توازن الأنواع
توازن انواع
Species equilibrium -
بشير الزالق
العوامل التي تؤثر في توازن الأنواع
توازن الأنواع species equilibrium علم يدرس ظهور الكائنات الحية وأنواعها وتغير أشكالها وأعدادها وتوزعاتها في بيئاتها في أزمنة مختلفة من مسيرة حياتها.
اشتملت أولى الدراسات المتخصصة بالبيئة الحيوية على دراسة جغرافية التنوع الحيوي في العالم والعلاقة بين أنواع الكائنات الحية والمنطقة أو المساحة التي تعيش فيها؛ إذ كلما اتسعت المساحة ازداد التنوع فيها. وبناء على هذه الدراسات طرح عالم البيئة روبرت ماك آرثر Robert Mac Arthur وإدوارد أوسبورن ويلسون E. O. Wilson في العام 1967 نظرية الجغرافيا الحيوية للجزر، وكان الهدف منها دراسة توضع الأنواع جغرافياً، أو دراسة تركيب الأنواع الحيوية وغناها في جزيرة ما، أو تحديد العوامل التي تؤثر في تنوع الكائنات الحية في مجتمع محدد. والجزيرة من هذه الناحية ليست مجرد قطعة من البر محاطة بالماء؛ بل هي أي مساحة مأهولة من الأرض تحيط بها مساحات غير صالحة لحياة تلك الأنواع التي تعيش في الجزيرة مثل الأدغال والمحميات البرية وقمم الجبال والبحيرات وغيرها.
والواقع أن الجغرافيا الحيوية للجزر كانت موضع اهتمام علماء البيئة وعلماء الأحياء والجغرافيا منذ أن طرح تشارلز داروين Charles Darwin وألفريد راسل والس A. E. Wallace نظرية التطور Theory of Evolution اعتماداً على دراساتهم حول جزر غالاباغوس Galápagos Islands وجزر الهند الشرقية وتنوع الحياة فيها وأثر عزلتها عن البر الرئيسي في تنوع الأنواع والعمليات الحيوية المعقدة في تلك الجزر.
والحقيقة أن الجزر توفر عزلة كبيرة تسمح بحدوث عمليات تطور بمعدلات مختلفة بسبب الهجرة، والاصطفاء selection، وحدوث الطفرات mutation؛ ولكن الأنواع المتوطنة في تلك الجزر غالباً ما تكون معرضة للانقراض أيضاً. وقد تبين أن 93% من أنواع الطيور التي ثبت انقراضها كانت من الأنواع التي تعيش في الجزر. وتشير السجلات التاريخية إلى أن معدل الانقراض في عهد البليستوسين بلغ نوعاً واحداً في 83.3 سنة، في حين بلغ المعدل في العام 1980 نوعاً واحداً كل 3.6 سنة.
يجري توازن الأنواع ضمن مساحة محددة تتمثل بالجزيرة island، عندما تتساوى معدلات الانقراض extinction rates مع معدلات الهجرة immigration rates أي معدل وصول أنواع جديدة إليها، وهذا يعني أن عدد الأنواع في جزيرة ما يبقى نفسه تقريباً. ويحصل التوازن في الأنواع عندما تكون منطقة التوازن ضمن نظام بيئي صحي healthy ecosystem يضمن الاستقرار (الشكل 1). ومعلوم أن عدد الأنواع لا يتغير؛ إلا أن تركيبة الأنواع في الجزيرة قد تتغير؛ الأمر الذي يؤدي إلى فقدان (أو انقراض) أحد الأنواع، عندئذٍ يأخذ نوع آخر مكان النوع المفقود لإعادة التوازن، تسمى هذه الظاهرة "دوران الأنواع" turnoverspecies.
والتوازن هو عكس التطور؛ لأن التطور وفق أفكار لامارك Lamarck يعني أن الأنواع غير ثابتة، وتدخل في تحول شكلي، وتتغير تدريجياً مع الزمن، وتتحول إلى أنواع جديدة تحت تأثير الوسط. وقد أيد العالم داروين أفكار لامارك في أثر الوسط في تطور الأنواع فَوُجِّهَ إليه النقد كما وُجِّهَ إلى لامارك.
![]() |
|
الشكل (1) مفهوم توازن الأنواع في جزيرة. |
العوامل التي تؤثر في توازن الأنواع
1- تأثير البيئة: يتضح تأثير البيئة في الأنواع الموجودة في منطقة محددة عندما تتصف تلك المنطقة بعدم التجانس البيئي environmental heterogeneity؛ أي إن البيئة تكون متنوعة الموائل، وهذا الوضع البيئي يتجلى إيجاباً فيما يسمى ثراء الأنواع species richness في منطقة التوازن. وكذلك تبين أن عدم التجانس البيئي يؤدي دوراً مهماً في زيادة تنوع الأنواع species diversity. فعند نقص الموارد الغذائية أو شحها في البيئة -وهذا ما يُعَبَّر عنه بقساوة البيئة التي تحسب استناداً إلى معاملات الخطورة لكل نوع ولكل مادة من المواد- فإن ذلك يظهر سلباً على ثراء الأنواع في المناطق الحيوية، عندئذٍ يظهر تراجع واضح في عدد الأنواع في المناطق المعتدلة والمناطق الاستوائية من الأرض. وتوضح الدراسة التحليلية لهذه الظاهرة أن ثراء الأنواع يزداد مع انخفاض قساوة البيئة، وبالمقابل فإن ثراء الأنواع ينخفض مع تزايد قساوة البيئة (شح الموارد)، وهذا ما يوضحه المنحني في الشكل (2). بالمقابل وُجِدَ أن معدل الوفيات في المنطقة الحيوية لا تتأثر بعدم التجانس البيئي؛ لأن الوفيات تكون خاضعة لعوامل عشوائية مختلفة. وقد بَيَّن الباحثون أن تنوع الأنواع والتنوع في جيناتها يتأثر بالعوامل البيئية؛ ولاسيّما التغيرات المناخية والتغيرات في الغطاء النباتي، حيث وجد أن فقدان الغطاء النباتي يؤدي إلى فقدان النظم البيئية؛ ومن ثمّ انقراض الأنواع، ويبلغ معدل الانقراض في الوقت الحالي أضعاف ما كان عليه في الماضي.
![]() |
|
الشكل (2) تغير ثراء الأنواع في الجماعة وفق درجة قساوة البيئة. |
كما تناولت الأبحاث دراسة تأثير التنوع الحيوي biodiversityللأنواع في النظام البيئي ecosystem، فوُجِد أن التنوع الحيوي يؤدي إلى ارتفاع خصوبة الأنواع ارتفاعاً عالياً، كما يؤدي إلى استقرار الأنواع (أو توازن الأنواع) في مواجهة الاضطرابات. ويشمل التنوع الحيوي التنوع الجيني في الأنواع وظهور أنواع متوطنة وأنواع غازية للمنطقة.
تتصف منطقة التوازن بالاستقرار stability الذي يكون عالياً عندما تكون فرص الانقراض منخفضة؛ أي عندما يكون النظام البيئي متوازناً أو مقاوِماً لغزو الأنواع أو الهجرة. وإن عدم استقرار النظام البيئي يؤدي حتماً إلى فقدان الأنواع، لذا هناك علاقة واضحة بين تنوع الأنواع واستقرار النظم البيئية.
يترافق تراجع التنوع الحيوي مع فقدان الغذاء (أو الموارد) من البيئة الحاضنة للأنواع. ويجري تنظيم تنوع الأنواع من خلال استمرار الهجرة، وهذا أمر مهم في التوازن بين عدد الأنواع والأنواع الآتية من خارج المنطقة وعدد الأنواع المحلية المتوطنة. أما الانقراض فيحدث نتيجة التقلبات البيئية أو بسبب التآثرات interactionsبين أفراد الجماعات؛ وكذلك تحت تأثير الظواهر الطبيعية السيئة مثل البراكين وارتفاع مستوى البحر والعواصف الثلجية وغيرها.
ويُحَدَّد التوازن البيئي ecological balance بأنه توازن ديناميكي داخل مجتمع الكائنات الحية حيث تكون قواعد التوريث في الأنواع وتنوع النظام البيئي مستقرة نسبياً، وهي تخضع لتغيرات متدرجة من وفق تعاقب طبيعي وتوازن مستقر stable balance في أعداد كل نوع من الأنواع ضمن نظام بيئي محدد.
وأهم نقطة في هذا المجال هي أن يُحافَظ على التوازن الطبيعي في النظام البيئي؛ لأن حدوث أي اضطراب في التوازن يسبب دخول أنواع جديدة، أو الموت المفاجئ لبعض الأنواع، أو المخاطر الطبيعية التي سبق ذكرها.
2- صفات منطقة التوازن: تُمَثِّل الجُزُر أنماطاً فريدة من نوعها في توزيع الأنواع، وتُعدّ نظرية الجغرافيا الحيوية للجُزُر الإطار العام في دراسة توزيع الأصناف والاتجاهات في الجزر. وقبل الخوض في هذه النظرية لا بدّ من معرفة أنماط الجزر وصفاتها من ناحية التضاريس والمناخ وأثر ذلك في حياة الكائنات الحية من حيث تنوع الأنواع وتوزعها ودرجة توازنها وفق التغيرات البيئية في تلك الجزر البحرية.
يمكن تقسيم الجزر البحرية جيوفيزيائياً إلى فئتين متميزتين، هما: جزر الرصيف القارّي continental shelf islands والجزر المحيطية oceanic islands.
أ- جزر الرصيف القارّي: من المرجح أن تكون هذه الجزر مرتبطة فعلياً بالجزر عن طريق "جسر" يظهر عندما ينخفض مستوى سطح البحر، وتكون صفات هذه الجزيرة وبنيتها مماثلة لبنية البر الرئيسي. ويكون التشابه في التضاريس نتيجة قرب الجزيرة من القارّة. وتشير الدراسات إلى وجود تشابه في انتشار النباتات والحيوانات في الجزيرة مع اليابسة.
ب- الجزر المحيطية: وهي عادة ما تكون أكثر عزلة، ولا تكون متصلة أبداً مع اليابسة. يُلفى منها ثلاثة أنواع رئيسية، هي: الجزر المحيطية الحيوية: oceanic ridge islands ، وجزر البقع الساخنة hot-spot islands، والجزر الفردية individual islands لجزيرة الأقواس.
تكون الجزر المحيطية الحيوية (قمة التلة أو الجبل) وجزر البقعة الساخنة بشكل جزر بركانيةvolcanic islands ؛ لأنها تشكلت من البراكين التي انبثقت من قاع المحيطات، ونتيجة لاصطدام القارة بالصفائح المحيطية plates oceanic تشكلت صخور الجزر التي عادة ما تتكون من البازلت basalt والغرانيت granite. يشار هنا إلى أن جميع العمليات الجيولوجية التي تحدث في الجزر البركانية تُحدِث تَشَكُّلاتٍ لِقِمَمٍ ذات ارتفاعات كبيرة يصل ارتفاعها إلى نحو 2000 متر. كذلك تتصف الجزر البركانية بالانحدار الشديد، ثم تتجزأ مع الوقت إلى مناطق. ويكون لهذه الظواهر انعكاسات مهمة على حياة مجموعات الكائنات الحية (النباتية والحيوانية biota) التي تعيش في الجزيرة، وبحيث يكون لتغيرات التَّدَرُّج في التضاريس تأثير واضح في الصفات البيئية والموائل.
كما يكون لارتفاع الجزر تأثيرات مهمة في النظام المناخي للجزيرة.
- مناخ الجزر: يتحدد مناخ الجزيرة من قبل مجموعة من المؤثرات الخارجية (مثل جريان المحيطات وجريان الغلاف الجوي)، ومجموعة من المؤثرات الداخلية، مثل حجم الجزيرة وشكلها وتضاريسها. كما يتوقف جريان الماء على حركات الأمواج، فإذا كانت الجزيرة تقع على مسار حركة التيار أو في منطقة تقاطع تيارين من الماء؛ فإن ذلك يؤدي إلى تغيرات عميقة في مناخ الجزيرة. كما يتأثر المناخ بمدى قرب الجزيرة من الأرض القارية، واتصالها بالبر الرئيسي mainland، كأن يكون هناك جسر بري land-bridge، وبذلك تتأثر الجزيرة بالمناخ القاري continental climate.
أما الجزر المحيطية البعيدة عن اليابسة؛ فإنها على النقيض من الجزر السابقة - تتأثر بالمناخ البحري maritime climate، كذلك يكون لصفات الجزيرة - مثل حجمها وارتفاعها - تأثير كبير في نظام هطل الأمطار على الجزيرة، فقد وُجِد أن الجزر المنخفضة تتصف عادة بمناخ جاف نسبياً، في حين تكون الجزر المرتفعة ذات مناخ رطب بسبب غزارة هطل الأمطار على الجبال، وبالمقابل فإن الجبال يمكن أن تحجب الأمطار عن المناطق المجاورة لها.
وتتصف الجزر المرتفعة باحتوائها على موائل متنوعة ضمن مساحة جغرافية صغيرة نسبياً. ويرجع ذلك إلى تأثير الارتفاع في مناخ الجزيرة.
وتشير الأبحاث إلى أن تغير الارتفاع يُمَثِّل العامل الحاسم في تفسير تنوع الأنواع species diversity على الجزر. كذلك التداخل وضغط الموائل في المناطق المرتفعة يكون شائعاً في الجزر الاستوائية tropical islands الصغيرة. ويُستشفّ من ذلك أن صغر المساحة يؤدي إلى تشكل بقع صغيرة من موائل متنوعة تتناسب مع العديد من الأنواع. وهذه الموائل الصغيرة نسبياً تسمح أيضاً بارتفاع عدد الأنواع المتعايشة معاً واستقرارها.
- الجغرافيا الحيوية لجزيرة island biogeography: يُقصد بالجغرافيا الحيوية دراسة الموقع الجغرافي للأنواع. وتهدف هذه الدراسة لجزيرة ما إلى تحديد العوامل التي تؤثر في تنوع الأنواع وتوازنها في مجتمع معيّن وشرحها.
وضع العالمان ماك آرثر Mac Arthur وويلسون Wilsonعام 1967 نظرية عامة في الوقائع الجغرافية الحيوية ووصف التنوع الحيوي في جزيرة. أُطلِق على نظريتهما اسم "نموذج توازن الجزيرة" island equilibrium model. يصف هذاالنموذج توازن عدد الأنواع في الجزيرة، وذلك بالاستناد إلى التوازن بين معدلات الهجرة ومعدلات انقراض الأنواع فيها. تكون الهجرة بقدوم أنواع تصل إلى الجزيرة من مكان آخر. أما تغير معدل الانقراض فيها فيعود إلى نفاد الموارد الغذائية في الجزيرة. فعندما يزداد عدد الأنواع تنخفض الهجرة، وتنمو فرص البقاء للأنواع الموجودة في الجزيرة.
وما يتحكم في تنظيم التوازن هو مساحة الجزيرة وحجمها (الشكل 3). ثمة عامل آخر يجب النظر إليه هو أن معدل الزيادة في الانقراض يرافقه زيادة في المنافسة، وأن عدد الأنواع سوف يستقر ليصل إلى ما يسمى "توازن الأنواع" عندما يتساوى معدل الانقراض مع معدل الهجرة في جزيرة تحوي عدداً معيناً من الأنواع. وهكذا تؤدي الهجرة إلى ظهور أنواع جديدة في الجزيرة، ويؤدي الانقراض إلى اختفاء أنواع، ويطلق على هذه العلاقة اسم "دوران الأنواع" التي تنص على أن التوازن هو الظاهرة التي تتساوى فيها الهجرة والانقراض في سكان الجزيرة.
![]() |
|
الشكل (3) توازن الأنواع وفق نظرية الجغرافية الحيوية لجزيرة. |
أوضح الباحثان ماك آرثر وويلسون في هذا النموذج أيضاً وجود أمرين يؤثران في معدلات الهجرة والانقراض أو توازن التنوع diversity equilibrium:
الأول: هو مدى قرب الجزيرة من البر الرئيسي وأثر ذلك في المهاجرين الجدد إلى الجزيرة، على افتراض أن البر الرئيس هو مصدر جميع الأنواع المهاجرة الجديدة إلى الجزيرة، وافتراض أن الجزر القريبة سوف يكون لديها مزيد من الأنواع بالمقارنة مع الجزر البعيدة، والسبب بالضبط يعود إلى سهولة الوصول إلى الجزيرة القريبة.
الثاني: هو معدل الانقراض extinction: فهذا المعدل يكون أقل في الجزر القريبة من البر الرئيسي بسبب أرجحية الهجرة لديها. إن توفر فرص الوصول إلى البر سوف يحافظ على وجود الأنواع في تلك الجزر. ويوضح الرسم البياني في (الشكل 3) كيف تكون معدلات الهجرة مرتفعة عندما تكون الجزيرة أقرب إلى البر الرئيسي؛ ومن ثمّ الحفاظ على أكبر عدد ممكن من الأنواع.
الشيء الآخر الذي يؤثر في معدلات الهجرة والانقراض (أو قيمة التوازن) في جزيرة ما هو حجم الجزيرة، فالجزر الكبيرة الحجم تكون أكثر غِنى بالموارد الغذائية، فهي تلبي حاجة العديد من الأنواع الحيوانية من الطيور والطيور التي تحلق فوقها؛ أو تلبية حاجات الأنواع الأرضية التي وصلت إليها عن طريق الأعشاب البحرية seagrassالطافية (مثل بعض الزواحف الصغيرة كالوزغات)، والعكس صحيح بالنسبة إلى الجزر الصغيرة التي تَقِلُّ فيها الموارد الغذائية، مما يؤدي إلى زيادة في التنافس بين الأنواع ترافقه زيادة في معدلات الانقراض.
أمثلة عن الجغرافيا الحيوية للجزر:
تمتع بعض الجزر بتنوع حيوي يتأثر في توازنه بحجم الجزيرة وبُعدها عن البر الرئيسي، كما يتأثر بخطوط العرض التي تقع عليها الجزيرة: ووفقاً لخطوط العرض يمكن التمييز بين ثلاث مجموعات من الجزر المختلفة في خطوط العرض، هي: الجزر الاستوائية، في منطقة كريباتي Kiribati التي تقع على خط 1o33' شمال خط الاستواء، وجزر الكناري Canary Islands التي تقع في المحيط الأطلسي الشمالي على خط28o06 شمال خط الاستواء، وجزر فوكلاند Falkland Islands التي تقع في جنوب المحيط الأطلسي على خط 51o40' جنوب خط الاستواء. وقد استُكشِفَ التنوع الحيوي فيها ومدى استقرار الأنواع وتنوع الكائنات الحيوانية والنباتية التي تعيش عليها.
3- أثر التوازن الوراثي: يتحقق التوازن الوراثي genetic equilibriumفي حالة عدم حدوث تغيرات في تكرار الأليلات alleles أو في الطابع الوراثي genotype في المجمع المورثي من جيل إلى آخر. فالتوازن يجري- بحسب الباحثين هاردي- واينبرغ Hardy-Weinberg - عندما يتحقق عدم ظهور طفرات mutations جينية في مواقع وراثية locus أو المواقع المرتبطة بصفة ما، فالطفرات تُحدِث تغيراً وخللاً في الأليلات، ومن جهة أخرى يجب ألا تكون هناك هجرة وهجرة معاكسة (أو تكون الهجرة في حدودها الدنيا)، وذلك للحد من "التدفق الجيني"، والحفاظ على التوازن الوراثي، ولكن هذا الأمر يقلل حتماً من تنوع الجماعات. ويجب أن يغيب أثر الاصطفاء الطبيعي natural selection؛ لأن الاصطفاء يُزيل بعض الطوابع الوراثية من مجموعة الكائنات؛ ومن ثمّ يزيد من تكرار بعض الأليلات في الجيل القادم.
كما يجب أن يكون التكاثر عشوائياً تماماً. أما إذا كانت الذكور أو الإناث تُظهر تفضيلات للقوة وتزيينات الذكور خلال اختيار الشريك أو عملية التزاوج؛ فعندئذٍ فقط تبرز طوابع وراثية معيّنة أو تسيطر جينات محددة يمكن أن ينتقل أحدها إلى الجيل التالي. ونتيجة لهذا الأمر سوف تكون تكرارات الطوابع الوراثية مختلفة في كل جيل. وخلاصة القول يجب أن يكون التزاوج عشوائياً كشرط للتوازن والاستقرار الوراثي.
4-أثر التغيرات الكيميائية في التوازن: يمكن أن تكون الملوثات الكيميائية السامة وغيرها من الظواهر غير الطبيعية التي تطغى على الاستقرار الطبيعي للنظام البيئي وتؤدي إلى تغيرات لا رجعة فيها وخسائر فادحة، تتمثل بتراجع الغابات والغطاء النباتي؛ وخسائر في أعداد الأنواع.
فقد تُعَزِّز الملوثات هيمنةَ بعض الأنواع غير المرغوب فيها، مثل الأعشاب الضارة، وهذا يقلل من عدد الأنواع الموجودة في بيئة معيّنة وتنوعها. كما يؤدي تعديل درجة حموضة (pH) الوسط للموائل وتعديل درجة حرارتها إلى إزعاجات في حياة الكائنات التي تعيش في تلك الأماكن، فالأنواع المستوطنة تكون حساسة لتلك التقلبات، وتحتاج إلى ظروف بيئية محددة جداً.
وللتلوث بالمعادن الثقيلة السامة أثر كبير في حياة العديد من الأنواع وتنوعها وتدمير موائلها البيئية. فعندما يصل التلوث إلى مستويات عالية من التركيز فإنها تكون كافية لقتل العديد من الكائنات الحية وانقراضها. إن للتلوث بالمعادن آثاراً سلبية في التنوع الحيوي عامّة، وتكون نتيجته تعريض العديد من الأنواع إلى خطر الانقراض. قد تكون بعض الأنواع مقاومة لهذا التلوث، في حين أن بعضها الآخر يختفي تماماً في منطقة التلوث.
5- تأثير المواسم وثباتها في توازن الأنواع: تشكل نظرية توازن الأنواع إطاراً مفيداً لتحليل توزيع الأنواع ووفرتها، خاصة في الجزر وتوزع الموائل فيها. يُفسَّر توزع بعض اللافقاريات البحرية على الصخور باستخدام النموذج المعتمد على المواسم، حيث وجد أن هناك علاقة وطيدة تربط المواسم في المنطقة بعدد الأنواع الموجودة فيها. فالمواسم الجيدة من حيث توفر الأمطار والغذاء والمناخ المناسب (درجة الحرارة)؛ كل ذلك يؤدي إلى زيادة الهجرة الموسمية، أي زيادة في عدد الأنواع في المنطقة؛ ومن ثمّ تشكيل مستعمرة على ركيزة مستقرة متوازنة.
فالمناخ الموسمي يسبب تغيرات في معدل الهجرة الموسمية. ومع مرور الوقت فإن كل التجمعات تُطَوِّر نموذجاً بسيطاً يسمح بهجرات موسمية (فصلية) متقلبة، تكون مرتفعة في الصيف ومنخفضة في فصل الشتاء.
1- التوازن المتقطع (أو النقطي) punctuated equilibrium: يعني مصطلح التوازن المتقطع نقيض ما تدعو إليه النظرية الداروينية، فهو يمثل قفزات تطورية؛ نتيجة طفرات في الجينات تظهر لدى عدد قليل من الأفراد، وليس تدرجاً تطورياً كما دعاه داروين من خلال اعتماده على سجل المستحاثات. وفي عام 1972 نشر عالما المستحاثات إلدريدج Eldredgeوغولد Gould بحثاً عَرَضا فيه نظريةً أطلق عليها اسم نظرية التوازن المتقطع (أو التوازن النقطي) التي تنص على أن تغير الأنواع يكون قليلاً أو معدوماً خلال فترات زمنية طويلة، وفي بعض الأحيان يتوقف هذا التوازن، ويحدث تغير مفاجئ يؤدي إلى نشوء أنواع جديدة، وهذا ما يعرف باسم التنوع speciation. ووفقاً لهذه النظرية تبقى صفات النوع الجديد مستقرة خلال ملايين السنين من دون حدوث تغيرات شكلية تُذكَر؛ أي إنها تدخل مرحلة الركود التطوري.
كما يتصف التوازن المتقطع بحدوث تغيرات سريعة نسبياً ومتباعدة عن بعضها بفترات زمنية طويلة؛ أي فترات التوازن في الأنواع (الشكل 4).
![]() |
|
أ- نمط التوازن المتقطع ب- نمط التوازن المتدرج البطيء والثابت. الشكل (4) |
إذاً يخالف مفهوم التوازن المتقطع أفكار داروين في التطور حيث يعدّ هذا الأخير أن التطور ظاهرة مستمرة ومتدرجة.
2- التدرج والتوازن المتقطع gradualism and punctuated equilibrium:
يعتقد العلماء أن الأنواع التي تُظهِر تطوراً من جانب واحد خلال فترة قصيرة تكون بتوازن متقطع، أما الأنواع التي تتطور في فترة طويلة؛ فتكون بتوازن متدرج gradualism. والتدرج هو اصطفاء وتغير يحدث تدريجياً على نحو يصعب ملاحظته. وفي التوازن المتدرج تحدث تغيرات صغيرة مناسبة تجعل الكائن الحي بوضع أفضل قليلاً مع بيئته؛ أي يظهر عدد قليل من أفراد الجماعة بصفات مفيدة تساعدهم على البقاء على قيد الحياة؛ في حين يبقى عدد آخر من الأفراد بصفات سيئة قد تفضي إلى الموت. يحدث التدرج إذاً بتغيرات بطيئة وثابتة على مدى فترات زمنية طويلة (الشكل 4).
|
مراجع للاستزادة: - بشير الزالق، التطور ونشأة الحياة على الأرض، منشورات جامعة دمشق، 2010-2011. - C. Fletch, Island Biogeography Theory, Definition & Graph chapter 18, College Biology, 2015. - S. Gudmundson, et al., Environmental variability Uncoversdisruptive Effects of species&http://www.arab-ency.com.sy/scitech/details/170195#39; interactionson population dynamics, ProcBiolSc, 2015. - W. J. Kress, N. Pei,Genetic and Morphological Variation in Tropical and Temperate Plant Species,Mdpi AG 2020.
|
- التصنيف : علم الحياة (البيولوجيا) - النوع : علم الحياة (البيولوجيا) - المجلد : المجلد العاشر، طبعة 2025، دمشق مشاركة :



