتأكيداً لهذا الأثر المباشر فإن المحكمة المختصة بوقف التنفيذ تقرر عدم البحث في طلب وقف التنفيذ لأنه يغدو غير ذي موضوع في حال تنفيذ القرار الإداري المطلوب وقفه قبل الفصل في طلب وقف التنفيذ.

وإعمالاً للأثر المباشر للحكم الصادر بوقف التنفيذ، فإن التزام الجهة الإدارية بتنفيذ مضمون هذا الحكم يكون على النحو التالي:

> إذا لم يكن التنفيذ قد بدأ بعد، فإن الجهة الإدارية تلتزم بتثبيت الوضع السابق على ما هو عليه، في هذه الحالة يكون القرار الإداري الذي صدر حكم بوقف تنفيذه لم يبدأ بعد من قبل الإدارة لسبب أو لآخر، ولكن ليس بسبب الحكم الصادر بوقف التنفيذ الذي لم يكن قد صدر بعد، والذي يقتصر أثره في هذه الحالة على إلزام الجهة الإدارية بعدم البدء بتنفيذه في لحظة صدوره.

> أما إذا كان تنفيذ القرار قد حصل جزئياً أي لم ينفذ بالكامل، فإن الأثر المباشر والمستقبلي للحكم الصادر بوقف التنفيذ يكون بإلزام المحكوم عليه بالامتناع عن متابعة التنفيذ منذ لحظة صدور الحكم بوقف التنفيذ، بحيث يتعطل التنفيذ جزئياً بمقدار ما لم يتم بعد ومن لحظة صدور حكم الوقف بدون أثر رجعي.

ذلك أنه لا يتسنى بمجرد الحكم بوقف التنفيذ إلزام المحكوم بإعادة الحال إلى ما كان عليه ولم يحسم بعد مشروعية الأساس القانوني الذي قام عليه القرار الإداري الذي صدر الحكم بوقف تنفيذه.

والتزام الجهة الإدارية بإعمال الأثر المباشر للحكم الصادر بوقف التنفيذ يسري على القرارات الإدارية الإيجابية والسلبية على حد سواء:

> فلا يثير التزام الجهة الإدارية بإعمال الأثر المباشر للحكم الصادر بوقف التنفيذ أي صعوبة تذكر بخصوص القرارات الإدارية الإيجابية، مثل قرارات الاعتقال أو التحفظ، إذ يتعين على الجهة الإدارية الإفراج عن المتحفظ عليه أو المعتقل، كما يتوجب عليها إرجاء قرار الإبعاد وإبقاء الطاعن الذي صدر حكم بوقف تنفيذ قرار إبعاده، كما يتوجب عليها السماح بإصدار الصحيفة التي صدر حكم بوقف تنفيذ قرار مصادرتها، كما تلزم بالسماح بدخول الطالب لأداء الامتحان، أي إن الجهة الإدارية تلزم في جميع القرارات الإيجابية بإبقاء الوضع على ما كان عليه قبل صدور القرار المقضي بوقف تنفيذه مؤقتاً حتى يفصل في موضع دعوى الإلغاء.

> في حين يثير التزام الجهة الإدارية بإعمال الأثر المباشر للحكم الصادر بوقف تنفيذ القرار الإداري السلبي الكثير من الصعوبات، إذ من المتصور غالباً أن يكون التزام الإدارة بتنفيذ الحكم الصادر بوقف تنفيذ القرار السلبي هو الهدف الرئيسي الذي يتغياه الطاعن من دعواه، بل قد يحدث أن يكون وقف تنفيذ قرار سلبي معين بمثابة إلغاء نهائي له، كالقرار بالامتناع عن قبول الاستقالة الحكمية، إذ يعني وقف تنفيذه قبول هذه الاستقالة، وكذلك القرار الإداري بمنع مواطن من السفر إذ يعني الحكم بوقف تنفيذه السماح للطاعن بالسفر، أو القرار الصادر بمنع إقامة حفل معين إذ يعني وقف التنفيذ السماح للطاعن بإقامة هذا الحفل.

كما يتحدد النطاق الموضوعي لتنفيذ الأحكام الصادرة في طلبات وقف التنفيذ وفقاً لمنطوقها، بمعنى أن المحكوم ضده يتحدد التزامه بتنفيذ حكم الوقف بما يلزمه به منطوقه دون تجاوزه، فالحكم الصادر بوقف التنفيذ قد يكون كلياً أي شاملاً لجميع آثار القرار الإداري المطعون فيه، وقد يكون جزئياً يقتصر على بعض آثار القرار فقط، وتحديد ما إذا كان وقف التنفيذ كلياً أو جزئياً مسألة يفصح عنها منطوق حكم الوقف، فإذا اكتفى الحكم الصادر بوقف التنفيذ بالأمر بالوقف من غير تحديد لما إذا كان الوقف كلياً أو جزئياً، فإن ذلك يعد من قبيل الإطلاق الذي لا وجود لما يقيده، فيكون حاصل ذلك اعتبار الوقف كلياً، أما وقف التنفيذ الجزئي فلا بد من التصريح به في حكم الوقف على أنه لا يلزم لصحة هذا التصريح أن يرد بعبارات ذات دلالة باتة عليه، كالقول مثلاً: بوقف التنفيذ بصفة جزئية أو بما يماثل ذلك، وإنما يكفي أن يذكر من العبارات ما تقطع بالدلالة عليه.

أما النطاق الزمني للتنفيذ فيتحدد بالتزام الجهة الإدارية بتنفيذ الحكم الصادر بوقف التنفيذ بين الفترة الممتدة من تاريخ صدور الحكم بوقف التنفيذ حتى تاريخ صدور حكم في موضوع دعوى الإلغاء، إذ يتم إعمال أثر الحكم بوقف التنفيذ في هذه الفترة الزمنية التي قد تطول أو تقصر حسب الأحوال، لأنها مدة مؤقتة تتوقف على مدى سرعة نظر قاضي الإلغاء في موضوع دعوى الإلغاء نظراً لأن طلب وقف التنفيذ ما هو إلا طلب متفرع عن هذه الدعوى، فالتزام الجهة الإدارية بتنفيذ حكم الوقف يظل باقياً إذاً إلى أن يتقرر مصيره بصدور حكم في الدعوى الأصلية، كما أنه يظل هكذا ولو طعن في حكم الوقف، فإن الطعن في الحكم بوقف التنفيذ لا يوقف تنفيذه.

بناءً على ما تقدم، يكون للحكم الصادر بوقف التنفيذ من حيث نطاقه الزمني أثرٌ حالٌ، وهذا الأثر الحال ذو شقين:

الشق الأول: أنه لا يمكن أن يرتد، فيسري بأثر رجعي، ملغياً بذلك ما اتخذ من إجراءات تنفيذية لحكم الوقف قبل إصداره، وذلك مرده إلى أن الوقف لا يعني إلغاء التنفيذ، وإنما مجرد تعطيل القوة التنفيذية للقرار الإداري، لذلك فإن نطاق سريانه يكون ما يلي حكم الوقف فقط لا ما يسبقه، وإلا غدا والإلغاء الدائم سواء، لأن وقف التنفيذ ما هو إلا إجراء وقائي يتوقى به ما يحتمل أن يرتبه تنفيذ القرار الإداري المطعون فيه من أضرار، فإذا كانت هذه الأضرار قد وقعت ببدء التنفيذ أو بتمامه فلا جدوى من الوقف ويغدو لا محل لطلبه، لذلك يجب أن يكون لوقف التنفيذ مقتضى أو جدوى من حدوثه بجريانه على تنفيذ لم يبدأ، أو بدأ ولكن لم يتم، فإن كان قد بدأ فهو لا يجري عليه إلا بقدر الحيلولة دون تمامه، لذلك فإنه لا يسري على ما تم وإنما على ما لم يتم، وهذا معناه سريانه على المستقبل لا الماضي.

كما يكون لطالب الوقف الذي صدر الحكم بوقف التنفيذ لمصلحته أن يطلب ويباشر إجراءات تنفيذ الحكم بوقف التنفيذ، بصرف النظر عن قيام المطعون ضده ـ الذي صدر الحكم بوقف التنفيذ ضده وهو غالباً الإدارة ـ في الطعن في الحكم الصادر بوقف التنفيذ، وذلك لأن الطعن بالحكم الصادر بوقف التنفيذ ليس له أثر موقف، ومن ثم فإن المطعون ضده بالحكم الصادر بوقف التنفيذ لا يلزم بالكف عن متابعة التنفيذ إلا من تاريخ صدور حكم في الطعن في الحكم الصادر بوقف التنفيذ يقضي بإلغاء الحكم الصادر بوقف التنفيذ، لا من تاريخ الطعن في الحكم الصادر بوقف التنفيذ، وهو ما يكون من أثره استمرار المطعون ضده بتنفيذ الحكم الصادر لمصلحته بوقف التنفيذ حتى أثناء النظر في الطعن في الحكم الصادر بوقف التنفيذ، وبالمقابل استمرار التزام الجهة الإدارية الطاعنة في الحكم الصادر بوقف التنفيذ، بتنفيذ حكم الوقف حتى أثناء النظر في طعنها في الحكم الصادر بوقف التنفيذ.

أما الشق الثاني: المترتب على الأثر الحال للحكم الصادر بوقف التنفيذ فمفاده أن أثر الحكم الصادر بوقف التنفيذ ينتهي حكماً بصدور الحكم في موضوع دعوى الإلغاء، فوضع القرار الإداري يتجمد بصدور الحكم بوقف التنفيذ طوال فترته، لكن مصيره لا يحسم نهائياً إلا بالفصل في دعوى الإلغاء، وبالفصل في هذه الدعوى ينقضي فوراً الحكم الصادر بوقف التنفيذ، ليكون حكم الإلغاء هو المصدر المباشر لوضع القرار.

فإذا صدر الحكم بإلغاء القرار الإداري، فإن هذا الحكم يلغي القرار ويعدمه من تاريخ صدوره، وهذا يعني استمرار نفاذ حكم وقف تنفيذ القرار في واقع الأمر، لأن وقف التنفيذ ما هو إلا إلغاء مؤقت للقرار إلى حين الفصل في دعوى الإلغاء، وهو في الوقت نفسه يعني أن الحكم بوقف التنفيذ كان حكماً صائباً، في استناده إلى الأسباب الجدية التي رجحت الحكم بإلغاء القرار المطعون فيه، على الرغم من عدم تقيد محكمة الموضوع به، أما إذا صدر الحكم برفض دعوى الإلغاء، فإن الحكم الصادر بوقف التنفيذ ينتهي أثره فوراً، ويصبح بلا موضوع، وتعود القوة التنفيذية للقرار الموقوف حتى عند عدم النص على ذلك في الحكم الموضوعي.

والحقيقة أن انتهاء أثر الحكم الصادر بوقف التنفيذ بصدور حكم في موضوع دعوى الإلغاء يتأسس على منطق سائغ قانوناً، مرده إلى أن الحكم بوقف التنفيذ يعكس رجحان إلغاء القرار الإداري المطعون فيه، والحكم الصادر في موضوع دعوى الإلغاء يعبر عن اليقين، ولما كان الأصل أن اليقين يقوم على رجحان، أو أن هذا الأخير يدفع باليقين، فإن حاصل ذلك أنه لا محل لإعمال آثار الحكم الصادر بوقف التنفيذ حال صدور الحكم في موضوع دعوى الإلغاء، لأن صدور الحكم في موضوع الإلغاء يجعل الحكم الصادر بوقف التنفيذ بغير محل.

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ عبد الغني بسيوني عبد الله، وقف تنفيذ القرار الإداري في أحكام القضاء الإداري (منشورات الحلبي الحقوقية، الطبعة الثانية، بيروت 2001).

ـ عصمت عبد الله الشيخ، جدوى نظام وقف تنفيذ القرارات الإدارية في تحقيق التوازن المطلوب بين الإدارة والأفراد (دار النهضة العربية، القاهرة 2005ـ2006).

ـ محمد فؤاد عبد الباسط، وقف تنفيذ القرار الإداري (دار الفكر الجامعي، الإسكندرية،  بلا تاريخ نشر).

- Daniel CHABANOL, Code de justice administrative, (Le Moniteur, Paris, 2007).

- Maurice TOURDIAS, Le sursis à exécution des décisions administratives, (Thèse de doctorat, 1957).

- René CHAPUS, Droit du contentieux administratif, (Montchrestien, Paris, 2008).


التصنيف : القانون العام
النوع : القانون العام
المجلد: المجلد السادس: علم الفقه ــ المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان
رقم الصفحة ضمن المجلد : 322
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 567
الكل : 27494068
اليوم : 28206