التوازن البيئي
توازن بييي
Ecology equilibrium -
أحمد داود
| توازن النظام البيئي | بعض مظاهر التوازن البيئي في الطبيعة |
| التوازن في الطبيعة | اختلال التوازن البيئي وأسبابه |
| دور العوامل الطبيعية والحيوية في عودة التوازن إلى الطبيعة | الحفاظ على التوازن البيئي |
تخضع البيئة بمكوناتها الحيَّة وغير الحية لقوانين وعلاقات متشابكة؛ تنتج في النهاية تناسقاً وتكاملاً؛ يتيح لكلٍّ من هذه المكوِّنات أداءَ دوره متكاملاً مع دور المكوّنات الأخرى، محقّقاً حالة اتزان بين جميع هذه المكونات. والتوازن البيئي environmental balance هو محافظة مكونات البيئة الطبيعية وعناصرها على حالتها المستقرة، والقدرة على الـعودة إلى هذه الحالة بـعد أي تغيير يطـرأ عليها، من دون حـدوث تغـير أســاسـي في مـكوناتـها؛ ممّا يسمح باستمرار الحياة على سطح الأرض من دون مخاطر أو مشكلات، وهو جزء من التوازن الدقيق في نظام الكون.
يُعبّر مصطلح النظام البيئي عما تحويه مساحة معينة من الطبيعة من كائنات حيَّة ومواد غير حيَّة، وعن تفاعلات هذه المكونات بعضها مع بعض من جهة، ومع الظروف البيئية من جهة أخرى، والتي تؤدي إلى تبادل للمواد والطاقة بين مكوناته الحيَّة وغير الحيَّة،وما يولده هذا التفاعل من تحقيق الاستقرار بين مكوناته، والذي يؤدي في النهاية إلى توازن ديناميكي بين عناصر البيئة.
ويتصف النظام البيئي الطبيعي بتوازنه الذي يعتمد أساساً على دورتي الطاقة والمادة، حيث يؤدي كلُّ مكوّن من مكوّناته دوراً مهماً وحاسماً في استمرار توازن هذا النظام. وأيّ خلل في طبيعة عناصر هذا النظام ونسبه سينعكس على النظام كاملاً. وتمتاز الأنظمة البيئية بتعقد مكوناتها، وكلَّما زاد النظام البيئي تعقيداً ازداد ميلاً نحو الاستقرار؛ ذلك أنَّ تعدد الأنواع المؤلفة لنظام بيئي يزيد من علاقتها المتبادلة، ومن ثمّ من استقرار هذا النظام. وتمتلك الأنظمة البيئية قدرةً ذاتية تمكّنها من البقاء، والعودة إلى الاتزان، بعد حدوث تغير معيّن من خلال:
1- المرونة البيئية ecological resilience: وهي القدرة على امتصاص التغيّر ومن ثمَّ البقاء، ثم العودة إلى الوضع الطبيعي عند تحسن الظروف.
يرى بعض علماء البيئة أنَّ أهم نقطة يرتكز عليها اتزان النظام البيئي هي السرعة في العودة إلى الحالة العادية بعد التعرض لمؤثر معيّن. ويمتاز النظام سريع المرونة بقدرة التزاوج والتناسل بكثرة بحيث يكثر العدد في زمن قصير، ويجري تعويض النقص في الجماعة السكانية؛ ومن ثمَّ البقاء رغماً من الظروف البيئية.
2- المقاومة البيئية ecological resistance: وهي قدرة النظام البيئي على مقاومة التغير بأقل ضرر ممكن، وتنتج المقاومة البيئية من مكونات النظام البيئي نفسه. ويمتاز النظام البيئي المقاوم بقدرةٍ حيوية عالية وبطاقة مخزنة تساعده على البقاء. وهكذا يستطيع النظام البيئي الغابي مثلاً أن يقاوم درجات الحرارة المرتفعة والمنخفضة، ويستعيد توازنه بفعل استخدامه الطاقة المخزنة في أنسجة أشجاره؛ فبعد موت الأوراق حديثة النمو نتيجة صقيعٍ مفاجئ، تستطيع أشجار الغابات - بعد زوال الصقيع - أن تورق من جديد معتمدةً على الطاقة المخزنة في أنسجتها.
بناء على الميزتين السابقتين (المرونة والمقاومة) يمكن استخلاص ما يلي:
أ. تتصف معظم الأنظمة البيئية إما بالمرونة وإما بالمقاومة، ونادراً ما تتصف بالميزتين معاً، وعادة ما يكون النظام البيئي المقاوم قليل المرونة، والعكس صحيح.
ب. للأنظمة البيئية القدرة على التنظيم الذاتي ضمن حدود احتمالها، ولكن إذا تجاوزت شدة المؤثر هذه الحدود فلن يعود بمقدورها أن تؤدي دورها؛ فاحتراق غابةٍ -وتجفيف بحيرة على نحو كامل (بحيرة العتيبة) مثلاً- يحدُّ من قدرة التنظيم الذاتي لهذين النظامين على العودة بهما إلى الوضع الطبيعي السابق.
إنَّ العلاقة بين جميع المكونات البيئية؛ الأحيائية وغير الأحيائية (أشعة الشمس والنبات والحيوان والإنسان والمحللات وبعضُ مكونات الغلاف الغازي....) علاقة متكاملة ومتوازنة؛ فالمواد التي تتكون منها النباتات تمتصّ من التربة، وتسهم أشعة الشمس في استكمال نموها؛ ليأكلها الحيوان الذي يعيش عليه الإنسان، وعندما تموت هذه الكائنات تتحلل؛ فتعود إلى التربة من جديد. وهكذا فلكل عنصر بيئي -صغر أم كبر- دور محدَّد في حفظ التوازن في الطبيعة؛ حتى إنَّ بعض العلماء يعتقدون أنَّ انقراض البكتريا المحلّلة سيؤدي إلى انتهاء الحياة على سطح الأرض بعد حين. ويقدِّر بعض خبراء الطيور أن انعدام الطيور من البيئة سيجعل العيش في هذه البيئة متعذراً بصورة كاملة خلال فترة لا تتجاوز عشر سنوات.
دور العوامل الطبيعية والحيوية في عودة التوازن إلى الطبيعة
ذكر العالم فيشر أنه إذا تكاثرت واحدة من بكتريا الكوليرا Vibrio cholerae بالانقسام لمدة 24 ساعة، وكانت الظروف جميعها ملائمة؛ فيبلغ عدد الأفراد الناتجة ما يقرب من 16×1410. وقدَّر داروين عدد الضفادع التي يمكن أن تنتج من ذكر وأنثى لو أتيحت لذريتهما الظروف الملائمة جميعها بعد خمسةِ أجيال؛ بنحو مليوني ضفدعة. وقدَّر آخرون أنَّ ذبابة منزلية تضع 120 بيضة في كل مرّة ينمو منها 60 لتصبح إناثاً؛ يمكنها أن تُنتجَ ما يقارب 6 تريليون ذبابة بعد سبعة أجيال. وأنَّ زوجاً من الأفيال (فترة حملها بين 600-630 يوماً) يمكن أن يُنتج 19 مليون فيل بعد 750 سنة. غير أنَّ هذا لا يمكن أن يتحقق في الطبيعة؛ لأنَّ الظروف النموذجيَّة لا يمكن أن تتحقق لكائن ما لفترة طويلة؛ حيث إنَّ العوامل البيئية- طبيعية وحيوية- تَحدُّ من هذه الزيادة التقديرية، وتعيد إلى البيئة توازنها، من هذه العوامل:
1- محدودية قدرة الطبيعة على إمداد الكائنات الحيَّة بمتطلباتها المختلفة للوصول إلى الزيادة التقديرية؛ فكثيراً ما يصبح توفر الغذاء أو الماء أو الضوء أو العناصر المعدنية ...، أو التنافس عليها؛ غير مؤاتٍ لزيادة عدد أفراد جماعة ما. وهكذا يحقق هذا العامل دوراً في العودة إلى التوازن، ويُعرفُ التوازن الذي تحدثه عوامل البيئة بالتوازن الطبيعي.
2- قيام المفترسات والمتطفلات بالتغذي على أفراد الجماعة المتزايدة، والذي يسهم في العودة إلى التوازن بطريقةٍ حيوية؛ وهذا ما يعرف بالتوازن الحيوي.
بعض مظاهر التوازن البيئي في الطبيعة
مظاهر التوازن البيئي في الطبيعة جليَّة واضحة، ويمكن استعراض بعضٍ منها:
1- يطرأ على جماعات فأر الحقل الاجتماعي Microtus socialis في سوريا تذبذبات دورية؛ تصل خلالها الجماعة في المناطق الزراعية إلى الأعداد القصوى، على فتراتٍ زمنية منتظمة تقريباً (نحو أربع سنوات). يُطلق على هذه الظاهرة تعبير "الانفجار Outbreak"؛ إذ تتزايد أعداد الفئران بصورة كبيرة، وبسرعة هائلة، ويرتبط هذا الازدياد بتوفر مصادر جيدة للغذاء، وشروط مناخية وبيئية مناسبة؛ ممّا يقود إلى زيادة عدد الولادات عند الأنثى الواحدة، وارتفاع عدد المواليد في الولادة الواحدة. وتؤدي هذه الحالة إلى زيادة عددية تقديرية تصل إلى 1000% خلال شهر واحد. لكن هذه الزيادة التقديرية سرعان ما تتوقف؛ حيث تبدأ مرحلة التناقص العددي التي تعيد التوازن إلى حجم الجماعة. وقد لوحظ أنَّ مرحلة التناقص هذه تعود إلى مجموعة من العوامل:
2- منها طبيعية تتجلى في:
أ- انخفاض المصادر الغذائية، وزيادة التنافس عليها؛ ممّا ينعكس على انخفاض معدلات التوالد بدرجة كبيرة.
ب- الهطل المطري الغزير الذي يحدث عادة في تلك الفترة (من تشرين الأول حتى نيسان)، والذي يؤدي إلى إغراق المواليد الجديدة.
ومنها حيوية تتجلى في:
أ - ارتفاع نسبة الاقتتال والموت بين الأفراد البالغة نتيجة التنافس.
ب- ارتفاع كثافة الأعداء الحيوية من مفترسات (طيور جارحة ولواحم وأفاعٍ) ومتطفلات.
وهكذا تؤدي العوامل البيئية الطبيعية (التوازن الطبيعي) والعوامل البيئية الحيوية (التوازن الحيوي)؛ إلى إعادة التوازن إلى حجم الجماعة.
3- تشير الدراسات إلى أنَّ جزيرة آيل رويال Isle Royale لم تكن تعرف الذئاب أو أيل الموظ Alces alces (أكبر أنواع الأيائل) قبل عام 1900، وأنَّ أول حيوان موظ سبح إلى الجزيرة في مستهل القرن العشرين، ونتيجةً للظروف البيئية المناسبة (توفر الغذاء، وغياب الأعداء الحيوية ...) وصلت أعداد هذا الحيوان إلى 3000 رأس بحلول عام 1930. ونظراً لاستهلاك هذه الحيوانات كمياتٍ كبيرة من النباتات الموجودةفي الجزيرة (يصل متوسط ما يستهلكه يومياً إلى 32 كغ)؛ بدأ العديد منها يموت جوعاً؛ فعاد التوازن بين أعداد أفراد هذا الحيوان وكمية النباتات في الجزيرة (توازن طبيعي)، وعادت أعداد حيوان الموظ للتزايد من جديد بين عامي 1948-1950. في هذا الوقت تقريباًوجدت الذئاب طريقها إلى الجزيرة، وبدأت بافتراس هذا الحيوان؛ ممّا أعاد التوازن إلى جماعة الموظ (توازن حيوي). وبدأت أعداد الذئاب بالنمو إلى أن رسخ اتزان ثابت بين أعداد الموظ والذئاب؛ بين نحو 600 موظ مقابل 20 ذئباً.
إنَّ التفاعل بين مكونات البيئة عمليةٌ مستمرة تؤدي في نهاية الأمر إلى احتفاظ البيئة بتوازنها؛ ما لم يطرأ عليها تغيرٌ طبيعي أو حيوي يؤدي إلى الإخلال بهذا التوازن. فإذا ما اختل التوازن البيئي تطلب الوصول إلى توازن بيئي فترة من الزمن قد تطول أو تقصر بحسب الأثر الذي أحدثه ذلك الاختلال.
قد ينشأ اختلال التوازن البيئي نتيجةً لتأثير بعض الظروف الطبيعية كالأمطار والأعاصير والحرارة. وقد ينشأ نتيجةَ تغيّر بعض الظروف الحيوية القائمة على علاقات الكائنات الحية التي تعيش في البيئة، أو قد يحدث نتيجة تدخل الإنسان المباشر في ظروف البيئة.
1- تغير الظروف الطبيعية:
إنَّ المتتبع لأنواع الحيوانات التي سادت في العصور الجيولوجية الغابرة يلاحظ بجلاء ظهور أنواع واختفاء أخرى. يُرجع الباحثون هذا الظهور والاختفاء إلى تغيُّر الظروف الطبيعية في البيئة في تلك العصور؛ فتغير الظروف الطبيعية يؤدي إلى اختلال التوازن البيئي، وبعد فترة - قد تطول أو تقصر- يحدث توازن جديد في إطار الظروف الطبيعية الجديدة. وفي حقب الحياة المتوسطة مثلاً سادت الزواحف الضخمة (الديناصورات) حيث كانت الظروف الطبيعية للبيئة تساعد على ذلك؛ لكن التغيّر الذي طرأ على هذه الظروف بعد ذلك تَسبَّب في انقراض هذه الحيوانات فاختلت البيئة، ثم عادت إلى التوازن في إطار الظروف الجديدة فيما بعد.
وقد يؤدي الجفاف إلى اختلال توازن البيئة نتيجة الدمار الذي يحيق بالكساء الأخضر الذي يغطي هذه المساحات؛ وما يستتبع ذلك من آثار ضارة في كائنات البيئة.
وقد تؤدي الزلازل والبراكين إلى تغيّر عميق في التوازن البيئي؛ فعلى سبيل المثال: عندما ثار بركان كراكاتوا Krakatoaشرقي الأنديز عام 1883 أتلف جميع مظاهر الحياة تقريباً في تلك المنطقة، وبعد ثلاث سنوات استوطن المكان قليل من النباتات والطحالب، وفي عام 1906 بدأت غابة خشبية صغيرة بالظهور، وبحلول عام 1908 أصبح عدد الأنواع الحيوانية 202 نوع، ووصل هذا العدد إلى 770 نوعاً في عام 1924، وإلى 1100 في عام 1933. ووصول كل نوع جديد غيَّر بدوره من آليات التوازن حيث استقرت علاقات تكاملية جديدة، وبدأت في النمو، واجتمعت تفاعلات النظام الطبيعي والمكونات الأحيائية لتؤثر باستمرار في معدل نمو كل جماعة موجودة، وبدأت الطبيعة تتوازن من جديد.
2- إدخال كائن حي في بيئة جديدة:
إنَّ إدخال كائن حي جديد في بيئة تتوفر فيها ظروف حياته، ويقلُّ فيها أعداؤه الطبيعيون؛ يؤدي إلى اختلال توازن هذه البيئة. ويُذكر في هذا المجال على سبيل المثال:
أ- إدخال الأرانب جزيرةَ هاواي: فقد أدى إدخال الأرانب وانتشارها الكبير في هذه الجزيرة إلى إتلاف النباتات بسرعةٍ فاقت نمو نباتاتٍ جديدة؛ فأصبحت الأرانب لا تجد ما تأكل فهلكت وهلك معها عددٌ كبيرٌ من الكائنات التي كانت تعتمد عليها؛ ممّا أحدث اختلالاً في التوازن البيئي.
ب- إدخال الأرانب أستراليا: ففي عام 1788 أدخلت ثلاث أرانب أستراليا، ونتيجة لتوفر موارد المعيشة، ولعدم وجود تفاعلاتٍ سلبية (كالتنافس والافتراس) مع حيواناتٍ أخرى؛ ازداد عدد الأرانب ازدياداً هائلاً في مدة قصيرة، وتضاعف إلى درجة أصبح عددها في عام 1950 نحو 750 مليون أرنب قضت على الغطاء النباتي، وأثرت في انتشار العديد من الكائنات الحية التي كانت تعيش هناك؛ ممّا أحدث خللاً في التوازن البيئي. ولإعادة التوازن طبقت السلطات مفهوم المكافحة الحيوية عن طريق حقن الأرانب بڤيروس مميت خفض أعدادها بنسبة 80-90%؛ ممّا أعاد إلى البيئة توازنها من جديد.
ج- إدخال بعض الآفات الزراعية في مناطق جديدة: إنّ إدخال بعض الآفات الزراعية عن طريق النباتات والحيوانات المصابة - عن قصد أو من دون قصد - في مناطق لا أعداء لها فيها؛ يؤدي إلى انتشارها في الموطن الجديد مسببة أضراراً كبيرة ومحدثة اختلالاً في النظام البيئي.
3- القضاء على بعض أحياء البيئة، أو اختفاؤها:
ينجم اختلال التوازن البيئي أحياناً عن القضاء على بعض كائنات البيئة، أو عن اختفائها لسبب ما، ويفسر علماء البيئة ذلك بأنَّ المكونات الحيوية لنظام بيئي متوازن تكون متكاملة إلى أقصى حد، وإن اختفاء النوع أو الأنواع من النظام يعطل مسارات الطاقة الطبيعية فيه مسبِّباً اختلاله؛ فهذه الكائنات تكوّن حلقةً أساسيةً في السلسلة الغذائية، وتؤدي دوراً مهماً في عملية نقل الطاقة من مستوى إلى آخر؛ فاختفاء النوع أو الأنواع يُحدث فجوة في البيئة من شأنها أن تعطل مسار الطاقة الطبيعية أو تشتتها؛ ومن ثمَّ يصبح النظام غير متوازن. ويستدعي ذلك أحياناً إعادة توطين الأنواع المتأثرة في بيئتها الطبيعية؛ حتى تسير الطاقة وتتدفق على نحو طبيعي ويعود النظام البيئي إلى اتزانه الطبيعي. والأمثلة في هذا المجال كثيرة، منها:
أ. اشتكى فلاحو إحدى الولايات الأمريكية من فتك الصقور والبوم بفراخهم؛ ممّا دفع الحكومة إلى تشجيع صيد هذه الطيور الجارحة؛ فصيد 125 ألف طائر خلال ثمانية عشر شهراً، وأحدث ذلك اختلالاً في التوازن البيئي؛ إذ انتشرت الفئران انتشاراً كبيراً وبدأت تفتك بالنباتات؛ فأعادت الحكومة تحريم صيد الجوارح لإعادة التوازن إلى البيئة.
ب. انتشرت في الجمهورية العربية السورية في سبعينيّات القرن الماضي وثمانينيَّاته ظاهرة الاتجار ببعض أنواع الطيور الجارحة –ولا سيما الطير الحر Falco biarmicus- ممّا أدى إلى اختفاء أعداد كبيرة من هذه الجوارح؛ فانتشرت في البلاد أعداد غير مألوفة من الفئران والجرذان كانت عبئاً حقيقياً على صحة الإنسان ومزروعاته وحيواناته الأليفة؛ ممّا استدعى إجراء حملات شاملة للقضاء عليها لإعادة التوازن البيئي.
جـ. لا يخفى على أحد ما يحدثه استخدام المبيدات الحشرية من قتلٍ للآفة وأعدائها الحيوية، والعديد من الأنواع ذات الأهمية الاقتصادية- كالنحل مثلاً- ممّا يحدث خللاً بيئياً يتطلب إصلاحه فترات طويلة.
4- تدخل الإنسان المباشر
يعدّ تدخل الإنسان المباشر في البيئة السبب الرئيس في اختلال التوازن البيئي؛ فعندما يسيء الإنسان استغلال موارد بيئته فإنه يُحدث تغييراً جوهرياً في المكونات البيئية؛ ممّا يؤدي إلى اختلال الأنظمة البيئية، واختلال التوازن البيئي عموماً. إنّ مظاهر تسبُّب الإنسان –على نحو مباشر- في اختلال النظام البيئي عديدة؛ بل لا حصر لها؛ فتدميره موائل الكائنات الحية نتيجة التوسع العمراني، وتغييره المعالم الطبيعية -من تجفيف للبحيرات وبناء للسدود وإزالة الغابات وردم للمستنقعات والصيد الجائر، واستخراجه المعادن والنفط والغاز، وإشعاله الحروب، واستخدامه أسلحة الدمار الشامل، وتراكم فضلاته السائلة والصلبة والغازية، وإفراطه في استخدام المبيدات والأسمدة- كلها تؤدي إلى اختلال التوازن البيئي؛ بل تنذر بتدمير الحياة بنواحيها المختلفة على سطح الأرض. وهذا الإخلال بالتوازن البيئي سيستمر أثره إلى أن تستعيد البيئة اتزانها مرّة أخرى في ضوء ظروف جديدة.
إنَّ المحافظة على التوازن البيئي من أهم القضايا البيئية التي تشغل تفكير الإنسان في الوقت الحاضر؛ فاستمرارية التوازن البيئي تُعدّ مرتكزاً استراتيجياً للتنمية المستدامة وضماناً لتفادي الكثير من المشكلات البيئية آنياً ومستقبلاً. ويتطلب الحفاظ على التوازن البيئي وعياً بيئياً وتعاوناً بين العامة والسلطات التي تملك القرار ووسائل الاستجابة. وتفعيل التشريعات التي تحدّ من عوامل الإخلال بالتوازن البيئي التي يسببها الإنسان قد تسهم إلى حدٍّ كبير في المحافظة على هذا التوازن. وقد تكون الإجراءات التالية مفيدة في هذا السياق:
1- إنشاء المزيد من المحميات الطبيعية: حيث تُعدّ المحميات الطبيعية إحدى الوسائل المهمة للحفاظ على التوازن البيئي وصيانة البيئة؛ بما تحويه من نباتات وحيوانات سواء على اليابسة أم في البحار، وهي تؤدي إلى منع استنزاف الموارد الطبيعية وتدهورها بما يضمن بقاء التنوع الحيوي اللازم ويحفظه لاستمرار الحياة. وهي تدعم العلاقة المتوازنة بين الإنسان ومحيطه الحيوي.
2- ترشيد الصيد، وتحويل بندقية الصياد إلى منظار يراقب من خلاله حركة الطيور والحيوانات الأخرى، وتحويل الصياد إلى مرشد بيئي يعي معنى التوازن البيئي، ويعمل على تحقيقه.
3- الربط بين التوازن البيئي والتنمية الاقتصادية، وذلك بتحديد أثر عملية التنمية والتصنيع في التوازن البيئي، وتحديد المسؤولية القانونية عن الإضرار بالتوازن البيئي.
أخيراً يمكن القول: إنَّ مصير الإنسانية مرتبط بالتوازنات البيئية وبسلامة السلاسل الغذائية التي تحويها النظم البيئية، وأيُّ إخلال بهذه التوازنات سينعكس على نحو مباشر أو غير مباشر على حياة الإنسان ووجوده.
|
مراجع للاستزادة: - علياء حاتوغ بوران، محمد حمدان أبو دية، علم البيئة، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمان- الأردن 1994. - محمد النعمة، محمد ماهر قباقيبي، أساسيات علم البيئة، منشورات جامعة دمشق، 2020. - J. Contor, Fairns, Conversations With Tomorrow: Achieving Environmental Balance, Independently published 2019. - D. Suzuki, B. McKibben, The Sacred Balance, 25th anniversary edition: Rediscovering Our Place in Nature (Foreword by Robin Wall Kimmerer), Greystone Books 2022.
|
- التصنيف : علوم البيئة والتنوع الحيوي - النوع : علوم البيئة والتنوع الحيوي - المجلد : المجلد العاشر، طبعة 2025، دمشق مشاركة :