التنين (كوكبة-)
تنين (كوكبه)
Draco -
محمد وليد الجلاد
أجسام السماء العميقة في كوكبة التنين
تقع كوكبة التنين Draco constellation في أقصى نصف الكرة السماوية الشمالي (الشكل 1)، وهي الكوكبة الثامنة من حيث الحجم بين الكوكبات الثماني والثمانين التي اعتمدها الاتحاد الفلكي العالمي International Astronomical Union (IAU).
![]() |
|
الشكل (1) صورة السماء في نصف الكرة الشمالي. |
الاسم العلمي لهذه الكوكبة مشتق من اللاتينية draconem ويقابله بالإنكليزية Dragon، معناه الأفعى الهائلة الحجم (الشكل 2)، وهي إحدى الكوكبات الثماني والأربعين التي ذكرها بطلميوس في المجسطي، ووصفها الفلكيون العرب في مؤلفاتهمباسم العوائذ (وهي النوق).
![]() |
|
الشكل (2) موقع التنين بالنسبة إلى نجم القطب. |
ارتبط اسم التنين بعدة أفاعي ضخمة في الأساطير اليونانية والرومانية، وتقول إحدى الروايات إن التنين هو الأفعى لادونس Ladones التي كان لها مئة رأس، وكانت تحرس حديقة الحوريات هيسبريدس Hesperides التابعات للإلهة هيرا Heraحيث كانت تنمو التفاحات الذهبية التي تمنح الخلود. وعندما أُوكِلت إلى هرقل Hercules مهمة سرقة التفاحات، سحر هرقل التنين بالموسيقا وجعله يغفو قبل أن يسرق التفاحات؛ غضبت هيرا على التنين وقذفت به إلى السماء بين النجوم. لذا تُصور كوكبة الجاثي (هرقل) في جوار كوكبة التنين.
وتقول أسطورة أخرى إن الإلهة مينرفا Minervaإلهة أثينا قبضت على التنين من ذيله وقذفت به إلى السماء فتجمَّد من البرد قرب القطب الشمالي، بعد أن هزمته في معركة جبل الأولمبس Olympus، وإنه كان واحداً من التيتان العمالقة الذين حاربوا آلهة الأولمبس عشر سنوات. في حين تقول رواية أخرى إن كادموس Cadmus شقيق يوروبا Europa، والذي أحضره زيوس Zeus إلى كريت Crete على صورة ثور؛ قد ذبح الأفعى (التنين) وهو يبحث عن شقيقته.
تنتمي كوكبة التنين إلى أسرة كوكبات الدب الأكبر (بنات نعش) Ursa Major family، والتي تضم إلى جانب كوكبة التنين تسع كوكبات أخرى هي: الدب الأكبر Ursa Major والدب الأصغر Ursa Minor وكلبي الصيد (السلوقيَّين) Canes Venatici والعواء Boötesوالضفيرة (شعر برنيقة، الهُلبة) Coma Berenicesوالإكليل الشمالي Corona Borealis والزرافة Camelopardalisوالأسد الأصغرLeo Minor والوشق (الفهد) Lynx. ويجاور كوكبة التنين مباشرة (الشكل 3) كوكبات العواء والجاثي Hercules والقيثارة (السلياق، النسر الواقع) Lyra والدجاجة Cygnus وقيفاوس Cepheus والدب الأصغر والزرافة والدب الأكبر.
![]() |
|
الشكل (3) الكوكبات المجاورة لكوكبة التنين. |
تغطي كوكبة التنين مساحة سماوية تبلغ نحو 1082 درجة مربعة، وتتلوى كالثعبان محيطة بالقطب الشمالي circumpolar من دائرة (فلك) البروج، فلا تغيب أبداً عن أعين معظم مراقبي سماء نصف الكرة الشمالي بين خطي العرض 90 و15؛ غير أنها لا تُرى من نصف الكرة الجنوبي، وأفضل وقت لمشاهدتها في الساعة التاسعة مساءً من أيام شهر تموز/يوليو (الشكل 4).
![]() |
| الشكل (4) كوكبة التنين كما يمكن أن يراها الرائي في السماء الصافية. |
تقع هذه الكوكبة عند طالع مستقيم Right Ascension (RA) قدره 17 h-وهو البعد الزاوي لجسم سماوي على الكرة السماوية- وميل declination قدره 65°، وهو بُعْد الجرم عن خط الاستواء السماوي؛ في حين يبلغ قدر لمعانها 4.22، والقدر magnitude هو الواحدة المستخدمة لوصف لمعان الأجسام الفلكية، وكلما صغرت القيمة العددية كان الجسم أكثر لمعاناً.
يقول الفلكي الحسين بن عبد الرحمن بن عمر الرازي الصوفي في كتابه صور الكواكب: " كواكب (نجوم) التنين 31 كوكباً وليس حولها شيء من الكواكب المرصودة، وابتداؤها أربعة نجوم على الرأس بين الفرقدين وبين النسر الواقع على مربع منحرف، فيمر في ناحية الشمال حتى ينتهي إلى كواكب مجتمعة في أغلظ موقع من الصورة؛ والعرب تطلق على الأول الذي على طرف اللسان اسم الراقص، والأربعة التي على الرأس العوائذ (الشكل 5) وهي الثاني والثالث والرابع والخامس". تُصوَّر العوائذ على هيئة نوق camels أربع تحمي فرشها (ولد الجمل)، وهو نجم معتم، مؤلف من ضبعين أو ذئبين أو عوهقين (عوقهين عند الصوفي رقمهما 24 و 25) يمثلهما النجمان إيتا دراكونيس Eta Draconis وزيتا دراكونيس Zeta Draconis ، وثمة ناقة خامسة تتجه نحوهم، ويصور البدوي الذي يرعى تلك النوق بمثلث الأثافي (حجارة الموقد) الذي يضم النجوم إبسلون Upsilon وتاو Tau وسيغما دراكونيس Sigma (عند الصوفي الكواكب 16 و15 و14). وتشتمل "أرجوزة أبهى المواكب" في شرح الكواكب على وصف" لكوكبة التنين.
![]() |
|
الشكل (5) صورة التنين في الكرة السماوية كما جاء في كتاب "صور الكواكب" للصوفي. |
نجوم التنين ليست نيرة جداً، وهي كثيرة؛ غير أن خمساً منها لها كواكب معروفة. يشتمل رأس التنين على أربعة نجوم (هي بيتا Beta وغاما Gamma ونو Nuوإكسي دراكونيس Xi Draconis) متوضعة على شكل شبه منحرف إلى الشمال مباشرة من كوكبة الجاثي Hercules، ويتجه برأسه ناحية النجم المعروف بالنسر الواقع (كوكبة القيثارة). يتلوّى جسم التنين بعد ذلك ممتداً في السماء لينتهي بين كوكبتي الدب الأكبر والدب الأصغر (الشكل 6).
![]() |
|
الشكل (6) رسم تخيلي لكوكبة التنين ونجومها. |
يُعرف النجم النيِّر جداً من هذه الكوكبة وهو ألفا دراكونيس Alpha Draconis باسم الثعبان Thuban، وموضعه في ذيل التنين، وهو نجم ثنائي يتألف من عملاق أبيض مائل إلى الزرقة قدره 3,7، يبعد من الأرض 309 سنين ضوئية، ويعتقد أن رفيقه قزم أبيض أو أحمر. وكان الثعبان هو نجم القطب ما بين العامين 3942 و1793 ق.م؛ غير أنه تحول مبتعداً إلى الشمال من النجم تيتا بوتس (من كوكبة العواء). وقد صُمّمت أهرام مصر بحيث يكون أحد وجوه الهرم إلى الشمال، ويمكن رؤية الثعبان من مدخله في الليل (الشكل 7).
![]() |
|
الشكل (7) مدخل الهرم موجه نحو نجم الثعبان. |
ثمة نجمان نيِّران آخران في كوكبة التنين من القدر 3؛ أنورهما- وأنور نجوم التنين قاطبة- هو النجم غاما دراكونيس Gamma Draconis واسمه التنين Eltanin، ويُعرف عادة باسم إتامين Etamin؛ وهو عملاق برتقالي قدره 2.2 ويبعد من الأرض 148 سنة ضوئية. وقد اكتشف الفلكي جيمس برادلي زيغان ضوء هذا النجم aberration of starlight في العام 1727. أما النجم بيتا دراكونيس الذي يُعرف عادة باسم رأس الثعبان Rastaban فهو عملاق أصفر قدره 2.8 ويبعد من الأرض 362 سنة ضوئية.
تُعدّ كوكبة التنين موئلاً لعدد من النجوم المزدوجةdouble stars والاثنانية binary stars؛ فالنجم إيتا دراكونيس Eta Draconis نجم مزدوج؛ الأول منهما أصفر مميز (متدرج)yellow-hued وقدره 2.8، وثانيهما أبيض ممَّيز white-hued وقدره 8.2، ويقع إلى الجنوب من الأول، ويفصل بينهما 4.8 ثوانٍ قوسية arcseconds. أما النجم ميو دراكونيس Mu Draconis فيدعى الراقصAlrakis (وهو الأول على طرف اللسان عند الصوفي)، ويبعد 88 سنة ضوئية من الأرض. وثمة النجم نو دراكونيس Nu Draconis، وهو نجم ثنائي متماثل من عنصرين أبيضين، يبعدان من الأرض 100 سنة ضوئية. وكلا العنصرين من القدر 4.9، ويمكن تمييزهما بمقراب telescope الهواة الصغير أو بالمنظار ثنائي العينين binoculars العادي. وثمة النجم أوميكرون دراكونيس Omicron Draconisنجم مزدوج لا يرى بالمقاريب الصغيرة؛ الأول (الرئيسي) منهما عملاق برتقالي قدره 4.6 ويبعد من الأرض 322 سنة ضوئية، وأما الثانوي فقدره 7.8. وأما النجم بسي دراكونيس Psi Draconis فنجم ثنائي أيضا لا يرى بالمناظير المزدوجة العادية ولا بمقاريب الهواة الصغيرة، ويبعد من الأرض 72 سنة ضوئية؛ الأول منهما نجم أصفر ضارب إلى البياض قدره 4.6 والثانوي نجم أصفر قدره 5.8. ويُعدّ النجمان دراكونيس 16 و17 عنصرين من نجم ثلاثي يبعد 400 سنة ضوئية من الأرض، ولا يرى بمقاريب الهواة المتوسطة الحجم؛ الأول منهما نجم أبيض إلى زرقة قدره 5.1، وهو نجم ثنائي في حد ذاته، عنصراه من القدر 5.4 و 6.5، والثانوي من القدر 5.5، وتبعد هذه المنظومة كلها من الأرض 400 سنة ضوئية. أما النجم دراكونيس 20 فهو نجم ثنائي، الرئيسي منهما أبيض مميّز قدره 7.1، والثانوي قدره 7.3 ويقع إلى الشرق والشمال الشرقي من الأول، ويفصل بينهما في الأوج 12 ثانية قوسية، ودورتهما المدارية 420 سنة. وثمة كذلك دراكونيس 39، وهو نجم ثلاثي يبعد 188 سنة ضوئية من الأرض، ولا يرى بمقاريب الهواة الصغيرة؛ الرئيسي من الثلاثة نجم أزرق قدره 5.0، والثانوي نجم أصفر قدره 7.4، والثالث نجم قدره 8.0، ويبدو أن هذا الثالث ملازم للأول. وأما دراكونيس 40 و 41 فنجمان ثنائيان لا يريان بالمقاريب الصغيرة، وكلٌّ منهما قزم dwarf برتقالي ويبعدان من الأرض 170 سنة ضوئية، وقدرهما 5.7 و6.1.
النجم رو دراكونيس Rho Draconis نجم متغير أحمر من نمط الأعجوبةStar Mira-type variable ودورته نحو 8 أشهر، متوسط قدره الأصغر نحو 12.4 والأعظمي نحو 7.6. وقد اكتشفه هانز غيلمويدن Hans Geelmuyden عام 1876. وكذلك النجم زيتا دراكونيس Zeta Draconis ويسمى الذيخ أو الذابح Aldhibah، وهو الذئب أو ذكر الضبع ورقمه 27 عند الصوفي (الشكل 8).
![]() |
| الشكل (8) كوكبة التنين وأهم نجومها بالنسبة إلى الاعتدالين في دائرة البروج. |
تشتمل الكوكبة كذلك على النجم الذي دعي في نهاية المطاف كبلر- 10Kepler-10، وقد تأكد أن ثمة كبلر – 10بb Kepler-10 يدور في فلكه، وهو أصغر كوكب صخري من حجم الأرض عُثر عليه خارج المنظومة الشمسية.
أجسام السماء العميقة في كوكبة التنين
من بين أجسام السماء العميقة Deep-sky objects- أي التي تُشاهد في عمق السماء - في كوكبة التنين سديم عين الهر Cat&http://www.arab-ency.com.sy/scitech/details/170368#39;s Eye Nebula (NGC 6543)، وهو سديم كوكبي planetary nebula يبعد من الأرض 3000 سنة ضوئية تقريباً، وقد اكتشفه الفلكي الإنكليزي وليم هرشل William Herschel في العام 1786، وهو من القدر التاسع، وسمي بهذا الاسم لمظهره في مقراب هبل الفضائي؛ مع أنه يبدو بمقراب الهواة قرصاً أزرق مائلاً إلى الخضرة غير واضح المعالم (الشكل 9). لهذا السديم شكل معقد جداً بسبب التجاذب المتبادل بين مكوّنات النجم المتعدد multiple star في مركزه، والذي تولَّد منه السديم قبل 1000 سنة تقريباً. يقع هذا النجم إلى الغرب والشمال الغربي من القطب الشمالي لفلك البروج على بعد 9.6 دقيقة قوسية. وهو ينتمي أيضاً إلى السديم IC 4677 الذي يبدو للناظر على هيئة قضيب مستقيم يبعد 1.8 دقيقة قوسية إلى الغرب من سديم عين الهر. ولدى تعريض الصورة للضوء مدة طويلة يظهر هذا السديم في الصورة جزءاً من حلقة تحيط بالسديم الكوكبي.
![]() |
|
الشكل (9) سديم عين الهر. |
ثمة عدد من المجرات الباهتة في التنين، إحداها المجرة العدسية NGC 5866lenticular galaxy : وهي مغزلية الشكل، وتمثل في بعض الأحيان الجسم 102 من قائمة أجسام ميسيي Messier Object 102. وثمة مجرة التنين القزمة Draco dwarf galaxy: وهي كروية تابعة لدرب التبانة، وواحدة من أقل المجرات إنارة من القدر المطلق -8,6، وقطرها نحو 3500 سنة ضوئية فقط، وتشتمل على غبار قليل بين النجوم وعلى نجوم قديمة منها عدد من النجوم العملاقة الحمراء وخمسة نجوم كربونية و260 نجماً متغيراً؛ اكتشفها ألبرت ويلسون Albert G. Wilson من مرصد لوويل Lowell Observatory في العام 1954 (الشكل 10). وثمة مجرة قزمة أخرى عثر عليها في هذه الكوكبة هي PGC 39058.
![]() |
|
الشكل (10) المجرة اللولبية القزمة NGC 6503 منفردة دائبة الدوران في كوكبة التنين. |
كذلك تشتمل كوكبة التنين على عدد من المجرّات المتفاعلة interacting galaxies وعلى مجموعات (عناقيد) من المجرات galaxy clusters؛ فمن هذه المجموعات الهائلة مجموعة آبل 2218Abell 2218، التي تقع على بعد 3 مليارات سنة ضوئية (انزياح الأحمر redshift 0,171)، وهي تعمل عمل عدسة جاذبة gravitational lens لمجرات أبعد منها بكثير؛ ممّا يتيح للفلكيِّين دراسة تلك المجرات وكأنهم يدرسون آبل 2218 نفسها؛ والأكثر من ذلك أن فعل العدسة يسمح للفلكيِّين بالتحقُّق من كتلة المجموعة كما تحددها انبعاثات الأشعة السينية. ومن المجرّات المتفاعلة مجرّة آرب 188 Arp 188، وتعرف أيضاً باسم مجرة الشرغوف (فرخ الضفدع)Tadpole Galaxy ، وقد دعيت بهذا الاسم لمظهرها الذي يشبه ذيلاً من النجوم طوله 280000 سنة ضوئية. تبعد مجرة الشرغوف 420 مليون سنة ضوئية (الانزياح الأحمر 0,0314)، ويبدو ذيل النجوم الذي ينجر خلف المجرة أزرق اللون لأن التفاعل التجاذبي يعكر سحب الغاز فيومض تشكيل النجوم.
يُعدّ الجسم Q1634+706 جسماً شبه نجمي (كوازار، نجم زائف) quasar، ويُعتقد أنه أبعد الأجسام السماوية التي يمكن أن يراها مقراب الهواة، قدره 14.4، ويبدو كأنه نجم مع أنه يبعد 12.9 مليار سنة ضوئية. ويستغرق الضوء المنبعث منه 8.6 مليار سنة ضوئية ليصل إلى الأرض، وهذا ما يخالف نظرية تمدد الكون expansion of the universe.
بدءاً من مستهل شهر تشرين الأول /أكتوبر وحتى منتصفه من كلِّ عام تصدر عن رأس التنين شهب مضيئة كوابل النيازك showerتدعى التنينيات (الدراكونيات) Draconids (الشكل 11). كذلك اكُتشف في الرابع من شهر شباط/فبراير من العام 2011 وابلُ نيازك عرف باسم فبراير إيتا دراكونيات February Eta Draconids، ولوحظ آنئذ انطلاق ستة نيازك من نقطة مشتركة في فترة قصيرة من مذنب مديد الدورة long-period comet لم يكن معروفاً من قبل.
![]() |
|
الشكل (11) وابل نيازك دراكونيد في سماء الدنمارك - تشرين الأول/أكتوبر2011.
|
|
مراجع للاستزادة: - A. Cohen, The Universe, HarperCollins Publishers, 2023. - D. H. Levy, Star Gazers: Finding Joy in the Night Sky, University of Arizona Press, 2025. - I. Ridpath, Stars and Planets, Smithsonian Books, 2022. - G. Schilling, Constellations: The Story of Space Told Through the 88 Known Star Patterns in the Night Sky, Workman Publishing Company, 2019. - C. Woodhouse, The Astrophotography Manual A Practical Approach to Deep Sky Imaging, Routledge, 2024.
|
- التصنيف : تقانات الفضاء والفلك - النوع : تقانات الفضاء والفلك - المجلد : المجلد العاشر، طبعة 2025، دمشق مشاركة :










