logo

logo

logo

logo

logo

أنواع الدساتير

انواع دساتير

types of constitutions - types de constitutions

 أنواع الدساتير

أنواع الدساتير

جميلة الشربجي

تقسيم الدساتير من حيث طريقة وضعها

تقسيم الدساتير من حيث طريقة تعديلها

تقسيم الدساتير من حيث أسلوب وضعها

   

تتنوع الدساتير وتتعدد، بتنوع النظم السياسية للدول وتعددها، وعلى الرغم من ذلك فقد درج الفقه الدستوري على تقسيم دساتير الدول أربعة أنواع بالاعتماد على طريقتين، الطريقة الأولى تأخذ بالاعتبار طريقة وضع الدساتير، فتقسمها إلى دساتير مدونة أو مكتوبة ودساتير غير مدونة أو عرفية، والطريقة الثانية تأخذ بالاعتبار طريقة تعديل الدساتير، فتقسمها إلى دساتير مرنة ودساتير جامدة، ويمكن أن يضاف إلى ما سبق تقسيم آخر يقوم على أساس مراعاة أساليب نشأة الدساتير، فتقسم إلى دساتير غير ديمقراطية، ودساتير ديمقراطية وذلك تبعاً لتطور أنظمة الحكم في الدول من أنظمة غير ديمقراطية إلى أنظمة ديمقراطية، تعترف بالسيادة للشعب وحده، باعتباره مصدر جميع السلطات.

أولاً- تقسيم الدساتير من حيث طريقة وضعها

تقسم الدساتير بالاعتماد على هذه الطريقة إلى نوعين: دساتير غير مدونة أو عرفية ودساتير مدونة أو مكتوبة.

1- الدساتير غير المدونة (الدساتير العرفية) Les constitutions coutumières:

وهذه الدساتير، أسبق في الظهور من الدساتير المدونة، إذ تمثل الدساتير العرفية، المرحلة الأولى في التنظيم القانوني لعلاقة الأفراد بالسلطة، داخل المجتمع السياسي بمختلف تسمياته، فقد نشأت بفعل التقاليد والأعراف المتواترة التي جرت على اتباعها السلطات الحاكمة والتي أخذت تلقى الاحترام من قبل أفراد الجماعة، إلى أن استقرت مع مرور الوقت، مكتسبة القوة القانونية الملزمة التي جعلتها تكّون الدساتير العرفية، واستمر الأمر كذلك معتمداً على الأعراف والتقاليد الدستورية والممارسات السياسية حتى أواخر القرن الثامن عشر، حين انتشرت ظاهرة تدوين الدساتير، لتنحسر من ثم ظاهرة الدساتير العرفية، بحيث لا توجد الآن دولة ذات دستور عرفي إلا إنكلترا التي أصبحت تمثل النموذج الوحيد للدولة ذات الدستور العرفي (غير المدون).

وفي ضوء ما سبق، يمكن تعريف الدساتير العرفية بأنها «مجموعة القواعد المتعلقة بالتنظيم السياسي للدولة والتي نشأت عن طريق الأعراف والتقاليد والممارسات التي جرت على اتباعها إحدى السلطات الحاكمة في ممارستها لاختصاصاتها أو في علاقتها بغيرها من السلطات الحاكمة والتي اكتسبت مع مرور الوقت القوة القانونية الملزمة دون أن تدون أحكامها في وثيقة مكتوبة رسمية».

وتجب الإشارة إلى أنه لا يؤثر في اعتبار دستور دولة ما عرفياً وجود بعض القواعد الدستورية المدونة في وثيقة أو مجموعة من الوثائق المكتوبة، مادامت قواعد محدودة، إذ يبقى هذا الدستور متمتعاً بصفته العرفية ما دام العرف هو مصدر غالبية قواعده.

وهذا ما يصدق على إنكلترا، صاحبة الدستور العرفي الوحيد في العالم، فوجود بعض الوثائق الدستورية المكتوبة التي صدرت في عهود تاريخية متباينة، لا يؤثر في الصفة العرفية لدستورها، ما دامت القواعد الأساسية والجوهرية في نظام الحكم الإنكليزي مصدرها العرف.

ومن أهم هذه الوثائق الدستورية في إنكلترا: العهد الأعظم Magna Cart الصادر عام 1215 وملتمس الحقوق Petition of Right الصادر عام 1628 وقانون الحقوق Bill of Rights الصادر عام 1689 وقانون توارث العرش Act of Settement الصادر عام 1701 وقانون البرلمان Parliament Act الصادر عام 1911.

فهذه الوثائق وغيرها، تبقى مجرد مصادر تكميلية، للقواعد الأساسية والجوهرية في النظام السياسي الإنكليزي والتي تكونت عن طريق العرف، ولذلك وبسبب وجود بعض القواعد الدستورية المكتوبة في النظام السياسي البريطاني، يفضل بعض الفقه وصف بريطانيا بأنها دولة ذات دستور غير مدون، بالنظر للوضع الغالب في قواعد نظام الحكم فيها، ذلك أن إطلاق وصف الدساتير العرفية يؤدي إلى إهمال وجود بعض الوثائق الدستورية المكتوبة والتي تمثل مصدراً تكميلياً للنظام الدستوري المطبق في تلك الدولة.

2- الدساتير المدونة (الدساتير المكتوبة) Constitutions écrites:

ويقصد بالدساتير المدونة «مجموعة القواعد المتعلقة بالتنظيم السياسي للدولة، والمدونة في وثيقة رسمية، تصدر عن سلطة خاصة يطلق عليها اسم السلطة التأسيسية الأصلية» ومن ثم فالدستور المدون هو الدستور المكتوب الذي يتضمن القواعد المتعلقة بنظام الحكم في الدولة والذي يصدر عن مشرع خاص يختلف عن المشرع العادي الذي يضع القوانين العادية.

ذلك أن الدستور يوضع من قبل المشرع الدستوري الذي يطلق عليه اسم «السلطة التأسيسية الأصلية» التي تتميز بأنها أعلى من السلطة التشريعية، لأن السلطة التشريعية هي سلطة منشأة يأتي دورها بعد وضع الدستور من قبل السلطة التأسيسية الأصلية، ثم إن هذه السلطة التشريعية هي سلطة مقيدة بضرورة اتباع الإجراءات التي حددها الدستور وأوجب عليها اتباعها عند إصدارها للقوانين العادية، بعكس السلطة التأسيسية الأصلية التي تتصف بأنها مطلقة الصلاحيات تتمتع بحرية مطلقة في وضع الدستور ولا يقيدها أي نص قانوني نافذ باعتبارها تتدخل في وقت لا وجود فيه للدستور، فهي تقوم بمهمة وضع دستور الدولة.

هذا الدستور يجب أن يدون في وثيقة رسمية، صادرة عن سلطة مختصة، وهنا لا يشترط تدوين نصوص الدستور في وثيقة رسمية واحدة، فقد يتألف دستور الدولة من عدة وثائق رسمية وذلك كما حدث في فرنسا عام 1875؛ إذ كان دستورها يتألف من ثلاث وثائق دستورية، الوثيقة الأولى صدرت في 24  شباط وكانت تنظم مجلس الشيوخ، والوثيقة الثانية صدرت في 25 شباط ونظمت السلطات العامة في الدولة، والوثيقة الثالثة صدرت في 16 تموز سنة 1875 ونظمت علاقة السلطات العامة فيما بينها.

كما لا يحول وصف دستور دولة ما بأنه مدون، من دون وجود بعض القواعد الدستورية غير المدونة والناشئة من الأعراف والتقاليد والممارسات الدستورية التي تشكل في مجموعها ما يطلق عليه اسم «العرف الدستوري» (يتكون العرف الدستوري من قواعد قانونية، تنشأ من العرف في ظل الدستور المكتوب ويكون له دور وتأثير في النصوص الدستورية المدونة (الوثيقة الدستورية) فقد يكون عرفاً مفسراً لبعض النصوص المكتوبة في الدستور أو عرفاً مكملاً لنقص أو قصور في أحكام الدستور أو عرفاً معدلاً بالإلغاء أو الإضافة لحكم من أحكامه، ويشترط لقيامه توافر ركنين: مادي ومعنوي، ولتكوين الركن المادي يجب توافر شروط معينة أهمها تكرار الممارسة الدستورية الصادرة عن إحدى السلطات الحاكمة لأكثر من مرة، بما يؤدي إلى ثباتها في التعامل، وبالتالي اتصافها بالقدم، إضافة إلى وجوب موافقة جميع السلطات الحاكمة على هذه الممارسة الدستورية من خلال عدم اعتراضها عليها، الأمر الذي يحقق لها صفة العمومية، إلى جانب اشتراط وضوح هذه الممارسة وعدم التناقض بين السلطات في خصوص تفسير مدلولها؛ أما الركن المعنوي فيتطلب اقتناع الرأي العام في الدولة بأن هذا العرف المتمثل بالممارسة الدستورية الصادرة عن إحدى السلطات الحاكمة قد أصبح قاعدة قانونية واجبة الاتباع لأنها تتمتع بقوة الإلزام)

ومن ثم فوجود العرف الدستوري، لا يؤثر في وصف الدستور بالمدون، لأن العبرة هي بالصفة الغالبة لقواعده، فإذا كانت غالبية قواعد الدستور مدونة في وثيقة رسمية، اُعتبر الدستور مدوناً حتى إن وجدت إلى جواره بعض القواعد الدستورية العرفية، مادامت قليلة ومحدودة.

ويجب الإشارة إلى أن الدساتير (المدونة)، ظاهرة حديثة نسبياً، ترجع إلى الربع الأخير من القرن الثامن عشر وذلك عندما قامت الثورة الأمريكية عام 1776، لتعلن المستعمرات الإنكليزية الثلاث عشرة في أمريكا الشمالية استقلالها عن بريطانيا العظمى، ولتضع لنفسها أول الدساتير المكتوبة والتي أنشأت على أساسها حكوماتها الجديدة، وفي عام 1787 اجتمع ممثلو شعوب الولايات المتحدة الأمريكية في مؤتمر فيلادلفيا، ليضعوا الدستور الاتحادي الأمريكي الذي يعد أقدم الدساتير المدونة والتي ما زالت نافذة إلى هذا اليوم بعد أن أدخل عليه مجموعة من التعديلات كان آخرها التعديل السابع والعشرون، الذي صدر عام 1992. ومن الولايات المتحدة الأمريكية انتقلت ظاهرة الدساتير المدونة إلى فرنسا عقب نجاح ثورتها عام 1789، فصدر أول دستور مدون فيها عام 1791، ثم تعاقبت دساتير فرنسا كلها في أسلوب الدساتير المدونة، حتى الدستور الأخير للجمهورية الخامسة الذي صدر بناءً على استفتاء دستوري عام 1958.

وفي وقت لاحق على الثورة الفرنسية، عمت حركة التدوين الدستوري، دول أوربا في القرنين التاسع عشر والعشرين ومنها إلى دول العالم الثالث عقب ثوراتها التحريرية وحصولها على استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية، ليعم هذا النوع من الدساتير معظم دول العالم، بحيث أصبح الاتجاه نحو الدساتير المدونة أو المكتوبة اتجاهاً عاماً لدى مختلف الدول وذلك نتيجة تأثير عوامل عديدة.

أ- العوامل التي أدت إلى انتشار ظاهرة الدساتير المدونة: يعود انتشار هذه الظاهرة إلى مجموعة من العوامل:

(1) ظهور الحركات والتيارات السياسية والفكرية الداعية إلى الأخذ بالمبادئ الديمقراطية وتدوين القواعد والأسس التي تقوم عليها أنظمة الحكم وتحكم العلاقات بين الحاكم والشعب.

(2) الاعتقاد بأن القواعد المكتوبة أسمى وأهم من القواعد العرفية بسبب وضوحها ودقتها وثباتها وبأن الدستور المدون يمثل إلى حد كبير، العقد الاجتماعي الذي يحدد الحقوق والواجبات والحريات للحكام والأفراد والجماعات في المجتمع السياسي.

(3) عدّ تدوين الدساتير وسيلة لتثقيف الشعب، معنوياً وسياسياً وإبراز مكانته ودوره.

(4) إضفاء هالة من القدسية والتبجيل على الوثائق المدونة وفي طليعتها الدساتير المكتوبة، حتى قيل إن الدستور لا يوجد إلا إذا أمكن حمله في الجيب.

(5) قيام الحكومات الديمقراطية على أساس سيادة الشعب واكتساب فكرة الدستور، بُعداً سياسياً إلى جانب المضمون القانوني حتى ساد الاعتقاد في العالم بأن الدساتير غدت جزءاً من كيان الدولة الحديثة لا يمكن الاستغناء أو العدول عنه.

(6) الظروف والأوضاع الدولية التي تمخضت عنها نهاية الحرب العالمية الأولى ومنها رغبة الدول المهزومة في وضع دساتير جديدة، تقوم على أسس ديمقراطية تجنبها أخطاء الماضي، ورغبة الدول التي استقلت حديثاً في إثبات وجودها وتثبيت دعائم سيادتها بواسطة دساتير حديثة ذات مضمون ديمقراطي.

(7) اشتراط هيئة الأمم المتحدة، وجود دستور للدولة شرطاً أساسياً لقبولها في عضوية هذه الهيئة العامة.

ب - المفاضلة بين الدساتير غير المدونة (العرفية) والدساتير المدونة: حاول بعض الفقه الدستوري إجراء عملية مفاضلة بين الدساتير غير المدونة والدساتير المدونة، بتوضيح مزايا كلا النوعين:

(1) مزايا الدساتير غير المدونة (العرفية): دافع بعض الفقه عن الدستور غير المدون بحجة تحقيقه عدداً من المزايا منها:

Ÿ تعبيره عن ماضي الشعب وربطه لهذا الماضي بالحاضر، فهو وليد تعاقب الأجيال وروح الشعب من دون أي حاجة إلى تدوينه.

Ÿ يتميز الدستور غير المدون، بمرونته وقابليته لمسايرة التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الدولة، وذلك على عكس الدستور المكتوب الذي يعيبه الجمود وعدم مسايرة تطورات المجتمع نتيجة تدوينها في تشريع دستوري جامد.

(2) مزايا الدساتير المدونة أو المكتوبة: وفي الجانب المقابل، سعى أنصار الدساتير المدونة إلى إبراز المزايا التي تحققها هذه الدساتير إذ:

ŸŸ تتميز الدساتير المدونة بالدقة والوضوح والثبات ومن ثم يكون من السهل تحديد اختصاصات السلطات العامة وعلاقاتها بالأفراد بالرجوع إلى النصوص الصريحة على عكس الدستور غير المكتوب والذي يعتمد على العرف الذي يكتنفه الغموض والإبهام.

ŸŸ كما تتميز هذه الدساتير بتحديدها الصريح لحقوق وحريات الأفراد إزاء سلطات الدولة وضمانات هذه الحقوق والحريات، ومن ثم تصبح نصوص هذه الدساتير هي مرجع الشعب والأفراد للدفاع عن حقوقهم وحرياتهم في مواجهة أية سلطة والمطالبة بها أمام القضاء إذا ما تم الاعتداء عليها من قبل إحدى سلطات الدولة.

ŸŸ كما أن هذه الدساتير تساعد السلطات العامة على معرفة حدود صلاحياتها، الأمر الذي يحد من استبداد الحكام وطغيانهم.

ŸŸ إنها تسهم في ترسيخ الوعي السياسي وتعميمه لدى الشعب، وتضع بين أيدي ممثليه الوسائل الكفيلة بمحاسبة الحكام ومراقبة عمل السلطات.

ŸŸ إنها ضرورية في الدول الاتحادية والدول التي تتبنى نظام اللامركزية من أجل بيان الأسس التي يقوم عليها الاتحاد، لتوزيع الاختصاصات بين الحكومة الاتحادية المركزية والحكومات المحلية للولايات الأعضاء، وذلك للحيلولة دون تشابكها أو تجاوزها، الأمر الذي يحفظ للاتحاد بقاءه واستقراره.

ŸŸ تتميز الدساتير المدونة بالسمو والقدسية، نتيجة جمودها الذي يتحقق باشتراط المشرع الدستوري إجراءات خاصة وشروطاً مشددة تحول دون تعديلها بسهولة وتسرُّع، الأمر الذي يكفل علوها وسموها على القوانين العادية التي تضعها وتعدلها السلطة التشريعية.

وواضح مما سبق أن مزايا الدستور المدون لا تقارن بالمزايا المحددة للدستور غير المدون، الأمر الذي يفسر اتجاه جميع دول العالم باستثناء إنكلترا نحو تدوين دساتيرها، بإصدارها وثائق دستورية رسمية.

ثانياً- تقسيم الدساتير من حيث طريقة تعديلها

تقسم الدساتير بالاستناد إلى طريقة تعديلها إلى نوعين: دساتير مرنة ودساتير جامدة.

1- الدساتير المرنة La constitution souple:

وهي تلك الدساتير التي لا تتطلب إجراءات خاصة لتعديلها وإنما تنص على أن يتم تعديلها - أي تغيير بعض أحكامها- باتباع الإجراءات ذاتها التي تعدل بها القوانين العادية وهنا تجدر الإشارة إلى أن الدستور الذي لا ينص على طريقة تعديله، لا يمكن اعتباره دستوراً مرناً، بل على العكس من ذلك فقد يكون دستوراً جامداً، ذلك أنه في حالة سكوت الدستور عن طريقة تعديله، يجب في هذه الحالة وتطبيقاً لقاعدة (توازي الأشكال) العودة إلى الطريقة التي اتبعت في إصداره، واتباعها مجدداً من أجل تعديله تطبيقاً للقاعدة القانونية السابق ذكرها، ومن ثم فإذا كان الدستور قد صدر من قبل السلطة التشريعية بالطريقة ذاتها التي تتبعها في إصدار القوانين العادية كان دستوراً مرناً، أما إذا كان الدستور قد صدر من قبل السلطة التشريعية باتباع إجراءات خاصة، أو من قبل جمعية خاصة تم تشكيلها خصيصاً لغرض وضع الدستور، فإنه يعتبر دستوراً جامداً ويجب بالتالي اتباع نفس الإجراءات التي اتبعت عند إصداره، بمعنى أن الدستور المرن هو الدستور الذي يعدل من قبل السلطة التي تملك الحق في تعديل القوانين العادية، وباتباع الإجراءات ذاتها التي تتبعها في تعديل تلك القوانين، أي من قبل السلطة التشريعية (سواء أكانت مكونة من مجلس واحد أم مجلسين) وبالأغلبية المطلقة لأعضاء البرلمان الحاضرين في الجلسة. ونتيجة لمرونة الدستور تختفي التفرقة الشكلية غير الموضوعية بين النصوص الدستورية والقوانين العادية، وذلك لأنه لا توجد تفرقة في القيمة القانونية بين القانون العادي وبين الدستور، مادام كلا النوعين (القانون العادي والدستور) يخضعان شكلياً للإجراءات ذاتها من حيث السلطة المختصة بوضعهما ومن حيث طريقة تعديلهما، فيكون لهما المرتبة ذاتها في نطاق تدرج القواعد القانونية، ولكن هذه التفرقة تبقى قائمة من الناحية الموضوعية، ذلك أنه طبقاً للمعيار الموضوعي الذي يعتمد على موضوع القاعدة القانونية، يكون لقواعد الدستور التي تنظم أسس نظام الحكم، علواً وسمواً موضوعياً على قواعد القوانين العادية التي تكون موضوعاتها تفصيلية وأقل أهمية نسبياً، ذلك أن ما تتضمنه الدساتير من أحكام وقواعد موضوعية، تكوّن القانون الأساسي والأسمى في الدولة، باعتبار أن هذه القواعد هي التي تحدد السلطات العامة وتمنحها اختصاصها وهي التي تبين حقوق الأفراد وحرياتهم، الأمر الذي يترتب عليه تمتع الدستور المرن بالسمو الموضوعي دون السمو الشكلي.

ونتيجة لمرونة الدستور أيضاً، تتمتع السلطة التشريعية، بسلطات واختصاصات واسعة، إذ تملك الحق في تعديل الدستور كلياً أو جزئياً، بمعنى أنها لا تتمتع فقط بالحق في تعديل بعض أحكام الدستور وإنما لها الحق في إلغاء الدستور كله لتضع دستوراً جديداً يحل محله، مادامت تتمتع بهذه السلطة حيال القوانين العادية، باعتبار أن لها الحق في وضعها وإلغائها.

أ - مزايا الدساتير المرنة: تحقق هذه الدساتير من خلال سهولة تعديلها، ميزة في غاية الأهمية وهي قدرتها على التكيف والتطور، التي تجعلها متلائمة دوماً مع جميع تطورات الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهذه الميزة - استناداً إلى وجهة نظر أنصار الدساتير المرنة - ليس من شأنها زعزعة استقرار تلك الدساتير ولا زعزعة استقرار نظام الحكم المستمد من نصوصها، ذلك أن الدستور المرن وعلى الرغم من قابليته للتعديل بإجراءات القوانين العادية ذاتها لا يمكن أن يعدل من الناحية العملية إلا إذا اقتنعت جميع الاتجاهات الشعبية بضرورة هذا التعديل، ومن ثم فهو، على مرونته، يتمتع باستقرار نسبي إلى حدٍ كبير.

ب - عيوب الدساتير المرنة: إن سهولة تعديل الدساتير المرنة، هي سلاح ذو حدين فإذا كانت هذه السهولة تحقق للدستور ميزة التكيف والتطور إلا أنها في الوقت نفسه تفقده قدسيته وتجعله في مهب الأهواء السياسية والحزبية، إذ تُقدم السلطة التشريعية على إجراء تعديلات لا تقتضيها طبيعة التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الدولة وإنما تكون استجابة لبواعث وأغراض شخصية للحاكم أو بواعث حزبية لأغلبية أعضاء السلطة التشريعية.

ذلك أن الدستور المرن يفتقر لأهم ميزة من مزايا الدساتير وهي ميزة السمو الشكلي التي تتحقق للدستور بإخضاع إصداره وتعديله لإجراءات وقيود شكلية خاصة، تجعل المساس به أمراً صعباً، هذا السمو هو الذي يحقق للدستور قدسيته ويكسبه الاستقرار والثبات اللازمين ويجعله ضمانة حقيقية للمواطنين في مواجهة سلطات الدولة، ومن دونه يتحول الدستور إلى أداة تسلط وطغيان مفتقداً بذلك قدسيته في نظر السلطات الحاكمة.

2- الدساتير الجامدة La constitution rigide:

وهي تلك الدساتير التي لا يمكن تعديلها بالإجراءات العادية المتبعة في تعديل القوانين العادية وإنما تتطلب لتعديلها ضرورة اتباع إجراءات وشروط خاصة، أكثر شدة وأكثر صعوبة من تلك الإجراءات المتبعة في تعديل القوانين العادية.

هذه الإجراءات يتم تحديدها بدقة من خلال النص عليها صراحةً، في الدستور ذاته، وتتميز هذه الإجراءات بصعوبتها إذا ما قورنت بإجراءات تعديل القانون العادي، كما تتميز بأنها تصدر عن سلطة خاصة تختلف عن السلطة التشريعية العادية في تشكيلها العادي، إذ تسمى هذه السلطة المختصة بالتعديل «السلطة التأسيسية المنشأة» وهي من الناحية الشكلية أعلى مرتبة من السلطة التشريعية العادية التي تختص بمهمة وضع القوانين، فإذا كانت هذه السلطة تملك الحق في وضع القوانين بالأغلبية العادية، فإنها لا تملك الحق في تعديل الدستور إلا باتباع أغلبية مشددة كأغلبية الثلثين أو أغلبية ثلاثة أرباع، وذلك كالدستور السوري الحالي لعام 1973 والذي يتطلب لتعديله استناداً إلى لمادة (149) منه، ضرورة صدور اقتراح من رئيس الجمهورية أو ثلث أعضاء مجلس الشعب ولا يكون هذا الاقتراح نافذاً إلا بموافقة أغلبية ثلاثة أرباع أعضاء مجلس الشعب مقترنة بموافقة رئيس الجمهورية.

وقد تتطلب بعض الدساتير ضرورة اجتماع البرلمان بهيئة مؤتمر إذا كان مؤلفاً من مجلسين مع اشتراط أغلبية خاصة لإقرار التعديل، كالدستور الفرنسي الحالي الذي يمكن تعديله استناداً إلى المادة (89) منه من خلال اجتماع مجلسي البرلمان (الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ) في هيئة مؤتمر وذلك إذا تمت الموافقة على التعديل من قبل أعضاء المؤتمر بأغلبية ثلاثة أخماس الأصوات المدلى بها.

وقد تكون «السلطة التأسيسية المنشأة» سلطة أخرى مختلفة حتى عن السلطة التشريعية العادية من حيث التكوين، وذلك عندما تنص الدساتير على انتخاب جمعية تأسيسية لتولي مهمة تعديل الدستور وتنقضي وتنحل بمجرد انتهاء المهمة التي أنشئت لغرض تحقيقها، وذلك كأغلب دساتير الولايات الأعضاء في الاتحاد الفيدرالي الأمريكي.

ودساتير أخرى قد تولي مهمة التعديل للشعب من خلال اشتراطها ضرورة عرض مشروع التعديل الدستوري على الشعب ليصبح نافذاً سواء أقدم مشروع التعديل من قبل البرلمان أم من قبل جمعية تأسيسية تنتخب لهذا الغرض، وذلك كالدستور المصري الحالي لسنة 1971 الذي يتطلب لاعتبار مشروع التعديل نافذاً استناداً إلى المادة (189) منه، ضرورة عرضه على الشعب لاستفتائه في شأنه، فإذا وافق على التعديل عدّ نافذاً من تاريخ إعلان نتيجة الاستفتاء.

وواضح مما سبق، اختلاف دساتير الدول في الإجراءات التي تنص عليها لأجل تعديل نصوصها، فهي وإن اتفقت على ضرورة أن تكون إجراءات التعديل أكثر صعوبة من إجراءات تعديل القانون العادي إلا أنها اختلفت كثيراً بشأن كيفية تنظيم هذه الإجراءات.

أ - الاعتبارات التي تراعيها الدول عند تحديدها لإجراءات التعديل: تختلف إجراءات تعديل الدستور باختلاف دساتير الدول، وتعود هذه الاختلافات إلى مجموعة من الاعتبارات منها:

1) اعتبارات سياسية: وتقتضي هذه الاعتبارات ضرورة أن يراعى في إجراءات تعديل الدستور طبيعة نظام الحكم السائد في الدولة، إذ يفترض أن تشارك في التعديل، السلطات المهيمنة على نظام الحكم، ومن ثم فالدولة ذات النظام النيابي البرلماني، القائم على أساس التعاون والرقابة المتبادلة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، تراعي في إجراءات تعديل دستورها ضرورة مشاركة الحكومة والبرلمان، والدولة التي تأخذ بنظام الديمقراطية شبه المباشرة تراعي أن يشارك في التعديل البرلمان والشعب، والدولة ذات النظام الفيدرالي تعمل على ضمان مشاركة الولايات الداخلة في الاتحاد في عملية تعديل الدستور الاتحادي.

2) اعتبارات فنية: وتقضي بأن يراعى، عند تعديل الدستور، الأخذ بمبدأ (توازي الأشكال) والذي يعني بأن يتم تعديل الدستور من قبل سلطة يتم تشكيلها على غرار السلطة التي قامت بوضعه وباتباع الإجراءات والأشكال ذاتها التي اتبعت عند إصداره، فإذا كان الدستور قد وضع من قبل جمعية تأسيسية منتخبة، فيحرص واضعو الدستور على أن يتم تعديله بواسطة جمعية تأسيسية منتخبة، ومثال ذلك دستور فرنسا لعام 1793، وإذا كان وضع الدستور قد تم بواسطة جمعية منتخبة وتم عرضه على الشعب في استفتاء دستوري، فإن تعديله يقتضي ضرورة اتباع الإجراءات والأشكال ذاتها، ومثال ذلك دستور جمهورية مصر العربية الحالي لعام 1971 الذي تم إعداده بواسطة مجلس الشعب بوصفه جمعية تأسيسية ولم يصبح مشروع الدستور نافذاً إلا باستفتاء الشعب وموافقته، وهي الطريقة ذاتها المتعبة حالياً في تعديله استناداً إلى المادة (189) منه.

والواقع أن مراعاة هذه الاعتبارات ومن ثم تطبيق مبدأ توازي الأشكال من أجل تعديل الدستور، أمر بالغ الخطورة، لأنه يحيط تعديل الدستور بإجراءات قاسية في شدتها، ولذلك يخشى من وقوع الثورات والانقلابات فيما لو استحال التعديل نتيجة الاصطدام بهذه العراقيل الإجرائية المتطرفة.

لذلك فإن أغلب الدساتير لا تشترط مبدأ توازي الأشكال بين إجراءات صدور الدستور وإجراءات تعديله، بل تكتفي بإجراءات معقولة في شدتها بلا تطرف؛ إذ يكفي أن تكون إجراءات التعديل أكثر صعوبة من إجراءات تعديل القانون العادي من دون مغالاة أو تطرف ولذلك فالغالب في الدساتير الجامدة، أن تمنح السلطة التأسيسية المنشأة للسلطة التشريعية العادية ذاتها، ولكن بتشكيل خاص وأغلبية عالية مقارنة بالأغلبية العادية المطلوبة لإقرار وتعديل القوانين العادية على نحوٍ يضمن لها الجمود تحقيقاً لمجموعة من المزايا.

ب - مزايا الدساتير الجامدة: تحقق الدساتير الجامدة، مجموعة من المزايا، أدت إلى تفضيلها من قبل الدول المعاصرة، فهذه الدساتير بما تتطلبه من إجراءات خاصة لتعديلها مختلفة عن إجراءات تعديل القوانين العادية، من شأنها أن تؤمن الثبات والاستقرار للأحكام والقواعد الدستورية الواردة فيها، الأمر الذي يوفر لها الحصانة في مواجهة السلطة التشريعية، فلا يعود في وسع هذه الأخيرة الاعتداء على الأحكام الدستورية الواردة فيها بالتعديل أو بالإلغاء استجابة للأهواء العارضة للأغلبيات الحزبية السائدة فيها، لأن من شأن ذلك أن يعرض نظام الحكم للتقلبات والتعديلات العشوائية غير المدروسة التي تهدد كيان الدولة وتؤدي إلى فقدان الدستور ثباته واستقراره.

عدا عن أن هذا الجمود يحقق للدستور سموه وعلوه في مواجهة القوانين العادية سواء من الناحية الموضوعية أم من الناحية الشكلية، ذلك أن اشتراط إجراءات خاصة لتعديل الدستور يضمن إعطاء القواعد المنصوص عليها في الدستور، أعلى مرتبة قانونية في سلم القواعد القانونية النافذة في الدولة، ومن ثم لا يعود في وسع السلطة التشريعية العادية أن تضع أو تسن قانوناً مخالفاً للدستور، وإلا عدّ عملها باطلاً لمخالفته للدستور وجديراً بالإلغاء أو الامتناع عن التطبيق وفقاً لنوع الرقابة على دستورية القوانين الذي تعتمده الدولة، وذلك نظراً لعلو الدستور الجامد على جميع القوانين العادية.

ج- نطاق الجمود: إذا اتصف دستور الدولة بالجمود، فإن هذه الصفة تسري على جميع النصوص الواردة في الوثيقة الدستورية بصرف النظر عن طبيعتها وموضوعها، بمعنى أنها تعدّ دستورية شكلاً حتى لو كانت من الناحية الموضوعية من طبيعة قانونية عادية ونتيجة لجمود الدستور، لا يجوز تعديل أي نص من النصوص الواردة بين دفتي الوثيقة الدستورية - سواء أكان هذا النص من طبيعة دستورية لتعلقه بنظام الحكم في الدولة أو بتنظيم السلطات العامة فيها (وهو ما يوصف عادة بأنه نص دستوري شكلاً وموضوعاً) أم كان من طبيعة غير دستورية (وهو ما يوصف بأنه نص دستوري شكلاً لا موضوعاً) - إلا بواسطة الجهة التي أناط بها الدستور القيام بذلك، وضمن الشروط والإجراءات والأصول الواجب اتباعها لتعديل الدستور.

ولكن صفة الجمود هذه لا تمتد إلى القواعد التي تتضمنها القوانين العادية حتى لو كانت تعدّ دستورية من حيث طبيعتها أو جوهرها (وهي تلك القواعد التي توصف بأنها دستورية موضوعاً لا شكلاً) فمثل هذه القواعد يتم تعديلها عادة بقوانين عادية تصدر من قبل السلطة التشريعية العادية وفقاً للإجراءات ذاتها التي يتم بها تعديل القوانين العادية.

د- أنواع الجمود: الأصل في جمود الدستور أن يكون نسبياً، بمعنى أن من الجائز تعديل الدستور، ولكن مع ضرورة اتباع إجراءات وشروط خاصة مشددة تختلف عن إجراءات تعديل القوانين العادية، ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن يكون هذا الجمود (مطلقاً) بأن يكون من المحظور تعديل جميع الأحكام والقواعد المنصوص عليها في الدستور على نحو دائم وفي جميع الظروف، لأن مثل هذا الجمود باطل ومجرد من أي قيمة قانونية وذلك لسببين: أولهما سياسي يتعلق بتعارض هذا النوع من الجمود مع سنة التطور التي تقضي بضرورة تعديل الدستور بما يتلاءم مع الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية المحيطة به، لأنه إن لم يستجب لهذه التطورات على نحو شرعي وقانوني، فسيؤدي ذلك إلى إمكانية الثورة عليه والإطاحة به على نحو غير شرعي وغير قانوني استجابةً لتلك التطورات.

أما السبب الثاني الذي يؤدي إلى حظر الجمود المطلق للدستور فهو سبب قانوني يتمثل في تعارض هذا النوع من الجمود مع مبدأ سيادة الأمة، لأنه يؤدي إلى حرمان الأمة من ممارسة سيادتها في مجال تعديل الدستور بصفة أبدية، ولذلك نص الدستور الفرنسي الصادر عام 1791 على حق الأمة الذي لا يسقط بالتقادم في تغيير دستورها، وكذلك نص الدستور الفرنسي الصادر عام 1793 «على حق الشعب في أن يعدل ويغير دستوره لأن جيلاً معيناً لا يستطيع إخضاع الأجيال القادمة لقوانينه»، لذلك فإن الدول التي تأخذ بمبدأ الدساتير الجامدة، تتبنى مبدأ الجمود النسبي، بمعنى أنها تحرم تعديل الدستور نسبياً إما من حيث الموضوع أو من حيث الزمن، فيكون التحريم قاصراً على موضوع معين أو محرماً نسبياً لفترة زمنية محددة.

(1) الجمود المطلق الجزئي (حظر التعديل الموضوعي الدائم): ويعني النص في الدستور على حظر تعديل بعض الأحكام أو المبادئ المنصوص عليها في الدستور على نحو دائم ومؤبد وذلك بهدف حماية الدعائم الأساسية التي يقوم عليها النظام السياسي في الدولة، بحيث تبقى بلا تعديل أو تبديل، ومثاله ما نص عليه الدستور الفرنسي الحالي في المادة (89) الفقرة الخامسة من أن «الشكل الجمهوري للحكومة لا يمكن أن يكون محلاً للتعديل» أو ما نص عليه الدستور الكويتي الحالي في المادة (175) منه من أن «الأحكام الخاصة بالنظام الأميري للكويت وبمبادئ الحرية والمساواة المنصوص عليها في هذا الدستور لا يجوز اقتراح تنقيحها».

(2) الجمود المطلق المؤقت (حظر التعديل الزمني): ويعني النص في الدستور على حظر تعديل الدستور بجميع أحكامه إلا بعد فترة زمنية محددة من تاريخ نفاذه، وهذا النوع من الحظر نجده في الدساتير التي تهدف إلى إقامة أنظمة سياسية جديدة مغايرة للأنظمة السابقة عليها، وذلك رغبةً في تحقيق الثبات والاستقرار لهذه الأنظمة الجديدة بإعطائها فترة تجربة كافية لمواجهة المراحل الانتقالية، ومثال ذلك نص المادة (151) من الدستور السوري الحالي على أنه «لا يجوز تعديل هذا الدستور قبل مرور ثمانية عشر شهراً على تاريخ نفاذه».

(3) الجمود الجزئي المؤقت (حظر التعديل الموضوعي المؤقت): ويعني حظر تعديل بعض الأحكام والمبادئ التي نص عليها الدستور، على نحو مؤقت، أي خلال فترة زمنية معينة، مثال ذلك ما نص عليه دستور دولة قطر الدائم لسنة 2005 في المادة (147) من أن «اختصاصات الأمير المبينة في هذا الدستور لا يجوز طلب تعديلها في فترة النيابة عنه».

هـ- المفاضلة بين الدساتير المرنة والجامدة: يميل الفقه الدستوري إلى تفضيل الدساتير الجامدة على الدساتير المرنة وذلك على اعتبار أن صفة الجمود تؤمن للدساتير ميزة الثبات والاستقرار، وذلك بعكس الدساتير المرنة التي تؤدي سهولة تعديلها إلى وقوعها تحت تأثير الأهواء والاعتبارات الحزبية للأغلبية البرلمانية، الأمر الذي يؤدي إلى إضعاف قدسية هذه الدساتير لدى كلٍ من الحكام والمحكومين على السواء بعكس الدساتير الجامدة التي تتمتع بالقدسية نتيجة تحصينها ضد التعديلات غير المدروسة التي قد تقوم بها السلطة التشريعية.

عدا عن ملاءمة فكرة الجمود للطبيعة الموضوعية للقاعدة الدستورية باعتبارها أسمى وأعلى مرتبة من القوانين العادية، مما يفترض ضرورة المغايرة بين إجراءات تعديل الدساتير وإجراءات تعديل القوانين العادية، وهذا لا يتحقق إلا من خلال اشتراط إجراءات خاصة لتعديل الدستور، أكثر شدة وتعقيداً من إجراءات تعديل القوانين العادية، الأمر الذي يضفي على القاعدة الدستورية ميزة السمو الشكلي إلى جانب ما تتمتع به أصلاً من سمو موضوعي.

ثالثاً- تقسيم الدساتير من حيث أسلوب وضعها

أياً كان الأسلوب المتبع في وضع دستور الدولة، فإن السلطة التي تتولى وضع الدستور تسمى «السلطة التأسيسية الأصلية» Le pouvoir constituant originaire فهي سلطة تأسيسية لأنها تؤسس الدولة الجديدة، فعند نشأة دولة جديدة ليس لها دستور يكون تدخل السلطة التأسيسية الأصلية هو السبب في إنشاء الدولة ذاتها، باعتبارها تقوم بوضع دستور لتلك الدولة، يقوم بمهمة تنظيم السلطة العليا الحاكمة فيها.

وهي سلطة تأسيسية، لأنها تختص بوضع القواعد الدستورية التي تؤسس نظام الحكم في الدولة (فتبين شكل الحكومة، أهي ملكية أم جمهورية، تبين طبيعة نظام الحكم أهو برلماني أم رئاسي، تنشئ وتنظم السلطات العامة، تحدد اختصاصات الهيئات الحاكمة ووظائفها، توضح كيفية ممارسة هذه الوظائف وتلك الاختصاصات، وتبين ما لها من امتيازات وما عليها من واجبات، وتضع كذلك الضمانات الأساسية لحقوق الأفراد وواجباتهم إزاء الدولة).

وهي سلطة أصلية، تملك اختصاصاً أصلياً وأصيلاً بوضع دستور كامل جديد، من دون أن تخضع في ممارسة اختصاصها هذا لقواعد دستورية أو قانونية سابقة (لأنها تتدخل في وقت لا يوجد فيه نصوص دستورية نافذة، فتعمل على وضع مثل هذه النصوص في دستور الدولة الجديد).

ومن ثم فإن هذه السلطة، باعتبارها تقوم بوضع الدستور، الذي يتضمن قمة القواعد القانونية وأسماها وأعلاها، ستكون بالضرورة هي أصل الشرعية، لأنها مصدرها الأساسي والأعلى، باعتبار أن جميع درجات الهرم القانوني تأخذ مصدر قوتها وشرعيتها من أعلى درجة وهي قواعد الدستور.

وهي سلطة مطلقة الصلاحيات، لأنها تتمتع بحرية مطلقة في وضع الدستور الجديد، من دون أن تتقيد إرادتها بأية قيود أو شكليات أو إجراءات عند وضعها وإعدادها لدستور الدولة (فلها أن تهجر النظام الملكي إلى النظام الجمهوري أو بالعكس ولها أن تستبدل النظام البرلماني بنظام رئاسي، ولها أن تأخذ بالنظام الرأسمالي بدلاً من الاشتراكي وذلك وفقاً لما تراه مناسباً وملائماً لظروف الدولة).

هذه السلطة التأسيسية الأصلية التي تختص بمهمة وضع الدستور، هي التي تتمتع بالسيادة العليا في الدولة وقد تكون فرداً أو هيئة، فإذ كان النظام ملكياً مطلقاً، كان الملك هو صاحب السيادة العليا في الدولة وهو الذي يملك السلطة التأسيسية الأصلية من دون مشاركة الشعب، أما إذا كان النظام ديمقراطياً، فإن الشعب هو الذي يملك السيادة، وهو وحده صاحب الحق في وضع الدستور باعتباره يملك السلطة التأسيسية الأصلية كاملة.

ومن ثم فإن أساليب وضع الدساتير، تتنوع وتختلف تبعاً لتنوع واختلاف نظم الحكم السائدة في كل دولة، وينتج من ذلك اختلاف دساتير الدول وتقسيمها إلى نوعين، دساتير غير ديمقراطية ودساتير ديمقراطية تبعاً لتطور أنظمة الحكم من نظم غير ديمقراطية إلى نظم ديمقراطية تعترف بالسيادة للشعب وحده.

1- دساتير غير ديمقراطية:

وهي الدساتير التي توضع بأسلوب غير ديمقراطي، لا يكون فيها لإرادة الشعب، دور أساسي في عملية وضع الدستور.

وفي هذه الأساليب، إما أن ينشأ الدستور بإرادة الملك أو الحاكم المطلق وحده، وهو ما يطلق عليه وصف أسلوب (المنحة) وإما أن ينشأ الدستور نتيجة عقد بين الحاكم وبين الشعب فيكون الدستور ثمرة تلاقي إرادة هذين الطرفين وهو ما يطلق عليه وصف أسلوب (العقد).

وتمثل هذه الأساليب غير الديمقراطية مرحلة في تطور نظام الحكم الملكي وانتقاله من مرحلة الملكية المطلقة إلى مرحلة الملكية المقيدة.

أ- الدستور الصادر بأسلوب المنحةL’octroi: وهو الدستور الذي يوضع بإرادة الحاكم أو الملك وحده باعتباره صاحب السيادة ومصدرها من دون أي مشاركة من الشعب أو ممثليه، فالملك أو الحاكم بما له من سيادة، يقوم بإرادته المطلقة والمفردة بمنح شعبه دستوراً، يتنازل بمقتضاه عن بعض سلطاته لحساب ذلك الشعب ولمصلحته، ليقوم بذلك بتحويل سلطته من سلطة مطلقة إلى سلطة مقيدة، ومن ثم فهذا الأسلوب يفترض قيام الحاكم طوعاً بمنح شعبه دستوراً لينظم ممارسته للسلطة ولكن الواقع أثبت أن الحاكم إنما يقوم بمنح هذا الدستور مضطراً بل مجبراً تحت ضغط الشعب، ليتفادى بذلك سخطه وثورته، ومن ثم فهو يقوم مكرهاً بمنح شعبه دستوراً لحفظ سلطانه وكرامته.

ومن الأمثلة التقليدية على الدساتير التي نشأت بأسلوب المنحة، يذكر الفقه الدستوري عادةً، الدستور الفرنسي الصادر عام 1814، إذ نصت وثيقة إصداره «نحن الملك بإرادتنا الكاملة والحرة وبمقتضى سلطتنا الملكية نمنح لرعايانا الوثيقة الدستورية التالية...» فقد تم إصدار هذا الدستور من قبل الملك لويس الثامن عشر بعد هزيمة الامبراطور نابليون بونابرت وعودة الملكية إلى فرنسا.

ومن الأمثلة أيضاً يذكر الفقه الدستور الروسي لعام 1906، والدستور الياباني لعام 1889، والدستور الإيطالي لعام 1848، ومن الدساتير العربية الدستور المصري الصادر عام 1923، والدستور السوري المؤقت لعام 1964 وكذلك الدستور السوري المؤقت لعام 1969 والدستور السوري المؤقت لعام 1971 ودستور دولة الإمارات العربية المتحدة الصادر عام 1971 الذي جاء في ديباجته «نحن حكام إمارات أبو ظبي ودبي والشارقة وعجمان وأم القيوين والفجيرة نعلن أمام الخالق العلي القدير وأمام الناس أجمعين موافقتنا على هذا الدستور».

وتساءل بعض الفقه عن مدى التزام الملك بالدستور الذي قام بمنحه لشعبه، وعما إذا كان من حقه أن يقوم باسترداده، وهنا قررت أغلبية الفقه، أن الملك الذي يصدر الدستور بأسلوب المنحة لا يستطيع الرجوع عما تنازل عنه للشعب من سلطات، بمعنى أنه لا يجوز له استرداد الدستور الذي منحه إلا برضاء ممثلي الأمة، ذلك أن الحاكم أو الملك حينما قام بمنح الدستور وتنازل من ثم بإرادته المنفردة عن بعض سلطاته، يكون قد التزم قانوناً بما منحه، لأن الالتزام بالإرادة المنفردة يقيد قانوناً شخص الملتزم فلا يجوز له الرجوع عنه، متى ترتب عليه حق للغير.

فإذا كان صحيحاً أن الدستور الصادر منحةً يعدّ وليد الإرادة المنفردة للحاكم إلا أن قبول الأمة للدستور يلزم الحاكم بعدم الرجوع عنه، لأن الإرادة المنفردة تكون مصدراً للالتزامات متى صادفت قبولاً من أصحاب الشأن ومن ثم يمتنع على الحاكم - بعد قبول الأمة الدستور الممنوح لها - أن يسحبه أو يلغيه إلا برضاء ممثليها.

عدا عن أن الحاكم حينما يمنح شعبه دستوراً لا يعطي الشعب حقاً جديداً وإنما يعيد له حقاً من حقوقه التي اغتصبها بطرق غير مشروعة، ومن ثم فإن العودة عن هذه المنحة هي اغتصاب جديد لهذا الحق لا يمكن السكوت عنه من قبل الشعب وهو ما حدث في فرنسا عام 1830 عندما قام الملك شارل العاشر، بسحب دستور عام 1814، فاندلعت ثورة شعبية أطاحت به وأتت بالأمير (لويس فيليب) ملكاً على فرنسا، بعد قبوله للدستور الذي عرضه عليه ممثلو الشعب الفرنسي.

وعلى الرغم من منطقية الرأي السابق إلا أن الواقع أثبت أن الدستور الذي وضع بأسلوب المنحة تم سحبه وتعديله بالإرادة المنفردة للملك أو الحاكم وذلك بحجة أن من يملك حق المنح يملك حق السحب والاسترداد وهو ما حدث في فرنسا عام 1830 عندما قام الملك شارل العاشر في فرنسا بإصدار قرار ملكي أعلن فيه إلغاء دستور عام 1814 بحجة أن المنحة أو الهبة في الحقوق العامة تتشابه مع الهبة في الحقوق الخاصة، وكما يحق للواهب الرجوع عن الهبة يحق للملك الرجوع عن دستوره إذا صدر عن الشعب جحود للمنحة ونكران للجميل.

ب- الدستور الصادر بأسلوب التعاقدLe pacte: وهو ذلك الدستور الذي يتم وضعه باتفاق أو تعاقد بين الحاكم أو الملك من جهة وبين الشعب من جهة أخرى، بحيث لا ينفرد الحاكم بوضع الدستور بإرادته المنفردة وحدها، بل يشاركه الشعب في وضع الدستور عن طريق مجلس منتخب يمثله ليتعاقد مع الحاكم على إنشاء الدستور وتحديد قواعده.

ومن ثم فإن هذا الدستور أكثر ديمقراطية من الدستور الصادر بأسلوب المنحة، ويمكن عدّه مرحلة انتقالية بين الأساليب غير الديمقراطية التي ينفرد فيها الحاكم بوضع الدستور وبين الأساليب الديمقراطية التي تنفرد فيها الأمة بهذا الحق، مع ملاحظة أنه أقرب إلى الأساليب غير الديمقراطية منه إلى الأساليب الديمقراطية لأنه يجعل الحاكم مساوياً للشعب وشريكاً له في السيادة، بدلاً من أن يكون الشعب وحده صاحب السيادة كما تقضي بذلك المبادئ الديمقراطية.

ونظرياً، بما أن العقد شريعة المتعاقدين لا يجوز نقضه أو إلغاؤه أو تعديله إلا بإرادة طرفيه فإن الدستور الذي يوضع استناداً إلى هذا الأسلوب لا يمكن إلغاؤه أو سحبه أو تعديله إلا باتفاق إرادة الطرفين المتعاقدين، ولكن تاريخياً، مع تقدم وعي الشعوب في الارتقاء نحو الديمقراطية، فإن إلغاء هذه الدساتير تم من طرف واحد، وهو الشعب الذي لم يعد يقبل بمشاركة الحاكم له في السيادة، فقام بالثورة لينتزع حقه في السيادة الكاملة وليصبح وحده صاحب السيادة وصاحب السلطة التأسيسية الأصلية.

ومن الدساتير التي وضعت باتباع هذا الأسلوب، الدستور الفرنسي لعام 1830 الذي وضع إثر ثورة يوليو 1830 التي كان من نتيجتها تنازل شارل العاشر عن العرش، إذ اجتمع المجلس النيابي وقام بوضع دستور جديد لفرنسا، ليعرضه بعد ذلك على ولي العهد (لويس فيليب) الذي اضطر إلى قبوله والالتزام بأحكامه بلا قيد أو شرط، ليعتلي بذلك عرش فرنسا تحت اسم (ملك الفرنسيين).

ومن الأمثلة كذلك على هذا النوع من الدساتير ما حدث في إنكلترا عام 1215، عندما ثار الأشراف على الملك جون وأجبروه على توقيع وثيقة «الميثاق الأعظم » Magna Carta التي قيدت سلطاته وكفلت الحقوق والحريات الأساسية للأفراد، وكذلك الأمر في «وثيقة الحقوق» Bill of Rights التي صدرت عام 1689.

2- دساتير ديمقراطية:

وهي تلك الدساتير التي انفرد الشعب بمهمة وضعها من دون تدخل أو مشاركة من جانب الحاكم، وذلك عندما انتقلت السيادة بفعل الثورات والمبادئ الديمقراطية من الحاكم إلى الأمة أو الشعب الذي أصبح وحده صاحب السيادة في الدولة، ومن ثم أصبح وحده صاحب السلطة التأسيسية الأصلية.

وتقسم هذه الدساتير إلى نوعين، فإما أن توضع بأسلوب يطلق عليه اسم «الجمعية التأسيسية» وإما أن توضع بأسلوب «الاستفتاء التأسيسي».

أ- الدستور الصادر بأسلوب الجمعية التأسيسية: وهو أكثر الدساتير شيوعاً في العصر الحديث وتتلخص طريقة وضعه في قيام الشعب بانتخاب هيئة خاصة، تتولى نيابة عنه مهمة إنشاء الدستور، بحيث يكون انتخاب هذه الهيئة قد تم خصيصاً لهذا الغرض، ثم ينتهي دورها وينقضي بإنجاز مهمتها.

فبعد انتخاب أعضاء هذه الهيئة التي تسمى بـ «الجمعية التأسيسية» أو «المؤتمر الدستوري» أو «المجلس التأسيسي» يتم إعداد مشروع الدستور من قبلها ثم تتولى إقراره بأغلبية أعضائها، فإذا توافرت هذه الأغلبية أصبح مشروع الدستور نافذاً بمجرد انتهاء عملية إقراره ولا حاجة إلى عرضه على الشعب لاستفتائه فيه أو أخذ موافقته عليه.

إذ يعدّ هذا الدستور كأنه صادر عن الشعب لأنه أوكل مهمة وضعه للجمعية التأسيسية المنتخبة التي تمثله، ومن ثم ففي ظل هذا الأسلوب يباشر الشعب سلطته التأسيسية في وضع الدستور بأسلوب غير مباشر، بواسطة الجمعية التأسيسية.

فيكون هذا الأسلوب تطبيقاً حقيقياً لنظام «الديمقراطية التمثيلية أو النيابية» الذي يقتصر فيه دور الشعب على عملية اختيار النواب، الذين سيقررون باسمه ونيابةً عنه.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الجمعية التأسيسية وعلى الرغم من أنها منتخبة من قبل الشعب شأنها شأن السلطة التشريعية إلا أنها أعلى منها مركزاً، فهي تتفوق عليها بسبب طبيعة مهمتها، ففي حين تقتصر مهمة السلطة التشريعية على سن القوانين العادية، تقوم هذه الجمعية بمهمة وضع الدستور الذي يمثل أساس وجود السلطة التشريعية وأساس اختصاصها وأساس شرعية عملها.

ظهر هذا الدستور أول مرة في الولايات الأمريكية، عقب استقلالها عن المملكة البريطانية العظمى عام 1776 حيث استخدمت تلك الولايات أسلوب الجمعية التأسيسية المنتخبة في وضع دساتيرها الخاصة، كما تم استخدام هذا الأسلوب أيضاً عند اتحاد هذه الولايات عام 1787 وذلك عند وضع الدستور الاتحادي الأمريكي، إذ أطلق على الجمعية التأسيسية التي تولت مهمة وضع ذلك الدستور اسم (مؤتمر فيلادلفيا الدستوري Philadelphia Constitutional Convention) ومن الولايات المتحدة الأمريكية، انتقل هذا الأسلوب إلى فرنسا بعد ثورتها عام 1789 وذلك عند وضع أول دساتير الثورة عام 1791 وعند وضع دستور عام 1848 ودستور 1875، ولكنها استبدلت بمصطلح (المؤتمر Convention) المستخدم في الولايات المتحدة الأمريكية، مصطلحاً آخر أكثر دلالة على فكرة الجمعية النيابية التأسيسية وهو اصطلاح L’Assemblée Constituante والذي يعني بالعربية «الجمعية التأسيسية».

ومن فرنسا، استخدم هذا الأسلوب في بلاد كثيرة، عقب الحربين العالميتين الأولى والثانية، فاستخدم في وضع دستور فيمار الألماني عام 1919، والدستور النمسوي عام 1920، والدستور الإسباني عام 1931 والدستور الياباني عام 1947 والدستور الإيطالي عام 1947 والدستور البلغاري 1947، والدستور التشيكوسلوفاكي عام 1948، والدستور الهندي عام 1949 والدستور السوري عام 1950 (بعد الانقلاب العسكري الثاني بقيادة الزعيم سامي الحناوي)، والدستور اليوغسلافي في عام 1956 والدستور الحالي للجمهورية التونسية عام 1959.

وتنبغي الإشارة إلى أن الدستور الذي يوضع بأسلوب الجمعية التأسيسية لا يعدّ ديمقراطياً، إلا إذا توافرت الشروط التالية:

1- يجب أن تكون الجمعية التأسيسية التي تقوم بمهمة إعداد الدستور وإقراره بصفة نهائية، منتخبة من الشعب، أما إذا تم تعيين أعضائها (من قبل الحكومة أو من قبل السلطة التشريعية) فيفقد الدستور الصادر عنها صفته الديمقراطية.

2- يجب أن يكون انتخاب أعضاء الجمعية قد تم بأسلوب ديمقراطي، وفقاً لمبادئ الاقتراع العام الحر، المتساوي، السري، المباشر.

3- ضرورة العمل على إتاحة الفرصة أمام جميع الأحزاب السياسية للمشاركة في عملية انتخاب أعضاء الجمعية التأسيسية، بغرض منح الناخبين خيارات متعددة.

4- العمل على توفير المناخ الديمقراطي، الذي يكفل ويصون الحريات العامة.

5- إتاحة الفرصة للجمعية التأسيسية لممارسة عملها بحرية وحياد تامين من خلال جعلها في منأى عن أي ضغط سياسي قد يؤثر في عملها.

ب - الدستور الصادر بأسلوب الاستفتاء التأسيسيReferendum constituant: وهو الدستور الأكثر ديمقراطية على الإطلاق، لأن فيه تطبيقاً كاملاً لمبدأ «سيادة الشعب»، فالشعب صاحب السيادة ومصدر السلطات، يقوم بممارسة سلطته الدستورية الأصلية بنفسه من خلال وضعه بصورة مباشرة للدستور الذي يلائمه.

ولا يكون مشروع الدستور نافذاً وملزماً قانوناً إلا إذا وافق عليه الشعب مباشرة، بعد عرضه عليه من خلال الاستفتاء.

وبتتبع واقع تجارب الدول التي أخذت بهذا الأسلوب، يتضح وجود طريقتين لإعداد مشروع الدستور الذي سيعرض على الاستفتاء الشعبي:

1) الطريقة الأولى: وهي الأكثر استخداماً وتكون من خلال قيام الشعب بعملية انتخاب أعضاء جمعية تأسيسية يقتصر دورها على إعداد مشروع الدستور وصوغه فقط من دون إقراره الذي لا يكون نهائياً وملزماً ونافذاً إلا بموافقة أغلبية الشعب بعد عرض مشروع الدستور عليه في الاستفتاء.

2) الطريقة الثانية التي يميل بعض الفقه الدستوري إلى تسميتها بـ «التصديق الشعبي» وهي تكون من خلال قيام لجنة حكومية (قامت بتشكيلها الحكومة بإشراف مجلس الوزراء) أو لجنة فنية (يتميز أعضاؤها بالخبرة في المجال القانوني والشأن الدستوري) بمهمة إعداد مشروع الدستور.

ويميل بعض الفقه إلى تفضيل الطريقة الأولى على الطريقة الثانية، بل يذهب بعضهم إلى حد إنكار الطبيعة الديمقراطية للدستور إذا كان مشروعه قد أُعد من قبل لجنة حكومية أو فنية وذلك على اعتبار أن وضع مشروع الدستور بهذه الطريقة من شأنه أن يجعل اللجنة تحت هيمنة الحكومة، الأمر الذي يجعل المشروع مطبوعاً برغبات السلطة الحاكمة.

ولعل السبب في وجهة النظر السابقة يعود إلى بعض التجارب التاريخية المريرة التي عُهد فيها إلى لجان فنية بتحضير مشاريع دساتير، فانحرفت عن أهدافها واكتفت بتقنين رغبات الحكام في الاستئثار بالسلطة (كالاستفتاءات التي أجراها نابليون عام 1802 لاختياره قنصلاً مدى الحياة، وعام 1804 لجعل الإمبراطورية وراثية في سلالته) أما الحذر من عمل اللجان الحكومية فيمكن تفسيره بسبب كثرة استخدام هذا الأسلوب في فترات عدم الاستقرار الحكومي (عقب الثورات والانقلابات أو في أثناء الحروب)؛ إذ تسارع السلطة الحاكمة إلى عرض مشروع الدستور على الشعب ليبين رأيه فيه، مستغلةً حماسته للعهد الجديد أو كراهيته للنظام السابق.

ولا شك في أن قيام جمعية تأسيسية منتخبة أفضل من قيام لجنة حكومية أو فنية بإعداد مشروع الدستور إلا أنه في الحالتين يبقى الاستفتاء في حد ذاته أكثر الأساليب ديمقراطية في إقرار الدساتير، ففي النهاية الشعب هو صاحب الكلمة الفصل في الموافقة على الدستور، حتى لو تم إعداده عن طريق جمعية منتخبة فمشروع الدستور الفرنسي لعام 1946 أعدته جمعية منتخبة ومع ذلك فقد رفضه الشعب الفرنسي في استفتاء جرى في شهر أيار (مايو) من العام ذاته وانتخب جمعية جديدة أعدت مشروعاً آخر عُرض عليه من جديد في شهر تشرين الأول (أكتوبر) ووافق عليه في استفتاء جديد.

والدليل على صحة الرأي السابق أن الدستور الفرنسي الحالي الذي صدر عام 1958 وضع مشروعه بواسطة لجنة حكومية، شكلتها حكومة الجنرال ديغول التي فوضها البرلمان الفرنسي وقتها لإعداد مشروع الدستور، وعندما عرض على الشعب لاستفتائه فيه وافق عليه بأغلبية ساحقة من دون أن يثار أي اعتراض شعبي أو فقهي حول عدم ديمقراطيته.

ومن الدساتير المعاصرة التي اتبعت هذا الأسلوب دستور جمهورية مصر العربية الحالي لعام 1971 والذي وضع مشروعه من قبل مجلس الأمة - وهو البرلمان المنتخب طبقاً للدستور المؤقت لعام 1964 - ثم وافق عليه الشعب في الاستفتاء.

وكذلك الأمر بالنسبة لدستور الجمهورية العربية السورية الحالي لعام 1973 الذي وضع مشروعه بواسطة مجلس الشعب، إذ شكلت في 26 آذار (مارس) عام 1972 لجنة برئاسة رئيس مجلس الشعب، وانتهت بعد عام تقريباً، إلى وضع مشروع دستور الجمهورية العربية السورية، ثم عرض على مجلس الشعب، فأقره بعد مناقشات طويلة، وبتاريخ 3/3/1973 أصدر رئيس الجمهورية المرسوم رقم /199/ المتضمن دعوة المواطنين للاستفتاء على الدستور المذكور وفي تاريخ 12/3/1973 تم الاستفتاء وانتهى إلى تأييد أغلبية الناخبين لمشروع الدستور، وفقاً لنتيجة الاستفتاء المعلنة بتاريخ 13/3/1973، وعندها أصدر رئيس الجمهورية المرسوم رقم /208/ القاضي بنشر الدستور في الجريدة الرسمية واعتباره نافذاً من تاريخ 13/3/1973 وهو تاريخ إقراره بالاستفتاء الشعبي.

ولكي يكون الدستور الصادر بأسلوب الاستفتاء ديمقراطياً، فمن الضروري أن يحقق عدداً من الضمانات منها:

1- أن يجري الاستفتاء في مجتمع سياسي يتمتع فيه الأفراد بدرجة من الوعي والنضج السياسي تسمح لهم بتفهم شؤونهم العامة، إذ ليس من المقبول استفتاء شعب أمي لا يعرف القراءة ولا الكتابة فالاستفتاء لغةً هو طلب الفتوى ولا يعقل بداهةً أن تطلب الفتوى من جاهل لا علم له.

2- أن يكون الاستفتاء مسبوقاً بمناقشات كافية، تسمح باستعراض جميع وجهات النظر المتباينة من مختلف فئات الشعب وهذا يفترض انقضاء فترة زمنية كافية، تفصل بين لحظة إعلان مشروع الدستور المقترح على الرأي العام بواسطة أجهزة الإعلام المختلفة وبين لحظة الاستفتاء عليه، حتى تتاح أمام المواطنين الفرصة للاطلاع على المشروع والوقوف على ما ينطوي عليه من المزايا والعيوب.

3- أن يتم الاستفتاء في جو ديمقراطي، يتمتع فيه المواطنون بحرياتهم العامة كافة، ولاسيما حريتهم في الرأي والتعبير وحرية الصحافة وحرية الاجتماع وهذا يستلزم إتاحة الفرصة أمام الجميع أفراداً وأحزاباً للتعبير عن آرائهم بحرية تامة، إذ لا يجوز استبعاد الاتجاهات المعارضة أو حرمانها من حرية التعبير عن آرائها.

4- أن يجري الاستفتاء تحت إشراف ورقابة الهيئات القضائية أو على الأقل تحت إشراف جهات أو هيئات أخرى مستقلة ومحايدة، تضمن نزاهته والحيلولة دون تزييف نتائجه ومن ثم تشويه رأي الشعب ورغباته.

ج- المفاضلة بين أسلوبي الجمعية التأسيسية والاستفتاء الدستوري: حاول بعض الفقه الدستوري المفاضلة بين طريقة الاستفتاء الدستوري وطريقة الجمعية التأسيسية وانتهى إلى تفضيل أسلوب الاستفتاء الدستوري على اعتبار أن أسلوب الجمعية التأسيسية يؤدي إلى تحجيم دور الشعب وحصره في إطار ضيق يقتصر على المساهمة السلبية التي لا تتجاوز اختيار أعضاء الجمعية التأسيسية من دون أن يتدخل الشعب في تحديد اتجاهات الجمعية أو التأثير بالإيجاب في مضمون الدستور الذي يتحدد مصيره من قبل أعضاء الجمعية المنتخبة، بعيداً عن رقابة الشعب الذي يعطي الجمعية تفويضاً على بياض، في حين أن الدستور الموضوع بأسلوب الاستفتاء التأسيسي يكون أكثر تعبيراً عن الرأي الحقيقي للشعب.

والواقع أن الفرق بين فريق المفضلين لطريقة الجمعية التأسيسية وفريق المفضلين لطريقة الاستفتاء التأسيسي يكمن في أن الفريق الأول.

مراجع للاستزادة:

- إبراهيم عبد العزيز شيحا، النظم السياسية والقانون الدستوري (دار الجامعة، بيروت 1988).

- ثروت بدوي، القانون الدستوري وتطور الأنظمة الدستورية في مصر (دار النهضة العربية، القاهرة 1969).

- حسن البحري، القانون الدستوري، (د. م) 2009.

- رمزي طه الشاعر، النظرية العامة للقانون الدستوري، (د. م) 1996.

- عبد الغني بسيوني عبد الله، القانون الدستوري (الدار الجامعية 1987).

- غسان بدر الدين وعلي عواضة، المؤسسات السياسية والقانون الدستوري (دار الحقيقة، بلا تاريخ).

-  فيصل كلثوم، دراسات في القانون الدستوري والنظم السياسية (منشورات جامعة دمشق، كلية الحقوق 2005).

- كمال الغالي، مبادئ القانون الدستوري والنظم السياسية (مطبوعات جامعة دمشق 1989).

- محسن خليل، النظم السياسية والقانون الدستوري، الجزء الثاني، (د.م) 1969.

- محمد رفعت عبد الوهاب، القانون الدستوري (منشأة المعارف بالإسكندرية، بلا تاريخ).

- محمد طي، القانون الدستوري والمؤسسات السياسية، (د.م) 1994.

- محمد المجذوب، القانون الدستوري والنظام السياسي في لبنان (منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت 2002).

- رمضان بطيخ، النظرية العامة للقانون الدستوري وتطبيقاتها في مصر (دار النهضة العربية، القاهرة 1999).

- عبد الحميد متولي، القانون الدستوري والأنظمة السياسية مع المقارنة بالمبادئ الدستورية في الشريعة الإسلامية (منشأة المعارف، الإسكندرية 1999). يفضل النظام النيابي أسلوباً لممارسة الديمقراطية، أي قيام الشعب بممارسة السيادة عن طريق النواب، فتقتصر مهمته على عملية انتخابهم، ليقوموا فيما بعد بمهمة وضع الدستور بصورة نهائية من دون الرجوع إليه، في حين أن الفريق الثاني يفضل النظام الديمقراطي المباشر أسلوباً لممارسة الديمقراطية إذ يمارس الشعب سيادته بنفسه ويقرّ الدستور عن طريق الاستفتاء.

ويبدو أن الاتجاه الفقهي الراجح اليوم يميل إلى الأخذ بأسلوب الاستفتاء الدستوري، الذي يُشعر المواطنين بأهمية وفاعلية دورهم في الحياة العامة ويُشركهم في اختيار النظام الدستوري الذي يلائمهم.

 


التصنيف : القانون العام
النوع : القانون العام
المجلد: المجلد الثالث: الجرف القاري ــ الرسم والنماذج الصناعية
رقم الصفحة ضمن المجلد : 439
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 1114
الكل : 43830459
اليوم : 113854