تيتان
تيتان
Titan -
محمد خالد شاهين
الخصائص الفيزيائية والمدارية لتيتان
تيتان Titan هو أكبر أقمار الكوكب زحل Saturn والبالغ عددها 274 قمراً – بعد الإعلان في آذار/مارس 2025 عن اكتشاف 128 قمر جديد لزحل، وكان آخر عدد لها قبل ذلك الاكتشاف 146 قمر.
وتيتان هو عالَم بارد محاط بغلاف جوي سميك وضبابي hazyجعل من الصعب على المقاريب telescopes وأجهزة التصوير الأرضية استطلاعه. يتميز تيتان بكونه القمر الوحيد في المنظومة (المجموعة) الشمسية الذي يُعرف عنه امتلاكه لغلاف جوي سميك شبيه بالأغلفة الجوية للكواكب. وتيتان هو المكان الوحيد إلى جانب كوكب الأرض الذي يمتلك سوائل على سطحه. كما أن له سحب، ومطر، وأنهار، وبحيرات، وبحور من الهدروكربونات السائلة مثل الميتان methane والإيتان ethane.
اكتشف الفلكي الهولندي كريستيان هايغنز Christiaan Huygens القمر تيتان في الخامس والعشرين من آذار/ مارس من العام 1655 باستخدام مقراب عالي الجودة من تصميمه وصنعه. وقد أعلن بعد مضي عام على ذلك التاريخ عن وجود "قمر زحل" Luna Saturni (moon of Saturn)، وهي التسمية التي أطلقها عليه. ولم تُعرف تسمية تيتان الحالية إلا بعد مضي قرابة مئتي عام، حين اقترح جون هيرشل John Herschelفكرة إطلاق أسماء إفرادية على الأقمار عوضاً من منظومة الأرقام التي كانت مستخدمة للدلالة على سواتل الكواكب، وقد اشتقت تسمية تيتان (ومعناها الحرفي العملاق) -التي اقترحها هيرشل- من الأساطير الإغريقية، وهو الاسم العمومي لأولاد أورانوس Ouranos (الأب السماء) وقرينته غايا Gaia (الأم الأرض).
الخصائص الفيزيائية والمدارية لتيتان
يبلغ نصف قطر القمر تيتان 2575 كم، وهو بذلك ثاني أكبر أقمار المنظومة الشمسية بعد غانيميد Ganymede قمر كوكب المشتري Jupiter الذي يزيد قطره عن قطر تيتان بقرابة 112 كم فقط، وكلاهما أكبر كتلة وقطراً من القمر التابع للأرض، بل أكبر حتى من الكوكب عطارد Mercury. وتيتان أعرض بقرابة 50 بالمائة من قمر الأرض. ويبعد تيتان 1.2 مليون كم عن زحل؛ والذي يبعد بدوره 1.4 مليون كم عن الشمس أي قرابة 9.5 وحدة فلكية Astronomical Unit (AU) -والوحدة الفلكية يعرفها الاتحاد الفلكي العالمي International Astronomical Union (IAU) بأنها 149597870700 متراً تماماً.
تبلغ كتلة تيتان 1.3455´2310 كغ، أما متوسط كثافته فيبلغ 1.880 كغ/م3، وتبلغ انعكاسيته (بياضه) الهندسية البصرية visual geometric albedoقرابة 22%. وسطح تيتان هو الأكثر شبهاً بسطح الأرض على الرغم من الانخفاض الشديد في درجات الحرارة واختلاف كيمياء سطحه؛ إذ تبلغ درجة الحرارة عند سطح تيتان قرابة 179 ْس تحت الصفر السلزي؛ بحيث يؤدي جليد الماء دور الصخر. وقد يكون لتيتان نشاط بركاني لكن مع حمم بركانية من الماء السائل عوضاً عن الصخور المصهورة.
يدور تيتان (الشكل 1) حول زحل على مسافة تقارب 1.222 مليون كم (وتمثل نصف قطر مدار تيتان)، ويستغرق 15.94 يوماً لإتمام دورة كاملة حول زحل؛ إذ يبلغ متوسط سرعة تيتان 2.64 كم/ثا. ومسار تيتان إهليليجي قليلاً، إذ يبلغ تباعده المركزي eccentricity 0.029، ويبلغ ميل مداره نسبةً إلى خط الاستواء الكوكبي planetary equator 0.3 درجة.
![]() |
|
الشكل (1) صورة لتيتان بوساطة مركبة الفضاء كاسيني Cassini. |
يشبه تيتان أيضاً القمر كاليستو Callisto التابع لكوكب المشتري في الكثير من الخصائص منها القطر والكتلة والكثافة الظاهرية bulk density، وهي أعلى من كثافة سواتل زحل الأخرى، ويُرجح أن يكون السبب في ذلك احتواء تيتان على تركيز أعلى من المواد الحرارية (الصامدة للحرارة) refractory (أي الصخرية). وبفرض أن لهذا المكوّن كثافة 3 غرام/سم3 فإن وفرته في تيتان تقارب 44%. ليس لتيتان حقل مغنطيسي، ومن ثمَّ فهو لا يحوي في داخله على ما يبدو سائلاً ناقلاً للكهرباء.
الغلاف الجوي
يعود أول اقتراح أن لتيتان غلافاً جوياً إلى أوائل القرن العشرين، حين درس الفلكي الإسباني جوزيه كوماس سولا José Comas Sola ؛ تيتان بوساطة مقراب تبلغ فتحته aperture 38 سم، في مرصد فابرا Fabra في برشلونة بإسبانيا. وفي العام 1925 أثبت عالم الفيزياء الفلكية البريطاني جايمس جينز James Jeans -اعتماداً على النظرية الحركية للغازات التي طوّرها- أنه من الممكن نظرياً أن يكون لتيتان غلاف جوي. وفي الأربعينيات من القرن العشرين أظهرت الدراسة الطيفية التي أجراها جيرار كويبر Gerard Kuiper الشارة المميزة للميتان في تيتان.
وقد أظهرت المعطيات التي حصلت عليها المركبة الفضائية فوايجر 1Voyager 1التي أطلقتها إدارة الفضاء والطيران الوطنية (ناسا) National Aeronautics and Space Administration (NASA) الأمريكية في أيلول/سبتمبر من العام 1977، وحلَّقت في العام 1980 فوق تيتان على ارتفاع 6490 كم فقط، أن الغلاف الجوي لتيتان مكوّن أساساً من الآزوت، وهو الغاز الذي يؤلف 80% من الغلاف الجوي للأرض، إضافةً إلى الميتان بنسبة لا تتعدى 5%. كما أن الضغط الجوي عند سطح تيتان يبلغ 1.5 بار أي أعلى بنسبة 50% من الضغط الجوي عند سطح الأرض. وإجمالاً بالنظر إلى التركيب والضغط، عُدَّ تيتان العالَم في المنظومة الشمسية الذي له الغلاف الجوي الأكثر شبهاً بالأرض.
قد يكون الميتان مكوّناً ثانوياً في الغلاف الجوي لتيتان لكن أهميته من الناحية الكيميائية بالغة. إذ يتكون جزيء الميتان من ذرة كربون وأربع ذرات هدروجين. وتحت تأثير الضوء فوق البنفسجي ينشطر إلى ذرة هدروجين أو اثنتين وكِسرة fragment تحوي ذرة الكربون والهدروجين المتبقي. ويسعى الهدروجين المحرَّر إلى الهروب من تيتان على نحو جزيئات H2، لكن المهمة صعبة نظراً للجاذبية الشديدة للكوكب زحل؛ لذا تتحد كِسرات الهدروكربون hydrocarbon بعضهامع بعض ومع الآزوت بطرائق مختلفة لا حصر لها لتنتج طيفاً واسعاً من المركّبات العضوية. وقد جرت معرفة الكثير منها وتحديد تراكيزها بفضل الدراسة الطيفية بالأشعة تحت الحمراء التي سجلتها المركبة فوايجر1. وتبيّن أن المركّب الأكثر وفرة هو الإيتان Ethane (C2H6) والأسِتلين Acetylene (C2H2). وإجرائية التحلّل الضوئي photolysis هي مصدر الضباب الرقيق في تيتان (الشكل 2).
![]() |
|
الشكل (2) صورة لتيتان تظهر فيها طبقتان رقيقتان من الضباب. |
تتكوّن جزيئات الضباب عالياً في طبقة الستراتوسفير stratosphere لتيتان حيث يمكن لأشعة الشمس النفاذ لتحطيم الميتان. والضباب غير شفاف opaqueنظراً لوجود طبقة سميكة منه. وقد حط المسبار هيغنز Huygens probe بنجاح على سطح القمر تيتان في العام 2005، وكان بذلك أول مركبة فضائية تهبط عليه. والمسبار من تصميم وكالة الفضاء الأوربية (إيزا) European Space Agency (ESA)، وكان جزءاً من المهمة الفضائية كاسيني-هيغنز Cassini-Huygens المشتركة بين ناسا وإيزا ووكالة الفضاء الإيطالية (أيزي) Agenzia Spaziale Italiana (ASI) لدراسة منظومة زحل. وقد عثر المسبار على جزيئات ضباب على طول مسار هبوطه على سطح تيتان، إلا أن الغلاف الجوي كان صافياً إلى درجة كافية لالتقاط صور جيدة لسطح تيتان.
الطقس
لطالما انشغل علماء الفلك بمقارنة الطقس على تيتان بالطقس على الأرض، مع العلم بأنه لا يوجد على تيتان لا الماء السائل ولا بخار الماء، بخلاف الحال على الأرض؛ كما أن درجات الحرارة في تيتان منخفضة جداً مقارنة بالأرض.
يؤدي الماء على تيتان في حالته الصلبة كالصخر rock-hard state؛ الدور الذي تؤديه الصخور السليكاتية silicate rocks على الأرض. ولكن ثمة مادة وحيدة بمقدورها -في مثل هذه الظروف شديدة البرودة- محاكاة سلوك الماء على الأرض المعتدلة، وهي الميتان. ففي منظومة تيتان يمكن للميتان التبخر والتكثف على شكل سحب، والهطل كقطرات المطر (الشكل 3). وبالارتقاء صعوداً في الغلاف الجوي على تيتان (أو على الأرض) تنخفض درجات الحرارة حتى تصل إلى حد أدنى. ويكون هذا الارتفاع - الذي يُطلق عليه اسم التروبوبوز (منطقة الركود) tropopause - عند حدود 10 كم على الأرض، وعند قرابة 40 كم فوق السطح في تيتان، وتبدأ الحرارة بالارتفاع مجدداً بعد ذلك الارتفاع عبر الستراتوسفير stratosphere؛ وتتشكل السحب تحت التروبوبوز في طبقة التروبوسفير troposphere.
![]() |
|
الشكل (3) صورة مركّبة لهطل المطر على تيتان |
على الرغم من الأسباب النظرية التي دفعت إلى الاعتقاد بوجوب امتلاك تيتان لسحب تحت الكم الهائل من الضباب، إلا أن أول ظهور للسحب المحيّرة جرى في العام 1995 في أثناء قيام كيتلين غريفيث Caitlin Griffith وتوبي أوين Toby Owen بإجراء مراقبات بالأشعة تحت الحمراء لتيتان على أمل اكتشاف شيء ما عن تركيب السطح.
أجرى الفلكيون في المرصد دبليو إم كيك W. M. Keckالواقع على قمة البركان النائم ماونا كيا Mauna Kea في هاواي، في كانون الأول / ديسمبر من العام 2001؛ مراقبات لتيتان بوساطة المقرابين التوءمين التابعين للمرصد (وفتحة كل منهما 10 م). كما أجرى الفلكيون في مرصد جيمني Gemini الواقع في هاواي، في شباط / فبراير من العام 2002؛ مراقبات لتيتان باستخدام المقراب الجنوبي Gemini South (وفتحته 8.19 م)؛ وأظهرت الصور التي قدمها كلا الفريقين بوضوح وجود سحب ناصعة بالقرب من القطب الجنوبي لتيتان.
سجلت المهمة الفضائية كاسيني تغيرات الفصول على تيتان طوال عدة أعوام؛ وأكدت مراقبات المهمة كاسيني في تشرين الأول/أكتوبر من العام 2010 وجود سحب من الميتان تبدو بيضاء في التروبوسفير، وهو الجزء الأدنى من الغلاف الجوي لتيتان، وخصوصاً فوق خط الاستواء لتيتان. وتقدم مراقبات كاسيني لمثل هذه السحب دلائل على تغيرات فصلية لمنظومات الطقس على تيتان على ارتفاعات منخفضة تلت الاعتدال equinox الذي جرى في آب/أغسطس من العام 2009 في منظومة زحل. أما في العام 2004، وإبان أواخر الصيف الجنوبي في تيتان؛ كانت السحب موجودة في منطقة القطب الجنوبي لتيتان.
وفي العام 2013 أظهرت المراقبات التي أجراها مطياف الأشعة تحت الحمراء المركّب Composite Infrared Spectrometer (CIRS) المحمول على متن المركبة الفضائية كاسيني وجود شكل سحابة جليدية فوق القطب الجنوبي، وهو دليل إضافي على أن تغير الفصول يحرض سلسلة من التغيرات الجذرية في الغلاف الجوي لتيتان؛ إذ لطالما خيمت السحابة الجليدية فوق القطب الشمالي لتيتان.
السطح
أجرى المقراب الفضائي هبل Hubble في منتصف التسعينيات من القرن العشرين مراقبات لسطح تيتان، إضافةً إلى الصور بالأشعة تحت الحمراء التي حصلت عليها المراصد الأرضية، وذلك قبل النتائج التي حصلت عليها المركبة الفضائية كاسيني. وقد كشفت هذه المراقبات على نطاق واسع عن سطح شديد التنوع مع مناطق معتمة وساطعة متغايرة؛ وتمثل منطقة إكزانادو Xanadu المنطقة الأكثر سطوعاً والأكثر جلاءً -وهي صعيد plateau يقارب حجمه حجم أستراليا- وتقع جنوب خط الاستواء مباشرة. وثمة في تيتان منطقة مظلمة جداً هي شانغري لا Shangri-Laوتقع إلى الغرب من إكزانادو (وقد حط المسبار هيغنز على المحيط الغربي لشانغري لا).
![]() |
|
الشكل (4) شبكة قنوات نهرية في منطقة إكزانادو كما التقطتها المركية كاسيني في العام 2006 |
إن مصدر المشاهد الأكثر تفصيلاً للمناظر الطبيعية الأرضية لتيتان هي الصور التي سجلها المسبار هيغنز في أثناء هبوطه، ورادار التصوير imaging radar على متن كاسيني، والذي يُصوِّر عند كل مرور رقعة من السطح عرضها عدة مئات من الكيلومترات، وطولها عدة آلاف من الكيلومترات. وقد أظهرت المسوحات الأولى تنوعاً في السمات توازي تنوعها على سطح الأرض، بما في ذلك الكثبان الريحية windblown dunes، والفوهات البركانية craters، والسلاسل الجبلية، وما يبدو أنه قبب بركانية volcanic domes. ولعل الأكثر إثارة للفضول هي القنوات channels، والشواطئ shorelines الظاهرية، والسمات الشبيهة بالبحيرات، والتي تدل على تدفق سائل على تيتان في الماضي، أو على تدفقه من حين لآخر ولو أنه لا يشكل حالياً محيطات وبحيرات كبرى. وقد حط هيغنز قريباً مما يبدو على أنه شاطئ بين مناطق ساطعة ومظلمة، وأرسل صوراً لقنوات متشعبة ذات لون قاتم تقطع المنطقة المشرقة.
تتكون الطبقة الصخرية bedrockالسفلية لسطح تيتان من جليد الماء، ولكن الرواسب sedimentsالتي تعلوه هي جزيئات عضوية؛ ففي أسفل الغلاف الجوي الآزوتي والميتاني الكثيف - والذي تتساقط منه أنواع من النيتريلات nitriles والهدروكربونات ؛h ydrocarbons- تنتظم العضويات السطحية على شكل حقول كثبانية dune fields، وعند الارتفاعات العالية على شكل بحيرات وبحار هدروكربونية سائلة.
دلت مراقبات كاسيني وهيغنز على أن ثمة تطور كيميائي جارٍ للسطح، فعلى سبيل المثال تَحول الأسِتيلين إلى بنزين benzene، وعلى الأرجح مع السيانيد الهدروجيني hydrogen cyanide إلى الأسيتونيتريل acetonitrile والسيانو أسِتيلين cyanoacetylene. وتقترح المراقبات التي أجريت للمنطقة حول البحيرات والبحار وجود ترسبات تبخيرية من الهدروكربونات والنيتريلات الحرارية.
أجرى فريق عمل رادار كاسيني من مختبر الفيزياء التطبيقية في جامعة جونز هوبكنز Johns Hopkins الأمريكية، في العام 2008 بقيادة رالف لورنز Ralph Lorenz؛ دراسة للمعطيات التي حصلت عليها المركبة الفضائية كاسيني، وتبيّن له أن تيتان -قمر زحل البرتقالي- يمتلك من الهدروكربونات السائلة أكثر بمئات الأضعاف مما يتوفر على الأرض من احتياطي النفط والغاز الطبيعي؛ وتتساقط الهدروكربونات من السماء وتتجمع في ترسبات لتشكل بحيرات وكثبان.
![]() |
|
الشكل (5) صورة مركّبة للبحيرات على تيتان |
وللمقارنة قُدر احتياطي الأرض من الغاز الطبيعي بقرابة 130 مليار طن في العام 2008، وهو يكفي لتوفير 300 ضعف كمية الطاقة التي تستهلكها الولايات المتحدة الأمريكية بمفردها سنوياً من أجل تدفئة المنازل والتبريد والإنارة؛ في حين تمتلك العشرات من البحيرات على تيتان كل على حدة ما يكافئ ذلك القدر من الطاقة على شكل ميتان وإيتان.
وقد كشفت النتائج الأخيرة (كانون الأول/ديسمبر 2013) التي حصلت عليها المهمة الفضائية كاسيني ومسبارها هيغنز؛ عن وجود بحيرات وبحار من الميتان السائل حول القطب الشمالي لتيتان. وقد أكد الباحثون العاملون على المهمة كاسيني وجود منطقة مستطيلة غريبة من بحار كبيرة، التقطتها معدات التصوير المحمولة على المسبار. وأظهرت الصور الحديثة أن هذه البحيرات والبحار متصلة فيما بينها بأشباه جزر ضيقة وطويلة. وثمة اقتراحات أن البحار الكبيرة المشاهدة على تيتان إنما هي بحار متشكّلة بفعل حركات القشرة؛ وقد أُطلق على البحرين القطبيّين الضخمين اسم ليجيا Ligeiaوكراكن Kraken.
وطبقاً للقياسات الرادارية التي أجرتها المركبة الفضائية فإن العمق الأعظم لليجيا يقارب 170 م؛ وقُدر الحجم الكلي لليجيا بحدود 9000 كم3 من الموائع الهدروكربونية، وهو يكافئ 300 ضعف احتياطي الأرض من النفط، وذلك في جسم سماوي أصغر من الأرض. وتشير المعطيات إلى أن البحار والبحيرات مملوءة أساساً بالميتان، إضافةً إلى القليل من الموائع الهدركربونية الأثقل الأخرى، بما فيها الإيتان والآزوت؛ أما البحر الثاني كراكن فيقع على جانب ليجيا، وتبلغ مساحته أربعة أضعاف مساحة ليجيا.
مهمات المراقبة والاستكشاف
يحظى تيتان باهتمام كبير من العلماء لكونه القمر الوحيد في المنظومة الشمسية المعروف بامتلاكه لسحب وغلاف جوي سميك غامض شبيه بغلاف الكوكب. حاولت المركبة الفضائية فوايجر 1 التي أطلقتها ناسا في 5 أيلول / سبتمبر 1977 لدراسة المنظومة الشمسية الخارجية؛ التقاط صور عن قرب للسمات الطبيعية لسطح تيتان، لكنها عجزت عن اختراق السحب السميكة؛ وأظهرت الصور فقط تغيرات طفيفة في اللون وفي السطوع داخل الغلاف الجوي؛ وقُدّر الضغط الجوي لتيتان بقرابة 60% زيادة عن الضغط الجوي الأرضي.
وتمكّن مقراب الفضاء هبل في العام 1994 من تسجيل صور بالأشعة تحت الحمراء لتيتان، والتي أشارت فقط إلى وجود مناطق مشرقة وأخرى مظلمة على سطحه، من دون إثبات وجود بحار سائلة.
وصمّمت ناسا NASA وإيزا ESA وأيزي ASI، وطوَّرت المركبة كاسيني-هيغنز التي أُطلقت في 15 تشرين الأول/أكتوبر 1997؛ بهدف استكشاف منظومة زحل بما فيها الحلقات والأقمار مع تركيز خاص على تيتان. وبدأت المهمة الاسمية عند تيتان في 1 تموز/يوليو 2004، وانتهت في حزيران/يونيو 2008، وأنجزت كاسيني في تلك المدة 75 دوراناً حول زحل و44 تحليقاً فوق تيتان. وكان من أهم إنجازات المهمة الاسمية هبوط مسبار وكالة الفضاء الأوربية (إيزا) على سطح تيتان؛ وقد حط المسبار هيعنز على سطح القمر في 14 كانون الثاني/يناير 2005، بعد نزوله عبر الغلاف الجوي لتيتان.
بدأ أول تمديد لعمل مهمة كاسيني التي أُطلق عليها اسم مهمة الاعتدال equinox mission؛ في تموز /يوليو 2008، ودام عامين حتى تشرين الأول/أكتوبر 2010. وفي أثناء مهمة الاعتدال استمرت مركبة الفضاء كاسيني بجولتها في منظومة كوكب زحل ونفذت عدة تحليقات منخفضة flybys فوق كوكب زحل وكذلك فوق أقماره؛ وتضمنت 26 تحليقاً منخفضاً فوق القمر تيتان و7 تحليقات منخفضة فوق القمر إنسيلادوس Enceladus وتحليق منخفض وحيد فوق كل من الأقمار الجليدية ديون Dione وريا Rhea وهيلين Helene.
ثم جرى تمديد مهمة كاسيني مرة ثانية وأخيرة، والتي أطلق عليها اسم مهمة الانقلاب solstice mission والتي استمرت لسبعة أعوام حتى 15 أيلول/سبتمبر 2017؛ عندما جرى إخراج مركبة الفضاء كاسيني من المدار deorbit لتحترق في الغلاف الجوي الأعلى من زحل. وقد تمثلت المهمة الأساسية في هذه المرحلة في مراقبة التغيرات الفصلية والتغيرات المناخية طويلة الأجل لزحل وأقماره.
المهمات الفضائية المنظورة
جرى اقتراح عدة مشاريع لمهمات فضائية هدفها دراسة تيتان واستكشافه في كل من وكالة الفضاء الأمريكية ووكالة الفضاء الأوربية.
من أهم تلك المقترحات مهمة منظومة زحل تيتان (تي إس إس إم) Titan Saturn System Mission (TSSM) المشتركة بين ناسا وإيزا، والتي نتجت في العام 2008 من دمج مهمة تيتان وإنسيلادوس Titan and Enceladus Mission (TandEM)لوكالة الفضاء الأوربية مع مهمة مسبار تيتان لوكالة الفضاء الأمريكية قدرت تكلفتها آنذاك بمبلغ 2.5 مليار دولار. وكان مقترحاً أن يجري الإطلاق في العام 2020؛ على أن تصل المركبة الفضائية إلى منظومة زحل في العام 2029. واشتمل مقترح المركبة الفضائية على ثلاثة مكوّنات رئيسة هي العربة المدارية orbiter، ومركبة الهبوط على البحيرات lake lander، ومنطاد montgolfière، بهدف الهبوط على البحار أو البحيرات في تيتان وسبرها، إضافةً إلى دراسة الغلاف الجوي وطبقاته. لكن وكالة الفضاء الأمريكية حولت التمويل المخصص لها إلى مشروع آخر يهدف إلى استكشاف المشتري.
كما قُدم في العام 2009 مقترح لمركبة هبوط lander فضائية لسبر تيتان باسم مستكشف بحار تيتان (تايم) Titan Mare Explorer (TiME)، وكان هذا المشروع أحد مهمات الاستكشاف الثلاثة التي اختيرت في العام 2011 من أجل وضع مقترحات أكثر تفصيلاً؛ لكن ناسا أقرَّت في العام 2012 مقترح مهمة بديلة تستهدف المريخ.
والمهمة الفضائية الرئيسية المنظورة إلى القمر تيتان هي مهمة اليعسوب Dragonfly missionالتي اختارتها وكالة الفضاء الأمريكية في إطار إعلان الفرص المسمى الحدود الجديدة الرابع New Frontiers 4 ليجري تنفيذه من قبل مختبر الفيزياء التطبيقية التابع لجامعة جون هوبكنز Johns Hopkins Applied Physics Laboratory وشركاء آخرون. ويفترض بمروحية اليعسوب Dragonfly rotorcraft تحديد تراكيب سطح تيتان وإجراء قياسات جوية وجيوفيزيائية لفهم كيفية تشكل تيتان وتطوره. ومن المنظور أن يجري إطلاق مركبة الفضاء في تموز/يوليو 2028 وأن تصل إلى القمر تيتان أواخر العام 2034.
|
مراجع للاستزادة: - J. Colwell, The Ringed Planet: Cassini’s Voyage of Discovery of Saturn, Institute of Physics (IOP) Publishing, 2025. - R. M. C. Lopes et al., Titan After Cassini-Huygens, Elsevier, 2025. - R. Lorenz, Saturn&http://www.arab-ency.com.sy/scitech/details/169999#39;s Moon Titan: From 4.5 billion Years Ago to the Present, Haynes Publishing, 2020. - P. Whiteside, Saturn and its Moons: The Natural Satellites and How They Were Discovered, Independently published, 2023.
|
- التصنيف : تقانات الفضاء والفلك - النوع : تقانات الفضاء والفلك - المجلد : المجلد العاشر، طبعة 2025، دمشق مشاركة :




