logo

logo

logo

logo

logo

براك (تل-)

براك (تل)

Brak (Tell) - Brak (Tell)

 ¢ براك

براك (تل -)

البقايا البنائية واللقى الأثرية

 

يقع تل براك Tell Brak في القسم الجنوبي من مثلث الخابور الأعلى على بعد أقل من كيلومترين جنوب مركز ناحية بئر الحلو في محافظة الحسكة، ويبعد ٤٠كم تقريباً شمال شرقي مدينة الحسكة. تفصل بين تل براك والضفة الغربية لنهر الجغجغ مسافة يبلغ طولها نحو ٤كم، وهناك مسافة مساوية لها تفصل بين هذا الموقع ونقطة التقاء النهر لوادي الرد في الجنوب. إن هذا الموقع لتل براك يجعله في وسط مجاري الأنهار والأودية التي تميز سهول جنوبي مثلث الخابور. ومن الواضح أن التل سيطر على معبر مهم على نهر الجغجغ قريب من وادي الرد. ومما يعزز أهمية هذا المعبر امتداد المستنقعات في الجهة الشرقية من الجغجغ بموازاة وادي الرد. فضلاً عن مصادر المياه السطحية يوفر موقع تل براك عند الأطراف الجنوبية للمنطقة المطرية – مع نسبة هطل سنوي تصل إلى ٣٠٠ملم – مزيداً من المياه اللازمة لزراعة ناجحة، وهذا ما جعله مركزاً لمنطقة زراعة حبوب مروية بالمطر أو بالري.

 

لم تقتصر أهمية موقع تل براك على الجانب الزراعي فقط، بل شملت الجانب التجاري أيضاً؛ ذلك أن هذا الموقع كان مسيطراً على طرق تجارة حيوية بين المرتفعات الأناضولية الغنية بالموارد الطبيعية في الشمال، ومراكز الحضارة المتطورة في وادي الرافدين في الجنوب. فإلى الجنوب الشرقي من الموقع هناك ممر بارا بين طرفي جبلي سنجار وجربة مما شكل منفذاً تمر من خلاله واحدة من بضعة طرق كانت صالحة لتربط فيما بين حوض الخابور وسهول وادي الرافدين الشمالية وآشور وطريق وادي دجلة النازل إلى الجنوب. أي إن تل براك أدى دور المدخل إلى سهول الخابور من وادي الرافدين وسهلها الجنوبي. ولقد تجلت أهمية هذا الموقع عبر تاريخ تطور المدينة القديمة التي قامت في الموقع وحجمها وعصور ازدهارها.

المخطط الكنتوري للتل مع مواضع قطاعات التنقيب فيه

تتصف البيئة التي قام فيها تل براك بالتنوع والغنى النسبي. وقد ترافق تعدد مصادر المياه وتوافرها مع وجود تربة كثيفة قابلة للزراعة، وهذا ما ساعد على نشوء زراعة حبوب عالية الإنتاج. وعلى مسافة قصيرة إلى جنوب غربي الموقع يتوافر حقل من الصخور البركانية حول البركان الخامد منذ القديم جبل كوكب. ويمتد هذا الحقل إلى مقربة من نهر الخابور في الغرب. وأمكن تحديد آثار لخشب الدردار، والبلوط من الصنف الأحمر، والدلب والحور. ووجد خشب صنوبر من النوع الصلب في بيوت متأخرة في المنطقة. وإذا كان لا يعرف تماماً أي من الأشجار المذكورة كان ينمو في المنطقة فإنه يمكن تحديد البلوط والدلب التي استمر وجودها في العصور الحديثة. وكانت بعض الأصناف من الأخشاب تجلب من شمالي سورية وبلاد الأناضول. من بين البقايا العظمية التي عثر عليها في تل براك عظام أسود وخنازير وحيوانات من فصيلة الكلبيات ورباعيات الأرجل، فضلاً عن أصناف الماعز والأبقار. وهناك كميات كبيرة من حبوب الشعير وبعض القمح.

منظر عام لتل براك 

يعد تل براك من أكبر التلول الأثرية في حوض الخابور في شمال شرقي سورية، وقد اجتذب اهتمام الآثاريين الذين ذهب بعضهم إلى أن حجمه وحده كافٍ للاستدلال على كونه يضم بقايا عاصمة للمنطقة كلها خلال زمن طويل من العصور القديمة. وتكونت لدى الباحثين قناعة في أن تنقيب هذا الموقع يمكن أن يوفر أدلة على تطورات سياسية واقتصادية مهمة في عصور الحضارة القديمة. التل نفسه ذو شكل شبه بيضوي، وتبلغ أبعاده نحو ٨٠٠م من الشرق إلى الغرب و٦٠٠م من الشمال إلى الجنوب، ويغطي مساحة تصل إلى ٤٣ هكتاراً، ولكن هذه المساحة يمكن أن تصل مع امتدادات الموقع إلى نحو ١٠٠ هكتار. الجزء الأكثر ارتفاعاً من التل هو الشمالي، ويبرز فيه مرتفعان، أعلاهما في الشمال الغربي حيث توجد أعلى نقطة في التل بارتفاع ٤٣ متراً فوق مستوى السهل المحيط بالموقع. أما المرتفع الشمالي الشرقي فيرتفع إلى أكثر من ٣٥م. إلى الجنوب من هذين المرتفعين ينبسط سطح التل على ارتفاع يراوح ما بين ١٠ و٢٠ متراً.

  

يعود تاريخ استكشاف تل براك إلى أعمال المسح الجوي والتحري التي قام بها بوادبار [ر] A. Poidbard في عشرينيات القرن العشرين. حينذاك حدد بوادبار التل على أنه موقع حصن روماني من القرن الرابع، ثم أنه قام في أواخر العشرينيات بحفر مجس سبر صغير في القسم الشمالي من التل حيث ظهر فخار من الألف الأول قبل الميلاد. وفي ربيع عام ١٩٣٧م شرعت البعثة الأثرية من «معهد الآثار البريطاني في العراق» بالتنقيب في تل براك تحت إدارة ماكس ملوان [ر] Max Mallowan. وقامت البعثة بموسمي تنقيب آخرين في العام التالي (١٩٣٨م)، كان الأول في الربيع والثاني في الخريف من العام نفسه. ثم توقف عمل البعثة في شمال شرقي سورية بسبب نشوب الحرب العالمية الثانية. بقي العمل في تل براك متوقفاً حتى عام ١٩٧٥م حينما أجريت فيه أعمال مسح أثري قام بها ديفد أوتس [ر] David Oates وقاسم طوير، وعلى أثر ذلك اتخذ قرار باستئناف التنقيب في هذا الموقع. ومن بين الأسباب التي كانت وراء هذا القرار عدم وجود سكنى رئيسية في التل بعد ٢٠٠٠ق.م مما يمكن من الوصول بسهولة إلى طبقات السكنى الرئيسية من الألفين الرابع والثالث قبل الميلاد، وهذا ما يندر حدوثه في مواقع بلاد آشور في الشرق بسبب التراكم الكثيف فيها لطبقات السكنى المتأخرة من الألف الثاني قبل الميلاد فصاعداً.

 
مخطط القصر والمعبد من عصر مملكة ميتاني 
 
مخطط مبنى الملك الأكادي نرام - سين 
 

استؤنفت التنقيبات في الموقع في ربيع عام ١٩٧٦م، وأديرت من قبل ديفيد أوتس حتى موسم عام ١٩٩٣ م. ثم تولى روجر ماثيوز Roger Mathews إدارة البعثة الأثرية البريطانية خلال مواسم الأعوام ١٩٩٤- ١٩٩٦م قبل أن تنتقل إدارة العمل الحقلي إلى جيوفري إيمبيرلنغ Geoffrey Emberling خلال المواسم اللاحقة.

يعود تاريخ أقدم الطبقات السكنية التي تم الوصول إليها - في قطاعي التنقيب TW و CH- إلى دور العبيد المتأخر (براك، العصر D: ٤٤٠٠- ٤٢٠٠ق.م)، لكن هذا لا يعني عدم وجود طبقات أقدم من ذلك حتى إن لم تشمل مساحات واسعة من التل، فأدنى الطبقات في القطاع TW- في وسط القسم الشمالي من التل- تقع على ارتفاع ١٥م فوق مستوى السهل المحيط بالتل، وهذا ما يشير إلى وجود تراكم طبقي من عصور أقدم لم يستكشف بعد٠ واتضح من التنقيبات في القطاع CH - في وسط القسم الجنوبي من التل - أن الطبقات التي هي أقدم من دور العبيد تأتي على ارتفاع ١٢م فوق مستوى سطح السهل بالتل. وكان ماكس ملوان قد اكتشف عدداً كبيراً من الكسر التي تعود إلى دور حلف فضلاً عن فخار العبيد. وكشفت التنقيبات اللاحقة عن قطع فخارية من دور العبيد متميزة عن الطراز الخاص بجنوب وادي الرافدين. وعثر في الركام المتأخر على كسرة من فوهة إناء فخاري قد تؤرخ من دور حسونة (ما قبل حلف). وهذا ما يرجح وجود سكنى تعود إلى الألفين السادس والخامس قبل الميلاد، وهو تاريخ أقدم بكثير مما هو معروف عن تل براك حالياً.

 

خلال الألفين الرابع والثالث قبل الميلاد كان تل براك أكبر موقع في حوض الخابور الأعلى، ومن الواضح أنه كانت هناك أهمية كبرى للمدينة التي شغلته آنذاك. وفي الألف الثاني قبل الميلاد حدث تقلص في حجم المدينة وتناقصت أهميتها، ولعل ذلك كان بفعل عدة عوامل متشابكة لا تقتصر على تغييرات مناخية وسياسية جوهرية وإنما قد تشمل أيضاً توافر منافذ جديدة للحصول على النحاس الذي تحتاج إليه بلاد الرافدين الجنوبية.

لقد أمكن تتبع تسلسل الطبقات الأثرية التي تغطي ما بعد دور العبيد ودور أوروك حتى مطلع الألف الثالث قبل الميلاد، فقد كشف في القطاع CH عن طبقة العصر الحجري- النحاسي المتأخر الأول (نحو ٤٤٠٠- ٤٢٠٠ق.م)، وأطلق على هذه المرحلة (براك، العصر D)، وهي مرحلة انتقالية من بعد دور العبيد وتتميز بفخار مطلي وظهور مبكر للأواني الفخارية الناقوسية الشكل ذات الطينة الخشنة والمنتجة بكثافة. بعد هذه المرحلة تأتي تسع عشرة طبقة كشف عنها في القطاع TW لتغطي الألف الرابع قبل الميلاد. أقدم هذه الطبقات الطبقتان ١٨و ١٩ اللتان تؤرخان من ٤٢٠٠- ٣٩٠٠ ق.م، أي العصر الحجري- النحاسي الثاني أو ما سمي (براك، العصر E). يتميز هذا العصر باستمرار استعمال الأواني الناقوسية وظهور الفخار المحزز، وعمارة رسمية ضخمة بجدران سميكة لعلها تقدم الدليل على أقدم مراحل التطور الاجتماعي- السياسي المعقد. ويتمثل العصر الحجري- النحاسي المتأخر الثالث (براك، العصر F) بالطبقات ١٤- ١٧ التي تؤرخ في نحو ٣٩٠٠- ٣٦٠٠ق.م. في هذه المرحلة بلغ الموقع درجة من التطور مثيرة للاهتمام، وكان في أقصى امتداد له مع ظهور علامات التمدن الناضج. ولم تقتصر السكنى في هذه المرحلة على التل نفسه، بل شملت مجموعة مستوطنات محيطة به قد تكون شكلت تجمعاً متمدناً غطى ما لا يقل عن ١٠٠ هكتار. ومعدل مساحة معظم هذه المستوطنات ٥ هكتارات في محيط تل براك ضمن ما يرجح أنه كان نظاماً ابتدائياً كانت فيه لهذا الموقع سيادة سياسية واقتصادية على المواقع المحيطة به. وإذا ما صح هذا فإنه يعد العلامات الأولى لنشوء الدول. الطبقة ١٣ تقترن بدور أوروك الوسيط (لغاية ٣٥٠٠ق.م) وهو العصر الحجري- النحاسي الرابع، في حين أن دور أوروك المتأخر يتمثل بالطبقة ١٢ التي تؤرخ من نحو ٣٢٥٠ق.م (براك، العصر G)، وهو العصر الحجري- النحاسي الخامس، وقد عثر على فخار هذا العصر في غرف ضمت مواقد بشكل كمثري مشابهة لتلك التي كشف عنها في موقع حبوبة كبيرة [ر] من الدور نفسه. الطبقتان ١٠-١١ (براك، العصر H) تضمنت ما سمي «أواني الزهور» الطويلة المشابهة تماماً لفخار عصر جمدة نصر في جنوبي وادي الرافدين. أما الطبقات المتأخرة ١-٩ فتمثل عصر فجر السلالات الأول ونينوى ٥ لغاية ٢٨٠٠ق.م.

استعاد موقع تل براك أهميته بوصفه مدينة رئيسية في منتصف الألف الثالث قبل الميلاد. وقد كشفت التنقيبات عن سلسلة من الأبنية العامة الكبيرة في القطاعين FS (في شمال- شرقي التل) و SS (في جنوب شرقي التل). ومن بين هذه الأبنية معابد إدارية يمكن أن تؤرخ من عصر فجر السلالات أو من عصر الدولة الأكادية، وهو العصر الذي يعود إليه «قصر نرام- سن». وبعد سقوط الدولة الأكادية هجرت معظم أرجاء الموقع، وتركزت السكنى في القسم الشمالي من التل حيث كشف مجس سبر عميق في القطاع HH عن طبقة تعود إلى القرن السابع عشر قبل الميلاد. وازدهر الموقع جزئياً في منتصف الألف الثاني قبل الميلاد حينما شيد قصر في عهد مملكة ميتاني في الجزء الشمالي الغربي من التل، ثم هجر في نحو ١٢٠٠ق.م، ولم تظهر فيه سوى بقايا ضئيلة من العصور الهلنستية.

البقايا البنائية واللقى الأثرية:

من بين أهم البقايا البنائية المكتشفة في تل براك «معبد العيون» الذي اكتشفه ماكس ملوان في عام ١٩٣٨ م تحت الجزء الشمالي الغربي من بناية «قصر نرام- سين» العائدة إلى العصر الأكادي، وذلك في القسم الجنوبي من التل. أرخت بناية هذا المعبد من عصر جمدة نصر، وكانت مشيدة بمخطط أبعاده ٣٠×٢٥م. يتألف هذا المخطط من ثلاثة أجنحة، لكنها مختلفة في التفاصيل عن مخطط المعابد الثلاثي المعروف من دور أوروك الأخير. فالجناح الأوسط في هذا المعبد تشغله غرفة العبادة الطويلة (١٨×٦م)، وعلى جانبها الغربي يمتد صف من الغرف التي تكون الجناح الغربي من بناية المعبد، ويدخل إلى هذا الجناح عبر مدخل واحد يربطه بغرفة العبادة. أما الجناح الشرقي فيتصف مخططه بتعقيد أكثر، إذ يضم غرفتين كبيرتين مع ثلاثة أزواج من غرف ضيقة يرجح أنها كانت مخازن المعبد ويعد وجود هذه المخازن تعديلاً محلياً مبكراً على المخطط الثلاثي لأبنية المعابد. لم يتمكن المنقبون من تحديد موضع بوابة المعبد بسبب فقدان أجزاء كبيرة من جدران المعبد، ومن المرجح أنها كانت في الطرف الشمالي من الضلع الشرقية حيث تؤدي إلى إحدى الغرفتين الكبيرتين في الجناح الشرقي ثم إلى غرفة العبادة عبر غرفة صغيرة مقابل مدخل الجناح الغربي. وكان سبق لماكس ملوان أن افترض وجود مدخلين في الضلع الشمالية لغرفة العبادة، ولكن لم يظهر دليل يؤيد صحة هذا الافتراض. ومن الملاحظ في مخطط «معبد العيون» أن أضلاعه الأربعة موضوعة على الجهات الأربع بخلاف معابد وادي الرافدين التي كانت زواياها موجهة نحو الاتجاهات الأربع وليس جدرانها.

مخطط معبد العيون

لقد شيدت جدران هذا المعبد باللبن وكسيت بملاط طيني. وكانت الجدران الداخلية لغرفة العبادة مطلية باللون الأبيض ومزينة بمخاريط لها رؤوس بشكل أزهار الروزيتا من الحجر الكلسي الأحمر. فضلاً عن ذلك زينت جدران هذه الغرفة بأشرطة من الزخارف المتكونة من الحجر الجيري باللون الأحمر والصفائح المعدنية. وعند منتصف الجدار القصير الجنوبي لغرفة العبادة وجدت دكة مذبح بارتفاع ثلاث أقدام، وقد كسي الجزء الأعلى من وجه المذبح الأمامي والوجهين الجانبيين بزينة فخمة قوامها شريطان ذهبيان يحصران فيما بينهما ثلاثة حقول من حجر الكلس الجيري والمرمر الأبيض والأردواز الأخضر. كانت هذه الزينة مثبتة أصلاً على لوح خشبي بمسامير من الفضة برؤوس ذهبية تبدو واضحة في الشريطين الذهبيين، في حين أن اللوح قد اندثر. أما الأجزاء الحجرية فقد ثقبت من الخلف وثبتت على اللوح الخشبي بوساطة سلك من النحاس.

دمى من معبد العيون

إن معبد العيون مشيد على مصطبة يبلغ ارتفاعها ٦م، وتمتد هذه المصطبة إلى مسافة ٤٠م نحو الجنوب من بناية المعبد. وقد أطلق المنقبون اسم «معبد العيون» على هذا المعبد بسبب عثورهم على مئات من الدمى الصغيرة المسطحة من حجر الكلس تبرز في كل منها العينان والرقبة والكتفان من دون سائر التفاصيل الأخرى. الحجوم التي صنعت بها هذه الدمى مختلفة، ولكن لا يزيد طول الواحدة منها على ١١سم. بعض هذه الدمى يمثل شخصاً واحداً، ذكراً أو أنثى، وبعضها يمثل زوجاً أو زوجاً مع طفل، وأحياناً أربعة أشخاص معاً، أو امرأة وطفلاً. اكتشفت هذه الدمى في أسس بناية المعبد، واستدل المنقبون من عدد الكسر التي عثروا عليها من هذه الدمى أن عددها بالأصل كان بالآلاف. لم يكن هناك تفسير نهائي للغاية من دمى العيون هذه، ولكن تمثيلها للبشر- وإن كان رمزياً- يوحي أنها كانت هدايا نذرية تمثل أصحابها لتودع في البناية. ولا يزال اسم الإله الذي خصص «معبد العيون» لعبادته مجهولاً، حتى إنه من غير المؤكد فيما إذا كان هذا المعبد مخصصاً لعبادة إله واحد أو أكثر.

مقبرة جماعية

كشف المنقبون تحت بناية هذا المعبد عن تعاقب ثلاث بنايات أقدم، كانت كل منها تسوى وتدفن لتكون بمنزلة مصطبة للبناية الأحدث في سلسلة إعادة بناء المعبد عبر العصور. سميت البناية الأعلى في هذه السلسلة «معبد العيون الأبيض»؛ لكون أرضياتها مكسوة بالجبس الأبيض، وتأتي تحتها بناية «معبد العيون الرمادي» التي كانت مشيدة بلبن ذي طينة رمادية اللون. وتعد هذه البناية معاصرة للطبقات ١٤-١٧ في القطاع TW، أي العصر الحجري- النحاسي المتأخر الثالث. وضمت بقايا هذه البناية كمية هائلة من المواد الأثرية من بينها عدد كبير من دمى العيون ومواد نذرية أخرى مثل دلايات حجرية بأشكال حيوانات وأختام مسطحة وأسطوانية ورؤوس دمى بشرية من المرمر ومئات الآلاف من الخرز. وكانت أقدم بنايات المعبد المكتشفة بناية «معبد العيون الأحمر» المشيدة بلبن ذي طينة حمراء اللون. وتقترن هذه البناية بفخار من طراز الطاسات ذات الفوهات بارزة الحافات، والكسر الفخارية المصقولة والمطلية.

من بين أهم المكتشفات الأثرية في تل براك من الألف الرابع قبل الميلاد طبعات لأختام أسطوانية على الطين تؤرخ من منتصف دور أوروك، أي من نحو ٣٦٠٠ق.م، وهذا ما يشير إلى أقدم استعمال للأختام الأسطوانية في التاريخ، ولا يعاصره سوى الدليل المكتشف من موقع شرف آباد في جنوب غربي إيران. وفي عام ١٩٧٨ م اكتشف في القطاع CH لوح طيني منقوش بعلامات رقمية يعود تاريخه إلى دور أوروك الأخير، وقد عد هذا اللوح الدليل الأول من شمالي وادي الرافدين على الممارسات الحسابية التي مهدت لنظام الكتابة الأول.

أختام

ازدادت أهمية تل براك مع بداية الألف الثالث قبل الميلاد، وحينذاك أصبح من المواقع المهمة في الأفق الثقافي لما سمي بعصر نينوى٥. وقد كشف من هذا العصر عن بناية معبد من غرفة واحدة في الخندق HS4. وعثر على فخار نينوى ٥ في عدة قطاعات في التل، فضلاً عن طبعات لأختام أسطوانية من العصر نفسه. آثار أبنية عصر فجر السلالات وجدت في القطاع CH في الجهة الشرقية من «قصر نرام- سن». وقد كشفت التنقيبات هناك عن حفرة دائرية ضمت عدداً كبيراً من الأقداح والآنية المخروطية الشكل، وتوصل المنقبون في عام ١٩٨١م إلى أن هذه الحفرة كانت بئراً تعود إلى مجمع بنائي من عصر فجر السلالات الأخير. وفي القطاع ER- في القسم الجنوبي من التل- كشفت تنقيبات عام ١٩٨٠م عن بقايا بيت ضخم من أواخر عصر فجر السلالات الثالث ضم كمية كبيرة من الفخار.

تميز تل براك بعدة منشآت معمارية من العصر الأكادي، وهو ما يدل على أهميته في ذلك العصر. ومن أهم هذه المنشآت «قصر الملك نرام- سن» حفيد سرجون الأكادي، التي كشف عنها في وسط القسم الجنوبي من التل، وقد عثر في هذه المنشأة على آجر مختوم باسم هذا الملك. وعلى الرغم من أن النقش المدون على الآجر يصف البناية بأنها «قصر» فإن ملامحها المعمارية تدل على حصن أو مستودع أكثر من كونها قصراً. البناء ذو مخطط تبلغ أبعاده ٩٥×٩٠م، ويبلغ سمك جدرانه ٩م. وللبناء بوابة واحدة في الضلع الغربية، وتؤدي هذه البوابة- التي يقوم برجان على جانبيها- إلى الباحة الرئيسية للبناية عبر غرفة مدخل صغيرة. وتوجد في القسم الشمالي من البناية ثلاث باحات أصغر محاطة بعدد من الغرف والصالات. وقدر المنقبون أن ارتفاع البناية كان يصل إلى ١٥م. وقد كشفت التنقيبات عن بقايا مجمع بنائي ضخم في القطاع SS في الزاوية الجنوبية- الشرقية من التل إلى الغرب من القصر الأكادي. يعود تاريخ هذا المجمع إلى العصر الأكادي أيضاً، ويضم ساحة واسعة محاطة بصف من الغرف، وإلى الشمال منها توجد ساحة أصغر تؤدي إلى معبد من طراز معابد شمالي وادي الرافدين. وعثر في هذا المجمع على دمية حجرية تمثل ثوراً رابضاً وله رأس بشري. كذلك كشف عن مجمع آخر من العصر الأكادي في القطاع FS في الزاوية الشمالية الشرقية من التل، وضم هذا المجمع معبداً آخر مشابهاً في تخطيطه لمعبد القطاع SS. ولمّا كان المنقبون قد عثروا على بقايا لحيوانات رباعية الأرجل، مثل الحمير- في بقايا هذا المجمع- فسروا على أنه كان خاناً أو محطة للقوافل، وفي القطاع HS3 في الزاوية الشمالية الغربية من التل كشف عن بقايا غرفتين تعودان إلى بيت من العصر الأكادي، وقد عثر تحت أرضية إحدى هاتين الغرفتين على جرة احتوت على سبائك وحلقات من الفضة ودمى من اللازورد والذهب للطائر الأسطوري أنزو، مشابهة للدمية التي عثر عليها في «كنز أور» المكتشف في ماري. ومن ضمن محتويات هذه الجرة لوح ذهبي صور عليه أسدان يقفان بشكل متقاطع. ولا بدّ من الإشارة إلى أن من بين المكتشفات من طبقات الألف الثالث قبل الميلاد في تل براك قطعة من زجاج خام بلون أزرق مائل إلى البياض، وهذا ما يسبق بكثير التاريخ المعروف لصناعة الزجاج في منتصف الألف الثاني قبل الميلاد. وفيما يخص الرقم المسمارية المستخرجة من أبنية العصر الأكادي في تل براك فإنها تتميز بمقاساتها الكبيرة وتحمل نصوصاً إدارية خاصة بتوزيع الأرزاق والفضة مع قوائم بالملابس والماشية. ويعود تاريخ هذه النصوص إلى عهدي الملكين الأكاديين نرام- سن وشار- كالي- شَري.

أدوات صوانية وفلك مغازل نسيجية

اعتقد ماكس ملوان في أثناء تنقيباته السابقة أن السكنى في تل براك انقطعت في بداية الألف الثاني، لكن التنقيبات اللاحقة قدمت الدليل على تواصل السكنى خلال العصر البرونزي الوسيط. فقد كشفت التحريات في الجهة الشمالية الشرقية من التل (قطاع TW) عن بناية منتظمة مع بقايا تحصينات تعود إلى هذا العصر، ويرجح أنها من عهد الملك الآشوري شمشي- أدد [ر] الأول (١٨١٣- ١٧٨١ق.م). ضمت هذه البناية غرفاً مربعة تقريباً، مشيدة بلبن متميز أحمر الطينة، وقد عثر فيها على كسر من فخار الخابور المطلي، من نحو ١٨٠٠ق.م. واتضح من محس سبر عميق حفر في الجهة الشمالية الشرقية من التل (قطاع التنقيب HH) وجود طبقة أثرية يعود تاريخها إلى القرن السابع عشر قبل الميلاد.

في القرن السادس عشر قبل الميلاد ضم تل براك إحدى المدن الرئيسية في مملكة ميتاني [ر] التي قامت في شمال شرقي سورية. ذلك أنه تم اكتشاف بناية قصر ومعبد من عصر مملكة ميتاني في قمة التل الكائنة في الجهة الشمالية الغربية (قطاع التنقيب HH). وعلى الرغم من أن أجزاء كبيرة من جدران القصر مفقودة يمكن تحديد مخططه ذي الشكل القريب من المربع (٤٥×٤٣م). ضم القصر باحة واسعة رصفت أرضيتها بالآجر، ووجدت إلى الشمال والجنوب منها مجموعة غرف أصغر مرتبطة ببعضها. وكشف عن سلم في الجناح الشرقي وآخر في الجناح الغربي، وهو ما يدل على وجود طابق ثانٍ يرجح كونه خاصاً بالإقامة. ومن المواد المكتشفة في بناية هذا القصر أوانٍ زجاجية وخرز وجرار من المرمر فضلاً عن أجزاء أثاث من العاج والخشب. وهناك أيضاً تمثال صغير من حجر الكلس لرجل جالس على كرسي، وعلى الرغم من بساطة هذا التمثال وتهشم الوجه فيه فانه يعد مثالاً نادراً للنحت المجسم في منطقة ميتاني نفسها. وكان تل براك في هذا العصر أحد المواقع السورية التي قدمت أولى القطع الفخارية المزججة. من الرقم الطينية المكتشفة من عصر ميتاني في تل براك ما تحمل نصوصاً مسمارية يتضمن بعضها قضايا شرعية عرضت على بعض ملوك ميتاني، مثل أرتاشومارا Artashumara وتوشراتّا Tushratta، وقد حملت الرقم طبعات الختم الأسطواني الخاص بالسلالة الملكية ويظهر فيها اسم مؤسس السلالة ساوستارا Saustara. المعبد شيد قرب الركن الجنوبي الغربي للقصر، ومدخله في الضلع الجنوبية. ويتألف هذا المعبد من باحة تؤدي إلى غرفة عبادة متقدمة تؤدي بدورها إلى غرفة العبادة الموجودة في جانبها الغربي، وهذا المخطط مشابه لمخططات معابد العصور السابقة في تل براك المشيدة بحسب المخطط الرافديني الشمالي.

تعرض قصر ميتاني في تل براك للتخريب في القرن الثالث عشر قبل الميلاد. وحينذاك تظهر دلائل من الفخار على سكنى من العصر الآشوري الوسيط قبل أن يهجر التل في نحو ١٢٠٠ق.م حينما حلّت نهاية العصر البرونزي الحديث وهجرت المراكز الإقليمية مثل ألالاخ [ر] وحمام التركمان [ر] وتل براك نفسه، ودمرت المراكز الرئيسية مثل أوغاريت [ر] وايمار (تل مسكنة) [ر]. وقد وجدت دلائل سكن جزئي في الجزء الشمالي الشرقي من التل خلال القرنين العاشر والتاسع قبل الميلاد. كما عثر على تمثال بازلتي ضخم لثور برأس إنسان يعود إلى العصر الآشوري الحديث. أما من العصور المتأخرة فلم تكن هناك آثار واضحة من العصور الهلنستية باستثناء جزء من أرضية كشف عنها في القسم الجنوبي من التل خلال تنقيبات موسم عام ١٩٨١م.

لم تؤدِّ التنقيبات الأثرية في تل براك إلى اكتشاف الاسم القديم للموقع، غير أن هناك افتراضاً يجعل تل براك موقعاً للمدينة القديمة ناجار Nagar، وهي إحدى المدن السورية القديمة [ر] التي ورد ذكرها في نصوص الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد. ويستدل من تلك النصوص على أن مدينة ناجار كانت في منطقة الخابور. أما الدليل الذي بني عليه الافتراض أن موقعها كان في تل براك فلا يتعدى في الوقت الحاضر تكرار الإشارة إليها وإلى ملكها في النصوص المكتشفة في تل بيدر [ر] الذي يبعد نحو ٤٥كم غرب تل براك. ولا يزال هذا الافتراض بحاجة إلى دليل حاسم لتأكيده أو نفيه.

أكرم محمـد كسّار

مراجع للاستزادة:

- ماكس ملوان، مذكرات مالوان، ترجمة سمير عبد الرحيم الجلبي (بغداد ١٩٨٧).

-M. E. L. MALLOWAN, "Excavations at Brak and Chagar Bazar, Iraq 9 (1947), pp. 1-266.

  -D. OATES et al., Excavations at Tell Brak I:The Mitanni and Old Babylonian Periods, (Cambridge,1998).

 


التصنيف : العصور التاريخية
المجلد: المجلد الثالث
رقم الصفحة ضمن المجلد :
مشاركة :

اترك تعليقك



آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

عدد الزوار حاليا : 753
الكل : 41145887
اليوم : 102322