تنفس عند حيوانات
Animal respiration -

التنفس عند الحيوانات

حسن حلمي خاروف

أنماط أعضاء التنفس عند الحيوانات الابتدائية

التبادل الغازي عند الحيوانات الأخرى

 

التنفس respiration وظيفة تستمد الكائنات الحية بها الأكسجين من الوسط الذي تعيش فيه وتطلق غاز ثنائي أكسيد الكربون، يكون ذلك عبر غشاء يسمى السطح التنفسي  respiratory surfaceفي جهاز التنفس، تنجم عن ذلك طاقة تُختَزَن في جزيئات ثلاثي أدينوزين الفسفات (ATP)Adinosine Triphosphate   في تفاعلات كيميائية تحدث في الخلايا ويطلق عليها تعبير "التنفس الخلوي" cellular respiration.

يتم تبادل الغازين التنفسيين (الأكسجين وثنائي أكسيد الكربون) عبر السطوح التنفسية بالانتشار diffusion، الأمر الذي يتعلق بمساحة سطح التبادل الذي يتناسب عكساً مع مسافة الانتقال التي تقطعها جزيئات الغاز؛ لذا يجب أن تكون هذه السطوح رقيقة وذات مساحة كبيرة لتستطيع أكبر كمية من الغازات المرور عبرها. إضافة إلى هذا لابد أن تكون الخلايا مغمورة بالماء تماماً كي تبقى حية كما في الحيوانات المائية، أما الحيوانات البرية فإنها يجب أن تبقى سطوحها التنفسية رطبة لتسمح للغازات بالعبور بعد انحلالها في الماء.

أنماط أعضاء التنفس عند الحيوانات الابتدائية:

يتم الحصول على الأكسجين وطرح ثنائي أكسيد الكربون عند الحيوانات الابتدائية التي تعيش في الأوساط المائية مباشرة عبر جلدها بالانتشار، مثل الإسفنجيات والهدريات Hydrozoa والمهتزات Turbellaria (الشكل1 ) وكثير من الديدان المنبسطة Platyhelminthes والحلقيات Annelida.

الشكل (1) التبادل الغازي بالانتشار البسيط عبر جدار الجسم عند (أ) المهتزات  (ب) الهدريات.

 

وكذلك الأمر في بعض الفقاريات يتم تبادل الغازات عندها عبر جدار جسمها، فالبرمائيات (كالضفادع) يساعد جلدُها على الحصول على جزء من متطلباتها من الأكسجين وطرح ما ينتج من ثنائي أكسيد الكربون بسبب رقته ورطوبته نظراً لحياة الضفادع قرب الماء.

التبادل الغازي عند الحيوانات الأخرى

عند معظم الحيوانات لابد من توفر أجهزة خاصة تتميز بسطوح واسعة تكون متثنية ومتشعبة للقيام بالتبادل الغازي، وهناك ثلاثة أنواع من الأجهزة هي الغلاصم gills والقصبات trachea والرئات lungs (الشكل 2).

الشكل (2) الأنماط الثلاثة لأجهزة التبادل الغازي عند الحيوانات.

 

فالغلاصم هي انثناءات من مناطق خاصة من أسطح أجسام الحيوانات تتدلى في الماء وتقوم بتبادل الغازات التنفسية اللازمة للكائن الذي يعيش في الماء، كما في الأسماك (الشكل2 -أ). أما القصبات فهي أنابيب تنتشر في جميع أنحاء الجسم تتصل بالخارج مباشرة بثغور تنفسية تستنشق الهواء الجوي لتوصله إلى خلايا الحشرة مباشرة، كما في الحشرات (الشكل 2-ب). والرئات هي أجواف توجد في منطقة محددة من الجسم تؤمن دخول الأكسجين، لكن لابد من وسيلة لنقل هذا الغاز من الرئة إلى أنحاء الجسم المختلفة، والوسيلة هي الدم الذي تساعده على ذلك أصبغة تنفسية تتمثل بخضاب الدم (الهيموغلوبين) عند بعض الحيوانات وبأصبغة أخرى هي الهيم إريثرين hemerythrin والهيموسيانينhemocyanin . لذا ترافق الرئاتِ شبكةٌ من الشعيرت الدموية شديدة التشعب تكون على تماس مباشر مع الظهارة التي تشكل سطوح التماس مع الهواء، كما في الثدييات (الشكل2 -ج).   

أنواع الغلاصم:

 تبدو الغلاصم في الحيوانات المائية بأشكال مختلفة. يأخذ بعضها هيئة كييسات صغيرة على أسطح أجسام الحيوانات كما في نجوم البحر sea stars (شوكيات الجلد) موزعة على مناطق كثيرة في جسم الحيوان (الشكل3-أ).

أما عند الحيوانات المتقطعة - مثل الحلقيات - فتكون الغلاصم على شكل صفائح موزعة على مواقع عديدة في الجسم أهمها أقدامها الجانبية parapodia  (الشكل3 -ب).

الشكل (3) تبادل الغازات بواسطة (أ) كييسات على الجلد عند شوكيات الجلد،  (ب) صفائح على جانبي الجسم هي الأقدام الجانبية عند الحلقيات.

 

تتألف هذه العناصر عند الرخويات ثنائيات المصاريع Bivalva من خيوط يرتبط بعضها ببعض بوصلات خيطية تعطيها شكل صفائح مهدبة تتوضع على جانبي جسم الحيوان تغطيها صدفات الحيوانات (الشكل 4-أ). وقد تأخذ الغلاصم شكل خيوط منفصل بعضها عن بعض، تنتشر على سطحها أهداب تمنحها شكلاً ريشياً وملمساً مخملياً تتدلى على جانبي الجسم ويغطيها غطاء الغلاصم، كما في القشريات مثل السرطان النهري crayfish (الشكل 4-ب).

الشكل) 4): (أ) تبادل الغازات عند الرخويات ثنائيات المصاريع بواسطة غلاصم صفيحية مهدبة.

 (ب) تبادل الغازات عند القشريات (جراد البحر) بواسطة غلاصم خيطية مهدبة تتدلى على جانبي الحيوان.

 

تبقى الغلاصم داخل أجسام الحيوانات التي تتنفس بها؛ لذا تسمى غلاصم داخلية. ثمة حيوانات تستخدم أيضاً غلاصم للتنفس لكنها تبقى خارج جسمها، وتسمى غلاصم خارجية كما في بعض اللافقاريات مثل عاريات الغلاصم Nudibranchia (الرخويات)، وعند المراحل اليرقية من البرمائيات Amphibia من الفقاريات، كما في سمادل الماء salamanders وشراغيف الضفادع (الشكل5 ). علماً أن هذا النوع من الغلاصم له سلبياته على الحيوان لأنها تبقى خارج الجسم معرضة للأذية، ويجب أن تتحرك باستمرار لتأمين كميات كافية من الأكسجين لإتمام فعاليات التنفس الخلوي.

           الشكل (5) التنفس بغلاصم خارجية.

 تهوية الغلاصم عند الحيوانات المائية:

تكون غلاصم هذه الحيوانات منغمرة في الماء، ويكون تركيز الأكسجين المنحل فيه منخفضاً جداً، فهو يحوي فقط بين 4 و8 مل من الأكسجين في لتر الماء مقارنة بنحو 210 مل في لتر الهواء؛ لذا يجب أن تكون هناك آليات تؤمن كمية كافية من هذا الغاز للحيوان. يتم ذلك بعمليات تهوية ventilation تحدث عند الأسماك مثلاً بمرور تيار مائي يدخل من الفم ويمر فوق الغلاصم من خلال شقوق غلصمية branchial slits تفصلها عن بعضها في منطقة البلعوم، ثم يخرج من تحت غطاء الغلاصم الموجود على جانبي الرأس (الشكل 6).

 

الشكل (6) تهوية الغلاصم عند الأسماك.

 

يساعد توزعُ الشعيرات الدموية المنتشرة في غلاصم الأسماك على التبادل الغازي وذلك بانسياب الدم فيها بعكس اتجاه انسياب الماء بين الغلاصم، في حادثة يطلق عليها تعبير التبادل بعكس التيار countercurrent exchange. عندما يجري الدم في شعريات الغلاصم متشبعاً بالأكسجين بتراكيز متزايدة بالتدريج بسبب جريانه موازياً لماء مشبع بالماء يتناقص تركيز الأكسجين فيه بالتدريج كلما تقدم الدم في الشعيرة الدموية، بحيث يتأمن استمرار توفر تدرج تركيز على طول الشعيرة الدموية من أولها حتى آخرها (الشكل7 ).

الشكل (7) مبدأ التبادل عكس التيار.

أنواع القصبات والتنفس القصبي:

لايحتاج التبادل الغازي في الهواء إلى كثير من التهوية نظراً لغنى الهواء بالأكسجين مقارنة بما يحويه الوسط المائي، إضافة إلى أن السطوح التنفسية يجب أن تكون واسعة ورطبة دائماً؛ لذا يتميز سطح التنفس بالتثني الكبير وتشكل القصبات عند الحشرات والأسناخ الرئوية عند الفقاريات.

تمثل الجملة القصبية عند الحشرات أحسن تكيف وظيفي للرد على الهيكل الخارجي الكتيم حول جسمها. حيث تنتشر القصبات في جميع أنحاء الجسم على شكل أنابيب، تسمى الكبيرة منها القصبات tracheae، تنفتح مباشرة إلى الخارج على جانبي جسمها، وتتشعب على شكل أنابيب دقيقة تسمى القُصَيبات  tracheolesتتوزع في جسم الحشرة لتصل تقريباً إلى كل خلية من خلاياها حيث يتم التبادل الغازي بالانتشار مباشرة مع الخلية نفسها عبر الظهارة الرطبة التي تغطي خلايا نهايات الجملة القصبية، علماً أن هذه القصبات والقصيبات تبقى مفتوحة بشرائط كيتينية تلتف حلزونياً حولها. وبما أن الهواء يكون على تماس مباشر مع الخلايا نفسها في جسم الحشرة فإن دم الحشرات ليس له علاقة بعمليات التبادل الغازي عند الحشرات.

يؤمن الانتشار  diffusionللحشرات الصغيرة متطلبات استقلابها لأنه يُزَوِّدها بكميات كافية من الأكسجين وطرح ثنائي أكسيد الكربون في حادثات تنفسها الخلوي. أما الحشرات الكبيرة والطائرة فإن استقلابها يحتاج إلى كم كبير من الأكسجين، ومن ثم تحتاج إلى تهوية جُمَلها القصبية، الأمر الذي يتم بتحرك دوري لقِطَعٍ من جسمها التي تضغط على قصباتها ثم تمددها. فالحشرة الطائرة تتمتع بمعدل استقلابي عالٍ وتستهلك كماً كبيراً من الأكسجين يقارب 10 200 مرة مما تستهلكه الحشرة في حالة الراحة؛ لذا تضغط الحشرة في حالة الطيران على عضلات طيرانها ومن ثم على القصبات. ويلاحَظ أن خلايا عضلات الطيران عند الحشرات مكتظة بالمتقدرات mitochondria التي تدعم المعدل العالي للاستقلاب وتزويد الحشرة بِكَمٍّ كبير من الأكسجين اللازم لتوليد جزيئات الأدينوزين ثلاثي الفسفات ATP.

أنواع الرئات

تكون الرئات عند البرمائيات صغيرة بالنسبة إلى حجم الحيوان؛ لذا تعتمد هذه كثيراً على جهاز آخر يزودها بما تتطلبه من الأكسجين يتمثل بجلدها الذي يسمح لهذا لغاز المنحل في الماء بالانتشار عبره. أما الزواحف والطيور والثدييات فإنها تعتمد على الرئات اعتماداً كلياً لتأمين متطلباتها من الأكسجين (الشكل2 -ج)، وتشذ السلاحف عن ذلك باعتمادها على تثنيات في ظِهارةٍ  epitheliumتنتشر في فمها ومنطقة الشرج عندها. كما أن بعض الفقاريات المائية؛ مثل الأسماك الرئوية lungfishes فهي تأخذ الأكسجين عن طريق رئات على شكل أكياس هوائية، لأنها تعيش في المستنقعات الضحلة أو مناطق المد والجزر وهو وسط مائي فقير بالأكسجين كما أنها تتعرض في فترات من حياتها للهواء.

التهوية عند البرمائيات:

 تتم التهوية ventilation عند البرمائيات بالاستعانة بالقاعدة الغشائية للفم والجدار المرن للبطن، ويتم ذلك في مراحل، تبدأ بانغلاق فوهة المزمار (الفوهة في بداية الرئة) وانخفاض أرض الفم، فيمتلئ جوف الفم بالهواء (الشكل 8-أ)، ثم تنغلق فوهتا الأنف وتنفتح فوهة المزمار ويرتفع أرض الفم ليندفع الهواء في الرئتين (الشكل8 -ب). يلي ذلك انغلاق فوهة المزمار وانفتاح الأنف وانضغاط أرض الفم عدة مرات لتتم تهوية الفم والتبادل الغازي في الفم (الشكل 8-ج). في الوقت نفسه ينضغط جدار البطن ويتمدد عدة مرات لتتم التهوية والتبادل الغازي عبر جدار الأسناخ في الرئتين واستخلاص الأكسجين الموجود فيهما. يلي ذلك انفتاح فوهة المزمار والأنف وانضغاط جدار البطن لينطلق الهواء المحمل بالأكسجين إلى الخارج (الشكل 8-د).

الشكل (8) مراحل التهوية عند الضفادع.

التهوية عند الطيور:

 يدعم الرئاتِ في عمليات تنفسها قنواتٌ تُعْرَفُ بالقصبات الجانبية parabronchia، تُعَدُّ بمنزلة شعريات هوائية  air capillarries تمثل في الواقع الوحدات الفاعلة في التهوية بدلاً من الأسناخ الرئوية لكونها محاطة بشبكة شعريات دموية واسعة جداً لاستخلاص الأكسجين من الهواء. تتشكل هذه القصبات الجانبية من تفرع قَصَبَتَيها الهوائيتين bronchi المتفرعتين عن الرغامى trachea.

إضافة إلى القصبات الجانبية هناك أكياس هوائية air sacs تنتشر بين عضلات الطيران والبطن والرقبة والأجنحة (الشكل9 فيدخل الهواء إلى الرغامى ثم القصبتين الهوائيتين ثم القصبات الجانبية حيث يتم التبادل الغازي عبر جدرانها.

الشكل (9) آلية التهوية عند الطيور.

 

أما دور الأكياس الهوائية فقد بقي لغزاً حتى وَضَّحَه الفيزيولوجي كنوت شميدت نيلسِن K. Schmidt Nielsen عام 1967 كما يلي: يدخل الهواء بالشهيق إلى الرغامى ثم القصبتين المتوسطتين ومنها إلى الأكياس الهوائية الخلفية(الشكل 9-أ)، وعندما يزفر الطائر يغادر الهواء الأكياس الخلفية إلى القصبات الجانبية متجهاً إلى الرئتين حيث ينتشر الأكسجين إلى داخل الشعيرات، في حين ينتقل ثنائي أكسيد الكربون إلى داخل الرئة (الشكل 9-ب). في الشهيق التالي ينتقل هواء القسم الأمامي للرئة إلى الجيوب الأمامية (الشكل 9-ج)، وأخيراً يسبب الزفير التالي خروج هواء الشهيق السابق من الجيوب الأمامية ليغادر جسم الطائر (الشكل 9-د).  

الرئات عند الثدييات:

 تتوضع رئات الثدييات في القفص الصدري، وتكون بنيتها إسفنجية تَعُجُّ بأسناخ رئوية ظهاراتها رطبة لتسهيل التبادل الغازي (الشكل 2– ج). يدخل الهواء من خلال الأنف الذي يُوَجِّه الهواءَ إلى البلعوم ومن ثم الحنجرة فالقصبة الهوائية bronchus المدعومة بحلقات غضروفية تحافظ عليها مفتوحة دائماً. تتفرع القصبة إلى قصيبتين تدخل كلٌ منهما رئةً تتفرع فيها إلى فروع دقيقة (نُبَيباتٍ tubules) تسمى القصيبات bronchioles. يغطي ظهارةَ جميع هذه العناصر الأنبوبية أهدابٌ ومادة مخاطية تقوم باقتناص الغبار والمعلقات الأخرى التي يمكن أن يحملها الهواء الشهيقي، وتقوم الأهداب بدفعها نحو خارج الجهاز.

تنتهي هذه النبيبات بملايين الأجواف الدقيقة تسمى الواحدة منها سنخاً alveolus واسع السطح، تحيط بكل منها شبكة شعرية دموية تتلقى غاز الأكسجين، وينفذ ثنائي أكسيد الكربون بالاتجاه المعاكس ليُطرَح عند الزفير.

مراجع للاستزادة:

 -   N. A. Campbell, L. A. Urry, et al., Biology: A Global Approach, Pearson, 2020.

 -  M. Hoefnagels,  Biology: Concepts and Investigations, McGraw Hill, 2024.

 -  M. J Whitmore, Principles Of Zoology: Understanding Animal Diversity, Structure, and Classification,  Independently published, 2025.

 -  N. A. Kiani, et al.,  Networks of Networks in Biology: Concepts, Tools and Applications,  Cambridge University Press, 2021.

 


- التصنيف : علم الحياة (البيولوجيا) - النوع : علم الحياة (البيولوجيا) - المجلد : المجلد العاشر، طبعة 2025، دمشق مشاركة :

بحث ضمن الموسوعة

من نحن ؟

الموسوعة إحدى المنارات التي يستهدي بها الطامحون إلى تثقيف العقل، والراغبون في الخروج من ظلمات الجهل الموسوعة وسيلة لا غنى عنها لاستقصاء المعارف وتحصيلها، ولاستجلاء غوامض المصطلحات ودقائق العلوم وحقائق المسميات وموسوعتنا العربية تضع بين يديك المادة العلمية الوافية معزَّزة بالخرائط والجداول والبيانات والمعادلات والأشكال والرسوم والصور الملونة التي تم تنضيدها وإخراجها وطبعها بأحدث الوسائل والأجهزة. تصدرها: هيئة عامة ذات طابع علمي وثقافي، ترتبط بوزير الثقافة تأسست عام 1981 ومركزها دمشق 1