ثبات الأنواع
ثبات انواع
Species stability -
بشير الزالق
ثبات الأنواع species stability هو النموذج النظري المستخدم على نطاق واسع في عالَم التغيرات السكانية (الديمغرافيةdemography ) لإظهار بنية التجمعات الحيوانية والنباتية وفهمها ونموها وتَكَوُّن أنواع ثابتة مستقرة عندما تبقى معدلات الولادات natality والموت mortality لديها ثابتة على مر فترة طويلة الزمن. ويتجلى استقرار الأنواع بقدرة الأنواع على المحافظة على صفاتها التي تجعلها مقاوِمَةً لقوى التغيير والاضطرابات البيئية.
ويعود ثبات الأنواع (أو استقرارها) إلى زيادة في الاستقرار البيئي environmental stability الذي يجب أن ترافقه زيادة عدد الكائنات متماثلة اللواقح homozygous والحَد من تغيراتها الشكلية. في العصر الكمبري Cambrian المتأخر، أظهرت الحيوانات المسماة بثلاثيات الفصوص rilobitaT زيادة في تنوع أنواعها species diversity وسيطرتها في ذلك العصر (الشكل 1).
![]() |
|
الشكل (1) تنوع أشكال القشريات "ثلاثيات الفصوص" في العصر الكمبري. |
ويُعتَقَد أن هذا التغيير في تنوع الأنواع هو نتيجة إيجابية لزيادة الاستقرار البيئي، وبالتالي إتاحة الفرصة لاختبار غير مباشر في أثر مفهوم "تغير الموطن" habitat variation الملائم في السياق المستحاثي (الأحفوري). لقد أجريت دراسات على ثماني صفات لجماعات تعود إلى 17 نوعاً من الحيوانات القشرية ثلاثيات الفصوص التي تعود إلى رتبة الحيوانات مجنحات الرأس Pterocephaliidae، وذلك لتحديد مستويات التغير والتغير المتعدد multi variation في الأنواع، ولكن هذه الدراسة أخفقت في الكشف عن وجود علاقة بين التغير الشكلي وتنوع الأنواع، ولكن أجريت دراسات أخرى على كائنات أخرى، عزت الأمر إلى انخفاض في التباين الوراثيgenetic variability الذي يمكن أن يكون ببساطة إما غائباً وإما مُقَنَّعاً لدى بعض الجماعات. فإذا كانت الكائنات مختلفة اللواقح heterozygous شائعة في بيئة ما، يمكن أن يرجع ذلك إلى أثر الحوادث الجغرافية أكثر من تأثير العواقب الوراثية ضمن بيئات مستقرة أو غير مستقرة ، التي قد تكون من بين أحد العوامل الأساسية المسيطرة في احتمال تشكل أنواع جديدة speciation.
إذاً الثبات (أو الاستقرار) stability يعني تَحَدّي التغيير. ولكن لابد من الإشارة هنا إلى بعض المفاهيم البيئية وأثرها في ثبات الأنواع:
يكون التوازن من خلال وجود علاقات ديناميكية متداخلة بين الكائنات الحية وبيئتها، وينجم عنها دورات طبيعية بين الكائنات الحية كي تحافظ على هذا التوازن، ويؤدي اختلال التوازن البيئي، في حال حدوث تغيّر في نوع أي عنصر من عناصر المنظومة البيئيةecosystem أو كميته كالتلوث وتدمير الغابات والغطاء النباتي، إلى انجراف التربة ونقص الأكسجين وزيادة ثنائي أكسيد الكربون. فما المنظومة البيئية، وما عناصرها؟
مفهوم المنظومة البيئية أو النظام البيئي
المنظومة البيئية ecosystem هي مساحة طبيعية تتفاعل فيها مجموعة من الكائنات الحية (نباتات، حيوانات، كائنات دقيقة) مع المكونات غير الحية (ماء، هواء، صخور) في نظام متوازن، وقد تكون كبيرة (كالصحراء أو الغابة) أو صغيرة (كالبركة)، وتتميز بتدفق الطاقة ودوران المواد بين عناصرهاعبر دورات غذائية nutrient cycle (الشكل 2).
![]() |
|
الشكل (2) السلسلة الغذائية في المنظومة البيئية. |
يمكن تحديد مفهوم النظم البيئية بشبكة من التفاعلات بين الكائنات الحية من جهة، وبين الكائنات الحية والمكونات غير الحية من جهة أخرى، وحتى بين المكونات غير الحية (عناصر الوسط) كأن تؤثر درجة الحرارة في الملوحة والرطوبة وانحلال الغازات. ويمكن أن تكون بأي حجم، ولكنها تكون عادة محاطة بمساحات محدودة، على الرغم من أن بعض العلماء يقولون إن كوكب الارض بأكمله يمثل منظومة بيئية.
تعّد الطاقة والمياه والعناصر المغذية والتربة المكونات غير الحية الأساسية في المنظومة البيئية. ويتم الحصول على الطاقة التي تتدفق إلى النظم البيئية بالدرجة الأولى من أشعة الشمس،من خلال عملية التركيب الضوئي photosynthesis في النباتات التي تتغذى بها الحيوانات، وهي بذلك تؤدي دوراً مهماً في حركة المادة والطاقة في المنظومة البيئية. كما تؤثر الطاقة في نمو النباتات والجراثيم المشكلة للكتلة الحيوية biomass عن طريق تفكيك المواد العضوية الميتة، وانطلاق غاز ثنائي أكسيد الكربون CO2 إلى الغلاف الجوي، وتسهيل إعادة الدورة الغذائية عن طريق تحويل المواد الغذائية المخزنة في الكتلة الحيوية الميتة مرة أخرى إلى شكل يمكن استخدامه بسهولة من قبل النباتات والجراثيم الأخرى.
العوامل المساعدة على ثبات الأنواع
تُمَيَّز عدة عوامل في ذلك:
أ – ثبات المنظومة البيئية: الاستقرار في المنظومة البيئية هو قدرة المنظومة البيئية على الثبات أمام التغيرات البيئية، من حيث عدد الأنواع وحجم الجماعات والتفاعلات فيما بينها.
إذاً هناك تفاعلات منتظمة ومستمرة بين عناصر البيئة الحية وغير الحية، وما تولده تلك التفاعلات من توازن واستقرار بين عناصر البيئة. وتكونالمنظومة البيئية ثابتة مستقرة عندما تكون لديها القدرة على العودة إلى وضعها الأول بعد أي تغير يطرأ عليها، أي من دون حدوث أي تغير أساسي في تكوينه، ولكن إذا حدث أي تغير في مُكَوِّنات المنظومة البيئية فإن ذلك يُحدِث خللاً في التوازن الطبيعي وفي استقرار المنظومة .يمكن للمنظومة البيئية أن تعود للاستقرار من خلال استراتيجيتن هما المقاومة البيئية والمرونة البيئية.
العوامل المؤثرة في ثبات المنظومة البيئية واستقرارها
يتم التحكم في الأنظمة أو المنظومة البيئية بفعل عوامل خارجية وداخلية على حد سواء. تتمثل العوامل الخارجية بالمناخ climate، والمادة الأصلية التي تشكل التربة، والتضاريس topography التي تسيطر على البنية الإجمالية للمنظومة البيئية، وطريقة العمل التي تجري في داخلها. وتشمل العوامل الخارجية الأخرى أيضاً قوى الكائنات الحية (من نباتات وحيوانات). فالنظم البيئية كيانات ثابتة invariables عادة، لكنها تخضع لاضطرابات دورية سرعان ما تستعيد عافيتها من بعض هذه الاضطرابات. وتعود سرعة عودة النظم البيئية إلى حالتها الأولية بعد حدوث اضطراب إلى امتلاكها المرونة resilience. لقد لاحظ الباحثون وجود تغيرات في المنظومة البيئية تحدث من سنة إلى أخرى، تتناول العناصر الحيوية وغير الحيوية للمنظومة البيئية، وذلك تحت تأثير شدة الجفاف في الصيف، وقدوم شتاء شديد البرودة وتفشي الآفات، وكل هذه العوامل تعدّ تَقَلُّبات قصيرة الأجل في الظروف البيئية. وبذلك تختلف أعداد قطعان الحيوانات من سنة إلى أخرى، وبناء على مثل هذه التقلبات البيئية تمر النظم البيئية بفترات غنية بالموارد وفترات انهيار وفقر في الإمدادات الغذائية. إن مثل هذه التغيرات يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في تغير معدلات التحلل decomposition في التربة والعمليات الحيوية الأخرى التي تؤثر في حياة الكائنات الحية واستقرارها ضمن منظومة بيئية محددة.
كما تؤدي الاضطرابات البيئية دوراً مهماً في المجريات البيئية، إذ تحدث اضطرابات في تركيب الجماعات populations والنظم البيئية، وتسبب تغيرات في وفرة الموارد الغذائية وماهية البيئة. وقد راوحت تلك الاضطرابات بين سقوط الأشجار وتفشي الحشرات والأعاصير وحرائق الغابات وثورات البراكين، مما سبب تغيرات كبيرة في الجماعات النباتية والحيوانية، وفي الجراثيم microbes والمحتوى العضوي للتربة، وتبع ذلك اضطرابات في بنية المنظومة البيئية ودورها في تغيير مصادر الغذاء.
إذاً وتيرة الاضطرابات البيئية وشدتها هما اللتان تحددان مدى دور المنظومة البيئية في الحفاظ على ثبات الأنواع واستقرارها. حتى إن بعض العلماء عزا سبب غنى بعض الأنواع في مستعمرات الطحالب والبكتريا الزرقاء Cyanobacteria والأشنات Lichens إلى سيطرة الأنواع ذات الحجوم الصغيرة (بذور وأبواغ spores) التي يمكن أن تنتشر مسافات بعيدة، وإلى استقرار البيئة وإمدادها التربة بالآزوت (النتروجين) الكافي لنمو تلك الكائنات وازدهارها. وقد تبين أيضاً أن الأنواع المُثَبِّتَة للنتروجين تؤدي دوراً مهماً في السلسلة الغذائية الأولية.
ويمكن أن تقع النظم البيئية ذات البيئات المتماثلة في مناطق مختلفة من العالم، ولكن يمكن أن يكون لها خصائص مختلفة جداً؛ لأنها تحتوي على أنواع مختلفة من الكائنات الحية. وقد تبين أن إدخالأنواع غير محلية (أنواع جديدة) إلى منظومة بيئية ما يمكن أن يسبب لتلك المنظومة تحولات كبيرة في وظيفتها.
تـأثير العوامل الداخلية internal factors للمنظومة البيئية، لا تراقب هذه العوامل مُجرَيات عمل المنظومة البيئية فقط ولكنها تتحكم أيضاً بها، وغالباً ما تكون عرضة لحلقات ردود فعل مختلفة. فإذا كان التحكم في مُدخَلات الموارد يخضع بوجه عام لعوامل خارجية، مثل المناخ والمواد الخام فإن ما يتحكم في توفر هذه الموارد ضمن المنظومة البيئية يكون بفعل عوامل داخلية، مثل عمليات تحلل التربة ومنافسة الجذور أو التظليل shading. وتشمل العوامل الداخلية الأخرى الاضطرابات والتنافس بين الأنواع المحلية. كما أن للنشاط البشري أثره داخل المنظومة البيئية.
إن أكثر النظم البيئية ثباتاً واستقراراً هي النظم البيئية المائية مثل المحيطات وخاصة في الأعماق كونها بعيدة عن تأثيرات الغلاف الجوي وما يحدث في اليابسة. حيث تتوفر فيها الشروط التالية:
- لا يظهر التباين الكبير في الإنتاجية productivity من سنة لأخرى.
- تكون مقاوِمَةً للاضطرابات التي تحدث في الطبيعة.
- يمكن أن تكون المنظومة البيئية مقاوِمة للغزو من جانب الأنواع الغريبة alien species. فالمحيط، بصورة عامة، يستوفي المعايير المذكورة أعلاه مقارنة بأي منظومة بيئية أخرى، مثل الغابات. فالتغيرات البيئية فيه يمكن أن تؤثر في استقرار المنظومة البيئية.
ب- الثبات أو الاستقرار البيئي environmental stability:
يمكن تعريف الاستقرار البيئي بأنه قدرة البيئة على العودة الى وضعها الأول بعد أي تغير يطرأ عليها من دون حدوث تغير أساسي في تكوينها. ولكن إذا حدث أي تغير أساسي في مكوناتها فإن ذلك يُحدِث خللاً في التوازن الطبيعي وفي استقرارها.
ويمكن أن يرجع الاستقرار البيئي إلى سلسلة متصلة من أنواع الاستقرار بدءاً من تجديد المرونة resilience (العودة بسرعة إلى الحالة السابقة)، أي العودة إلى الثبات والمثابرة. وغالباً ما يكون تعريف الجماعات الثابتة أو المستقرة بأنها الجماعات التي لا تذهب إلى حد الانقراض extinction. والمرونة هي ميل البيئة إلى الاحتفاظ ببنيتها الوظيفية والتنظيمية بعد حدوث الاضطراب، فالمرونة هي سرعة العودة إلى الوضع الطبيعي. وتُقاس المرونة بمدى إمكان عودة البيئة إلى حالتها السابقة.
من أنواع الاستقرار البيئي:
- الاستقرار المحلي local stability الذي يشير إلى أن البيئة تكون مستقرة عند حدوث اضطرابات لم تدم إلا مدة قصيرة، في حين يشير الاستقرار العالمي global stability إلى وجود مقاومة شديدة لأي تغيير في تركيبة الأنواع وديناميكية الشبكة الغذائية. وقد يدوم الاستقرار البيئي عدة سنوات؛ لذا يسمى هذا النوع بالاستقرار المستدام sustainable stability، مثال ذلك ما لاحظه الباحثون على بحيرة لوموند Lomond في اسكتلندا حيث عدت هذه البحيرة منظومة بيئية معزولة نسبياً. بقيت فيها مجموعة من الأسماك ثابتة مستقرة فترة طويلة من الزمن استمرت حتى مطلع عام 1970 أُعيد بعده بناء شبكتها الغذائية؛ وهذا مثال يبين أن البيئة المائية تكون أكثر استقراراً من بيئة اليابسة، وعندما تكون المنظومة البيئية ثابتة أو مستقرة فإنها تحافظ على ثبات الأنواع.
أثر التغيرات البيئية في ثبات الأنواع
تؤدي التغيرات البيئية - كما في تغير المنظومة البيئية - دوراً سلبياً في ثبات الأنواع ، وخاصة عندما لا تتحمل الأنواع تلك التغيرات، مثلاً عند كثرة الأمراض والجائحات المرضية إثر غزو الكائنات الدقيقة يمكن أن تحول دون تكاثرها واستمرارها في الحياة،وقد تكون التغيرات البيئية سريعة الخطا فتؤثر في صحة الأنواع البرية وبقائها واستمرارها، وهناك العديد من الأمثلة التي توضح أثر التغيرات البيئية على صحة الحياة البرية wildlife، فالملوثات البيئية environmental pollutants مثلاً تُسبب أمراضاً عديدة للأنواع البرية، فهي تمس مباشرة سلامة الأنواع وصحتها وبقاءها على قيد الحياة.
تغير المناخ:
عند حدوث تحولات في درجة الحرارة وتغيرات في وفرة الأمطار وتوزعها، وغزارة الأنواع المفترسة predators فإنها تغير في النظم البيئية الجافة ونصف الجافة semi-arid. لقد وجد الباحثون أن التغيرات المناخية تهدد مجموعات الثدييات الكبيرة التي تعيش ضمن نظم بيئية معينة، وخاصة في مواسم الجفاف الشديدة والطويلة، مما يؤدي إلى ارتفاع عدد الوفيات، كما حدث في تانزانيا حينما مات عدد كبير من الفيلة الذكور حديثي السن. وخلال هذه الأحداث المناخية القاسية، وسوء التغذية والجفاف نضب الاحتياطي من الدهون وساءت حالة جسم الفيلة، ونقصت المناعة لديها، فتناقصت أعدادها بعد موت الكثير منها. كما كان لفقدان الموائل وتغير المناخ أثر كبير في صحة البرمائيات؛ فالانهيار الكربوني في الغابات المطيرة rainforests الذي حدث قبل 350 مليون سنة أدى إلى هلاك أعداد كبيرة لجماعات البرمائيات، وحفز تطور الزواحف على الأرض وظهورها. وخلاصة القول أدى تغير المناخ إلى فقدان العديد من الأنواع على كوكب الأرض الذي يزداد سخونة عاماً بعد عام وبسرعة أكثر من أي وقت مضى، الأمر الذي تَطَلَّبَ تشكل أنواع جديدة تكون قادرة على التكيف مع المناخات الجديدة للأرض،ولاسيما مع ازدياد انبعاث غاز ثنائي أكسيد الكربون CO2 في الغلاف الجوي للأرض.
أمام هذه التغيرات البيئية هل استطاعت بعض الأنواع الحفاظ على ثباتها واستقرارها؟
يمكن أن تكون بعض الأنواعقادرة على الاستجابة للتغيرات البيئية باستجابات مختلفة، بإعادة تكيفها مع التغيرات الجديدة، ويمكن أن تؤثر عوامل أخرى في ثبات الأنواع واستقرارها، يشار إليها بما يلي:
ثراء الأنواع species richness الذي يؤدي دوراً مهماً في استقرار الأنواع، فالغنى بالأنواع في بيئة ما يمكن أن يزود المجتمع البيئي المحلي ببعض الأنواع القادرة على تحمل التقلبات البيئة environmental fluctuations المختلفة، ويزيد في مستوى الاستقرار.
وعندما تنخفض كثافة الأفراد في وحدة المساحة - نتيجة موت بعضها مثلاً - فإن ذلك يؤدي إلى زيادة قدرة الأفراد المتبقية على التكاثر.
كما يكون لثراء الأنواع أثر تراكمي إيجابي، فعند إضافة أنواع جديدة إلى المنظومة البيئية، تزداد مثلاًقدرة بعض الكائنات على الاحتفاظ بالنتروجين. ويشير الباحثون إلى أن لثراء الأنواع (خاصة المسيطرة منها) تأثيراً كبيراً في وظيفة المنظومة البيئية واستقرار الأنواع فيها.
التنوع الحيوي وعلاقته بثبات الأنواع واستقرارها
يعرف التنوع الحيوي biodiversity بأنه عدد الأنواع في منطقة بيئية محددة، وتأثيراتها في التركيب الحيوي. وبشكل آخر، التنوع الحيوي هو تنوع في الحياة داخل المنظومة البيئية وفق حصص مكانية مختلفة للنباتات والحيوانات، وفي إطار منظومة بيئية صحية.
ويُعَدُّ التنوع الحيوي من العوامل الإيجابية التي تؤثر في المنظومة البيئية وأداء وظيفتها في البيئات المتغيرة؛ فهو يحافظ على ثبات الجماعات والأنواع واستقرارها، ويمثل أحد المكونات المهمة في التجمعات الحياتية التي تحافظ على ثبات الأفراد أو الجماعات واستقرارها. ويتأثر التنوع الحيوي بالتغيرات البيئية ويؤثر فيها، فالتنوع الحيوي يزداد عندما يكون هناك ما يسمى بالتعاقب البيئي ecological succession، وعلى النقيض من ذلك يجعل التلوث البيئي البيئة غير مناسبة للأنواع وتنوعها، مما يضطرها إلى الهجرة أو الهلاك، وهذا يقلل من مستوى التنوع الحيوي فيها.
وقد يكون الأمر كارثياً أحياناً، كما في حالة العواصف الشديدة أو الحرائق، مما يجعل الكائنات الحية في التجمع الحيوي غير قادرة على تحمل تلك التغيرات الشديدة.
ويكون دور التنوع الحيوي إيجابياً وداعماً لثبات الأنواع واستقرارها عندما يوجد بين الأنواع نوع من التعايش coexistence، أي يجب أن يكون بينها حد معين من التشابه similarity الحياتي، وألا يوجد تنافس بينها.
هناك أدلة متزايدة على أن التنوع البيولوجي (أو الحيوي) يزيد من استقرار النظم البيئية في البيئات المتغيرة وفق آليات مثيرة للجدل. من هذه الآليات علاقة التنوع الحيوي بالاستقرار. فوجود التنافس في المجتمعات البيئية يؤدي دوراً في زعزعة الاستقرار بين الأنواع، لكن الباحثين اعتمدوا بعد نقاشات واسعة على الآليات التي يمكن أن توضح دور التنوع الحيوي في استقرار الأنواع وثباتها في بيئة معينة، يشار إليها بالنقاط الأتية:
1- عدم حدوث تواقت زمني في ردود الفعل لدى الأنواع على التقلبات البيئية.
2- الاختلاف في سرعة استجابة الأنواع للاضطرابات البيئية.
3- الانخفاض في قوة المنافسة competition بين الأنواع.
تُجمَع النقطتان الأولى والثانية تحت عنوان التكامل الزمني بين الأنواع، وتوضع النقطة الثالثة تحت عنوان: التكامل الوظيفي بين الأنواع. إذاً يعزز التنوع الحيوي عمليات النظم البيئية من حيث الخصوبة والحفاظ على الموارد الغذائية أو الشبكات الغذائية البيئية. وتدعم الدراسات الحديثة الفرضية القائلة إن تنوع الأنواع يعزز خصوبة التكاثر والاستقرار في بعض النظم البيئية.
دور الاصطفاء المستقر في ثبات الأنواع
هو أحد أنواع الاصطفاء الطبيعي natural selectionالذي يقلل التنوع الجيني ويجعل الجماعة ثابتة مستقرة. ويعتقد أن آلية عمل الاصطفاء الطبيعي تكون بمنع ظهور تغييرات جذرية في صفات الكائنات على مر الزمان.
يمكن أن يوصف الاصطفاء المستقر stable selection بأنه "اصطفاء تنظيفي"، وفيه يقوم هذا الاصطفاء بالمحافظة على الأنماط المتوسطة في صفاتها في الجماعة، ويُبعِد الأفراد ذات الأشكال الجينية الشاذة غير الوظيفية، أي إبعاد الأشكال الطافرة التي تنحرف بطوابعها عن النمط الأصلي.
ويكون هذا الاصطفاء متوازناً مستقراً وذلك بالمحافظة على الأفراد المستقرة التي تحمل مورثات تثبت وتراقب نمو الفرد وتقلل من حساسيته أو استجاباته تجاه التقلبات البيئيةالخارجية والداخلية، فهذا النوع من الاصطفاء يكون فعله في البيئة قوياً مستقراً، ولأن معظم الصفات تتغير قليلاً مع مرور الوقت، فإنه يعتقد أن الاصطفاء المستقر يختار الأنواع الأكثر شيوعاً في صفاتها. فالاصطفاء المستقر يقلل إذاً من التغير في الطابع الظاهري phenotype ويحافظ على الطوابع الظاهرية المتوسطة، مما يتيح الفرصة أمام الأنواع في نجاح التكاثر واستقراره. أما الاصطفاء الطبيعي فإنه يعمل على إزالة الطوابع الظاهرية المنحرفة بشدة.
|
مراجع للاستزادة: - F. Isbell, M. Loreau, A. Hector, The Ecological and Societal Consequences of Biodiversity Loss, John Wiley & Sons, Incorporated 2022. - C. F. Jordan, Evolution from a Thermodynamic Perspective: Implications for Species Conservation and Agricultural Sustainability,Springer 2021. - S. Mitaku, Evolution Seen from the Phase Diagram of Life,R. Sawada, Springer 2024. - Y. Liu 4, J. Hu 1, and J. Gore, Ecosystem Stability Relies on Diversity Difference Between Trophic Levels. University of California, Davis, CA. 2024.
|
- التصنيف : علم الحياة (البيولوجيا) - النوع : علم الحياة (البيولوجيا) - المجلد : المجلد الحادي عشر، طبعة 2026، دمشق مشاركة :

