تنقيه مناطقيه (موضعيه)
Zone refining -

التنقية المناطقية

                                       رفيع جبره

 مبدأ تقانة التنقيةالنطاقية

تطبيقات التنقية بوساطة صهر النطاق العابر

 

التنقية المناطقية (النطاقية) zone refining، أو التنقية بالنطاق العائم floating zone refining ، أو التنقية بوساطة النطاق المصهور العابر تعابير بسيطة أو مركبة تشير جميعها إلى إحدى تقنيات التنقية الفائقة للعناصر ولمركبات أنصاف النواقل وبعض المواد الهندسية المتقدمة. وهي تنتمي إلى عائلة تقانات صهر النطاق zone melting  التي تنطوي على حركة واحد أو أكثر من النطاقات المنصهرة في كتلة طولانية لمادة قابلة للانصهار؛ وتعتمد التنقية على اختلاف انحلال المواد الشائبة في الحالة المنصهرة عنها في الحالة الصلبة.  وقد أتاح هذا المفهوم السبيل أمام الاستفادة من مبادئ عمليات الانصهار والتجمد المتتالية في التحكم بمستويات النقاوة حتى 99.999999999%، وبمستويات الأشابة حتى الجزء من المليار 1ppb=10-9، ودراسة تأثيرات ذلك في خواص المواد وأدائها.                         

ارتبطت نقاوة المواد وأشاباتها، منذ فجر التاريخ، بمختلف الحرف والفنون والنشاطات التقانية البشرية، مثل صناعة الحلي وصك النقد وتقليد الحجارة الكريمة. ومع اكتشافات القرن العشرين وتطور أدواته في الفحص والقياس توسّع سلَم النقاوة من قيراط الذهب 1/24 إلى مستوى 99.999999999% (وهو ما يعرف بإحدى عشرة تسعة)، وتعددت طرائق التنقية مما مهّد السبيل أمام هندسة المواد على المستوى الذري وثورة المعلومات والاتصالات بالاستفادة من النقاوة الفائقة للبلورات الأحادية الليزرية ونصف الناقلة والألياف الضوئية، وأماط اللثام عن أسرار الحجارة الكريمة الطبيعية وتقليدها.

   يعود تطوير هذه التقنية إلى مطلع الخمسينيات من القرن العشرين عندما وضع عالم علم المواد الأمريكي وليم ج. فان William G. Pfann حبيبات عنصر الجرمانيوم Ge في بوتقة على هيئة زورق من الغرافيت أو زجاج السليكا، وسخنها حتى انصهر جزء منها، أي نطاق  ضيق جعله يتحرك ماراً بحبيبات الجرمانيوم من طرف البوتقة إلى طرفها الآخر، ونجح في جرف شوائب الجرمانيوم إلى طرف البوتقة البعيد، حيث حصل التجمد الأخير للنطاق المنصهر. وأصبح الجرمانيوم أكثر نقاوة بتكرار هذه العملية.

 مبدأ تقانة التنقية النطاقية

يمكن مقارنة التنقية النطاقية بالتقطير إلى حدٍّ بعيد، ويكمن الاختلاف الجوهري بينهما في أن تغير الأطوار في الأولى يكون من الطور الصلب إلى السائل وبالعكس، في حين يكون هذا التغير في التقطير من الطور السائل إلى البخار وبالعكس. تعتمد تقنية التنقية بوساطة صهر النطاق العابر على اختلاف التركيب الكيميائي للبلورة المتجمدة عنه في الطور السائل الأم، ويعود ذلك إلى أن انحلالية الشوائب عموماً أكبر في الطور السائل منها في الطور الصلب الملاصق له، وإلى خاصة ذاتية للشائبة تدعى معامل التوزيع (الفصل) k الذي يعبّر عن نسبة تركيز الشائبة Bفي الطور الصلب لمادة A إلى تركيزها في طور A السائل المماس له. يبين مخطط الأطوار (الشكل 1) للعنصرين A و Bأن تجمُّد السبيكة الموافقة للتركيز Cl1 من الشائبة B في A يؤدي إلى تغير توزيعه بين الطورين الصلب والسائل للعنصرA؛ لأن تركيز العنصر B في البلورات الصلبة المتشكلة يساوي Cs1 ويختلف عنه في الطور السائل Cl1(k=Cs1/Cl1<1). وعندما تُخفِّض الشائبة B درجة حرارة انصهار المادة A يكون معامل التوزيع  k أصغر من 1، وتتجمع الشائبة في الطور السائل. وعندما تزيد الشائبة B درجة حرارة انصهار المادة A يكون معامل التوزيع k أكبر من 1، وتتجمع الشائبة في الطور الصلب. وبتكرار عمليتي الانصهار والتجمد للبلورات الصلبة المتشكلة ينخفض تركيز الشائبة B في A (Cs3< Cs2< Cs1).

 الشكل (1) تغير تركيز الشائبة B في Aمع تكرار عملية الانصهار والتجمُّد الأولى والثانية والثالثة.

 

ولعل تجمُّد محلول ملح الطعام (الشائبة) في الماء بالتبريد خير مثال على ذلك، فبلورات الماء المتجمِّد تحتوي تركيزاً من الملح أقل منه في الماء السائل لأن الملح يعيد التوزيع بين الطور الصلب والطور السائل خلال تشكُل البلورات. ولما كان معامل التوزيع k للملح في الماء المتجمد يقترب من الصفر، فإن بلورات الماء المتجمد تكون خالية تقريباً من الملح. ويعزِّز ظاهرة إعادة توزيع الشائبة بين الطور الصلب والطور السائل حقيقة أن حصول تحولات الانصهار- التجمُّد في شروط عدم توازن ترموديناميكي يجعل عملية رفض الشائبة في الطور الصلب تهيمن على عملية انتشارها فيه بسبب انخفاض معدلات الانتشار في الطور الصلب. وهكذا تكون المحصلة عملية فصل عنصريّ للشائبة عن المادة المُضيفة المراد تنقيتها.

عند إجراء التنقية بوساطة صهر النطاق العابر يحيط عنصر تسخين دائري -محدّد العرض، ثابت أو متحرك بانتظام أفقياً - بشحنة المادة A المراد تنقيتها من شائبة B تركيزها Cₒ. ينصهر نطاق ضيق عرضه ( عُشر طول عينة المادة A) من المادة  Aمقابل عنصر التسخين بفعل حرارته، وينتقل نطاق المادة المنصهر مع انتقال عنصر التسخين (أو المادة A) من النهاية اليسرى للمادة إلى نهايتها اليمنى أفقياً (الشكل2 ).

 الشكل (2 ) مبدأ التنقية بوساطة صهر النطاق العابر: انتقال النطاق.

 

يرافق انتقالَ نطاق المادة المنصهر تجمد كمية من المادة A في مؤخرة النطاق وانصهار كمية مساوية لها في مقدمته. ويؤدي ذلك إلى تناقص تركيز Cs الشائبة B في طور المادة A الصلب خلف النطاق مقارنة بتركيزها Cl في طور المادة A السائل أمام النطاق بافتراض:

 (Cs1< Cl1 أو Cl > Cₒ و Cs= kCl < Cₒ)  

مع تقدم نطاق المادة المنصهر إلى موقع جديد نحو النهاية اليمنى يزداد تركيز  و الشائبة  Bفي الطور السائل للمادة A أمام النطاق، وفي طورها الصلب خلف النطاق على

 الترتيب بافتراض (Cs< < Cₒ وكذلك> Cl > Cₒ  ). وهكذا يزداد تركيز Cl الشائبة  Bفي النطاق المنصهر مع تغير مسافته عن بداية العينة (نهايتها اليسرى) حتى التركيزk /Cₒ  (Cₒ<k/Cₒ) حيث يتساوى عندها تركيز الجسم الصلب الخارج خلف النطاق المنصهر والداخل إليه (Cs=k Cl = k Cₒ/k = Cl)، أي يتساوى عدد ذرات الشائبة الداخلة إلى النطاق المنصهر والخارجة منه، كما يبقى التركيز ثابتاً في النطاق المنصهر وفي الطور الصلب الناتج منه، وذلك على مسافة عدة أطوال نطاق منصهر مما يشكل مجال نطاق ثباتية (تساوي) التركيزzone leveling  الذي يستمر حتى وصول النطاق المنصهر إلى نهاية العينة حيث يتناقص حجم السائل ويزداد تركيز الشائبة B أسّياً عند النهاية اليمنى التي يمكن قصها. يعطي الشكل (3) تغير تركيز الشائبة B بدلالة موقع النطاق المنصهر x على طول العينة حيث يمكن تمييز ثلاث مناطق: منطقة تنقية حيث Cs< Cₒ، ومنطقة تساوي التركيز Cₒ(Cs=k Cl = k Cₒ/k = Cₒ)، ومنطقة نهائية قصيرة يتزايد فيها تركيز الشائبة.

 الشكل (3) تغير تركيز الشائبة B بدلالة موضع النطاق المنصهر المتحرك x.

 

    يكمن سر هذه التقنية في تكرار عبور نطاق المادة المنصهر على طول العينة عدد n من المرات، إذ يتحقق تكرار عملية الانصهار والتجمُّد التي يرافقها في كل مرة انخفاض نسبة الشائبة B في المادة A، كما يتبين في مخطط الأطوار (الشكل 1) حيث يوافق 3 ،2 ،1 العبور الأول والثاني والثالث لنطاق المادة المنصهر، وفي كل مرة يكون تركيز الشائبة B في المادة Aأصغر منه في المرة السابقة، أي Cs3< Cs2< Cs1< Cₒ وهكذا حتى تحقيق مستوى النقاوة المرغوب في المادة A.

يبيِّن الشكل (4) تغير تركيز الشائبة B في المادة A بعد العبور الأول والثالث للنطاق حيث يلاحظ انخفاض تركيز الشائبة من 6x1017 cm-3 إلى 2x1017 cm-3، وإلى 4x1016 cm-3(Cₒ/15) بعد العبور الثالث للنطاق.

 الشكل (4) تغير تركيز الشائبة B بدلالة حركة النطاق المنصهر x وتكرار عبور النطاق

 (k=0.35، CCₒ=6x 1017 cm-3).

 

   يتعلق التركيز النهائي للشائبة B بحجم النطاق المنصهر وعدد النطاقات (عند استعمال عدة عناصر تسخين متجاورة ومتساوية التباعد)، واتجاه انتقالها وسرعتها (فهي لبعض المركبات من أجزاء من المليمتر في الدقيقة إلى بضعة مليمترات في الدقيقة)، ونسبة الأشابة البدائية ومعامل التوزيع k للشائبة، ويمكِّن التحكم بهذه العوامل من الحصول على نقاوة من مستوى ذرة شائبة واحدة في 10 مليارات ذرة، أي ما يماثل حبة ملح واحدة في شاحنة معبأة بالسكر.

تطبيقات التنقية بوساطة صهر النطاق العابر

تُمكِّن تقانة التنقية بوساطة صهر النطاق العابر من تخفيض مستوى أغلب الشوائب بشدة وليس كلها، وتعد أداة فعالة لتطبيق ازدواجية عمليتي الانصهار والتجمد في التعامل بمرونة مع الشوائب عبر ثلاثة تطبيقات بارزة:

-       تنقية المواد.

-       التوزيع المنتظم zone leveling للأشابة   في المواد.

-       تنمية البلورات الأحادية.

ويبيّن الشكل (5) مبدأ التنقية بالنطاق العائم العمودية لقضيب متحرك عبر عنصر تسخين.

الشكل (5) مبدأ تقانة التنمية بواسطة تعويم النطاق الشاقولي

 والشكل (6) إحدى طرائق تنمية البلورات الأحادية في الوضع (العمودي) الشاقولي والحركة النسبية في بوتقة.

الشكل(6) تنمية البلورات الأحادية بواسطة تعويم النطاق.

  

يقدر الإنتاج العالمي للبلورات الأحادية بنحو 30 ألف طن سنوياً، يُستعمل ثلثاها في صناعة أنصاف النواقل؛ إذ تهيمن بلورات السليكون Si الأحادية التي تُنمّى بالطريقة المذكورة - التي تدعى طريقة زوكرالسكي Czochralski، وتحتوي على شوائب من الأكسجين والكربون - بنسبة تقارب 1017- 1018 ذرة /سم3. ولتخفيض نسبة هذه الشوائب إلى الحدود المقبولة في التطبيقات الإلكترونية (إحدى عشرة تسعة)، تعدّ تقنية التنقية بوساطة صهر النطاق العابر طريقة مثالية لهذا الغرض.

   مراجع للاستزادة:

  - D. McWhan, Sand and Silicon: Science that Changed the World, Oxford University Press, 2012.

  - W. G. Pfann, Zone Melting, Literary Licensing, LLC 2013.

 


- التصنيف : الكيمياء والفيزياء - النوع : الكيمياء والفيزياء - المجلد : المجلد العاشر، طبعة 2025، دمشق مشاركة :

بحث ضمن الموسوعة

من نحن ؟

الموسوعة إحدى المنارات التي يستهدي بها الطامحون إلى تثقيف العقل، والراغبون في الخروج من ظلمات الجهل الموسوعة وسيلة لا غنى عنها لاستقصاء المعارف وتحصيلها، ولاستجلاء غوامض المصطلحات ودقائق العلوم وحقائق المسميات وموسوعتنا العربية تضع بين يديك المادة العلمية الوافية معزَّزة بالخرائط والجداول والبيانات والمعادلات والأشكال والرسوم والصور الملونة التي تم تنضيدها وإخراجها وطبعها بأحدث الوسائل والأجهزة. تصدرها: هيئة عامة ذات طابع علمي وثقافي، ترتبط بوزير الثقافة تأسست عام 1981 ومركزها دمشق 1