تناسل
Reproduction -

التناسل

 

سليمان عبد الرحمن سلهب

التناسل في الإناث دورة الشبق في الحيوانات الزراعية
الدورة التناسلية  التناسل في الذكور
أنواع الدورة التناسلية تكون النطف spermatogenesis
 

التناسل reproduction هو عملية حيوية تتطلب تزاوج فردين من جنسين مختلفين أو التقاء الأعراس الذكرية (النطف) مع الأنثويةَ (البويضات) واندماج مادتيهما الوراثيتين لتكوين أفراد جديدة بهدف البقاء، ويُعدّ محصلة تكامل وظيفي بين الوطاء hypothalamus  والنخامية الغدية (الغدة النخامية) adenohypophysis والمناسل gonads من خلال تآثر عصبي هرموني neuroendocrine interaction.

التناسل في الإناث

يُعرَّف التناسل في إناث female reproduction الثدييات بأنه سلسلة من الأحداث الحيوية التي تعيشها الأنثى خلال حياتها، تبدؤها منذ المرحلة الجنينية بتمايز الجهاز التناسلي وتطوره  مكوِّناً المبيضين ovaries  وقناتيهما ducts والرحم uterus (القرنان horns والجسم  body والعنق cervix) والمهبل vagina  والفَرْج vulva. وبعد الولادة  تنمو الأنثى لتصل إلى عمر البلوغ الجنسي فتكتسب القدرة على إنتاج الهرمونات التناسلية والبويضات، كما تبدأ دورات تناسلية دورية منتظمة وتظهر سلوكيات جنسية مميزة. وبعد التلقيح وحدوث الإخصاب تنغرس البويضة المخصبة في جدار الرحم، وتبدأ المشيمة في التكون وتتطور مع الجنين حتى تحدث الولادة، وتكتسب الأم القدرة على إدرار الحليب لتغذية المولود، فهي تختلف عن الذكر بأنها لاتنتج الأعراس التناسلية (البويضات ova) والهرمونات الجنسية الأنثوية وحسب؛ بل تُعدّ أيضاً المهد الذي ينمو فيه فرد أو أكثر من الجيل الجديد.

الدورة التناسلية

تمر الأنثى بعد البلوغ بدورات تناسلية reproductive cycle دورياً طوال أغلب حياتها، ممّا يُعطيها فرصاً متكررة للحمل. وتُعرَّف الدورة التناسلية بأنّها سلسلة الأحداث الفيزيولوجية التي تظهر بين فترتين تناسليتين أو إباضتين متتاليتين. يتم التلقيح (الجماع mating،copulation ) عند الحيوانات ضمن فترة معينة تعرف بالشبق estrus أو heat، يختلف طولها باختلاف الأنواع الحيوانية (الجدول 1)، تزداد في أثنائها الرغبة الجنسية في الإناث لاستقبال الذكور، وتحدث الإباضة بعد نهاية الشبق عند البقر والمعز؛ أو خلاله عند النعجة والفرس والخنزيرة والناقة. وفي حال عدم الإخصاب يتكرر الشبق بعد فترات معينة تختلف باختلاف الأنواع الحيوانية. تسمى المدة الواقعة بين فترتي شبق بدورة الشبق estrus cycle. أما عند الرئيسات - مثل الإنسان والقردة والشمبانزي -  فليس ثمة علامات تدل على الشبق؛ إذ تستطيع الأنثى استقبال الذكر في أي وقت، ولكن ثمة علامات تدل على بدء الدورة التناسلية مثل نزف bleeding  الرحم الذي يعرف بالطمث أو الحيض menstruation عند الفتاة البالغة أو المرأة، وطولها 28 يوماً، وتحدث الإباضة بصورة عامة في منتصف الدورة (اليوم الرابع عشر). أما في حال كونها أطول من ذلك فيكون يوم الإباضة هو اليوم الذي يسبق الأيام الأربعة عشر الأخيرة (فترة حياة الجسم الأصفر تكون ثابتة عند المرأة). فإذا كان طول الدورة مثلاً 33 يوماً؛ فسوف تحدث الإباضة في اليوم التاسع عشر من الدورة، مما يفيد في تحديد يوم الإخصاب أو تحديد النسل بصورة طبيعية؛ إذ تُعدّ الأيام الثلاثة التي تسبق الإباضة ويوم الإباضة والأيام الثلاثة التي تليها الأيام المخصِبة التي يُفضل خلالها حدوث الجماع عند الرغبة في الإخصاب أو الامتناع من أجل تحديد النسل، وهذا حتماً يُجنب الكثير من الناس التأثيرات الجانبية الناجمة عن استخدام موانع الحمل  contraceptivesالصنعية.

الجدول (1) بعض المؤشرات التناسلية في إناث الحيوانات الزراعية.

المؤشر التناسلي

البقرة

النعجة

المعز

الفرس

الناقة

عمر  البلوغ (شهر).

4-14

7-10

7-10

15-24

24-36

الوزن (كغ).

160-270

27-34

25-30

بحسب ظروف الرعاية.

بحسب ظروف الرعاية.

  متوسط طول الدورة

التناسلية (اليوم).

21

17

21

21

28

متوسط طول فترة الشبق.

18 ساعة

30 ساعة

35 ساعة

5 أيام

5 أيام

موعد استئناف النشاط المبيضي بعد الولادة (يوم).

40

35

-

10

10

وقت الإباضة

(ساعة).

4-16 بعد

نهاية الشبق.

قرب

نهاية الشبق.

بعد

نهاية الشبق.

24-48  قبل

نهاية الشبق.

تحريضية.

الوقت من ذروة الـLH

حتى الإباضة (ساعة).

28

26

--

48

26-36

أفضل وقت للتلقيح.

النصف الأخير من الشبق.

منتصف فترة الشبق.

منتصف فترة الشبق.

كل يومين بدءاً من اليوم الثاني للشبق.

منتصف الدورة التناسلية.

أنواع الدورة التناسلية

1- الدورة الشبقية estrus cycleيمكن تقسيمها بحسب موعد ظهورها وطولها إلى النماذج التالية:

أ‌-     دورة الشبق المستمرة continuous estrus cycle: تتميز باستمرار الشبق فيها على مدار العام، ولكن لا تحدث الإباضة إلا إذا حدث جماع أو تحريض inducing صنعي لعنق الرحم، وبهذا تُصنَّف حيوانات هذه المجموعة بأنّها ذات إباضة تحريضية induced ovulation تكثر عند القطط والأرانب والذئاب والنموس وعند ابن عرس والنوق (تنبيه ميكانيكي وهرموني).

ب‌- دورة شبق طويلة جداً very long estrus cycle: تشاهد عند أنثى الكلاب، وتستمر 36 أشهر.

ج- دورة الشبق الطويلة long estrus cycle: وهي شائعة عند الحيوانات الزراعية، مثل البقر والغنم  والمعز والأفراس والخنازير، ويراوح طولها  بين 1621 يوماً (الجدول1).

د- دورة الشبق القصيرة short estrus cycle: تستمر 45 أيام وتشاهد عند الفئران والجرذان.

تجدر الإشارة إلى أنَّ بعض الحيوانات يمكنها التزاوج؛ أو يظهر عندها النشاط التناسلي على مدار العام، فمثلاً البقر والجواميس والخنازير لها القدرة على التزاوج خلال فترات الشبق التي تظهر على مدار السنة؛ فتسمى بحيوانات متواصلة أو مستمرة الشبق continuous estrus (الشكل 1)، وهذا ما يميِّزها من غيرها من الأنواع الحيوانية التي يظهر عندها الشبق عدة مرات؛ لكن ضمن فصل أو وقت محدد من السنة؛ فتسمى بالحيوانات فصلية التناسل متعددة الشبق seasonal polyestrus. مثال ذلك بعض سـلالات الغنم والمعز التي يظهر نشاطهــا التناسلي مـع بداية نقص الفترة الضوئية أو النهار مـن العام short day breeds،  والخيول التي يبدأ نشاطها التناسلي مع بدء زيادة الفترة الضوئية أو طول النهار من العام long day breeds. كما تتميز أنواع أخرى من الحيوانات بأنّها فصلية التناسل لكن لا يظهر الشبق عندها إلا مرة واحدة، لهذا تسمى بالحيوانات فصلية التناسل وحيدة الشبق seasonal monoestrus (الشكل1)، مثال ذلك الكلبة؛ إذ تظهر شبقاً مرتين في العام؛ مرة في الربيع؛ وأخرى في الخريف؛ وبذلك يكون طول دورة الشبق عندها 6 أشهر، وفي حال حدوث حمل لايظهر الشبق ثانية إلا بعد قدوم الفصل التناسلي التالي. ومما لا شك فيه أنّ بعض العوامل البيئية مثل الإضاءة والحرارة والتغذية - إضافة إلى الجينات - قد تؤثر تأثيراً كبيراً جداً في النشاط التناسلي وفي العمر الذي تبدأ فيه هذه النشاطات الجنسية بالظهور ضمن الأنواع الحيوانية المختلفة وبين أفرادها.

الشكل (1) أنواع دورة الشبق وفق مستوى الإستروجين.

2-  الدورة الحيضية (الطمثية) menstrual cycle:

تتألف من مجموع أحداث فيزيولوجية تظهر بين فترتي حيض متتاليتين عند الرئيسات، وطولها عند المرأة نحو 28 يوماً، وتمر بطورين يعكسان حالة بطانة الرحم والنشاط المبيضي، يسمى الطور الأول بطور الجريبات المبيضية  follicular phaseويدوم 14 يوماً. يبدأ بالطمثmenstruation  أو الإدماءbleeding ؛ وهو يقابل الشبق في الحيوانات الزراعية، ويدوم لمدة 46 أيام بسبب تقلف بطانة الرحم والتراجع في سماكتها نتيجة الانحسار في مستوى البروجِسترون، كما يحدث تزايد تدريجي في مستوى الهرمون المحرِّر للهرمونات الموجِّهة للقند GnRH الذي ينشط إفراز الهرمون المنشط لنمو الجريبات المبيضية (FSH)Hormone  Folicele  Stimulating  وهرمون اللوتنة Luteinizing Hormone (LH) ،وتنمو الجريبات المبيضية لمدة 9 أيام وتُفرز الإستروجين وتنمو بطانة الرحم وتزداد في السماكة، وتحدث الإباضة في منتصف الدورة؛ مقابل بدايتها أو نهايتها في الحيوانات الزراعية (الشكل 2). ويسمى الطور الثاني بطور الإفرازsecretory phase ، وفيه يتشكل الجسم الأصفر corpus luteum  الذي يفرز البروجِسترون، وتكون فترته ثابتة 14 يوماً، ويحدث خلاله استمرار في نمو بطانة الرحم وزيادة في سماكتها تحت تأثير البروجِسترون، وفي اليوم 28 من الدورة الحيضية -وفي حال عدم حدوث حمل-  تبدأ بطانة الرحم بالتراجع عن نموها، وتتقلف ظهاريتها مع إدماء يظهر خارج الفتحة التناسلية مشيراً إلى بدء دورة حيض جديدة .

 

E2: الإستروجين، P4: البروجِسترون، FSH:الهرمون الموجه لنمو الجريبات المبيضية، هرمون: LH

الشكل (2) الأحداث الفيزيولوجية في الدورة الحيضية عند المرأة.

دورة الشبق في الحيوانات الزراعية

 يظهر الشبق أو النشاط التناسلي عند الحيوانات الزراعية عند وصولها إلى مرحلة البلوغ الجنسي sexual puberty؛ إذ تُستأنف عندها العلاقة العصبية الهرمونية بين المحور الدماغي (النخامية والوطاء) والمبايض، وعندها تمر الإناث بأول دورة شبق ترافقها إباضة ذاتية. وللحيوانات الزراعية (ماعدا الناقة) نموذج واحد لدورة الشبق؛ بحيث يمكن تقسيمها إلى طورين رئيسين: طـور الجريبات المبيضية، ويمتد من تدهور الجسـم الأصفر حتى حدوث الإباضة ovulation متضمناً مرحلتي ماقبل الشبقproestrus  والشبق، ويتصف بقصره؛ إذ يؤلف نحو 20% من طول الدورة التناسلية (الشكل 3)، وتُعدّ الجريبات المبيضية النامية هي السائدة في المبيض وتفرز هرمون الإستروجين estrogen. وطور الجسم الأصفر luteal phase الذي يمتد من الإباضة حتى تدهور الجسم الأصفر متضمناً مرحلتي مابعد الشبق metaestrus والسكون الجنسي diestrus؛ ويُمثل 80% من طول الدورة التناسلية (الشكل 3)؛ ويكون البروجِستيرون   progesteroneالهرمون السائد خلال هذا الطور.

الشكل (3) أطوار الدورة التناسلية في الحيوانات الزراعية.

وهناك اختلافات بين أنواع الحيوانات الزراعية في طول هذه المراحل؛ وذلك لاختلافات في طبيعة الهرمونات المحرِّرة ووقت تأثيرها، وتظهر الأحداث في كل طور كالآتي:

الطور الجريبي follicular phase:

يتألف من أربعـة أحداث رئيسة: ارتفـاع مستوى موجَّهة الغدد التناسلية، ونمـو الجريبات المبيضية، وتطـور الرغبة الجنسية (libido) sexual receptivity لدى الأنثى، وحدوث الإباضة. يتحكم في أحداث هذا الطور كل من: الوطاء من خلال إفرازه للهرمون المحرِر للهرمونات الموجهة للقند (المناسل) (GnRH) Gonadotropin- Releasing Hormone. والنخامية الغدية التي توجه الغدد التناسلية (القند) بإفرازها هرمونين: الهرمون المنشط لنمو الجريبات المبيضية (FSH)  وهرمون اللوتنة (LH). والمبيض الذي يفرز كلاً من الإستروجين والبروجِسترون (الشكل 4). وتتضح هذه الأحداث وتسلسلها كالآتي:

أ‌-     مرحلة الاستعداد أو ما قبل الشبق proestrus stage:

يتم خلالها تدهور الجسم الأصفر (إذا كان موجوداً)، ممّا يؤدي إلى انخفاض مستوى هرمون البروجِسترون؛ ومن ثمّ انخفاض تأثيره السلبي في الوطاء؛ ومن ثم إفراز كميات كبيرة من الـ GnRH الذي بدوره يزيد من إفراز LH و FSH وانتقالهما عبر الدم إلى المبيضين (الشكل4)؛ وهناك يؤثران في الجريب المبيضي. يرتبط هرمون الـ LH بمستقبلاته على سطح خلايا القرَّاب الغائر theca interna التي تستجيب له بإفراز هرمون البروجِسترون الذي يتحول إلى التِستوستِرون، وينتقل إلى الخلايا الجريبية granulosa التي تستجيب لهرمون الـ FSHبتحويل هرمون التِستوستِرون إلى الإستروجين.

الشكل (4) التغيرات الهرمونية خلال طور الجريبات المبيضية في الدورة التناسلية في الحيوانات الزراعية.

 

كما يُنَشِّط الـ FSH انقسامات الخلايا الجريبية فيزداد عددها وقدرتها على إفراز كميات أكبر من الإستروجين؛ الذي ينقله الدم إلى منطقة محور النخامية - الوطاء ليؤثر بصورة إيجابية مسبباً إفراز كميات أكبر من الـ FSH، وهكذا يتولد نوع من التغذية الإيجابية المرحلية بين هرمون الـ FSH والإستروجين (الشكل 5). كما أنَّ هرمون الإستروجين ينتقل عبر الأوعية الدموية التي تربط المبيض بالقناة التناسلية؛ فيؤثر في بطانة قناة المبيض مسبباً نمو خلاياها المهدبة والمفرزة؛ فتبدأ نشاطها. كذلك يؤثر في الطبقة المخاطية لجدار الرحم فيزداد إفرازها المخاطي وتزداد سماكة بطانة المهبل نتيجة لزيادة اتساع أقطار الأوعية الدموية وتوزعها وتدفق أكبر للدم، كما أنَّ الفرج يتورم من الخارج. وبهذا تصبح القناة التناسلية على أهبة الاستعداد لمرحلة الشبق، كما تبدي الأنثى بعض الاهتمام نحو الذكر، تستمر هذه المرحلة 2-3 أيام.

ب‌- مرحلة الشبق heat or estrus stage:

 تزداد الرغبة الجنسية عند الأنثى تجاه الذكر نتيجة لتراكم كميات كبيرة من الإستروجين، ويتضخم الرحم وقرناه، ويزداد انتشار الأوعية الدموية في جدر القناة التناسلية، كما يحدث إفراز ملحوظ لسائل رائق مخاطي إلى خارج الجهاز التناسلي (عند البقرة)، ويتم عادة نمو جريب مبيضي واحد (البقرة، الفرس) أو أكثر (النعجة، المعز، الخنزيرة) ويزداد قطره على نحو ملحوظ. ونتيجة لتوفر كميات كبيرة من الإستروجين يزداد تدفق الدم الواصل إلى القناة التناسلية، ويزداد نمو غدد الرحم وعدد الأجسام المضادة، وتنخفض الناقلية الكهربائية في نسج القناة التناسلية، كما تستجيب النخامية الغدية بإفراز كميات كبيرة من الـ LH، ويصل مع الـ  FSHإلى ذروتهما قبل الإباضة وعلى الأغلب بعد مرور 12 ساعة من بداية فترة الشبق (الشكل 4). وتظهر بوضوح كبير خلال هذه المرحلة علامات الهياج الجنسي عند الأنثى مثل قفزها على غيرها من الحيوانات، كما تسمح لحيوانات أخرى بالقفز عليها واستكانتها لها، ويكون خوار البقرة عالياً بين الحين والآخر، وينخفض إنتاج الأبقار من الحليب، وتكون الأنثى الشبقة أيضاً عصبية المزاج وكثيرة الحركة وقليلة الشهية؛ إضافة إلى انتفاخ الفتحة التناسلية وتوردها وخروج السائل المخاطي الشفاف منها. وغالباً ما ينتهي هذا الطور بالإباضة عند بعض الحيوانات مثل الغنم؛ أو خلاله كما في حالة الفرس والخنزيرة؛ أو بعد عدة ساعات من نهايته كما هي الحال عند البقرة أو المعز ( الجدول1). ويبدو أن الجريب أو الجريبات الناضجة المرشحة للإباضة تفرز مادة غير ستيروئيدية - تسمى (inhibin) folliculostatin - تمنع إفراز كميات أخرى من الـ FSH، ومن ثمّ توقف نمو جريبات أخرى (الشكل 5). وتبدأ الجريبات المتوقفة عن النمو بالتدهور والترقق وينغلق تجويفها وغالباً ما تتلاشى. يختلف طول هذا الطور باختلاف الأنواع الحيوانية (الجدول 1).

الشكل(5) العلاقة بين الوطاء والنخامية الغدية والمبيض خلال الطور الجريبي في الحيوانات الزراعية.

ج‌- مرحلة ما بعد الشبق metaestrus stage:

يتوقف خلالها الشبق عند الأنثى ويحدث نزف دموي يمكن ملاحظته متراكماً تحت ذيل البقر بعد مرور أربعة أيام من نهاية الشبق. وهي مرحلة انتقالية من حالة سيادة الإستروجين إلى سيادة البروجِسترون؛ حيث تتعرض الخلايا الحبيبية وخلايا القرَّاب للتغيير في وظيفتها وشكلها؛ وتكتسب صفة اللوتنة luteinization مشكّلة غدة صماء مفرزة في المبيض تسمى الجسم الأصفر Corpus Luteum (CL)  في مكان الجريب المبيضي الناضج المنفجر، وتبدأ الأعضاء التناسلية بالعودة تدريجياً إلى حالتها الأساسية من السكون وتصبح تحت تأثير هرمون البروجِسترون الذي يزداد إفرازه من الجسم الأصفر، ويتوقف الرحم عن انقباضاته العضلية ويستعد لاستقبال البيضة الملقحة حيث يلاحظ ازدياد نشاط غدده المفرزة ونمو جداره، كما ترفض الأنثى استقبال الذكر في نهاية هذه المرحلة.

    د- مرحلة الراحة diestrus stage:

 هي مرحلة الهدوء الجنسي والأطول في الدورة التناسلية، وتصبح الأنثى هادئة وطبيعية، وتزداد سماكة ظهارة الرحم وحجم الغدد الرحمية ونمو عضلات جدار الرحم، وتتجه كل التفاعلات إلى توفير البيئة المناسبة لانغراس الجنين وتطوره. تكون كمية البروجِسترون المفرزة من الجسم الأصفر واضحة منذ اليومين الرابع والخامس (الشكل 4)، ويتدهور في حال عدم حدوث حمل فيالأيام 15 و16 و17 عند البقرة والخنزيرة والنعجة على التوالي، وفي حال حدوث الحمل، يستمر الجسم الأصفر طول فترة الحمل، وفي حالة اللاحمل يتجدد ظهور الطور الأول – ما قبل الشبق – خلال مرحلة تدهور الجسم الأصفر مشيراً إلى بدء دورة شبق جديدة.

  هـ- السكون الجنسي sexual anestrus:

 هي فترة هدوء جنسي طويلة تمتد بين دورتي شبق متتاليين عند الحيوانات التي تتميز بظهور دورة تناسلية فصلية واحدة (الكلبة)، أما بالنسبة إلى الحيوانات فصلية التناسل ومتعددة الإباضة أو الشبق (الغنم، والمعز، والأفراس) فيحدث عندها سكون جنسي في نهاية الفصل التناسلي، لكن لا تلبث الأعضاء التناسلية أن تُجدد نشاطها في الموسم التناسلي التالي وتُنظم دورات الشبق من جديد، أما الحيوانات الزراعية الأخرى متعددة الشبق التي يظهر نشاطها التناسلي طول العام - مثل البقرة - فلا يحدث السكون التناسلي إلا في حالة الحمل أو في أثناء الرضاعة أو الحلابة، أو لأسباب غذائية أو صحية أو بيئية إجهادية.

الإباضة ovulation: هي عملية معقدة تتطلب تهدم جدر الجريب المبيضي المرشح للإباضة وانفجار هذا الجريب وخروج البيضة الناضجة يرافقها جزءٌ من الجسم الركامي. تحدثت عدة نظريات عن آلية عملية الإباضة، والنتيجة التي يمكن استخلاصها أنّه ليس ثمة عامل واحد يسبب الإباضة؛ بل تتضافر آثار عوامل هرمونية وعصبية وعضلية وإنزيمية ودموية لتسهم معاً بعملية الانفجار.

طور الجسم الأصفر corpus luteum phase:

 تُعدّ عملية تشكل الجسم الأصفر خطوة مستمرة من خطوات تكون الجريبات المبيضية؛ نظراً لأن خلايا الجريبات  المبيضية (الحبيبية، والطوق الباطني) المتبقية في مكان الانفجار تكون طليعة لخلايا الجسم الأصفر الذي سيتكون لاحقاً. يمتلئ مكان الانفجار (التجويف) بعد حدوث الإباضة بالدم واللمف فيتكون الجسم النزفيcorpus hemorrhagicum الذي لا تطول حياته أكثر من 2-3 أيام عند المرأة وأغلب الحيوانات الزراعية، حيث يخترق منطقة انفجار الجريب عدد كبير من الأوعية الدموية المحملة بالمواد الغذائية والهرمونات اللازمة لنمو الخلايا الحبيبية وخلايا الطوق، تتكاثر هذه الخلايا بسرعة حتى تملأ فراغ الجريب المنفجر ويصل حجم الجسم الناتج إلى حجم مقارب للجريب الذي تشكّل مكانه.

تتعرض خلايا هذا الجسم المتشكل لبعض التغيرات الشكلية (الشكل 6) مثل: التضخم الخلوي  hypertrophyفي الخلايا الحبيبية؛ وفرط التنسجhyperplasia  في خلايا القرّاب الغائر قبل الإباضة عند الإنسان وبعدها في الحيوانات الزراعية؛ وازدياد عدد الشبكة الإندوبلاسمية الناعمة ضمن خلايا الجسم الأصفر؛ وغزو الأوعية الدموية لمنطقة تشكله الذي يكتسب في نهايتها صفة اللوتنة ويمتلئ بصبغة صفراء تدعى lutein (حالة البقرة، والفرس)، ويدعى الجسم المتشكل بالجسم الأصفر. تغيب هذه الصبغة عند الخنزيرة والنعجة مما يعطي الجسم الأصفر عندها  اللون الأحمر اللحمي.  

تبين أن نوعي الخلايا الموجودة في الجسم الأصفر تكون متمايزة ومتباينة من الناحية الشكلية  والحيوية، فالخلايا التي اشتقت من الخلايا الحبيبية تكون كبيرة الحجم وأعدادها قليلة وذات شكل بيضوي ونواتها دائرية، وتكون السيتوبلاسما غنية بالمواد البروتينية؛ في حين أن الخلايا الصغيرة الحجم تشتق من خلايا القرّاب الغائر theca interna، وتكون أعدادها كبيرة وشكلها نجمياً ونواتها مطبقة والسيتوبلاسما غنية بالمواد الدهنية. وتحوي الخلايا الكبيرة الحجم أعداداً كبيرة من مستقبلات البروستاغلاندين (PGE2 وPGF-2α) وكميات قليلة من مستقبلات خاصة بهرمون الـ LH. أما الخلايا الصغيرة الحجم فهي غنية بمستقبلات الـ LH وفقيرة جداً بمستقبلات البروستاغلاندينات. على أي حال يمتد التعاون الوظيفي الذي كان بينهما قبل حدوث الإباضة إلى ما بعدها لكن بطابع آخر؛ حيث يُعدّ التعاون بينهما مسؤولاً عن تكون الجسم الأصفر وعن تدهوره أيضاً في حال عدم حدوث حمل. ويتضح تعاونهما في مرحلة تَكَوُّن الجسم الأصفر luteotropic process من خلال إفرازهما هرمون البروجِسترون الذي يتطلب صنعه وجود مستوى قاعدي من الـ LH والكولِسترول.

الشكل (6) تشكل الجسم الأصفر.

ويمكن شرح مراحل صنع البروجِسترون في خلايا الجسم الأصفر كالآتي (الشكل 7):

- ينقل الدم الكولِسترول بصورته المؤسترة مرتبطاً بجزيء بروتين دهني منخفض الكثافة(LDL)   Low Density Lipoptein إلى كلا النوعين من خلايا الجسم الأصفر. وترتبط جزيئات الكولِسترول والـLDL  بمستقبلات موجودة على سطح خلايا الجسم الأصفر مكونة معقداً يعبر إلى سيتوبلاسما خلايا الجسم الأصفر، ثم يتحرر الكولِسترول بصورته المؤسترة من المعقد، ويُعيد المستقبل دورته ليرتبط  بجزيء آخر من الكولِسترول والـ LDL (الخطوة 1 في الشكل 7).

- يرتبط أيضاً الـ LH بمستقبلاته الموجودة على سطح خلايا الجسم الأصفر مكوناً معقداً (الخطوة 2).

- يُنشط المعقد الأخير بروتيناً جدارياً يسمى البروتين ج G-protein، الذي ينشط إنزيماً مرتبطاً بالجدار الداخلي لخلايا الجسم الأصفر يسمى أدينيليت سايكليز(AC)Adenylate Cyclase   (الخطوة 3).

- ينشط الـ  AC تحول الـ ATP إلى cAMP، الذي يعد بمنزلة الموصل الثاني(الخطوة 4).

- ينشط cAMP سلسلة من إنزيمات شلالية protein cascade enzymes (الخطوة 5)؛ اذ ينشط الإنزيم الأول (a) فكّ معقد الكولِسترول المؤستر والـ  LDL مع المستقبل وتحرر الأخير وإعادة دورته. وينشط الإنزيم الثاني (b) تحرر الكولِسترول من الإستر، وينشط الإنزيم الثالث (c) دخول الكولِسترول إلى المتقدرات الخلوية (الميتوكندريا) في خلايا الجسم الأصفر.

- تحول الإنزيمات الموجودة في المتقدرات جزيء البروجِسترون إلى برغنينولون (الخطوة 6)؛ يغادر المتقدرات الخلوية ويتحول بفعل إنزيم في السيتوبلاسما إلى البروجِسترون الذي يغادر خلايا الجسم الأصفر إلى الدورة الدموية، فتنقله إلى النسج المُستهدَفَة (الخطوة 7).

CHOL: كولسترول، PREG: برغنينولون، PROG: بروجستون، LH: هرمون اللوتنة،
 
CHOL-ESTER: الكولسترول المؤستر، LDL: بروتين دهني منخفض الكثافة،
 
G-PROTEIN: بروتين ج، LHR: مستقبل هرمون LH، AC: إنزيم أدينيليت سايكليز،
 
cAMP: أدينوزين أحادي الفسفات، ATP: أدينوزين ثلاثي الفسفات.

الشكل (7) آلية صنع البروجِسترون في خلايا الجسم الأصفر.

 

يكون للبروجِسترون دور مهم – بوصفه عاملاً مثبطاً - في تحرير GnRH من كل من المركز الذروي والقاعدي في الوطاء؛ وتحرير الـ LH  بمستواه الذروي؛ وتثبيط النشاط الانقباضي لعضلات جدار الرحم، وينشط إفراز الغدد المخاطية في بطانة جدار الرحم، كما ينشط تطور الأسناخ في الغدد الثديية (الشكل 8).

 أما عن علاقات التعاون بينهما خلال مرحلة تدهور الجسم الأصفر luteolysis فتتم من خلال تكون هرمون الأوكسيتوسين oxytocin في خلايا الجسم الأصفر المشتقة من خلايا القرّاب الغائر، وينتقل هذا الهرمون عبر الدم ويرتبط بمستقبلاته على سطح بطانة جدار الرحم، وينشط عملية تكون البروستاغلاندين αPGF-2 الذي ينتقل من جدار الرحم وعبر الأوعية الدموية المشتركة بين الرحم والمبيض إلى الخلايا التي نشأت في الأصل من الخلايا الجريبية التي تكون سطوحها غنية بمستقبلات الـ α PGF-2فيرتبط بمستقبلاته مثبطاً إفراز البروجِسترون؛ ومن ثم تحلل الجسم الأصفر. وبهذا فإنَّ الهرمونات المسؤولة عن تهدم الجسم الأصفر هي البروجِسترون والأوكسيتوسين اللذان يفرزهما الجسم الأصفر نفسه، والـαPGF-2 الذي تفرزه بطانة جدار الرحم. ويُعدّ التواصل الدموي بين الرحم والمبيض ضرورياً لتهدم الجسم الأصفر، ولهذا يعدّ الرحم غدة صماء تُفرز الـ αPGF-2 المُهدِّم للجسم الأصفر، كما أن سلامة بطانة الرحم تعدُ ضرورية في تحديد طول حياة الجسم الأصفر لدى الكثير من الثدييات.

الشكل (8) الدور الحيوي للبروجِسترون في الجسم.

 أما عند حدوث الحمل فإنّ حياة الجسم الأصفر تكون طويلة ويكون دور الـ αPGF-2 الحالّ للجسم الأصفر مُدْحِضاً عن طريق الإفرازات الجنينية التي تختلف باختلاف الأنواع الحيوانية؛ فهي هرمون موجهة الغدد التناسلية المشيمائية البشرية human Chorion  Gonadotropin (hCG)   عند المرأة الذي يُفْرَز منذ اليوم السادس للحمل، والإستروجين عند الخنازير (في اليوم الحادي عشر)، والبروتين الجنيني رقم (1) عند البقر والغنم (الأيام 16 و14، على التوالي)، والإستروجين مع البروتين الجنيني عند الأفراس (اليوم 21 من الحمل).

   ويمكن القول إنّ مصير الجسم الأصفر يتوقف على حدوث الإخصاب، ففي حال حدوثه يستمر الجسم الأصفر بنشاطه وإفراز هرمون البروجِسترون الذي يعمل على تهدئة الجهاز التناسلي وصيانة الحمل ومنع حدوث إباضة أخرى (ماعدا حالة الفرس) وفي حال عدم حدوث الإخصاب فإنّه يضمحل تدريجياً، ممّا يسمح بنضوج جريبات مبيضية جديدة، وينتهي به المطاف إلى التحول إلى ندبة صغيرة على المبيض تدعى بالجسم الأبيض .corpus albicans

التناسل في الذكور

التمايز الجنسي للجهاز التناسلي:

·      تشكل المنسل البدائي:

يتألف الجهاز التناسلي في الجنين غير المتمايز من منسلين غير متمايزينundifferentiated gonads ، وقناتي وولف Wolffian ducts  وقناتي مولرMullerian ducts  وجيببولي  vestibular folds، تتمايز جميعها، وتتطور بصورة مجاورة ومتزامنة مع الجهاز البولي.

تهاجر خلال الفترة المبكرة من التطور الجنيني (15% من فترة الحمل) مجموعة من خلايا الكيس المحي الكبيرة الحجم والحبيبية الشكل وفقاً لحركة أميبية، باتجاه تكتل خلوي آخر ينشأ من النسيج الظهاري الجوفي coelomic epithelium في المعي الخلفي، فتستعمره، وتبدأ بالانقسام مشكلة كتلة خلوية تُسمى الحَرف (العرف) التناسلي genital ridge. أما الخلايا المهاجرة فتُسمى الخلايا المنشئة الأولية primary germ cells أو الأصلية، فإنها تفرز مواد، ما زالت غير معروفة الطبيعة والهوية، تُساعد على تنشيط انقسام النسيج المحي في العرف التناسلي مشكلة معه حزماً مكتنزة تسمى الحبال الجنسية البدئيةprimary sex cords ، تسبب بدورها اتساع الحَرف التناسلي،  ومشكلة معه المنسل البدائي primitive gonad.

·      تمايز المنسل البدائي:

 يتمايز لب المنسل البدائي وتتراجع قشرته في الأجنة المذكرة وراثياً (XY) نتيجة لتشكل العامل المحدد للخصية  Testis Determining Factor (TDF) في منطقة الحبال الجنسية البدئية الذي يتحكم في تكوينه جين موجود في الصبغي Y، فتتطور بوجوده الحبال الجنسية البدئية ضمن منطقة اللب، وتنفصل تدريجياً عن الخلايا السطحية مشكلة بداءات الأنيبات (النُّبيبات) المنوية rudiments of seminiferous tubules. أما الطبقة السطحية للمنسل فتتحول إلى طبقة ليفية، تُعرف بالغلالة البيضاء tunica albugenea (الشكل 9). كما تتخصص أجزاء من الكلوة الجنينية المُوسطة mesonephros في الأجنة المذكرة وراثياً لتشكيل القناة التناسلية الذكرية متزامناً معها تراجع وتدهور لقناتي مولر؛ إذ يخترق نحو 5 إلى 15 أنيبة من أنيبات الكلية الجنينية المُوسطة المنسل البدائي، وتشكل تواصلاً مع الأنيبات المنوية الأولية عبر الشبكة الخُصوية rete testis (الشكل 9)، ويُطلق عليها القنوات الصادرة efferent ducts التـي تأخذ لاحقاً مكاناً لها في رأس البربخepididymis . أما الجزء المتبقي من البربخ (الجسم والذيل)، فيتكون من الجزء الأول من قناة الكلية المُوسـطة، ويُشكل قسـمها المتبقي القناة النـاقلة (الأسهر) ductus deferens، ويتشكل من الردب النهائي لقناة الكلية المُوسطة الغدد المنوية الحوصلية، وخلال تلك التطورات تنبعث من الغلالة البيضاء حواجز تفصل الأنيبات المنوية بعضها عن بعض، وتنقسم الخلايا الجنسية الأولية، وتتكاثر ضمن الأنيبات المنوية مشكلة المنسليات (بزرات النطف) spermatogonia. وفي كل أنيبة منوية نوع آخر من الخلايا، تعرف بخلايا سيرتولي Sertoli cells، وتتمايز خارج الأنيبات خلايا ليديغ  Leydig cells التي تشكل في مجموعها نسيجاً بينياً يفصل بين الأنيبات المنوية، وبهذا فإن كــل تلك التركيبات من أنيبات منوية، وقنوات صادرة، وشبكة الخصية، مغلفة جميعاً بالغلالة البيضاء تشكل معاً الخصية testis.

الشكل (9) أحداث تمايز المنسل البدائي إلىخصية ومبيض.

 

وفي حال غياب الصبغيY تتمايز القشرة - وليس اللب - في الأجنة المؤنثة وراثياً (XX) باتجاه تشكل المبيض؛ إذ تنفصل الحبال الجنسية الأولية، ومن ثم تتحلل تدريجياً، وتتشكل من قشرة المنسل البدائي دفعة جديدة من الحبال تُعرف بالحبال الجنسية الثانوية secondary sex cords تقطن في كل منها إحدى الخلايا المنشئة الأولية، وتسمى عندئذٍ بخلايا منسلية بيضوية oogonia، ويطلق على الحبل الجنسي الثانوي - الذي ينغلـق لاحقاً، والخلية المنسلية البيضوية- اسم الجريب البدئي primordial follicle (الشكل 9). يحاط المبيض - مثل الخصية - بغلاف ليفي يعرف بالغلالة البيضاء.

·    تمايز المسالك التناسلية differentiation of genital ducts:

إن تمايز المنسل إلى خصية وليس الى مبيض يحدد مصير قناتي مولر وقناتي وولف باتجاه مسالك ذكرية أو أنثوية؛ إذ تبين أنَّ الخصية بعد تطورها تفرز التِّستوستيرون testosterone من خلايا ليديغ ليكون مسؤولاً عن تطور قناتي وولف وتمايزهما باتجاه تكوين البربخ والوعاء الناقل والغدد الحوصلية المنوية، كما تُفرز خلايا سيرتولي الهرمون المثبط لنمو قنوات مولر Anti-Mullerian Hormone (AMH)  مسبباً تدهورها وتلاشيها في الأجنة الذكرية، وفي حال غياب الخصية، وتطور المنسل إلى مبيض؛ فإن قناتي وولف تتراجعان، وتتمايز قناتا مولر إلى قناتي المبيض ovarian ducts والرحم uterus والجزء الأمامي من المهبل vagina؛ اذ ينمو جزؤهما الأمامي بصورة موازية لهما (الشكل 10)، ويبقى منفتحاً على تجويف الصفاق البطني ليشكل قمعinfundibulum  قناة المبيض، في حين يمتد الجزء الذيلي، ويتصل مع الجيب البولي التناسلي؛ منصهراً معه بأعماق مختلفة ومحدداً النمط الرحمي المميز للنوع الحيواني.

كما وجد أنَّ مصير الجيب البولي التناسلي والحدبة التناسلية إضافة إلى الطيات الدهليزية وتطورها إلى مسالك تناسلية خارجية ذكرية أو أنثوية يُحدده مدى توفر هرمون خامس ألفا ثنائي الهيدروتستووستيرون 5-α dihydrotestosterone الذي تفرزه أيضاً الخصية؛ إذ يتمايز بوجوده الجيب البولي التناسلي إلى الإحليل والموثة (البروستات) prostate وغدتي كوبر  Cowper’s glandsفي الأجنة الذكرية، كما تتمايز الحدبة التناسلية إلى العضو الذكري، وتتشكل الحشفة prepuce من الطيات التناسلية، ويتكون الصفن scrotum من الانتفاخات التناسلية. أما عند غيابه فيتمايز الجيب البولي التناسلي إلى الجزء الخلفي من المهبل وإلى الإحليل، في حين تتمايز الحدبة التناسلية إلى البظر clitoris، ويتمايز الشفران labia الصغيران والكبيران من الطيات والانتفاخات التناسلية؛ على التوالي.

الشكل (10) انصهار قناتي مولر مع الجيب البولي التناسلي وتشكل الرحم والمهبل.

 

وبعد وصول الذكور إلى مرحلة البلوغ واكتساب النضج يصبح الجهاز التناسلي فعّالاً وظيفياً، ويُنتج النطف sperms والهرمونات التناسلية والبلاسما المنوية seminal plasma ، ويتألف من غدتين رئيسيتين: الخصيتين testes؛ وأعضاء ملحقة على هيئة قنـوات تشـمل: الشبكة الخصوية rete testis، والقنوات الصادرةefferent ducts ، والبربخepididymis ، والوعاء الناقل ductus deferens، والحبل المنويspermatic cord ، والحالبureter؛ وغدد ثانوية تتضمن: الأمبولا ampulla، والغـدد الحوصلية المنوية seminal vesicular glands، والمُوثة prostate ، وغدتي كَوبَرcooper، وعضو التلقيح penis (الشكل11).

الشكل (11) الجهاز التناسلي الذكري ووظائفه في الحيوانات الزراعية.

خلايا ليديغ:

هي خلايا كبيرة الحجم متعددة السطوح توجد إلى جانب الأوعية الدموية واللمفاوية بين الأنيبات المنوية (الشكل12)، تنشأ من النسيج المتوسط للمنسل، وهي غنية بحويصلات مملوءة بمواد دهنية (طلائع الأندروجينات androgens)، وبشبكة إندوبلاسمية endoplasmic reticulum ناعمة. تكون نشطة خلال المرحلة الجنينية المبكرة، ثم يقل نشاطها بعد الولادة حتى البلوغ الجنسي، فتعاود نشاطها وإفراز التِّستوستِيرون الذي يُعدّ مسؤولاً عن استمرارية تكون النطف وإيجاد الشهوة أو الرغبة الجنسية libido في الذكور البالغة. وقد لوحظ تباين كبير في معدل إفرازه خلال فصول السنة عند الكباش والجمال، ونقص في وزن الخُصى وعدد خلايا ليديغ عند الإنسان بعد سن الثلاثين من العمر.

الأنيبات المنوية:

 يوجـد ضمن كل فص من فصوص الخصية أنيب منوي واحد أو أكثر، يقدر قطـره بنحو 0,1- 0,3مم، ويصل طوله الفائق- بسبب التفافاته الكثيرة - إلى نحو 50-100سم للأنيب الواحد و5 كم لطولها في خصيتي الثور، و7 كم في خصيتي الكبش، وتشكل نحو 90% من الخصية. ترتبط بعضها ببعض بوساطة نسيج بيني مفكك غني بالأوعية الدموية واللمفاوية إضافة إلى الأعصاب ومجموعات منعزلة من خلايا ليديغ. تتحد أطرافها الداخلية، فتكون قنيات أكبر حجماً وأقل عدداً من مكوناتها، وتتميز باستقامتها، وتسمى الأنيبات المستقيمة (الشكل 12) التي تشكل بدورها وعند القطب العلوي للخصية شبكة الخصية التـي بدورها تمر عبر فتحة المحفظة البيضاء لتتصل بالبربـخ عبر 13-15 قناة صادرة.

يتألف الأنيب المنوي في خصية حيوان بالغ من غشاء قاعدي وعدة طبقات خلوية ولمعة داخلية قطرها 0,08 مم عند الكبش. وضمن الطبقات الخلوية يمكن تمييز نوعين من الخلايا: خلايا سيرتولي sertoli، ومنسليات النطف التي تكون نشطة، فتنتج عبر مراحل متعددة من الانقسام النطف التي تُدفع نحو لمعة الأنيب.

الشكل (12).

خلايا سيرتولي:

تنشأ خلال المرحلة الجنينية من النسيج الظهاري الجوفي للمنسل البدائي، وتتصف بقلة عددها وتوضعها العمودي على الغشاء القاعدي للأنيب المنوي، وتمتد سيتوبلاسماها لتصل إلى لمعته. كما تحتوي على نواة كبيرة الحجم غير منتظمة الشكل. كان يُعتقد سابقاً أن عددها يصل إلى أقصاه عند البلوغ، ليبقى ثابتاً بعد ذلك طوال حياة الحيوان، لكن تبيّن أن عددها في خُصى الحصان يكون في الشتاء أقل بنحو 26% منه في الصيف (الشكل 13).

تكون هذه الخلايا مسؤولة منذ المرحلة الجنينية عن إفراز الهرمون المثبط لنمو قنوات مولر(AMH) وتطورها، وتمايزها عند الأجنة الذكرية. وبعد البلوغ يصبح دورها أكثر أهمية؛ إذ تُوفر كل الظروف البيئية المحلية لتشكل النطف. فهي تحوي ضمن نواتها المستقبلات الخاصة بهرمون التِّستوستِيرون؛ وتحوي على سطحها مستقبلات للهرمون المنشط للجريبات المبيضية FSH، وتفرز مادة بروتينية تدعى الإنهيبين Inhibin، كما تفرز البروتين الحامل للأندروجينات androgen binding protein الذي يرتبط بالتِّستوستيرون، فينقله إلى أماكن تأثيره في شبكة الخصية والغدد الجنسية الثانوية وخاصة البروستات والغدد المنوية، كما يتكون فيها هرمون الإستراديولestradiol . وتُكوّن من خلال تفاعل جدرها وانصهارها مع بعض حاجز الدم في الخصية testicular blood barrier الذي يُنظم التبادل الخلوي بين المنسليات ومحيطها، فتحميالنطف من الأضداد antibodies التي إن أصابتها تميزها على أنها أجسام غريبة في الفرد نفسه، وتقتلها. ويُقال: إنها -ومن خلال انغماس رؤوس النطف في سيتوبلاسماها- تُمارس دوراً تغذوياً تجاه النطف. وتُعدّ مسؤولة عن ابتلاع الأجسام السيتوبلاسماية المتبقية من النطف بعد تحررها والخلايا المنتشة المتهدمة أو التي فشلت في متابعة تطورها.

الشكل (13).

التعاون الخلوي بين خلايا سيرتولي وخلايا ليديغ: 

ثمة علاقـة تعاونية بين خـلايا ليديـغ وخـلايا سيرتولي خلال عملية تكون النطف. إذ تتأثر خلايا ليديغ بهرمون الـلوتنة (LH)، فيرتبط بمستقبلاته على سطحها مسبباً تكوّن البروجِستيرون progesterone الذي يتحول في أغلبه إلى تِستوستيرون (الشكل 14) ، فيعبر جدر خلايا سيرتولي، ويرتبط بمستقبلاته الداخلية الموجودة ضمن نواتها مسبباً - بالتعاون مع الـ FSH- تكون الإنهبين الذي ينظم إفراز الـ FSH على مستوى النخامية، كما يتكون أيضاً حامل الأندروجين (ABP) الذي يرتبط بالتِّستوستيرون، وينقله إلى أمـاكن تكون النطف في الأنيب المنوي، فيسـاعد على استمرارية انقسام أمّات النطف وتكوينها، أو إلى أماكن تأثيره في الغدد الجنسية الثانوية، فينشط تكون الفركتوز وحمض الستريك وغيرها من العمليات الحيوية، أو إلى المحور الدماغي؛ ليتحكم بإفراز الـ GnRH والـ LH. كما تبين أن قسماً منه يتحول إلى إستراديول في خلايا ليديغ، ويعبر قسم آخر خلايا سيرتولي، ويتحول فيها إلى ديهيدروتستوستيرون  Dihydrotestosterone (DHT)، وينتقل كلاهما مع التِّستوستيرون عبر الدم ليؤثرا سلباً في إفراز الـهرمون المحرر للهرمون المنشط للقند (المناسل) (GnRH) Gonadotropin Releasing Hormone من الوطاء.

الشكل (14) التعاون الخلوي بين خلايا سيرتولي وخلايا ليديغ.

 

ونظراً لعدم تطور المركز الذروي surge center لإفراز الـ GnRH في المهاد عند الذكور؛ فإن إفرازه  في الذكور البالغة يظهر بشكل اندفاعات متقطعة قصيرة (عدة دقائق) ومستمرة خلال الليل والنهار مسببة إفراز الـ LH بشكل ذروات متسلسلة ولاحقة، وأعلى من نظيراتها الخاصة بالـGnRH  (الشكل15-أ). وتستغرق كل ذروة من ذرا الـ LHعادة نحو 10-20 دقيقة، وتحدث بمعدل 4-8 مرات/ يوم. تستجيب خـلايا ليديـغ لـ LH بإفراز التِّستوستيرون بشكل ذرا عالية متلاحقة ومتسلسلة بعـد مرور 30 دقيقة من كل اندفاع خاص بهرمون الـ LH (الشكل 15-ب). أما مستوى إفراز الـ FSH فيكون أقل بسبب التأثير السلبي للإنهِبين في إفراز الـ FSH، ولكن تكون ذراه أعرض من ذرا الـLH   بسبب زيادة طول فترة حياة الـ FSH.  وتبين أن إفراز الـ LH بشكله النبضي المتكرر الدائـم والقصيـر المدى (10-20 دقيقة) يُعدّ ضرورياً لسببين: أولهما المسـاعدة على إفراز التِّستوستيرون وتراكمه على مستوى الأنيبات المنوية بتراكيز أكبر بنحو 100-150 مرّة من مستواه في الدم؛ مما يجعله ضرورياً لاستمرار عملية تكون النطف، وثانيهما أن خلايا ليديغ تصبح رافضة (حرونةً) refractory لهرمون الـ LH بسبب انخفاض عدد مستقبلاته على سطحها؛ ولهذا يظهر انخفاض بمستوى التِّستوستيرون عندما يكون مستوى الـ LH عالياً، والعكس صحيح. كما تبين أن التِّستوستيرون المفرز خارج الخصى يتمدد بنحو 500 مرّة عندما يصل إلى الدم؛ مما يجعل تركيزه  في الدم الجهازي منخفضاً، فيقلل من أثر التغذية العكسية السلبية في إفراز الـ GnRH، والـ LH على مستوى الوطاء والنخامية الغدية؛ على التوالي.

الشكل (15).

تكون النطف spermatogenesis:

1- مرحلة الانقسام الخلوي النطفي spermatocytogenesis: وتمتد من المنسلية حتى مرحلة تكون النطيفة spermatid متخذة مكاناً لها قرب قاعدة الأنيبات المنوية، وقُسمت وفقاً لنوع الانقسام الخلوي قسمين: أولهما يسمى بطور الانقسام الخيطي mitotic division، والثاني يسمى بطور الانقسام المنصف meiotic division (الشكل16)، فيؤديان معاً إلى تكاثر المنسليات وزيادة عددها.

تمر الخلايا المنتشة الأولية خلال المرحلة الجنينية المبكرة بعدة انقسامات خيطية mitosis مشكلة عدداً هائلاً من الخلايا تسمى خلايا منسلية gonocytes. فعند الذكور وقبل فترة البلوغ تتمايز هذه الخلايا إلى المنسليات الأولية نموذج 1A (spermatogonia A1) التي تنقسم بدورها لتشكل نموذج A2 ومن ثم A3، وأيضاَ A4. وينقسم النموذج الأخير لينتج النموذج البيني spermatogonia-in الذي ينقسم بدوره مشكلاً النموذج spermatogonia-B. وأهم ما يميز هذا الانقسام هو أن بعض المنسليات المنوية تعود وتشكل - لأسباب غير معروفة- الخلايا الجذعية stem cells التي تتكون منها منسليات منوية جديدة تمر بدورها بانقسامات خلوية عادية؛ مما يضمن استمرارية تكوّن النطف. ويتكون نتيجة لسلسلة الانقسامات 32 خلية من نوع B في حالة الثيران والكباش، ثم تنقسم خلايا النموذج B بدورها انقساماً خيطياً آخر، فينتج من كل منها خليتان منويتان أوليتان primary spermatocytes، تمر بدورها بانقسامين اختزاليين متتاليين، ينتج من أولهما خليتان منويتان ثانويتان secondary spermatocytes، ومن هذه الأخيرة تتشكل النطيفات spermatids نتيجة للانقسام الاختزالي الثاني، وتستغرق هذه المرحلة 45 يوماً عند الثيران.

ونتيجة لحدوث الانقسام الاختزالي الأول يصبح في كل خلية منوية ثانوية نصف كمية المادة الوراثية أي 2n DNA/النواة في حين تكون 4n DNA/صبغي الذي يبدو مضاعف القيمة bivalent، وفي كل نطيفة ناتجة من الانقسام المنصف الثاني تصبح كمية المادة الوراثية نصف تلك الموجودة في الخلية الناتجة من الانقسام المنصف الأول، أي تصبح 1n DNA/نواة، 2n DNA/صبغي. ويعود سبب هذه السلوكية الخاصة في توزيع عدد الصبغيات والمادة الوراثية إلى آلية الانقسام المنصف نفسه. فخلال الطور الأول prophase من الانقسام المنصف الأول تتزاوج الصبغيات القرينة (المتماثلة وهي واحد من الأب، والآخر من الأم)، ومن ثم تنشطر طولياً، فتشكل الرباعيات tetrads، فتتضاعف المادة الوراثية، وفي الطور الثالث anaphase من هذا الانقسام يهاجر كل صبغي من الصبغيين القرينين المشطورين طولياً إلى أحد قطبي الخلية؛ وبذلك يتجمع في كل خلية من خليتي الانقسام المنصف الأول نصف عدد الصبغيات؛ لكن ما يزال كل واحد منها مضاعفاً في كمية DNA، ولا يحدث بين الانقسام المنصف الأول والثاني تضاعف للمادة الوراثية، لهذا تجري مراحل الانقسام الثاني تماماً كما يحدث في الانقسام الخيطي. ويجب التنويه بأنه وخلال الطور الأول من الانقسام الاختزالي الأول، ونتيجة لاستنساخ الـ DNA وتضاعفه، وعمليات التصالب الصبغي العشوائية المتعددة chiasmata؛ يحدث تبادل للمورثات، وإنتاج نطف لا تتماثل فيها نطفتان بعواملهما الوراثية؛ مما يضمن استمرارية التنوع الوراثي genetic diversity.

الشكل (16) تكون النطف في الثيران.

 

2 - مرحلة التمايز spermiogenesis: وتتضمن حدوث تغيرات شكلية وبنيوية، على مستوى النواة والسيتوبلاسما من دون حدوث انقسامات خلوية في النطيفة باتجاه تكون النطف متخذة مكاناً لها قريباً من لمعة الأنيب المنوي، ومن أهمها تكثف المادة الصبغية في النواة وتشكل الذيل والجسيم الطرفي (أكروزوم) acrosome. أمكن تقسيم هذه المرحلة إلى أربعة أطوار يمكن شرحها كالتالي (الشكل 17):

- طور غولجي Golgiphase: يظهر خلاله تغيرات شكلية، مـن أهمهـا تشكل حبيبـات طليعية للجسـم الطرفي acrosome granules ضمن جهاز غولجي، ثم انصهار بعضها مع بعض مشكلة حبيبة واحدة تسمى حويصل الجسيم الطرفي acrosomic vesicle تلتصق بالغلاف النووي. يترافق ذلك مع تشكل جسيمين مركزيين centrioles على الناحية الأخرى للنواة، وفي الجهة المعاكسة لمكان طليعة الجسيم الطرفي.

- طور القبعة capphase: ويتم خلاله هجرة جهاز غولجي بعد رزمه محتويات الجسيم الطرفي في حويصل واحد وتوجهه نحو نهاية النطيفة ومن ثم غيابه، ونمو حويصل الجسيم الطرفي وتمايزه لقبعة مزدوجة الجدران تغطي الجزء العلوي من نواة النطيفة، يهاجر أحد الجسيمين المركزيين؛ ليصبح قريباً من النواة ويكون  مسؤولاً عن تشكل عنق النطفة، ويستطيل الجسيم الآخر؛ ليشكل بداءة ذيل النطف.

- طور الجسيم الطرفي acrosomal phase: يتميز بتغيرات كبيرة، حيث تهاجر النواة من المركز إلى المنطقة الطرفية الأمامية من رأس النطيفة، وتتكثف فيها الصبغيات، وتتطاول في الشكل،  كما يتطاول الجسيم الطرفي متوافقاً بشكله مع النواة، ويغطي ثلثيها. ويُعتقد أنّ هذه التغيرات تكون خاصة ومميزة لكل نوع حيواني. وخلال هجرة النواة يُعاد تموضع السيتوبلاسما لتملأ الفراغ خلف النواة محيطة بالجزء الأمامي من طليعة الذيل. ويتطور ضمن السيتوبلاسما بعض من أنيبات دقيقة تتحد، وتشكل غمداً أسطوانياً يسمى manchette يحيط بشكل فضفاض بطليعة الذيل، ويُلفى ضمنه مركّب سيتوبلاسمي يسمى بالجسم الكروماتيدي chromatid body الذي يتكثف حول الذيل؛ متخذاً شكل حلقة تسمى annulus، وهي تتوضع قرب المنطقة الأمامية من طليعة الذيل، ثم تهاجر نحو الخلف في أثناء استمرار تطور النطيفة؛ متوضعة بين القطعتين الرئيسة والوسطى من الذيل، كما تُشكل بعض الأنيبات الدقيقة الخاصة بـالغمد القبعة خلف النواة، وتَظهر أجسام المتقدرات الخلوية مبعثرة في السيتوبلاسما.

- طور النضج maturation phase: ويتم فيه تحول النطيفة المتطاولة إلى نطفة كاملة، تتحرر في لمعة الأنيب المنوي.

وفي الفترة الأخيرة لمرحلة التطور؛ فإن خلايا سيرتولي تُشكل من بقايا السيتوبلاسما أجساماً دائرية تسمى الأجسام المتبقية residual bodies التي تتصل ببعضها بوساطة جسور بين خلوية نشأت من الانقسام غير الكامل للخلايا الإنتاشية، ويظن أنها تضمن التواصل بين مجموعة النطف المتكونة معاً خلال الدورة المنوية. تتحرر بعد ذلك النطف من الأجسام المتبقية، وتنغرس رؤوسها في لمعة خلايا سيرتولي ضمن الأنيبات المنوية. قُدِّرت المدة اللازمة لهذه المرحلة من تكون النطف بنحو15 يوماً عند الثيران؛ ومن ثم تكون المدة الكلية اللازمة لتكون النطف عند الثيران بنحو60  يوماً.

الشكل (17) مراحل تمايز النطف.

- انتقال النطف إلى البربخ

بعد اكتمال تكون النطف تسمى عملية تحررها في لمعة الأنيب المنوي بالتنطيف spermiation، وهي تناظر عملية الإباضة في الإناث. وتنتقل النطف غير المتحركة من الخصية عادة إلى البربخ بمساعدة ضغط السوائل المتولدة ضمن الخصية وبوساطة الأمواج الهائلة المتولدة من عملية تكوّن النطف، والانقباضات العضلية لجدر الأنيبات المنوية وغلاف الخصية، وحركة النبض الفاعلة المتولدة بوساطة الخلايا الهدبية المبطنة للقنوات الصادرة.  تتابع النطف رحلتها إلى ذيل البربخ مارة عبر جسمه بمساعدة انقباضات العضلات الدائرية الداعمة لجدر قناة البربخ وبوساطة الحركة النابضة للخلايا الهدبية المبطنة لقناة البربخ. مستغرقة  في ذلك فترة 10أيام عند الثور والحصان، و13 يوماً عند الكباش، وتكتسب في أثناء عبورها جسم البربخ  قدرتها على الحركة والإخصاب في ثلثه الأخير. ويُخزن في ذيل البربخ نحو70% من النطف ليكون مصيرها إما القذف خارج الجسم؛ وإما الفقد مع البول؛ وإما الامتصاص ضمن القناة التناسلية للذكر، وبصورة خاصة في منطقة الأمبولا.

دورة ظهارة النسيج المنوي cycle of seminiferous epithelium:

تتكون النطف بعد البلوغ، وتنتج يومياً (عدا الحيوانات فصلية التناسل) بصور مستمرة طول الحياة التناسلية للذكر. تتكون بصورة مستمرة، وتحتاج إلى نحو 39-61 يوماً لاستكمال تشكلها بحسب النوع الحيواني، ولا يتم تأثرها بالظروف الخارجية (إجهاد حراري، الحمى، السموم) في حينه، ولا تتضح معالمه إلا بعد مرور 2 إلى  3أسابيع من بدء التأثير، كما تحتاج عادة إلى نحو 6-12أسبوعاً لتعود عملية تكونها وتستقيم من جديد بعد زوال التأثير.

تبدأ هذه الدورة بخلية جذعية واحدة stem cell يطرأ عليها سلسلة انقسامات، لا تكتمل حتى تبدأ خلايا جديدة انقسامها في المنطقة ذاتها من الأنيب المنوي. وعند إجراء مقطع في أي منطقة من الأنيب المنوي يتضح وجود أجيال متعاقبة من الخلايا المنوية المتباينة التطور؛ لهذا تعرف دورة النسيج المنوي بأنها سلسلة متكاملة من المراحل الخلوية التي تظهر في موقع واحد على طول الأنيب المنوي. وتعرف الفترة الزمنية الفاصلة بين دخول الخلية الأصلية للدورة المنوية وتحررها منها على شكل نطفة بمدة دورة النسيج المنوي. ويطلق على مجموعة الخلايا من النموذج ذاته من التطور الجيل المنوي. ويوضح الشكل (18) أن دورة النسيج المنوي تتألف من 8 مراحل، تحوي كل منها 4 إلى 5 طبقات متمركزة من الخلايا المنوية المتباينة والمتلاحقة في مراحل تطورها؛ بحيث تشكل مجموعة الخلايا في كل منها جيلاً خلوياً، وتكون خلايا كل جيل متقدمة في تطورها على خلايا الجيل السابق له في المرحلة الواحدة. فمثلاً، تُشكل المنسليات من النمط A A&http://www.arab-ency.com.sy/scitech/details/170137#39; gonia الموجودة قرب الغشاء القاعدي للأنيب المنوي الجيل الأول في المرحلة 1، ويليها المنسليات من نمط الخلايا المنوية الأولية الفتية (1° cyte) التي تشكل الجيل الثاني في المرحلة ذاتها، ويعلوها جيل ثالث من الخلايا من نمط الخلايا المنوية الأولية الناضجة (1° cyte)، وأخيراً وقرب لمعة الأنيب المنوي تتوضع خلايا الجيل الرابع من نمط النطيفات الدائرية &http://www.arab-ency.com.sy/scitech/details/170137#39;tid. كما يتضح في كل من المرحلتين  1V وV111  من دورة النسيج المنوي وجود 5 أجيال خلوية متعاقبة في تطورها وغير متماثلة تماماً سواء بعضها مع بعض، أم مع أجيال المرحلة الأولى. ولكن يبقى اتجاه التطور ذا نزعة تبدأ من قرب الغشاء القاعدي، وتتقدم تدريجياً حتى لمعة الأنيب المنوي.

 استطاع العلماء من خلال التغيرات التي تطرأ على الجسيم الطرفي، وعلى النواة، وأماكن توضع الخلايا ضمن الأنيب المنوي تمييز 14 مرحلة متباينة التطور عند الجرذان، و8 مراحل مختلفة في طولها ومتباينة في تطورها عند الثيران، و6 مراحل عند الإنسان، وفي كل مرحلة 5 أجيال، ولا تتحرر كنطف في لمعة الأنيب المنوي إلا بعد اجتيازها الجيل الخامس من المرحلة V111 قاطعة مراحل التطور كافة. كما وجد أن دورة النسيج المنوي بأكملها وبدءاً من المرحلة 1 حتى المرحلة V111 تحتاج إلى وقت يختلف باختلاف الحيوانات الزراعية، مثلاً  13.5 يوماً عند الثيران.

 يحتاج استكمال عملية تكون النطف بأكملها إلى 4.5 دورة نسيج منوي، ولهذا فإن عملية تكون النطف تحتاج إلى 61 يوماً (4.5 دورة × 13.5 يوماً/ دورة) عند الثيران، وتختلف بين الحيوانات الزراعية. كما تبين أن طول حياة الجيل الواحد من الخلايا المنوية ليست ثابتة، فهي تصل إلى نحو 21 يوماً بالنسبة إلى الحيوانات المنوية الأولية، وفقط 1.7 يوماً بالنسبة الى الحيوانات المنوية الثانوية في الثيران؛ مما يشير إلى أنه وعلى طول الأنيب المنوي ثمة مناطق محددة تتحرر منها النطف كل ثانية، وتكون بقية المناطق في مراحل تهيئة وتطور مختلفة لاكتمال تكوّن النطف. 

 الموجة المنوية spermatogenic wave: تُعرف بأنها الترتيب المتوالي لمراحل تكوّن النطف على طول الأنيب المنوي، فإذا ظهر نوع معيّن من التطور المرحلي للمنسليات (المرحلة 1) كان الجزء الذي يليه وفي الزمن نفسه في مرحلة متقدمة (المرحلة 11) من التطور في دورة النسيج المنوي؛ ممّا يضمن إنتاجاً مستمراً وثابتاً من النطف في الخصية وتدفقاً دائماً إلى البربخ. لا يكون طول الموجة المنوية ثابتاً بين الأنواع الحيوانية، مثلاً 1سم في الثيران.

الشكل (18) دورة النسيج المنوي في الثيران ومراحل تطور النطف.

السائل المنوي semen: يتألف من البلاسما والنطف، وتُعد البلاسما مفرزات الخصيتين وشبكتيهما والقنوات الصادرة والبربخ والوعاء الناقل، إضافة إلى مفرزات الغدد الجنسية الثانوية. ويختلف حجم القذفة وتركيز النطف فيها باختلاف الأنواع الحيوانية.

-1 النطف: تُعدّ النطفة الخلية التناسلية الذكرية، وهي مركزة ومتخصصة لا تنمو ولا تنقسم وفقيرة بالسيتوبلاسما، ويساوي حجمها جزءاً من عشرين ألف جزء من حجم بويضة الأنثى؛ ولكنها مماثلة في كمية المادة الوراثية. ثمة نوعان من النطف: أحدهما مسؤول عن تكون الفرد الذكري، ويحمل الكروموزوم Y، والثاني مسؤول عن تكون الفرد الأنثوي، ويحمل الكروموزوم X في الثدييات. تحاط كل نطفة - وعلى طولها - بغلاف يتكون من بروتينات دهنية سكرية معقدة تختلف نوعيتها عند رأس النطف عنها في  الذيل، وتتميز بشكلها الخيطي، وبطول يراوح بين 50-70 ميكروناً. تتألف من رأس وذيل، وتختلف نطف الأنواع الحيوانية من حيث المظهر بشكل الرأس وطول الذيل (الشكل 19).

أ. أشكال النطف.
ب. بنية النطفة
الشكل (19).

-       الرأس: وهو الجزء الأهم في النطف؛ إذ إنه يحمل المادة الوراثية - متمثلة بنصف الدنا (DNA) (3,3 × 10-9 مغ/نطفة) الذي يمتلكه النوع - والتي ينقلها الذكر إلى نسله - يكون شكله بيضوياً؛ وأبعاده  8×4×1 ميكرون في ذكور المجترات. يغطيه من الناحية الأمامية ومباشرة تحت الغشاء البلاسمي الجسيم الطرفي (الأكروزوم acrosome)، المزدوج الجدران والغني بالإنزيمات (acrosin، hyaluronidase، zona lysin، acid hydrolases) اللازمة لمساعدة النطفة على اختراق أغشية البويضة؛ لذا فإنَّ أي خلل في بنيته يؤدي إلى فشل الإخصاب.

-        الذيل: وهـو عضو الحركة، ويُقسم إلى العنـق والقطعة الوسطى middle piece والقطعة الرئيسة main piece والقطعة النهائية end piece.

·      العنق: يصل رأس النطفة بباقي الذيل، وينشأ من الجسيم المركزي الأمامي، ويمثل أضعف نقطة في جسم النطفة، وهو يتمفصل مع تقعر خاص في القسم الخلفي للنواة، ويمتد نحو الخلف على هيئة محور يتألف من 9 أزواج ليفية تمتد بدورها على طول الذيل.

·      القطعة الوسطى: تقع بين العنق والمنطقة الرئيسة، وطولها10 15  ميكروناً، وتكون سميكة أكثر من باقي قطع الذيل، وهي مصنع الطاقة نظراً لغناها بالمتقدرات الخلوية المنتظمة بشكل ضفيرة حلزونية تقع مباشرة تحت الغشاء الخلوي، وهي غنية بإنزيمات الاستقلاب المتعلقة بنشاطات الأكسدة والفسفرة في النطف التي ينتج منها الأدينوزين ثلاثي الفُسفات (ATP) اللازم لحركة النطف.

يُشكل التركيب الليفي 9+9+2 الهيكل الأساسي للمنطقة الوسطى والرئيسة من الذيل. تكتسب النطف قدرتها على الحركة نتيجة التقلصات العضلية لهذه الألياف.

·      القطعة الرئيسة: تقع بين القطعة المتوسطة والذيلية، وهي أطول قطعة ( 30ميكروناً)، وأقل سماكة من سابقتها بسبب افتقارها إلى ضفيرة المتقدرات. توفر معظم حركة النطفة، وفيها يضمحل قطر الألياف التسعة الخارجية وسماكتها تدريجياً، تحاط الألياف المتبقية وعلى امتداد القطعة المتوسطة من الناحية الظهرية والبطنية بغلاف بروتيني أسطواني يحتوي على سماكتين متطاولتين تكونان مسؤولتين عن استقرار العناصر العضلية في الذيل.

·   القطعة النهائية: وهي أقصر الأجزاء (2-10 ميكروناً) وأقلها سماكة؛ إذ تفتقد أليافها التسعة الخارجية والضفيرة الميتوكوندرية، فتحاط بالألياف (9+2) الأحد عشر المركزية؛ وبالغشاء البلاسمي الخارجي الذي يغطي كل أجزاء النطفة.

2- البلاسما المنوية seminal plasma: تتوقف الخصائص الفيزيائية والكيميائية للسائل المنوي على البلاسما التي تعدّ القسم الأعظم من القذفة ejaculate المنوية، يكون ضغطها الحلولي مساوياً لنظيره في الدم (300 مليزمول)، كما أن درجة الحموضة (الباهاءpH) تكون تقريباً معتدلة. وهي غنية بالبروتينات والببتيدات والحموض الأمينية والإنزيمات، كما تحتوي على الليبيدات والحموض الدهنية والفيتامينات وبعض الهرمونات، مثل: التِّستوستيرون، والبروجِستيرون، والبرولاكتين، والـ FSH، ومشابهات الـ GnRH، والأكسيتوسين، والبروستاغلاندينات؛ إضافة إلى الكاتيونات، والإيونات التي لها دور كبير في توازن الضغط الحلولي، ووجد أنها تحتوي عند الكباش والثيران والخنازير على بعض السكريات الكحولية، مثل: السوربيتول، والأينوسيتول التي تتشكل عادة في الغدد الحوصلية المنوية. أما الفركتوز الذي يكون بكميات كبيرة في السائل المنوي (عدا الديوك، والكلاب، والقطط)؛ فإنه يشتق من غلوكوز الدم عبر تحوله إلى السوربيتول.

يتألف السائل المنوي من  85% ماء، و10% بروتينات و0,03 0,44% ليبيدات؛ إضافة إلى المواد العضوية الأخرى والأملاح. تُعدّ النطف أغنى بالمادة الجافة مقارنة بالبلاسما المنوية؛ إذ يضم تركيبها الكيميائي  24-25% بروتينات و13% دهون والباقي (62-63%) هو الدنا.

مراجع للاستزادة:

-       سليمان عبد الرحمن سلهب،  فيزيولوجيا التناسل في الحيوانات الزراعية، جامعة دمشق، 2014.

-  A. D. Fails, Anatomy and Physiology of Farm Animals, Wiley, 2025.

- B. Hafez, E. S. E. Hafez, E. Qureshi, Reproduction in Farm Animals, Inteliz Press, 2017.

-  D. O. Norris, K. H. Lopez,  Hormones and Reproduction of Vertebrates, mara conner, 2024

- A.R. Silva, A. F. Preira, D.L. Pusta,Theriogenology: Recent Advances in the Field, IntechOpen, London , 2025.

- B. K. Singh, Mammalian Physiology, BFC Publications,India, 2024.

 


- التصنيف : العلوم والتقانات الزراعية والغذائية - النوع : العلوم والتقانات الزراعية والغذائية - المجلد : المجلد العاشر، طبعة 2025، دمشق مشاركة :

بحث ضمن الموسوعة

من نحن ؟

الموسوعة إحدى المنارات التي يستهدي بها الطامحون إلى تثقيف العقل، والراغبون في الخروج من ظلمات الجهل الموسوعة وسيلة لا غنى عنها لاستقصاء المعارف وتحصيلها، ولاستجلاء غوامض المصطلحات ودقائق العلوم وحقائق المسميات وموسوعتنا العربية تضع بين يديك المادة العلمية الوافية معزَّزة بالخرائط والجداول والبيانات والمعادلات والأشكال والرسوم والصور الملونة التي تم تنضيدها وإخراجها وطبعها بأحدث الوسائل والأجهزة. تصدرها: هيئة عامة ذات طابع علمي وثقافي، ترتبط بوزير الثقافة تأسست عام 1981 ومركزها دمشق 1