logo

logo

logo

logo

logo

سمو الدستور

سمو دستور

supremacy of constitution - suprématie de la constitution

 سُمُوّ الدُّستُور

سُمُوّ الدُّستُور

حسن البحري

 ماهية سمو الدستور

السمو الموضوعي للدستور

السمو الشكلي للدستور

تطبيقات سمو الدستور في النظم السياسية المقارنة

   

الدستور هو القانون الأساسي الأعلى الذي يرسي القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم في الدولة، ويحدِّد السلطات العامة فيها، ويرسم لها وظائفها، ويضع الحدود والقيود الضابطة لنشاطها، ويقرِّر الحريات والحقوق العامة، ويرتِّب الضمانات الأساسية لحمايتها.

وبناءً على ذلك، فقد تميَّز الدستور بطبيعة خاصة تُضفي عليه صفة السيادة والسمو بحسبانه كفيل الحريات وموئلها وعماد الحياة الدستورية وأساس نظامها، وحُقَّ لقواعده أن تستوي على القمة من البناء القانوني للدولة، وتتبوأ مقام الصدارة بين قواعد النظام العام باعتبارها أسمى القواعد الآمرة التي يتعين على الدولة التزامها في تشريعها وفي قضائها وفيما تمارسه من سلطاتٍ تنفيذية، من دون أي تفرقةٍ أو تمييزٍ ـ في مجال الالتزام بها ـ بين السلطات العامة الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، ذلك أن هذه السلطات كلها سلطاتٌ مؤسَّسةٌ أنشأها الدستور، تستمد منه وجودها وكيانها وهو المرجع في تحديد وظائفها، ومن ثم تعدّ جميعها أمام الدستور على درجةٍ سواء، وتقف كل منها مع الأخرى على قدم المساواة، قائمةً بوظيفتها الدستورية متعاونةً فيما بينها في الحدود المقررة لذلك، خاضعةً لأحكام الدستور الذي له وحده الكلمة العليا وعند أحكامه تنزل السلطات العامة جميعاً، والدولة في ذلك إنما تلتزم أصلاً من أصول الحكم الديمقراطي، هو الخضوع لمبدأ «سيادة أو سموّ الدستور».

(حكم المحكمة الدستورية العليا المصرية الصادر بالجلسة المنعقدة يوم السبت بتاريخ 19/5/1990 في القضية رقم 37 لسنة 9 قضائية «دستورية»، منشور بالجريدة الرسمية، العدد 22 (مكرر) في 3/6/1990).

وإذا كان خضوع الدولة بجميع سلطاتها لمبدأ سمو الدستور أصلاً مقرراً وحكماً لازماً لكل نظام ديمقراطي سليم، فإنه يكون لزاماً على كل سلطة عامة ـ أياً كان شأنها وأيّاً كانت وظيفتها وطبيعة الاختصاصات المسندة إليها ـ النزول عند قواعد الدستور ومبادئه والتزام حدوده وقيوده.

أولاً- ماهية سمو الدستور:

يقصد بمبدأ سمو الدستور La suprématie de la constitution «علوّ القواعد الدستورية على غيرها من القواعد القانونية المطبقة في الدولة».

وانطلاقاً من ذلك، فإنَّ القواعد الدستورية تعدّ السند الشرعي لتحديد نظام الحكم ولممارسة السلطات العامة في الدولة لاختصاصاتها، وهكذا فالسلطة لا توجد إلا بالدستور ولا تظهر إلا بالقدر الذي يحدده الدستور وينظّمه.

وفي تفسير هذا المبدأ تقول المحكمة الدستورية العليا المصرية (في حكمها الصادر بالجلسة المنعقدة يوم السبت 12فبراير/شباط 1994 في القضية رقم 23 لسنة 14 قضائية «دستورية»): «إنَّ القواعد الدستورية تحتل من القواعد القانونية مكاناً عَلِيَّاً لأنها تتوسَّد منها المقام الأسمى كقواعد آمره لا تبديل فيها إلا بتعديل الدستور ذاته»، وتقول أيضاً في حكم آخر لها (صادر بالجلسة المنعقدة يوم السبت 8 يوليو/تموز سنة 2000 في القضية رقم 11 لسنة 13 قضائية «دستورية»): «وحيث أنَّ رقابة هذه المحكمة للنصوص التشريعية المطعون عليها إنما تتغيَّا ردَّها إلى أحكام الدستور، تغليباً لها على ما دونها، وتوكيداً لسموها على ما عداها، لتظل الكلمة العليا للدستور، باعتباره القانون الأساسي الأعلى الذي يرسي القواعد والأصول التي يقوم عليها نظام الحكم، فيحدّد للسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية صلاحياتها، واضعاً الحدود التي تقيّد أنشطتها، وتحول دون تدخل كل منها في أعمال الأخرى، مقرّراً الحقوق والحريات العامة، مرتّباً ضماناتها».

ويستفاد من ذلك كله أنَّ قواعد الدستور تستوي على القمة من البناء القانوني للدولة، وتتبوأ مقام الصدارة بين مجمل قواعد النظام العام التي يتعين على الدولة بسلطاتها الثلاث التزامها ومراعاتها، باعتبارها أسمى القواعد الآمرة وأحقها بالنزول على أحكامها، وإهدار ما يخالفها من تشريعات.

ثانياً- السمو الموضوعي للدستور

1- مدلول السمو الموضوعي للدستور La suprématie matérielle de la constitution:

إن المنزلة الرفيعة والمكانة السامية التي يحتلها الدستور في سلم التدرج الهرمي للنظام القانوني في الدولة برمته، تستند إلى طبيعة قواعده ومضمونها، وبمعنى آخر فإن السمو الموضوعي للدستور يكمن في طبيعة ومضمون القواعد الدستورية التي يحتويها، وكذلك في طبيعة الموضوعات التي يقوم على تنظيمها؛ فالدستور هو عماد الحياة الدستورية وأساس نظامها.

ولمَّا كان الدستور من حيث موضوعه هو الأساس الذي يقوم عليه بنيان الدولة ونظامها القانوني، وهو الأصل أو المنبع لكل نشاط قانوني في الدولة، إذ ينظر إلى الدستور باعتباره الأب أو المصدر الأعلى لسائر القواعد والقوانين والأنظمة الإدارية والقانونية الموجودة في الدولة، فإنّ عدم الاعتراف للقواعد الدستورية بالمكانة العليا بين سائر القواعد القانونية، أو إجازة مخالفتها بواسطة الحكام أو بواسطة المحكومين، لا بدّ أن ينجم عنه انهيار نظام الدولة القانوني برمته.

ولذلك فإن السمو الموضوعي يتحقق لجميع أنواع الدساتير، المكتوبة منها والعرفية، وسواء كانت مكتوبة في نصوص جامدة ووفقاً لإجراءات خاصة، أم كانت مقررة في قوانين عادية، فالسمو الموضوعي إذ يستند إلى موضوع النصوص ومضمونها لا يمكن أن يكون خاصاً بدساتير معينة، بل هو عام في جميع الدساتير.

2- النتائج المترتبة على مبدأ السمو الموضوعي للدستور:

يترتب على سمو الدستور المستمد من موضوعه نتيجتان مهمتان هما:

أ- تدعيم مبدأ المشروعية: يؤدي السمو الموضوعي للدستور إلى تأكيد وتدعيم «مبدأ المشروعية» Le principe de légalité في نظر الأفراد، كما يؤدي إلى اتساع نطاقه، فإذا كان هذا المبدأ يعني في مدلوله الضيق احترام القوانين العادية الصادرة عن سلطة التشريع، وأنَّ أيَّ تصرفٍ يتم مخالفاً لهذه القوانين يكون مجرداً من أي أثرٍ قانوني، سواءً صدر هذا التصرف من جانب الأفراد أم من جانب سلطات الدولة الإدارية، فإن مبدأ المشروعية يعني في هذا المقام مدلولاً أوسع، إذ سيمتد نطاق المشروعية ليشمل القواعد الدستورية فضلاً عن القواعد العادية.

ومن ثم يغدو واجباً على جميع سلطات الحكم في الدولة الالتزام بالدستور، عدم الخروج على ما يقرره من أحكام وذلك فيما تباشره من مهام واختصاصات، ومعنى ذلك أنه يجب على السلطة التشريعية أن تحترمه وتتقيد به فيما تصدره من تشريعات، ويجب على السلطة القضائية أن تحترم نصوصه وأن تطبق أحكامه إذا ما عرضت في مجال دعوى تطرح أمامها، كما يتعيَّن على السلطة الإدارية ـ فيما تتخذه من أعمال وتصرفات ـ ألا تخالف نصوص الدستور، وإلا عُدَّت هذه الأعمال وتلك التصرفات غير مشروعة، وهذا ما قررته محكمة القضاء الإداري المصرية في حكمها الصادر بتاريخ30/6/1952 (في القضية رقم 568 لسنة 3 قضائية، مجموعة مجلس الدولة المصري، السنة السادسة، ص1266)، إذ قالت: «إنَّ ما انعقد عليه الإجماع هو أنَّ الدولة إذا كان لها دستور مكتوب وَجَبَ عليها التزامه في تشريعها وفي قضائها وفيما تمارسه من سلطات إدارية، وتعيَّن اعتبار الدستور فيما يشتمل عليه من نصوص، وفيما ينطوي عليه من مبادئ، هو القانون الأعلى الذي يسمو على جميع القوانين. والدولة في ذلك إنما تلتزم أصلاً من أصول الحكم الديمقراطي هو الخضوع لمبدأ سيادة الدستور».

وهو أيضاً ما أكدته المحكمة الإدارية العليا المصرية في حكمها الصادر في 12/7/1958 (في القضية رقم 173، مجموعة مجلس الدولة المصري، السنة الثالثة «قضائية»، ص1691) حين أعلنت: «أن القانون لا يكون غير دستوري إلا إذا خالف نصاً دستورياً قائماً أو خرج على روحه ومقتضاه. ومردّ ذلك إلى أنَّ الدستور، وهو القانون الأعلى فيما يُقَرِّره، لا يجوز أن تهدره أداة أدنى».

وحاصل القول إن سمو الدستور المستمد من كونه يؤسِّس فكرة القانون السائدة في الدولة، ويبيِّن الفلسفة أو الأيديولوجية التي يقوم عليها النظام القانوني المطبَّق سواء من الناحية السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، ويحدَّد السلطات العامة في الدولة، ويرسم لها وظائفها، ويضع الحدود والقيود الضابطة لنشاطها، ويقرَّر الحريات والحقوق العامة، يُلزم تلك السلطات النزول عند قواعد الدستور ومبادئه، والتزام حدوده وقيوده، فإن هي خالفتها أو تجاوزتها شاب عملها عيب مخالفة الدستور، وكانت التصرفات الصادرة عنها بالمخالفة لأحكام الدستور وقواعده باطلة، أي مجردة من كل قيمة قانونية. 

ب- حظر تفويض الاختصاصات الدستورية: يؤدي السمو الموضوعي للدستور إلى منع قيام  الهيئة الممنوحة اختصاصاً معيناً من تفويض ممارسته إلى آخرين؛ فاختصاص الهيئة التشريعية مثلاً بوظيفة سن القوانين ليس اختصاصاً أصيلاً، وإنما هو اختصاص مفوَّض إليها من الشعب،  ومن ثم لا يجوز لها أن تعيد تفويضه إلى سواها، فهناك قول مأثور استعاره الفيلسوف الإنجليزي جون لوك John Locke من فكرة الوكالة في القانون العام وقدّمه مبدأً من مبادئ علم السياسة، وهو أنَّ «السلطة المفوَّضة لا يمكن أن يُعاد تفويضها ثانيةً Delegata potestas non potest delegari».

وتكمن حكمة تقرير هذا المبدأ في أن الحكام حينما يقومون بوظائفهم لا يمارسون امتيازاً شخصياً لهم أو حقاً ذاتياً يعنيهم، وإنما يمارسون اختصاصات أو وظائف منحهم إياها الدستور، فلا يملكون تفويض غيرهم بممارستها، والدستور إذ يعهد إليهم بتلك السلطات يضع في اعتباره الضمانات التي تترتب على وسائل اختيار الحكام، والطريق الذي يتم بمقتضاه القيام بهذه السلطات أو الاختصاصات، ومن ثم لا يجوز لأي هيئة من الهيئات الحاكمة في الدولة أن تفوِّض غيرها في ممارسة اختصاصاتها الدستورية، إلا إذا نصَّ الدستور على خلاف ذلك، وأباح التفويض صراحةً.

(فعلى سبيل المثال تنص المادة /32/ من دستور مملكة البحرين لسنة 2002 على أن: «يقوم نظام الحكم على أساس فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية مع تعاونها وفقاً لأحكام هذا الدستور، ولا يجوز لأي من السلطات الثلاث التنازل لغيرها عن كل أو بعض اختصاصاتها المنصوص عليها في هذا الدستور، وإنما يجوز التفويض التشريعي المحدد بفترة معينة وبموضوع أو موضوعات بالذات، ويمارس وفقاً لقانون التفويض وشروطه»).

وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن السمو الموضوعي للدستور والنتائج المترتبة عليه تظل أهميتها مقصورة على المجال السياسي المحض دون المجال القانوني، بمعنى أن إغفال هذا المبدأ قد يؤدي إلى آثار سياسية واجتماعية من دون أن يؤدي إلى أية آثار قانونية، كإبطال الأعمال القانونية المخالفة لنصوص الدستور وأحكامه.

ولهذا فإن مبدأ سمو الدستور لا ينتج أثره القانوني ما لم يتم تنظيم الرقابة على دستورية القوانين من أجل إبطال القوانين الصادرة بالمخالفة لأحكام الدستور.

ولاشك في أن الأخذ بالرقابة على دستورية القوانين يمثل وسيلة قانونية فعالة لضمان الالتزام بالحدود الدستورية وبالمبادئ والقواعد التي قرَّرها الدستور، ومن ثم احترام الدستور نصَّاً وروحاً، كما يمثل الجزاء المنطقي على خروج المشرع العادي عن الحدود التي يفرضها الدستور.

غير أنَّ تنظيم مثل هذه الرقابة لا يتصور ما لم يتحقق للدستور السمو الشكلي بجانب سموه الموضوعي، فما هو المقصود في هذا المقام بالسمو الشكلي للدستور؟

ثالثاً- السمو الشكلي للدستور 

1- مدلول السمو الشكلي للدستور La suprématie formelle de la constitution:

إن المكانة السامية التي يحتلها الدستور في سلم التدرج الهرمي للنظام القانوني في الدولة برمته، لا تستند فقط إلى طبيعة قواعده ومضمونها، بل تستند أيضاً إلى الشكل أو الإجراءات التي توضع بها أو تعدل بمقتضاها القواعد الدستورية، فالسمو الشكلي للدستور يتحقق إذا كان تعديله يتطلب أشكالاً وإجراءات خاصة مغايرة للأشكال والإجراءات التي ينبغي اتباعها لتعديل القوانين العادية.

وعلى ذلك، فإذا كان السمو الموضوعي للدستور يتحقق لجميع أنواع الدساتير المدونة وغير المدونة، والجامدة والمرنة، فإن السمو الشكلي لا يتحقق إلا للدساتير الجامدة فقط.

وذلك لأن الدساتير الجامدة ـ كما هو معروف ـ تختلف عن الدساتير المرنة من حيث إنها تتطلب لتعديل أحكامها وقواعدها اتباعَ شروط وإجراءات خاصة تكون أكثر شدة وتعقيداً من شروط وإجراءات تعديل القوانين العادية.

وهذا الاختلاف في إجراءات التعديل هو الذي يضفي على الدستور ميزة السمو الشكلي، ويضعه في مركز أسمى من القوانين العادية، ويؤدي إلى التفرقة بين القواعد الدستورية والقوانين العادية.

أما الدساتير المرنة، فلا يتحقق لها هذا السمو الشكلي، لأن السلطة التشريعية تستطيع أن تعدل أحكامها وقواعدها باتباع الإجراءات والأشكال ذاتها المقررة لتعديل القوانين العادية.

وينتج من ذلك أن الدساتير الجامدة تتمتع بميزَتَيْ السمو الموضوعي والسمو الشكلي معاً، أما الدساتير المرنة فلا تتمتع إلا بالسمو الموضوعي من دون السمو الشكلي.

2- النتائج المترتبة على مبدأ السمو الشكلي للدستور:

يترتب على اشتراط شكليات معينة وإجراءات خاصة لتعديل قواعد الدستور وأحكامه وجود طائفتين من القوانين:

الطائفة الأولى، وهي القوانين الدستورية Les lois constitutionnelles، تعدَّل أو تُلغى وفقاً لإجراءات خاصة مشددة تحددها عادة الوثيقة الدستورية.

أما الطائفة الثانية، وهي القوانين العادية Les lois ordinaires، فتعدَّل أو تُلغى وفقاً للإجراءات البرلمانية المتعارف عليها. وقد نتج من ذلك أنْ تحقَّقَ للطائفة الأولى من دون الثانية صفة السمو الشكلي، فأضحت القواعد الدستورية تتوسد المكانة العليا في سلم التدرج الهرمي للنظام القانوني في الدولة برمته، فهي تسمو على كل ما عداها من قوانين عادية.

ويُرتِّب فقهاء القانون الدستوري على التفرقة السابقة بين طائفَتَيْ (القوانين الدستورية)  و(القوانين العادية) مجموعة من النتائج، أهمها الآتي:

أ- ثبات القوانين الدستورية: تتصف القوانين الدستورية بأنها أكثر ثباتاً واستقراراً من القوانين العادية، نظراً لما تتطلبه الدساتير الجامدة من إجراءات خاصة لتعديل أحكامها تفوق في شدتها إجراءات تعديل القوانين العادية.

غير أن الثبات المقصود هنا ليس الثبات المطلق الذي يؤدي إلى «الجمود المطلق الكلي للدستور»، لأن هذا الأخير يتنافى من جهة أولى مع سنة التطور، لأن دستور أي دولة يحتوي على القواعد الأساسية المتعلقة بالتنظيم السياسي للدولة، والتي تم وضعها وفقاً لظروفها وأوضاعها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية السائدة في وقت صدورها، وباعتبار أن هذه الظروف أو تلك الأوضاع تتطور وتتبدل من وقتٍ إلى آخر، فإنه يلزم أن يسايرها الدستور في هذا التطور، فلا يعقل أن تتجمد نصوصه من دون أي تعديل بصفة أبدية، كما أنه يتعارض من جهة ثانية مع مبدأ سيادة الأمة، لأن هذا الجمود إنما يعني أن الأمة قد تنازلت عن سلطتها التأسيسية بصفة أبدية، وحرمت نفسها من ممارسة سيادتها في مجال تعديل الدستور كلياً أو جزئياً؛ ولهذا كان لا بد من قبول فكرة عدم تجميد النصوص أو القواعد الدستورية تجميداً أبدياً، وإمكان تعديلها بصفة دائمة حتى تتلاءم مع التغيرات التي تطرأ على المجتمع، وهو ما قد يُجَنِّب البلاد الأزمات والثورات.

ب- القوانين الدستورية لا تنسخ ولا تلغى إلا بقوانين دستورية مماثلة: لمَّا كانت القوانين الدستورية أسمى من القوانين العادية، باعتبارها تستوي على القمة من البناء القانوني للدولة، وتتبوأ مقام الصدارة بين قواعد النظام العام، فإنه لا يمكن تعديلها أو إلغاؤها إلا بقوانين لها المكانة ذاتها والدرجة نفسها، أي بقوانين دستورية مماثلة.

ويترتب على ذلك أن القوانين العادية لا يكون بمقدورها تعديل القوانين الدستورية، لأن القوانين العادية تقع في مرتبة أدنى من القوانين الدستورية في سلم التدرج الهرمي للنظام القانوني في الدولة؛ فالقاعدة في هذا الخصوص أن القانون الأدنى لا يستطيع أن يعدل أو يلغي قانوناً أسمى منه.

ومن الجدير ذكره في هذا الشأن أن قاعدة عدم جواز إلغاء القانون الدستوري إلا بقانون دستوري آخر هي من القواعد التي أوجدتها الثورة الفرنسية بقصد تأكيد مبدأ سمو الدستور وعلو قواعده وأحكامه على سائر القواعد القانونية المطبقة في الدولة، غير أن الفقهاء ذهبوا على الرغم من ذلك إلى أنه إذا قامت ثورة في البلاد وتمَّ لها النجاح، فإن الدستور القائم يسقط فوراً من تلقاء نفسه، وتنسخ أحكامه؛ ويفسِّرون ذلك بأن الشعب بقبوله الثورة التي تمت بإرادته، أو من دون مقاومة منه، قد أظهر إرادته في إلغاء الدستور السابق.

ج- دستورية القوانين (ضرورة مطابقة القوانين للدستور أو عدم تعارضها مع أحكامه): لمَّا كانت القوانين العادية تلي القواعد الدستورية من حيث المرتبة، فإنه يجب على السلطة التشريعية عندما تسن القوانين أن تقرها على مقتضى أحكام الدستور نصاً وروحاً، فإذا تجاوزت فيما تسنه من قوانين الضوابط والقيود الواردة في الدستور، عُدَّ ذلك انحرافاً منها في أدائها لوظيفتها، وعدَّ تشريعها المخالف للدستور قانوناً غير دستوري.

وعلى ذلك قررت محكمة القضاء الإداري المصرية (في حكمها الصادر بتاريخ 11/1/1954 في القضية رقم 222 لسنة 5 قضائية، مجموعة أحكام المحكمة، السنة الثامنة، ص409): «إنَّ الدستور فيما يشتمل عليه من نصوص وفيما ينطوي عليه من مبادئ، هو القانون الأعلى الذي يسمو على جميع قوانين الدولة، فإذا تعارض قانون مع الدستور، وجب تطبيق أحكام الدستور دون اعتداد بالقانون المخالف».

وهو أيضاً ما قررته المحكمة الإدارية العليا السورية (في حكمها الصادر بتاريخ 26/4/1960، منشور في مجلة نقابة المحامين بدمشق، 1960/العدد 2، ص6) بقولها: «.... إذا تعارض قانون عادي مع الدستور في أية منازعة من المنازعات التي تطرح على المحاكم، فقامت بذلك لديها صعوبة مثارها أيّ القانونين هو الأجدر بالتطبيق، وَجَبَ عليها عند قيام هذا التعارض أن تطرح القانون العادي وتهمله، وتُغَلّب عليه الدستور وتُطبّقه، بحسبانه القانون الأعلى الأجدر بالإتباع. وإذا كان القانون العادي يهمل عندئذ فمَرَدّ ذلك في الحقيقة إلى سيادة الدستور العليا على سائر القوانين، تلك السيادة التي يجب أن يلتزمها كل من الشارع عند إصداره القوانين والقاضي عند تطبيقه إياها على حدّ سواء».

وإذا كانت بعض الدساتير تنصّ صراحةً على بطلان القوانين المخالفة لأحكامها، أو المتعارضة معها، فإنّ عدم النص في الدستور على ذلك لا يؤثر في اعتبار هذه القوانين باطلة، فهذا البطلان نتيجة حتمية لمبدأ المشروعية وتدرج القواعد القانونية، خاصة إذا كان الدستور القائم يقرر تنظيماً معيناً للرقابة على دستورية القوانين.

ولاشك في أن سموّ الدستور وسيادته سيكونان بلا معنى إذا كان من الممكن انتهاكه من جانب السلطة التشريعية، وكان من غير الممكن إخضاع ما تصدره من قوانين للرقابة على دستوريتها.

وتأكيداً لمبدأ سمو الدستور وسيادته، تحرص الدول المختلفة على تنظيم الرقابة على دستورية القوانين لضمان اتفاقها مع الأحكام والقواعد الواردة في الدستور.

رابعاً- تطبيقات سمو الدستور في النظم السياسية المقارنة

يعد مبدأ سمو الدستور أصلاً مقرراً وحكماً لازماً لكل نظام ديمقراطي سليم، كما يعد أيضاً من أهم خصائص الدولة القانونية، وهذه الأخيرة ـ كما تقول المحكمة الدستورية العليا المصرية (في حكمها الصادر بالجلسة المنعقدة يوم السبت 2 يناير/ كانون الثاني سنة 1999 في القضية رقم 15 لسنة 18 قضائية «دستورية») ـ هي التي تتقيد في مظاهر نشاطها كافة وأيَّاً كانت طبيعة سلطاتها بقواعد قانونية تعلو عليها، وتكون بذاتها ضابطاً لأعمالها وتصرفاتها في أشكالها المختلفة، باعتبار أنَّ ممارسة السلطة لم تعد امتيازاً شخصياً لأحد، ولكنها تُبَاشر نيابة عن الجماعة ولمصلحتها.

ويُسلّم رجال الفقه والسياسة معاً بـ «مبدأ سمو الدستور»، بل إن دساتير بعض الدول قد قررته صراحة أو أشارت إليه، وقد نُصَّ على المبدأ أول مرة في دستور الولايات المتحدة الأمريكية الصادر عام 1787، وذلك في المادة السادسة منه، إذ قررت أنَّ: «هذا الدستور، وقوانين الولايات المتحدة التي تصدر تبعاً له، وجميع المعاهدات المعقودة أو التي تعقد تحت سلطة الولايات المتحدة، سيكون القانون الأعلى للبلاد. ويكون القضاة في جميع الولايات ملزمين به، ولا يعتد بأي نص في دستور أو قوانين أية ولاية يكون مخالفاً لذلك».

»This Constitution, and the Laws of the United States which shall be made in Pursuance thereof; and all Treaties made, or which shall be made, under the Authority of the United States, shall be the supreme Law of the Land; and the Judges in every State shall be bound thereby, any Thing in the Constitution or Laws of any State to the Contrary notwithstanding

وتضمن أيضاً الدستور العراقي الدائم لسنة 2005 نصاً صريحاً يقرر هذا المبدأ، إذ نصت المادة /13/ من هذا الدستور على الآتي: «أولاً: يُعَدّ هذا الدستور القانون الأسمى والأعلى في العراق، ويكون ملزماً في أنحائه كافة وبدون استثناء ثانياً: لا يجوز سنّ قانون يتعارض مع هذا الدستور، ويُعَدّ باطلاً كل نصٍ يرد في دساتير الأقاليم أو أي نصٍ قانوني آخـر يتعارض معه».

كما تضمنت دساتير بعض الدول العربية نصوصاً تشير إلى مبدأ سمو الدستور، كالدستور المصري الحالي لسنة 1971 (المعدَّل) الذي حرص على تقرير هذا المبدأ بالنص في المادة /64/ منه على أن «سيادة القانون أساس الحكم في الدولة» وفي المادة /65/ منه على أن «تخضع الدولة للقانون....«، وكذلك أيضاً الدستور السوري الحالي لسنة 1973 الذي قرَّر في المادة /25/ منه أن «سيادة القانون مبدأ أساسي في المجتمع والدولة».

ولا ريب في أنَّ المقصود بالقانون في هذا الشأن هو القانون بمعناه الموضوعي الأعم الذي يشمل كل قاعدة عامة مجردة أياً كان مصدرها، ويأتي على رأسها وفي الصدارة منها الدستور بوصفه أعلى القوانين وأسماها.

مراجع للاستزادة:

- حسن مصطفى البحري، القانون الدستوري «النظرية العامة»، الطبعة الأولى ( الجامعة الافتراضية السورية، دمشق 2009).

- كمال غالي، القانون الدستوري والنظم السياسية (دمشق 1990).

 


التصنيف : القانون العام
النوع : القانون العام
المجلد: المجلد الثالث: الجرف القاري ــ الرسم والنماذج الصناعية
رقم الصفحة ضمن المجلد : 451
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 572
الكل : 27489031
اليوم : 23169