logo

logo

logo

logo

logo

الفساد الإداري

فساد اداري

administrative corruption - corruption administrative

 الفساد الإداري

الفساد الإداري

مهند نوح

تعريف الفساد الإداري

أشكال الفساد الإداري

أسباب الفساد الإداري

آثار الفساد الإداري

مكافحة الفساد الإداري

 

أولاًـ تعريف الفساد الإداري:

الفساد الإداري La corruption administrative هو سلوك غير سوي ينطوي على قيام أحد رجال الإدارة العامة باستغلال سلطته ومركزه الوظيفي لتحقيق منفعة له ولذويه، وبمخالفة القوانين والأنظمة، وعلى حساب المصلحة العامة.

ويحلل الفساد عموماً على ثلاثة مستويات، مستوى الفرد ومستوى الجماعة ومستوى المنظمة، وإذا حلل الفساد على المستوى الفردي، فإن ذلك يعني وجود مجموعة من العوامل الفردية تتعلق بالفساد، وأول هذه العوامل مصلحة الفرد، وأيضاً هناك طبيعة الوقت والمرحلة التي تؤدي إلى وجود مشاعر إيجابية أو سلبية تجاه الفساد، فإن عامل الزمن قد يعوق أو يشجع انتشار الفساد، وهناك أيضاً طبيعة الولاءات والقضايا والأشخاص ذوي العلاقة بالفساد، إذ يلاحظ أن اتجاهات الأفراد تكون إيجابية أو سلبية حسب تنوع القضايا المطروحة والولاءات القبلية والمهنية والحزبية، واختلاف الأشخاص المنخرطين في عملية الفساد.

أما تحليل الفساد على مستوى الجماعة فيدل على أن منظومة القيم التي تدين بها الجماعة تؤثر سلبا أو إيجاباً في الفساد، كما أن الفساد يتنوع وفقاً لنمط الثقافة السائدة لدى كل جماعة على حدة.

أما تحليل الفساد على مستوى المنظمات، فيلاحظ أن الفساد يختلف من منظمة إلى أخرى، تماشياً مع ظروف المكان والزمان والظروف البيئية المحيطة، إضافة إلى أن الفساد لا يرتبط بالمنظمات البيروقراطية كبيرة الحجم فقط، إذ توجد مستويات محتلفة للفساد في إطار المنظمات الخاصة، وتنظيمات المجتمع المدني، والأحزاب السياسية، والشركات الخاصة.

ومن الملاحظ أن العولمة المتزايدة للاقتصاد قد أضافت إلى الفساد طابعاً دولياً أدى إلى انتشار هذه المشكلة واتساع نطاقها، إذ يزيد توسع التكامل الاقتصادي العالمي وتعميقه من احتمال شيوع آثار الفساد في الاقتصاد العالمي بأكمله، إذ يسهم الاقتصاد العالمي من خلال سرية الحسابات المصرفية في القيام بعملية غسيل للأموال المتراكمة من جرائم الفساد، كما أن ظهور نظام مالي دولي متشابك إلكترونياً أدى على نحو ملحوظ إلى زيادة فرص الفساد ومن ثم صعوبة السيطرة عليه.

ويمكن تحديد خصائص الفساد كما يلي:

إن الأفعال المتعلقة بالفساد تتسم بالسرية، وعدم البوح بها.

تنطوي أعمال الفساد على الخديعة والتحايل والالتفاف على القوانين والقفز عليها، ولاسيما في حالة عدم التزام الدولة ومؤسساتها بالنظام والقانون.

تنطوي عمليات الفساد على استغلال السلطة والنفوذ الذي يتمتع به الفاسدون.

يتسم الفساد بالطبيعة الجماعية، فقد يشترك غالباً أكثر من شخص في ارتكاب الفساد، وقد يتجلى الفساد عن طريق مجموعات يتوازع أفرادها الأدوار في الأجهزة الإدارية المختلفة للدولة.

يتسم الفساد بعدم العشوائية، إذ يتمتع بطبيعة محكمة، وله شبكة مترابطة سرية متغلغلة في مختلف المجالات.

ثانياً ـ أشكال الفساد الإداري:

يصنف الفساد الإداري حسب مهام الإدارة ووظائفها، وهذا التصنيف للفساد يعتمد على البحث في هذه الظاهرة وفقاً لعناصر الوظيفة الإدارية، إذ يبحث الفساد في نطاق التخطيط ثم التنظيم الإداري، ثم الرقابة الإدارية، ويتجلى الفساد في إطار التخطيط حين تكون أهداف الخطط موجهة في اتجاه محدد لا في سبيل تحقيق المصلحة العامة، بل في سبيل المصالح الخاصة، ومن ثم تتحقق أهداف الخطة، ولكن في سياق تلبية هذه المصالح الخاصة، وتبرز خطورة ذلك خصوصاً على مستوى التخطيط المركزي.

أما على مستوى التنظيم فيبرز تنامي الفساد من خلال ازدياد تدخل الدولة في المجالات المختلفة ولاسيما الاقتصادية منها، فكلما ازداد تدخل الدولة وكلما ازدادت التراخيص والأذونات التي يمكن أن تعطيها الإدارة العامة لممارسة أنشطة مختلفة ازدادت احتمالات الفساد.

أما على مستوى الرقابة فيلاحظ أن الرقابة قد تصبح أحد أوجه الفساد وأسبابه الكبرى، في الوقت الذي يجب أن تلعب فيه دوراً في كشف الفساد، وذلك حين لا تكون متلائمة مع طبيعة النشاط الذي تنصب عليه، وعندما لا تقوم على أسس علمية مدروسة، وعندما لا تكون مرنة وواضحة وسريعة، ولعل أكثر ما يقود الرقابة لتصبح أداة للفساد هو خروجها عن الطابع الموضوعي الذي يفترض أن يكون سلاحها الفعال. وبذلك تصبح قائمة على أسس تقديرية وشخصية، مما يؤثر  في استقرار الإدارة، وينشر الخوف والرعب في نفوس العاملين فيها، ويعزز روح التهرب من المسؤولية، ويؤدي إلى انخفاض الإنجاز.

وإضافة إلى التقسيم السابق يصنف الفساد على أساس الموضوع، فهناك من جهة الفساد الإداري، ومن جهة أخرى هناك الفساد الاجتماعي، ويتمثل الفساد الإداري في شتى مظاهر الانحرافات الإدارية والوظيفية والتنظيمية، ويصل الفساد الإداري إلى حد التسيب الإداري الذي يترتب عليه فساد المؤسسات واختلاط المعايير وفقدانها لأهميتها ومعناها. إضافة إلى انتشار سلوك التملق والنفاق، وظهور الشخصية الزئبقية التي ليس لها من مصلحة سوى مصلحتها الشخصية. وضمن هذا المناخ تبرز صور إساءة استعمال السلطة الحكومية، والتي تأتي الرشوة على رأسها، وكذلك صرف النفوذ، والابتزاز والاختلاس عن طريق تزييف السجلات..أما الفساد على المستوى الاجتماعي، فهو المحرك الأكبر للفساد على المستوى الإداري، فتفشي الفساد في المجتمع بوجه عام، وانتشاره كقيم يعتقد بها الجميع، يشكل مدخلات مباشرة لإنتاج أنماط الفساد ضمن الإدارة العامة.

ثالثا ًـ أسباب الفساد الإداري:

 ترجع أسباب الفساد إلى أسباب ذات طبيعة اجتماعية واقتصادية وسياسية وإدارية، فمن الناحية الاجتماعية يرجع بعضهم الفساد إلى وجود خلل في بناء المجتمع ووظائفه، الأمر الذي ينعكس سلباً على طبيعة العلاقات والسلوكيات، ومن ثم فإن البعد الاجتماعي للفساد يتجلى من خلال الأخذ والعطاء القائمين على أساس ضياع الثقة الاجتماعية.

ويحلل آخرون الفساد من الناحية الاجتماعية على أساس ميل الفساد إلى الانتعاش في مراحل النمو السريع والتحديث، بسبب القيم المتغيرة ومصادر الدخل المتنوعة وقوى السوق الجديدة والتوسع الحكومي، وعلى كل حال، فإن القيم الحضارية والاجتماعية السائدة تؤثر في تفكير أفراد الجهاز الإداري وسلوكهم، ومن ثم تؤثر في عملية اتخاذ القرار الإداري. وهذا يعني أن تدهور القيم وانحرافها عن توجهات المجتمع من شأنه أن يخلق وضعاً متناقضاً يقود إلى تفشي ظاهرة الفساد التي تعرقل حركة المجتمع الصاعدة، ويصبح الفساد ذاته منتجاً لقيم هدامة تؤدي إلى إخفاق العملية التنموية، بحيث يصبح ممارسو الفساد قوة مضادة لمسيرة المجتمع ومدمرين لها، مع ما يقود إليه ذلك من إنتاج نمط ثقافي يسيطر على منهج تفكير الأفراد في نطاق علاقتهم بالإدارة العامة، هذا النمط الثقافي هو الذي يمكن أن يطلق عليه نمط ثقافة الفساد.

أما من الناحية السياسية، فإنه مما لا شك فيه أن انتشار الفساد يتأثر بوجود سلطة تشريعية تتمتع بالكفاءة والقدرة ومنتخبة ديموقراطياً، وقادرة على التأثير ولا سيما في نطاق رقابتها السياسية على السلطة التنفيذية، وبوجود سلطة تنفيذية تتمتع بالجدارة والإمكانية والولاء للمصلحة العامة، وتعمل في إطار المنظومة التشريعية النافذة، وبوجود سلطة قضائية مستقلة عن النظام السياسي مطلقة الصلاحية في تطبيق القانون. كما يجب أن توجد سلطة إعلامية رابعة تمارس الرقابة والمساءلة الشعبية على أعمال وتصرفات الجهاز الإداري، وتكشف عن حالات الفساد بصورة موضوعية.

وعلى المستوى الاقتصادي تتمثل أسباب الفساد في ضعف مستوى الدخول، وتردي القوة الشرائية للأفراد، ولاسيما لدى طبقة الموظفين في مستويات الإدارة الوسطى، وكذلك يعد ارتفاع معدلات البطالة من الأسباب الاقتصادية المهمة لانتشار الفساد، وكذلك الحال فإن الكساد الاقتصادي وما يسببه من اختلال في ميزان القوى الاجتماعية والتداخل بين العوامل الاقتصادية والسياسية، وما يفرزه من شرائح اجتماعية طفيلية تتسبب في تكديس الثروة بيد القلة وتوليد البؤس لدى الكثرة.

وعلى المستوى الإداري، فإن أسباب الفساد تعود إلى الترهل الإداري وعدم صلاحية التنظيم بسبب القصور الإداري في ضوء معطيات مفاهيم الفساد، وعدم الاستقرار الإداري لمؤسسات المجتمع وتقسيماتها الإدارية، وتشخيص القانون في شخص الموظف المسؤول في الوحدة الإدارية، ما يعني تغييب سلطة القانون، لتصبح متجسدة في شخص الموظف، ويغدو الموظف هو القانون لا العكس، ومن الأسباب الكبرى للفساد على المستوى الإداري أيضاً تجاهل الشروط القانونية والعملية عند تعيين الموظفين، ولاسيما في وظائف الإدارة العليا، وتداخل العلاقات الاجتماعية والرسمية عند تعيين من يتولون مهام وظيفية لمؤسسات المجتمع وأجهزته.

وتعد السرية من أهم الأسباب الإدارية للفساد، فغالباً ما تستر وقائع الفساد بالحجج المتعلقة بسرية الوثائق الإدارية والعمل الإداري. علماً أن أهم مظاهر السرية الإدارية تتجلى فيما يلي:

الصفة غير الحضورية لإعداد القرارات الإدارية، من خلال عدم الاطلاع والمشاركة في صنع القرارات الإدارية التي تهم الأفراد.

عدم علانية المداولات المتعلقة بإصدار القرارات الإدارية.

سرية جميع الوثائق الإدارية، ومن ثم فإن القاعدة الأساسية هي عدم إطلاع المواطنين على هذه الوثائق إلا بصفة استثنائية.

قاعدة عدم تسبيب القرارات الإدارية، فالإدارة غير ملزمة بتحديد مبررات قراراتها إلا إذا فرض القانون عليها ذلك بنص خاص.

ولعل الجانب النفسي ـ الإداري يعد سبباً جوهرياً أيضاً للفساد الإداري، إذ تسود عصابية المنظمات الإدارية، فيشعر الأفراد العاملون في هذه المنظمات بالآلام النفسية الناجمة عن الإحباط وتحقير الذات والجروح النفسية والمعنوية التي تحدثها قرارات المنظمة الإدارية التي يعملون فيها، وأساليب تعامل إدارتها معهم، مما يدفعهم إلى الانفعال ورد الفعل بأنماط سلوكية تهديمية Destructive behavior.

رابعا ًـ آثار الفساد الإداري:

تتجلى آثار الفساد على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والإدارية:

فمن الناحية الاجتماعية يؤدي الفساد إلى آثار سيكولوجية مدمرة للمجتمع، إذ يضعف الشعور بالمواطنة، وتهتز ثقة الناس بالدولة ومؤسساتها، وينقسم المجتمع بذلك إلى أقوياء وضعفاء بينهما مسافات اجتماعية شاسعة، وذلك لأن الفساد يزيد من سلطة الأثرياء، ويوسع الفجوة بين الطبقات، وبذلك يغدو الفساد مرضاً ينهك المجتمع، وقواه المنتجة، من خلال انتشار قيم متعددة، كالسلبية والاحتكار واللامبالاة والانتهازية والغش والتزوير والوساطة والمحسوبية والابتزاز والاختلاس وتهريب الأموال والبضائع. وهو ما يقود في النهاية إلى حدوث إرباك عام وتعثر في حركة المجتمع، وإصابتها بالشلل العام، وفقدان المعايير المحددة للعمل الاجتماعي، التي من شأنها أن تعطي معنى للدور الاجتماعي للأفراد، وبذلك يصبح الفرد غير قادر على تحديد دوره في المجتمع ومن ثم النهوض به وإنجازه.

إن هذا المناخ الاجتماعي من شأنه أن يجعل المجتمع الذي يمارس فيه الفساد، مجتمع امتيازات، والامتياز هو نقيض الحق والقانون، لذلك يغدو المنطق الاجتماعي المقابل للفساد دائماً هو منطق خرق القانون، بحسبان أن الامتياز مقحم دائماً على الشروط الاجتماعية للحياة المنظمة.

وتكون الحصيلة الاجتماعية للفساد نتيجة هذه الآثار السابقة كلها ظاهرة مهمة جداً هي انحسار العدالة؛ لأن الفساد سيعرقل دور الدولة في إعادة توزيع الدخل، وبذلك يؤثر الفساد في العدالة التوزيعية، وهو ما يؤدي إلى تراجع الرفاهية، وانخفاض مستويات المعيشة.

أما الآثار الاقتصادية للفساد، فتتجسد على مستوى تراجع الإيرادات الحكومية وعلى مستوى النمو الاقتصادي، فعلى مستوى تراجع الإيرادات الحكومية يلاحظ أن الحكومات نفقد موارد هائلة ينجم عنها انخفاض الإيرادات المستحقة عن أنشطة الإنتاج والدخل والواردات، لارتباط بعض المسؤولين عن هذه الأنشطة بقضايا الفساد والإفساد، واللافت للنظر أن تراجع الإيرادات الحكومية الناجم عن الفساد الإداري والمالي له آثار غير مباشرة في الأداء الاقتصادي، فانخفاض الإيرادات يسهم في تقليل الإنفاق على التنمية، مما يؤدي إلى إعاقة خططها وإخفاقها، ومن ثم تراجع النمو الاقتصادي ولجوء الدولة إلى زيادة عرض النقود لتغطية نفقاتها ما ينجم عنه ارتفاع المستوى العام للأسعار، وتفاقم الدين العام المحلي، وتزداد المشكلة سوءاً عندما تلجأ الحكومة إلى الخارج في سبيل الاقتراض لتمويل التنمية، مع ما يرتبه ذلك من أعباء خدمة الدين الخارجي باستقطاع نسبة من حصيلة صادرات الدولة من النقد الأجنبي، وتعميق التبعية الاقتصادية والسياسية بفقدان الاستقلالية في القرار.

أما على مستوى النمو الاقتصادي، فيلاحظ أنه في إطار التحليل الكلي لأثر الفساد أن الفساد يضعف النمو الاقتصادي، إذ يخفض حوافز الاستثمار (سواء للمستثمرين المحليين أم الأجانب)، كما أنه يؤدي إلى زيادة التكاليف على الاقتصاد الوطني لأن الرشاوى والتكاليف غير المنظورة للصفقات التي سيبرمها المستثمر في دولة ما تضاف إلى سعر التكلفة الكلية للمشروع، ويتحملها الاقتصاد الوطني في النهاية، كما أن الفساد يؤثر سلباً في أثناء تنفيذ هذه المشاريع ذاتها عن طريق التلاعب بمواصفات المشروع قيد التنفيذ. وعلى صعيد الاستثمار أيضاً، فإن الفساد الإداري والمالي يعمل على جلب الاستثمارات الأجنبية الملوثة التي تسعى إلى تحقيق الربح السريع، وتحويله سريعاً إلى الخارج، وحرمان الدول من العملات الصعبة، ومن ثم نقص المعروض منها.

وإضافة إلى ما تقدم فإن الفساد يعمل على تشويه عناصر النفقات الحكومية، لأن المسؤولين عن الصفقات الحكومية والاقتصاد الوطني يعملون على تركيز الإنفاق الحكومي على المشاريع التي يسهل الحصول على رشاوى كبيرة منها مع الاحتفاظ بسريتها.

أما على المستوى الإداري، فيؤدي الفساد ضمن الإدارة العامة إلى جملة من النتائج، منها عدم تلبية تنظيم الجهاز الإداري لمتطلبات التخطيط السليم، وإحداث وظائف إدارية بدافع الوساطات والمحسوبيات لا بدافع الحاجة إليها، وتقصير هيئات الرقابة وانخفاض مستوى الإنتاج لدى الموظفين الإداريين، وانتشار روح اللامبالاة، والخروج على حكم القانون بين المسؤولين الإداريين، والتساهل والتراخي، وإغفال مبدأ الثواب والعقاب. وانتشار التسيب والرشوة والمحسوبية، واستغلال النفوذ وإساءة استعمال السلطة، وتطور الإكراميات غير المشروعة (الهداياـ الهبات ـ البقاشيش…) إلى أمور استثنائية، ودفعات مالية إلزامية لأداء الأعمال المطلوبة. كما يؤدي الفساد على المستوى الإداري إلى غلبة وازدياد العلاقات والاتصالات غير الرسمية (النفعية) بين المتنفذين في الجهاز الإداري العام، والمنتفعين وأصحاب المصالح من خارج هذا الجهاز.

خامساً ـ مكافحة الفساد الإداري:

يكافح الفساد الإداري على المستوى الوقائي وعلى مستوى الممارسة الإدارية:

1ـ المكافحة على المستوى الوقائي:

ويتجسد ذلك من جهة أولى من خلال الحد من الاحتكار في أي نوع من أنواع الأنشطة الاقتصادية، إذ تشير الدراسات إلى وجود علاقة بارزة بين الفساد وحجم الأنشطة الاقتصادية التي يمارسها القطاع العام، بحيث كلما اتسع حجم القطاع العام المحتكر للخدمات والسلع والمنتجات ازداد حجم الفساد.

 كما تتجلى مكافحة الفساد على المستوى الوقائي من جهة ثانية في إطار توضيح وتبسيط الإجراءات والقوانين الإدارية، وزيادة درجة شفافيتها والتشدد في تطبيقها ومراقبتها من الأجهزة المعنية والمنظمة لعمل المؤسسات، إذ تعد الشفافية الإدارية من أهم الإجراءات الوقائية على الإطلاق في نطاق مكافحة الفساد، وتعني الشفافية الإدارية أن تكون المرافق والمؤسسات التي تدير الشأن العام واضحة تعكس ما يدور ويجري بداخلها. وعليه فإن الحق في الشفافية الإدارية والمالية يشمل مجموعة من الإجراءات الهادفة إلى تطوير وتحسين العلاقات بين الإدارة والأفراد، وخاصة الإجراءات المتعلقة برفع السرية الإدارية، والإجراءات التي تفرض على الإدارة التزاماً بالإبلاغ عن نشاطها عن طريق النشر، وعن طريق ما تقدمه للمواطنين من معلومات حيوية بما يسمح بمشاركتهم النشاط الإداري.

ومن جهة ثالثة تتجلى مكافحة الفساد وقائياً على مستوى تبسيط الإجراءات الإدارية، الذي له آثار لا تخفى في محاربة الفساد، فكلما اختصرت الإجراءات الإدارية اللازمة لإنجاز تصرف قانوني معين، تضاءل حجم الدورة الإدارية البيروقراطية، التي يمر بها هذا التصرف، وهو ما يؤدي إلى تقليص فرص استغلال المعنيين بهذا التصرف، وفي الواقع إن تضييق الإجراءات الإدارية اللازمة لإنجاز تصرف إداري معين إنما هو رهين بدرجة أساسية بالنص القانوني ذاته، وهو ما يفرض التزاماً على عاتق المشرع بأن يكون حذراً عند وضع إجراء ما لإنجاز تصرف إداري محدد، إذ لا بد أن يكون هناك دور وظيفي يهدف الإجراء إلى تحقيقه، أما إذا لم يكن هناك مثل هذا الدور الوظيفي فإنه يغدو تزيداً إدارياً لا طائل من ورائه، ويكون إحدى الظواهر التي تجر إلى الفساد.

ومن جهة رابعة تكتمل أركان السياسة الوقائية في مكافحة الفساد برفع كفاءة الأجهزة الرقابية، وتأكيد أن كفاءة الأجهزة الرقابية لا تأتي من خلال قتل السلطة التقديرية التي يعطيها المشرع لرجال الإدارة عند قيامهم بعملهم، وإلا خلق الجمود ضمن الإدارة الذي يعد رأس الفساد، كما أن رفع كفاءة الأجهزة الإدارية يكون عن طريق الارتقاء بقدرات تشخيص المشكلات الإدارية واقتراح الحلول.

وأخيراً لا بد من تأكيد أن أساس الوقاية من الفساد إنما يتمثل في سيادة القانون، فإن استقرار القواعد القانونية، واحترام تدرج القواعد التشريعية، ووجود قضاء فعال ونزيه ومستقل، وسلطة تشريعية نشطة تصدر قوانين واضحة وحديثة ومتلائمة مع طبيعة العلاقات القانونية، إنما يؤدي في النهاية إلى إيجاد مناخ من الأمن القانوني La sécurité juridique يعد الدعامة الأولى لمكافحة الفساد.

2ـ مكافحة الفساد في أثناء الممارسة الإدارية: ويتم ذلك باتباع ما يلي:

أ ـ انتهاج اللامركزية في عملية اتخاذ القرارات.

ب ـ منح السلطات الضرورية للأفراد العاملين بما يتناسب مع طبيعة الوظائف المسندة إليهم، وتحديد الحدود الدقيقة بين السلطة التقديرية والسلطة المقيدة عند ممارسة التصرفات الإدارية، وعدم إعطاء سلطات تزيد على حاجة الاختصاص موضوع الوظيفة، والمحاسبة الفعالة عندما يساء استخدام هذه السلطات، أو عند الامتناع عن ممارستها، لأن ذلك يعني التقاعس عن ممارسة الاختصاص.

ت ـ إشاعة روح العدالة بين الموظفين، وعدم توزيع الامتيازات على نحو عشوائي وشخصي.

ث ـ اعتماد سياسة التدوير الوظيفي كلما كان ذلك ممكناً، ولاسيما في الجهات التي تعاني ارتفاعَ معدلات الفساد.

ج ـ تقوية أخلاقيات الوظيفة العامة القائمة على الأمانة والنزاهة، واستعمال مبدأ الثواب والعقاب في سبيل توطيد ذلك، مع عدم إغفال المسألة المتعلقة برفع الرواتب والأجور.

ح ـ اعتماد سياسة وظيفية راقية تقوم على أساس مبادئ الكفاية والشفافية في تعيين الموظفين وترقيتهم.

ومن الجدير ذكره أن هناك جهوداً دولية متزايدة في مكافحة الفساد، وقد بذلت عدد من المنظمات والهيئات والمؤسسات الدولية جهوداً كبيرة خلال السنوات العشر الماضية في محاربة هذه الظاهرة، فقد وضع البنك الدولي عدداً من الإستراتيجيات في إطار مكافحة الفساد، وكان الهدف من هذه الإستراتيجيات ليس القضاء على الفساد نهائياً، إنما رفع مستوى الأداء لدى الإدارة العامة في الدول التي تعاني استشراءَ الفساد كما أعلن صندوق النقد الدولي عن منع مساعداته المالية للدول التي تعاني الفساد ما يؤدي إلى إعاقة الجهود الخاصة بتجاوز مشاكلها الاقتصادية، كما أقرت منظمة التجارة العالمية إنشاء وحدة عمل خاصة لمراقبة الشفافية في التبادلات الحكومية في الدول الأعضاء، وكان أن تكللت هذه الجهود جميعها بإعداد الأمم المتحدة أول اتفاقية لمكافحة الفساد على المستوى الدولي، وذلك بتاريخ 31/10/2003. وعيّنت الجمعية العامة أيضاً يوم 9 كانون الأول/ديسمبر يوماً دولياً لمكافحة الفساد، من أجل إذكاء الوعي بمشكلة الفساد وبدور الاتفاقية في مكافحته ومنعه. ودخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في كانون الأول/ديسمبر 2005.

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ سامي الطوخي، الإدارة بالشفافية، الطريق للتنمية والإصلاح الإداري (دار النهضة العربية، القاهرة 2006).

ـ ديالا الحاج عارف، الإصلاح الإداري (دار الرضا للنشر، دمشق 2003).

ـ مصطفى عبد الله أبو حشيم، «الفساد بين النظرية والتطبيق»، مجلة دراسات، العدد 21، 2005.

ـ المختار محمد إبراهيم، «التنمية والفساد في ظل تدهور القيم (تحليل اجتماعي)»، مجلة دراسات، العدد 21، 2005.

ـ محمد عبد الواحد الجميلي، من السرية إلى الشفافية الإدارية (دار النهضة العربية، القاهرة 2000).

ـ مهند نوح، الفساد الإداري، علماء مكرمون، من الأبحاث المقدمة إلى أ.د. محمد عزيز شكري (دار الفكر العربي، دمشق 2008).

ـ J. LEMASURER, Du refus d’informer au droit d’être informé (R.D.P, 1980).

ـ B. PACTEAU, La sécurité juridique, un principe qui, nous manque? (A.G.D.A, 1995).


التصنيف : القانون العام
النوع : القانون العام
المجلد: المجلد السادس: علم الفقه ــ المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان
رقم الصفحة ضمن المجلد : 83
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 562
الكل : 27491620
اليوم : 25758