logo

logo

logo

logo

logo

مبدأ فصل السلطات

مبدا فصل سلطات

principle of separation of powers - principe de séparation des pouvoirs

 مبدأ فصل السلطات

مبدأ فصل السلطات

نجم الأحمد

نشأة مبدأ فصل السلطات

تقدير مبدأ فصل السلطات

 

اعتنقت الثورة الفرنسية مبدأ فصل السلطات Séparation des pouvoirs مقررة الأخذ به، لذا ضمنته الوثائق التي تتعلق بالحقوق والحريات، كما جاء النص عليه في مختلف الدساتير الفرنسية. وقد سارت الثورة الأمريكية على النهج ذاته عندما نظمت أجهزة الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية.

وقد كانت الفكرة الأساسية الدافعة إلى اعتناق هذا المبدأ هي أن تركيز السلطة بيد واحدة قد يؤدي إلى التعسف والاستبداد، ما يؤدي بدوره إلى إهدار حقوق الأفراد وحرياتهم، وهو ما حرص عليه الملوك في الأزمنة الغابرة، عندما عملوا على أن تكون إرادتهم هي المرجع النهائي بالنسبة لكل ما يتعلق بشؤون الدولة، ومن هنا نشأت الحكومات المطلقة والمستبدة.

وإذا كان تركيز السلطة على النحو المتقدم يتفق مع الظروف التي كانت سائدة فيما مضىـ عندما كانت شخصية الملك تختلط بشخصية الدولة، فكانت السلطة بمنزلة حق شخصي له، فضلاً عن محدودية وظائف الدولة ـ فإن الأمر لم يعد مقبولاً إثر تطور المجتمعات وتشعّب وظائف الدولة وتعقدها. ففي ظل التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بات من المتعذّر على رئيس الدولة مباشرة وظائف الدولة بمفرده، فضلاً عن ظهور المبادئ الديمقراطية التي تدعو إلى ضرورة انفصال شخصية الحاكم عن شخصية الدولة، وعدّه مجرد ممثل لإرادة الشعب صاحب السلطة الحقيقية؛ لذلك كله بدأ توزيع السلطة على هيئات متعددة تشارك الحاكم في ممارسة السلطة السياسية نيابة عن الشعب.

لكن توزيع السلطة على هيئات متعددة غير كافٍ للقول بوجود نظام ديمقراطي يكفل للمواطنين حقوقهم، ويصون لهم حرياتهم، لأن هذه الهيئات قد تجنح إلى الاستبداد إذا ما استقلت كل منها باختصاصاتهامن دون رقابة أو مساءلة.

لذلك فقد نشأ مبدأ فصل السلطات بهدف توزيع الوظائف على هيئات متعددة في الدولة، ولتنظيم العلاقة بين هذه السلطات لكي تراقب كل سلطة السلطة الأخرى مانعة إياها من التطرف والاستبداد، وذلك عملاً بالمبدأ القائل «السلطة تحد السلطة».

أولاً ـ نشأة مبدأ فصل السلطات:

ارتبط اسم المبدأ باسم الفيلسوف مونتسكيو Montesquieu بحيث بات ينسب إليه. لكن مونتسكيو ليس أول القائلين بهذا المبدأ، إذ سبقه إليه فلاسفة آخرون. فقد ظهر هذا المبدأ منذ أيام الإغريق عندما دعا إليه كل من أفلاطون وأرسطو.

ويرى جانب من الفقه أن التطور الحديث لهذا المبدأ إنما يرجع في الواقع إلى المدرسة الإنكليزية، وإلى التجربة الديمقراطية الإنكليزية.

وبناءً عليه ستعرض رؤية كل من أفلاطون وأرسطو ولوك لهذا المبدأ، قبل أن تعرض في فكر الفيلسوف مونتسكيو.

1ـ مبدأ فصل السلطات في فكر أفلاطون:

يرى أفلاطون أنه من المتعين فصل أعمال الدولة لكي تتمكن الدولة من تحقيق أهدافها، وكذلك فصل الهيئات التي تباشر هذه الأعمال، مع إيجاد نوع من التعاون فيما بين هذه الهيئات؛ لكي لا تخرج كل هيئة عن الاختصاصات المرسومة لها، ولضمان عدم استبداد أي من الهيئات في مزاولتها لاختصاصاتها. وقد قسم أفلاطون وظائف الدولة وفقاً للآتي:

مجلس السيادة: ويقوم بالإشراف على شؤون الحكم في الدولة، ويتكون من عشرة أعضاء، تكون بيدهم السلطة، ويتم اختيارهم من المشهود لهم برجاحة العقل.

جمعية كبار المشرعين وكبار الحكماء: وتختص بالإشراف على تطبيق الدستور وصيانة أحكامه، كما أنها تعمل على حفظ التوازن بين مطالب المواطنين في الإسراف بالحرية، ومحاولات الحكام في الإسراف بالاستبداد.

مجلس شيوخ: يتم انتخاب أعضائه من الشعب، ويتولى وظيفة التشريع. عدد أعضائه (360) عضواً.

هيئة قضائية: تتكون من محاكم على درجات متعددة، وتكون مهمتها الفصل فيما يثور من منازعات.

هيئة البوليس: ومهمتها الحفاظ على الأمن الداخلي في الدولة.

هيئة الجيش: ومهمتها الحفاظ على الأمن الخارجي للدولة.

هيئة تعليمية: تختص بشؤون التعليم.

هيئات تنفيذية أخرى تكون وظيفتها إدارة المرافق العامة للدولة.

 ويرى أفلاطون أن تقسيم وظائف الدولة بين هذه الهيئات من شأنه أن يجعل الأمور مستقرة، ومن شأنه منع الاستبداد الذي تجنح إليه السلطة فيما لو تركّزت بيد جهة واحدة.

2ـ مبدأ فصل السلطات في فكر أرسطو:

تبين كيف قام أفلاطون بتوزيع وظائف الدولة على ثمانية أنواع مختلفة. أما الفيلسوف أرسطو Aristote فقد قسم هذه الوظائف إلى ثلاثة أنواع هي: مداولة délibération، وأمر commandement، وقضاء justice. وبالتالي جاء هذا التقسيم ليطابق النظام السياسي الذي كان تحت عين ذلك الفيلسوف، والذي تضمن هيئات ثلاث هي: الجمعية الشعبية العامة Assemblée générale، وهيئة الحكام أو الموظفين Les magistrats، والهيئة القضائية Les tribunaux.

وفي هذا الإطار ذهب جانب من الفقه إلى القول إن التقابل بين هذه الهيئات وتلك الأعمال لم يصل بأرسطو ولا بغيره من المفكرين القدامى إلى القول بضرورة الفصل بين هذه الهيئات، وإن الأمر اقتصر على التفريق بين وظائف الدولة المتباينة من دون القول بضرورة الفصل بين السلطات التي تقوم بهذه الوظائف.

3ـ مبدأ فصل السلطات في فكر لوك:

ذكر فيما مضى أن جانباً من الفقه قد ذهب إلى القول إن التطور الحديث لمبدأ فصل السلطات إنما يرجع إلى المدرسة الإنكليزية والتجربة الديمقراطية الإنكليزية. وقد كان مستندهم في ذلك أن كرومويل Cromwell مؤسس الجمهورية في إنكلترا كان أول من أصدر دستوراً متضمناً الفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية ردة فعل ضد اســتبداد الملوك والأمراء. لكن جون لوك J. Lock كان أول من كتب عن هذا المبدأ في ظل النظام النيابي الذي تأسس في إنكلترا عقب ثورة 1688. ففي كتابه عن «الحكومة المدنية» الذي أصدره سنة 1690 أوضح لوك أنه توجد ثلاث سلطات في الدولة هي: السلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية، والسلطة الفيدرالية أو الاتحادية Le pouvoir fédérattif إذ تتولى السلطة الأخيرة مباشرة العلاقات الدولية.

ومع أن لوك كان يرى أن السلطتين الأخيرتين سلطتان متميزتان؛ إذ تباشر كل منهما عملاً يختلف عن عمل السلطة الأخرى، أجاز مع ذلك جمعهما في هيئة واحدة، وذلك حرصاً على عدم تفتيت قوة الدولة المادية. في حين يرى أن السلطة التشريعية في مركز أسمى وأعلى بالنسبة إلى السلطات الأخرى، وذلك لقيامها بوضع القواعد التي تعبّر عن المصلحة العامة. لكن هذا لا يعني أن تكون السلطة التنفيذية مجرد تابع أو خاضع للسلطة التشريعية، إذ إنه يرى أن مصلحة الجماعة توجب إعطاءها قدراً من الاختصاص التقديري الذي تباشره بالنسبة للحالات التي لم يكن المشرع قد توقعها.

وكان يرى أنه من الضروري الفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية للأسباب التالية:

أ ـ لا تنعقد السلطة التشريعية دائماً: فالأمة ليست في حاجة مستمرة إلى القوانين.

ب ـ إن السلطة التنفيذية هي السلطة التي يقع على كاهلها تنفيذ القوانين، لذا فإنه يجب أن توجد دائماً.

ج ـ كفالة احترام مبدأ الشرعية، فإذا جُمعت وظيفتا التشريع والتنفيذ في يد واحدة فإن القانون تزول عنه صفته الأساسية من حيث تضمنه لقواعد عامة مجردة؛ لأن المشرع المنفذ يستطيع في أثناء تنفيذ القانون أن يعدل فيه كما يشاء، كي يلائم الحالات الفردية التي يرغب في تطبيق القانون عليها. كما أن تركيز هاتين السلطتين في يد واحدة قد يؤدي إلى عدم احترام القانون ومخالفته.

ومما تجب الإشارة إليه أن لوك لم يرَ في السلطة القضائية سلطة مستقلة بذاتها، ولعلّ مرد ذلك هو تأثـره بالنظـام الإنكليـزي الذي كان قائماً في عهده، حيث كان القضاة خاضعين حتى سنة 1688 لسلطات التاج خضوعاً تاماً، سواء من حيث التعيين، أم العزل، أم تلقي الأوامر، وبدءاً من هذا التاريخ باتوا خاضعين للبرلمان، ومتأثرين بالتالي باتجاهات حزب الأغلبية وميوله.

4ـ مبدأ فصل السلطات في فكر مونتسكيو:

يعد مونتسكيو أول من أقام نظرية فصل السلطات على أساس منهجي، إذ إنه لم يتأثر عند وضعه لها بالواقع العملي للحكومات التي كانت سائدة في عصره. وقد عرض مونتسكيو نظريته في كتابه الشهير «روح القوانين»، مشيراً إلى وجود ثلاث وظائف للدولة هي: التشريع، التنفيذ، والقضاء. تتمثل الوظيفة الأولى في سن القوانين، أما الثانية فتتعلق بإعلان حالة السلم أو الحرب، واعتماد الدبلوماسيين، وإقامة الأمن بمفهوميه الداخلي والخارجي. أما وظيفة القضاء فإنها تتعلق بحل المنازعات، وإقامة العدل بين الناس. بعد ذلك رأى مونتسكيو ضرورة فصل هذه الوظائف وإسنادها إلى هيئات مستقلة، وذلك حماية للحرية، ومنعاً لإساءة استعمال السلطة، حيث يذكر أن الحرية السياسية لا يمكن ضمانها إلاّ في ظل الحكومات المعتدلة. لقد أثبتت التجارب التاريخية أن كل إنسـان يتمتع بسلطة ما يتمادى في استعمال هذه السلطة إلى أن يجد حدوداً توقفه، حتى الفضيلة نفسها تبين أنها بحاجة إلى حدود.

وبالتالي إذا أريد عدم إساءة استعمال السلطة فإن النظام السياسي يجب أن يكون قائماً على أساس السلطة يجب أن تحد السلطة. ومن اللازم أيضاً أن يكون هناك تكافؤ بين سلطات الدولة.

عندما جاءت الثورة الفرنسية سنة 1789 تأثرت بالأفكار المتقدمة، وهكذا تضمن إعلان حقوق الإنسان والمواطن الصادر بتاريخ 26/8/1789 النص في المادة (16) منه على أن: «كل جماعة لا تضمن حقوق الأفراد، ولا تأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات لا دستور لها».

ومما تجب الإشـارة إليه أن رجال الثورة الفرنسية قد أخذوا بمبدأ الفصل المطلق بين السلطات، بمعنى أن كل سلطة من سلطات الدولة الثلاث يجب أن تباشر اختصاصاتها استقلالاً، ولا تتدخل في اختصاصات السلطات الأخرى. وبناءً عليه صدر الدستور الفرنسي لسنة 1791 ليجعل كل سلطة من سلطات الدولة في عزلة تامة عن بقية السلطات، وهو ما أخذ به أيضاً الدستور الفرنسي لسنة 1848.

إلاّ أن الواقع العملي قد أظهر أن الفصل المطلق أو الجامد بين السلطات قد أدى إلى نتائج عكسية، بمعنى أنه أدى إلى الاستبداد وقمع الحريات. فانفراد كل هيئة بسلطة من سلطات الدولة من دون أن تشاركها فيها هيئة أخرى من شأنه أن يفتح المجال أمام هذه الهيئة للاستبداد؛ لأنها لن تجد هيئة أخرى تقف في طريقها لتحول بينها وبين الطغيان.

5 ـ مبدأ فصل السلطات في فكر روسو:

يرى روسو ضرورة فصل السلطتين التشريعية والتنفيذية عن بعضهما، ويرجع ذلك إلى اختلاف طبيعة كل منهما. فالسيادة لدى روسو تنحصر في الهيئة التشريعية التي تمثل الشعب، وتمارس السيادة عن طريقه وبموافقته. أما السلطة التنفيذية فما هي إلاّ وسيط بين الأفراد والسلطة التشريعية، ووظيفتها هي العمل على تنفيذ القوانين، فالسلطة التنفيذية في رأي روسو ليست سلطة مستقلة، فهي مندوبة من الشعب، وتابعة وخادمة له، كما أن من حق الشعب مراقبتها وإقالتها إذا تطلب الأمر ذلك. لذلك فإن فصل السلطة التشريعية عن السلطة التنفيذية يبدو أمراً طبيعياً لاختلاف طبيعة كل منهما.

لقد قصر روسو وظيفة السلطة التشريعية على سن القوانين. ونظراً لأن هذه السلطة لا تجتمع دائماً فقد رأى روسو ضرورة وجود سلطة أخرى مهمتها تنفيذ القوانين والإشراف على عملية التنفيذ، وهذا ما تقوم به السلطة التنفيذية.

وقد مّيز روسو السلطة القضائية من السلطة التنفيذية، مؤكداً وجوب عدم خضوع القضاة للقوانين والقواعد نفسها التي تحكم غيرهم من الموظفين. وقد قال روسو بإمكانية التظلّم من أحكام القضاء إلى الشعب بوصفه صاحب السيادة، وللشعب الحق في العفو عن المحكوم عليهم. ومما تجب الإشارة إليه أن روسو لا يوافق مونتسكيو على فكرة وجود سلطات متساوية في السيادة مستقلة بعضها عن بعض.

ثانيا ًـ تقدير مبدأ فصل السلطات:

لمبدأ فصل السلطات ـ وكأي مبدأ سياسي ـ أنصار يدافعون عنه، كما أن هناك معارضين وجهوا نقدهم إليه.

1ـ مبررات مبدأ فصل السلطات:

أ ـ صيانة الحرية ومنع الاستبداد: ذلك أن جمع السلطات الثلاث بيد هيئة واحدة فيه منافاة للحرية، حتى إن جمعت هذه السلطات بيد الشعب نفسه، أو بيد البرلمان الممثل للشعب. فالناس بطبعهم مجبولون على الإسراف في مباشرة سلطاتهم وإساءة استعمالها. وبالتالي فإنه من الخطر على الحرية أن تُجمع سلطتا التشريع والتنفيذ بيد هيئة واحدة، خشية أن تسن هذه الهيئة قوانين جائرة تعمل على تنفيذها خدمة لمآربها الخاصة. كما أن الحرية تنتفي إذا لم تكن سلطة القضاء منفصلة عن سلطة التشريع، لأن السلطة القضائية إذا كانت متحدة مع السلطة التنفيذية فإنها قد تحول القاضي إلى طاغية.

ب ـ تحقيق شرعيّة الدولة: فإن جمعت سلطتا التشريع والتنفيذ بيد هيئة واحدة فإن ذلك من شأنه زوال الصفة الأساسية عن القانون من حيث وجوب تضمنه لقواعد عامة مجردة توضع للمستقبل. فهذه الصفة لا تتحقق في القانون إذا كان المشرع هو نفسه المنفذ، إذ إن بإمكانه في هذه الحالة أن يعدّل القانون في لحظة تنفيذه على الحالات الفردية بقصد الجور أو المحاباة، وينطبق هذا القول على جمع سلطتي التنفيذ والقضاء، لأن من شأن هذا الجمع أن يحول القاضي إلى طاغية، وهو ما أثبتته الوقائع في الدول الشمولية التي تأخذ بمبدأ اندماج السلطات.

ج ـ يحقق مبدأ فصل السلطات الفوائد المرجوة من مبدأ تقسيم العمل.

2 ـ عيوب مبدأ الفصل بين السلطات:

أ ـ ذهب جانب من الفقه إلى القول إن تطبيق المبدأ أمر غير ممكن؛ لأن خصائص السيادة كأعضاء الجسم البشري متصلة بعضها ببعض اتصالاً طبيعياً. فوظائف الدولة المختلفة بحاجة إلى قيادة واحدة مركزة، إذ لا يمكن فصلها وإسنادها إلى هيئات مختلفة مستقلة، لكي لا يقضي هذا الفصل على وحدة الدولة، وتعطيل أعمالها، وتعريضها للخطر، خصوصاً في أوقات الأزمات التي تحتاج إلى تجميع القوى وتركيز للسلطات لإمكانية الخروج منها.

ب ـ يؤدي مبدأ فصل السلطات إلى القضاء على فكرة المسؤولية، وتشجيع كل هيئة على التهرب منها، وإلقائها على الهيئات الأخرى، وبالتالي يصبح من الصعب معرفة الجهة المسؤولة في الدولة.

ج ـ إن مبدأ فصل السلطات مبدأ وهمي، إذ لا تلبث إحدى السلطات أن تسيطر على البقية لتسيّرها كما تشاء على الرغم من الحواجز التي قد يضعها الدستور. ففي الولايات المتحدة مثلاً يجري العمل على أساس التداخل بين السلطات، وحدوث تأثير تبادل بين الهيئات الحاكمة، وقد كثرت الاستثناءات على مبدأ فصل السلطات حتى كادت تقضي عليه.

د ـ السيادة غير قابلة للتجزئة، وبالتالي فإنه لا يمكن توزيعها بين هيئـات مختلفة، فالمظهر الوحيد للسيادة يتركز في السلطة التشريعية، وهذه السلطة يجب أن تباشر من قبل الشعب وحده.

هـ ـ إن الأخذ بمبدأ فصل السلطات من شأنه أن يؤدي إلى هدم وحدة الدولة.

و ـ كما هوجم المبدأ من قبل بعض الفقهاء ورجال السياسة في فرنسا في معرض مناقشة مشروع دستور 1946، على أساس أن مبررات المبدأ ترجع إلى اعتبارات تاريخية فقط بقصد انتزاع السلطة التشريعية من الملوك، وذلك للحد من سلطانهم المطلق. وقد تحقق المقصود من المبدأ، وبذلك بات عديم الفائدة.

ز ـ وقد ذهب المناقشون إلى أنه ليس هناك ما يمنع من خضوع السلطة التنفيذية للسلطة التشريعية، لأن الأخيرة ممثلة الأمة. ولضمان عدم استبداد المجلس التشريعي يكفي أن يقرر الدستور بعض الضمانات التي تحول دون الاستبداد للجوء إلى مبدأ فصل السلطات.

ويعتقد أن ما قاله المعارضون لمبدأ فصل السلطات ليس صحيحاً على إطلاقه؛ فليس من شأن المبدأ تهديد وحدة الدولة بتقسيم أعمالها وسلطاتها، بل من شأنه إذا ما طبق تطبيقاً صحيحاً أن يقوي هذه الوحدة عندما تعمل كل سلطة في ظل القانون على نحو من شأنه تحقيق المصلحة العامة للدولة. وإذا كان صحيحاً ما قيل بأن خصائص السيادة كأعضاء الجسم البشري متصلة بعضها ببعض اتصالاً وثيقاً فإن لكل جزء من أعضاء الجسم البشري وظيفة محددة لا يمكن لأي جزء آخر القيام بها.

وليس صحيحاً أن المبدأ قد يؤدي إلى ضياع المسؤولية، لأن الاختصاصات المنوطة بكل هيئة ستكون محددة بدقة، ومن السهولة بمكان معرفة الهيئة المقصرة في أداء الواجبات المنوطة بها.

أما القول إن مبدأ الفصل بين السلطات مبدأ وهمي لوجود استثناءات عملية على هذا المبدأ فإن ذلك لا يقلل من أهمية المبدأ الذي هو مبدأ سياسي لا بد أن تكون له استثناءات، وهذه الاستثناءات تدلل على مرونة المبدأ، وعدم جموده، وقابليته للتأقلم مع مختلف الظروف.

أما ما ذهب إليه بعضهم من أن المبدأ يؤدي إلى تجزئة السيادة ـ والسيادة لا تتجزأـ فهو قول غير مقبول، فتوزيع السلطات بين هيئات مختلفة لا يعني توزيع السيادة. وبتعبير آخر فإن ممارسة السلطة من قبل هيئة ما في الدولة هو مظهر من مظاهر سيادة الدولة، وليس تجزئة لهذه السيادة التي تبدو وحدة متجانسة في علاقات الدولة الخارجية أو الداخلية.

وأخيراً إذا كان المبدأ قد هوجم لأن الاعتبارات التاريخية التي أدت إلى وجوده قد انتهت فإنه يمكن القول إن هذه الاعتبارات ليست إلاّ أحد مبررات المبدأ، وأن له مبررات أخرى توجب الأخذ به. أضف إلى ذلك أن زوال المبررات التاريخية في فرنسا لا يعني زوالها من الدول الأخرى، فهناك دول عديدة في العالم لا تزال بحاجـة إلى هذا المبدأ، وذلك للحد من طغيان رؤسائها واستبدادهم.

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ إبراهيم عبد العزيز شيحا، القانون الدستوري (1983).

ـ أحمد إسماعيل، «حول تفعيل دور المحكمة الدستورية العليا السورية»، مجلة جامعة دمشق، 2001.

ـ السيد خليل هيكل، القانون الدستوري والأنظمة السياسية (منشورات جامعة أسيوط، عام 1984).

ـ ثروت بدوي، القانون الدستوري وتطور الأنظمة الدستورية في مصر (دار النهضة العربية، 1969).

ـ جورجي شفيق ساري، الأسس والمبادئ العامة للنظم السياسية، الكتاب الأول، أركان التنظيم السياسي، ط1 (مكتبة العالمية، المنصورة 1988).

ـ رمزي طه الشاعر، القانون الدستوري، النظرية العامة والنظام الدستوري المصري (1981).

ـ رمضان محمد بطيخ، النظرية العامة للقانون الدستوري وتطبيقاتها في مصر، ط 2(دار النهضة العربية، 1999).

ـ سعد عصفور، المبادئ الأساسية في القانون الدستوري والنظم السياسية (منشأة المعارف، الإسكندرية 1980).

ـ سليمان محمد الطماوي، النظم السياسية والقانون الدستوري، دراسة مقارنة (دار الفكر العربي، 1988).

ـ طعيمة الجرف، القانون الدستوري ومبادئ النظام الدستوري (1964).

ـ عبد الغني بسيوني عبد الله، القانون الدستوري (1987).

ـ فيصل كلثوم، دراسات في القانون الدستوري والنظم السياسية (منشورات جامعة دمشق، 2009).

ـ كمال الغالي، مبادئ القانون الدستوري والنظم السياسية (منشورات جامعة دمشق، 1992).

ـ منذر الشاوي، القانون الدستوري (مطبعة شفيق، بغداد 1967).

- A. HAURIOU, Droit constitutionnel et Institutions politiques (Paris 1968).

- G. BURDEAU, Traité de science politique. TIV. (Paris 1976).

- K. DUGUIT, Droit constitutionnel.T. II (Paris 1921).

- J. LAFERRIERE, Manuel de droit constitutionnel (Paris 1947).

- M. HAURIOU, Précis de droit constitutionnel (Paris 1929).

- P. PACTET, Institutions politiques et droit constitutionnels (Paris, 1978).

- M. PRELOT, Institutions politiques et droit constitutionnel (Paris 1969).

- J. CADART. Constitution politique et droit constitiutonnel. 3e éd. (Paris 1990).

- P. BASTID, La notion de Gouvernement ? Assemblée (Paris 1955).

- G. VEDEL, Cours de droit constitutionnel et institutions politiques, les cours de droit (Paris 1961).


التصنيف : القانون العام
النوع : القانون العام
المجلد: المجلد السادس: علم الفقه ــ المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان
رقم الصفحة ضمن المجلد : 165
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 551
الكل : 27487203
اليوم : 21341