ثدييات
Mammals -

الثدييات

                                                                     حسن حلمي خاروف

أصل الثدييات و تطورها

الصفات العامة للثدييات

تصنيف الثدييات

 

الثدييات Mammalia صف class من الحيوانات يضم أرقى الفقاريات Vertebrata وخصوصاً من ناحية جملتها العصبية وإمكانات التكيف لديها. تمايزت الثدييات من الزواحف Reptilia وانتشرت في البيئات المختلفة على سطح الكرة الأرضية، وعلى قلة عدد أنواعها- التي يُقَدِّرُها بعض الباحثين بنحو 4600 نوع فقط مقارنة - مثلاً - بأكثر من نحو 9000 نوع من الطيور و24000 نوع من الأسماك و800000 نوع من الحشرات- فإنها أكثر مجموعات المملكة الحيوانية تمايزاً differentiation على الإطلاق، فهي تضم حيوانات متنوعة شكلاً وحجماً ووظيفة؛ تراوح حجوم أفرادها بين الصغير جداً من الخفاش خنزيري الأنف hog-nosedbat - الذي اكتشف في تايلند ويَزِن 1.5 غرام فقط - حتى الحوت الأزرق blue whale الضخم جداً والذي يَزِن نحو 130 طناً، كما تضم أسرع الحيوانات جرياً؛ وهو الفهد المُبَقَّع (الفهد الصياد) cheetah الذي تُقَدَّر سرعته بنحو 110 كم/سا.

تتمتع الثدييات بقدرات كبيرة على التكيف مع البيئات المختلفة، وهي أيضاً أكثر الحيوانات تأثراً بالإنسان الذي استأنس كثيراً من أنواعها، واستخدم بعضها وسيلة عملٍ وحملٍ وجرّ؛ وجلدها لباساً؛ ولحومها ومنتجاتها غذاء، إلى جانب تربيته لها حيواناتٍ أليفة pets. كذلك استخدم الإنسان كثيراً منها حيوانات تجارب في المخابر العلمية والطبية، وبعضها حيوانات رياضة وحراسة وترفيه، مما أدى إلى تناقص أعداد بعض أنواعها وأفرادها إلى درجة هددت بعض أنواعها بالانقراض. وقُدِّر عدد الأنواع المهددة بالانقراض منها من قِبَل الاتحاد العالمي للمحافظة على الطبيعة والموارد الطبيعية  (IUCN)International Union for the Conservation of Nature and Natural Resources  بنحو 26% من الأنواع species وتحت الأنواع subspecies،بما فيها الحيتان والسنوريات Felidae وثعالب الماء otters والرئيسات Primata وغيرها.  

أصل الثدييات و تطورها

تشيرالمستحاثات (الأحفوريات) إلى أن أصل الثدييات يعود إلى نحو 150 مليون سنة؛ حين ظهرت ثدييات داخليات الحرارة endothermicذات فراء من أصولٍ خارجية الحرارة ectothermic من دون شعر.

المستحاثات من الثدييات -ولاسيما بنية الجمجمة والأسنان منها- كثيرة جداً، ومنها يمكن تَحَرّي أسلافها بوضوح؛ إذ تسمح بنية سقف جمجمتها بتمييز ثلاث مجموعات رئيسية من الأمنيوسيات amniotes - مما وجد في الدور الكربوني carboniferousperiod من الحقب القديم (الباليوزي) paleozoic era - هي: ملتحمات الحفر الصدغية synapsids، وعديمات الحفر الصدغية anapsids، وثنائيات الحفر الصدغية diapsids. تضم المجموعة الأولى - ملتحمات الحفر الصدغية - الثدييات وأسلافها التي كان لها في سقفِ كلٍّ من جماجمها خلف جوف حِجاج العين orbitشفع من الفتحات الصدغية الجانبية lateral temporal openings من أجل ارتكاز عضلات الفكين (الشكل 1)، وكانت هذه المجموعة أولى الثدييات التي انتشرت في البيئات البرية. تتميز المجموعة الثانية -أي عديمات الحفر الصدغية- بجماجم مُصمَتَة من دون فتحات صدغية، وهي التي أعطت السلاحف. أما المجموعة الثالثة - ثنائيات الحفر الصدغية - فكان لها شفعان من الفتحات الصدغية الجانبية خلف جوف الحِجاج، وهي التي أعطت الديناصورات  dinosaursوالعظايا lizards والحَيّات snakes والتماسيح crocodiles، إضافة إلى الطيور وأسلافها.

 

الشكل (1) جماجم أسلاف الثدييات.

 

توزعت ملتحمات الحفر الصدغية الأولى في مجموعات مختلفة؛ منها العاشبة ومنها اللاحمة، ويطلق عليها جميعاً مصطلح الضبّانيّات Pelycosaurs، وقد انتشرت بكثرة في العصر البرمي المبكرearlyPermian، وكانت تشبه إلى حد كبير العظايا التي تنتمي في الواقع إلى مجموعة ثنائيات الحفر الصدغية، كما أنها ليست أحادية الأصل not monophyletic.

وظهرت من إحدى مجموعات ملتحمات الحفر الصدغية اللاحمة الباكرة مجموعة الثيرابسيدات Therapsids؛ وكانت الوحيدة من بين ملتحمات الحفر الصدغية التي بقيت واستمرت بالحياة بعد الحقب القديم (الباليوزي) Paleozoic، وفيها تُلاحَظ للمرة الأولى ترتيبات انتصاب الأطراف شاقولياً تحت جسم الحيوانات. ونتيجة ذلك قَلَّ توازن الحيوان؛مما عَوَّضَه الدماغ؛ وتَجَلّى ذلك بمركز التنسيق العضلي فيه وهو المخيخ. انتشرت هذه المجموعة عاشبة ولاحمة، لكنها اختفت في أثناء فترة الانقراض الضخمة في نهاية العصر البرمي.

المجموعة الوحيدة من ملتحمات الحفر الصدغية التي عاشت واستمرت في الحقب الوسيط (الميزوزي) Mesozoic era هي مجموعة كلبيات الأسنان Cynodonts، ثم تطورت وصارت لها ملامح جديدة؛ منها النواحي الاستقلابية التي ساهمت في الحياة النشيطة، والعضلات الماضغة التي ساعدت على المضغ الجيد، والتطور الكبير في الجمجمة، ورشاقة الحركة وتَعَقُّد بنية الحنك، مما ساعد الحيوان على التنفس في أثناء تَمَسُّكِه بالفريسة أو اللقمة الغذائية. ومع القدرة على الوقوف تطورت العظام من حيث استطالتها وانتصابها فوق أطرافها (الشكل 2).

 

الشكل (2) أصل الثدييات وعلاقاتها بمجموعات الفقاريات الأخرى.

الصفات العامة للثدييات

تتميز الثدييات بالخصائص  التالية:

1- الجلد: هو ما يُمَيِّز الثدييات، وقد رُتِّب في طبقات بحيث يوفر حماية الحيوانات من المؤثرات الخارجية، فالجلد الذي يغطي أجسامها أثخن من جلد أي حيوان آخر من المجموعات الأخرى، ويتألف من بشرة epidermis وأدمة dermis ترتكز على ما تحت الأدمة hypodermis (الشكل 3). تَزيد سماكة الأدمة عند الثدييات كثيراً على سماكة البشرة التي تحميها الأشعار؛ إلا في بعض المواقع مثل باطن الكف وأخمص القدم حيث تزداد ثخانة البشرة كثيراً وتَتَشَرَّب بطبقة من مادة الكيراتين keratin.

الشكل (3)  بنية الجلد وملحقاته.

 

ومن ملحقات الجلد عند الثدييات الشعر، وهو قليل نسبياً عند الإنسان، وغير موجود تقريباً عند الحيتان حيث يقتصر وجوده على بعض المناطق من الجسم كالأنف، ويكون دوره الأساسي الاستشعار. تتشكل الشعرة من جريب hair follicle ينغرس عميقاً في البشرة.

ثمة نوعان من الأشعار التي تغطي البدن عند الثدييات:

أ- الشعر الغليظ (الشعر الواقي guard hair):وهو الشعر الأطول للحماية من المطر، ويمنح الحيوان لونه.

ب- ما تحت الشعر under-hair من أجل العزل؛ لأنه يحجز بين طياته طبقة من الهواء العازل، ويصبح ما تحت الشعر عند الثدييات المائية - مثل ثعلب الماء (القُضاعَة) والقندس (السَمّور) beaver - كثيفاً جداً بحيث لا يتبلل الحيوان أبداً، ولكن يتبلل منه الشعر الغليظ (الحارس) عند هذه الحيوانات (المائية) بحيث يصبح مثل الدِثار (البَطّانية) يغطي الحيوان ويعزله ويحميه.

ومع تقدم العمر يتوقف نمو الشعرة وتتشكل بعد حين شعرة جديدة تدفع الشعرة القديمة وتُخرجها من جريبها وتسقط. يحدث تساقط هذا الشعر عند بعض الثدييات دورياً، فهو يسقط عند الثعالب -مثلاً- مرة واحدة في السنة؛ أما معظم الثدييات فيسقط شعرها مرتين في السنة، مرة في الربيع وأخرى في الخريف، ويكون غطاء الشعر في الصيف عندها رقيقاً جداً، في حين يكون الغطاء في الشتاء أسمك. وقد يختلف لونه عند بعض الثدييات، ففراء السموريات Mustelidae في المناطق الشمالية عموماً أبيض شتاءً وبُنّي اللون في الصيف.

كذلك تَحَوَّرَت بنية أشعار بعض الحيوانات لتكتسب وظيفة معينة، فأهلاب (الأشعار القاسية) الخنازير وأشواك الشَيهَم porcupine وجلوده وما يشبهها؛ وشعيرات أنف كثير من الثدييات وحيزومها - مما يسمى "شوارب whiskers" - أمثلة على ذلك، وتُسْتَخْدَم عندها حَسّاسات.

2- القرون: هي بروزات من جانبي عظامالجمجمة عند بعض الثدييات كالغزلان والوعول وغيرها، تغطيها طبقة جلدية، وغالباً ما تكون منحنية أو متشعبة، يستعملها الحيوان في الدفاع. يُمَيَّزُ منها ثلاثة أنواع هي: القرون الحقيقية true horns التي توجد عند المجترات Ruminantia، وقرون الأيايل (الوعول) antlers، وقرون الكركدن (وحيد القرن) rhinoceros horns.

أ- تتألف القرون الحقيقية من طبقة من البشرة المتقرنة تحيط بِلُبٍّ عظمي ينشأ من الجمجمة. وهي عادة لا تُرمى ولا تتفرع، لكن يمكن أن تتقوس بشدة وتنمو باستمرار، وتوجد عند الذكور والإناث لكنها قد تختفي عند إناث الظبي الأمريكي pronghornantelope، وإذا وُجِدَت فإنها تكون أقصر طولاً.

ب- أما قرون الأيايِل فإنها متشعبة وتتألف من عظم صلب، وعند اكتمال نمو الأيل تغطيه طبقة مخملية ثخينة. ويقتصر وجودها على الذكور فقط عدا أيل الرنة caribou، وقبل فصل التكاثر يُزيل الذكرُ الطبقةَ المخملية بِفَركِ القرنين على جذع شجرة، ثم يُطرَحان بعد التكاثر ليظهر قرنان جديدان بعد أشهر قليلة. ومع الزمن تظهر القرون الجديدة أكبر حجماً وأكثر تشعباً.

ج- أما قرون الكركدن فإنها خيوط متقرنة تشبه الأشعار تظهر من حليمات في الأدَمَة dermal papillae على الرأس، يلتصق بعضها ببعض لتتشكل هذه البُنى من دون أن يكون لها اتصال بالجمجمة.   

3- الغدد: تملك الثدييات خلايا مشتقة من البشرة؛ متخصصة بإفراز مواد تقوم بمهام خاصة في أجسامها؛ تتجمع لتشكل عُضَيّات تسمى الغدد glands، يُميَّزُ منها أربعة أنواع: غدد عرقية sweat glands تساهم في خفض درجة حرارة الحيوان بتبخر العرق، وغدد روائح scent glands تمنح الحيوان رائحته المميزة له، وغدد دهنية sebaceous glands تُلَيِّن الجلد وتُطَرّيه، وغدد ثديية  mammary glands -التي منها استمدت المجموعة اسمها - تفرز الحليب الذي تغذي به الأنثى مواليدَها.

4- التَغَذّي: تتميز الثدييات بتنوع طرائق تَغَذّيها، مما يؤثر في بنية أجهزتها الهضمية؛ بدءاً من الأسنان حتى بنية أجهزتها الهضمية.  

تختلف أشكال أسنان الثدييات بحسب طبيعة غذائها، وتختلف عن أسنان الزواحف ذات الأسنان المتماثلة homodont في أن أسنانها مختلفة heterodonts، فهي تملك قواطع incisors وأنياباً canines وضواحِك premolars وأرحية (طواحن) molars؛ لكل منها وظيفته الخاصة. كما تختلف أعدادها بحسب المجموعة التي تنتمي إليها.وتتميز الثدييات أيضاً - بخلاف الزواحف - بأن معظمها يُبَدِّل أسنانَه مرة واحدة فقط، فهناك أسنان مؤقتة تسمى الأسنان المتساقطة deciduous teeth (أسنان لَبَنِيَّة milk teeth) وأسنان دائمة permanent teeth.

يؤثر اختلاف طبيعة غذاء الثدييات في بنية أجهزة الهضم عندها؛ فآكلات الحشرات Insectivora  مثلاً - مثل المَناجِذ (الخلدان) moles والزَبابات shrews وآكلات النمل anteaters ومعظم الخفافيش  صغيرة الحجم وتتناول كميات صغيرة من النباتات ذات الألياف، لذا فإن جهازها الهضمي قصير نسبياً (الشكل 4).أما الحيوانات العاشبة herbivorous - مثل الأرانب والحافريات Ungulata كالأحصنة - فقواطعها نامية جداً لقضم العشب ودائمة النمو،أما أنيابها فتختفي لعدم الحاجة إليها، في حين تَتَوَسُّع سطوح أرحيتها (طواحنها) لطحن غذائها.

وبسبب اقتصار غذائها على الأعشاب التي تحوي السلولوز فإنها تستضيف كائنات حية دقيقة تقوم بتفكيك السلولوز إلى مُكَوِّناتِه بعملية التخمر؛ لذا كان لابد من توفر مكان واسع لإتمام هذه العملية - يتحقق ذلك بطول الأمعاء وتَشَكُّل جيوبٍ تحوي هذه البكتريات - فلهذا تَكَوَّن الأعور caecum عند الغزلان والخيول، وكذلك تَكَوَّنَت عند المجترات معدة مركبة من أربعة أجواف هي: الكرش rumen وذات الورق reticulum ثم أم التلافيف omasum وأخيراً الإنفحة abomasum ليتسنى لها هضم غذائها كاملاً في عملية تعرف باسم الاجترار rumination.

كذلك تتصف معظم الحيوانات العاشبة بحجمها الكبير، لذا كان لابد لها من أن تتناول كميات كبيرة من الأغذية، مما يتطلب استطالة أجهزة هضمها، ويُقَدَّر ما يتناوله مثلاً فيل إفريقي وزنه 2 طن بنحو 135-150 كغ من الغذاء يومياً ليضمن حاجته اليومية.

 

الشكل(4) الأنماط المختلفة لأجهزة الهضم عند الثدييات.

(أ‌)      عند آكلات الحشرات (ب) عند آكلات الأعشاب غير المجترة

(ج) عند آكلات الأعشاب المجترة (د) عند اللواحم.

 

أما اللواحم carnivores من الثدييات - وتضم الثعالب والكلاب والقطط والأسود والنمور وغيرها - فتتغذى عادة بالحيوانات العاشبة herbivorous، لذا فإن أسنانها متكيفة للعض والتمزيق؛ إضافة إلى المخالب النامية، كما تتميز بأنبوب هضم قصير وأعور أصغر وأحياناً غير موجود (الشكل 4).                      

5- تكاثرها: معظم الثدييات تتمتع بفصل اقتران محدد، يكون عادة في الشتاء أو الربيع ليطابق أحسن الظروف لتربية مواليدها. ويتمتع  كثير من ذكور الثدييات بخصبها وبإمكان اقترانها في أي وقت من السنة، أما الإناث فيقتصر تكاثرها على فترة محددة من حياتها الجنسية، وتمر في دورة تناسلية يُطلَقُ عليها الدورة الودقية (الإستيرية) estrous cycle، وتقترن الأنثى بالذكر في وقت يُسَمّى الودق (الإستروس) estrus.

تُقسَم الدورة الإستيرية عند الثدييات إلى مراحل ترافقها تغيرات في المبايض ovaries والرحم uterus والمهبل vagina. وتُمَيَّز في الدورة مرحلة تحضير تسمى مقدم الوَدَق proestrus تنمو خلالها الجريبات المبيضية ovarian follicles، تتبعها مرحلة الودق. وعندما يحدث الاقتران تقريباً يتفجر أحد الجريبات لتنطلق البيضة في حادثة تسمى الإباضة ovulation ويتم إخصابها. تُعَشِّش البيضة المُخصَبَة عند الثدييات المشيمية placentalmammals في جدار الرحم حيث يتابع الجنين تناميه، وإذا لم يتم الاقتران ومن ثَمَّ عدم إخصاب البيضة يجرى ما يسمى تَلِيَّة الودق metestrus، وهي فترة ترميم لجدار الرحم يليها هجوع الودق diestrus وتضاؤل حجم الرحم في أثنائه، ويَقِلُّ دوران الدم فيه لتبدأ دورة ودقية جديدة.

تجدر الإشارة إلى أن القردة - وكذلك الإنسان - لها دورة ودقية مختلفة قليلاً تنتهي بِحَيْضٍ menstruation بعد الإباضة حيث تنهار بطانة الرحم endometrium وتنطرح كمية من الدم من هذه البطانة. 

يُمَيَّز من الثدييات -من حيث أنماط تكاثرها- ثلاث مجموعات، هي: مجموعة وحيدات الثقب Monotremata: وتتكاثر بأن تضع بيوضاً فقط ومنها خلد الماء وآكل النمل الشوكي، فهي ثدييات بَيوضَة oviparous، لذا تُعَد ثدييات ابتدائية لأنها بَيوضَة ولا تحمل أجنتها داخل رحم بل تحضن بيوضها حضناً، ولأثدائها حلمات بدائية التشكل، لذلك عندما تفقس البيوض فإن الصغار تلعق الحليب الذي يَنِزُّ على فراء الأم.

المجموعة الثانية: هي الجرابيات Marsupialia، وهي وَلودَة viviparous لكنها تلد صغاراً لا تتجاوز أبعادها الـ 1-2 سم فقط، تنتقل إلى جيب على بطن الأم يسمى الجراب marsupium حيث يُتِم تناميه، وتكون الصغار في البداية غير قادرة على لعق الحليب، لذا تُلَقِّمها الأم الحليب في البداية، وبعد تنامي الوليد قليلاً يتعلق بثدي أمه ويبقى معلقاً به مدة طويلة ومن أمثلتها الكنغر والكوالا.

المجموعة الثالثة: هي ثدييات مشيمية، الإخصاب عندها داخلي internal fertilization، وهي ثدييات وَلودة أيضاً مثل الجرابيات؛ لكن تنامي جنينها يتم في رحم الأم حيث يتغذى ببنية خاصة هي المشيمة placenta، وهو العضو الذي تتبادل به الأم دمها مع دم جنينها، وبه يتغذى ويطرح فضلاته.       

تصنيف الثدييات

كانت الثدييات تصَنَّف -حتى عام 1997- تصنيفاً تقليدياً؛ بحسب صفاتها الخارجية وأنماط حياتها، وتقسم إلى ثلاث صُفَيفات subclasses: هي وحيدات الثقب Monotremata والثدييات التوالي Metatheria والثدييات الحقيقية Eutheria.

تضم وحيدات الثقب حيوانات تُبدي شبهاً ببعض صفات الزواحف، منها أنها بَيوضة وليست ولودة، وهي في الواقع الثدييات الوحيدة التي تبيض، وتتميز بانفتاح أعضائها البولية والتناسلية إلى الخارج بفوهة واحدة هي المقذرة cloaca، يتم من خلالها طرح البول والبراز فيها والعناصر التناسلية، لذلك سُمِّيَت وحيدات الثقب. تشاهد هذه المجموعة في أستراليا وغينيا الجديدة فقط، وتتمثل بثلاثة أنواع هي: خلد الماء  platypus (الجنس Ornithorhyncus) ذو منقار يشبه منقار البط؛ لذا يسمى أيضاً طيري المنقار (الشكل 5)؛ ويقتصر وجوده على أستراليا. والنوعان الآخران من آكلات النمل anteaters (الجنس Tachyglossus) ويقتصر وجودهما على غينيا الجديدة؛ وَيُؤلفان ما يعدّه بعض العلماء رتبة قائمة بذاتها تسمى قنافذ النمل Echidna؛ التي تغطي أجسامها أشعار قد يتحول كثير منها إلى أشواك، ولكل منهما حيزوم أنبوبي طويل متكيف للتغذي بالنمل (الشكل 5).

الشكل (5) نماذج من وحيدات الثقب.

 

أما الثدييات التوالي - وتسمى أيضاً الجرابيات - فإنها تضم سبع رتب ونحو 280 نوعاً، وكانت منتشرة في كثير من الأقطار؛ لكن يقتصر وجود معظمها الآن على أستراليا والأمريكتين، وتتميز بأن أجنتها تتنامى في رحم الأم وتُغَذّى بواسطة مشيمة تمدها بالغذاء لفترة قصيرة، لذا تلد أفراداً صغيرة جداً؛ نحو1- 2 سم طولاً فقط، ثم تتابع نموها في جيب على بطن الأم يسمى الجراب marsupium. من أمثلتها الشهيرة الكنغر kangaroo الذي يعيش في أستراليا (الشكل 5)، ويُشاهد بعض أنواعها أيضاً في أمريكا الجنوبية؛ منها الكوالا koala، ونوع واحد فقط في أمريكا الشمالية هو الأُبوسوم opossum (الشكل 6).  

الشكل (6) نماذج من الجرابيات.

 

أما صفيف الثدييات الحقيقية فإنه يضم - بحسب التصنيف التقليدي لها - 19 رتبة كلها ثدييات مشيمية، الإخصاب عندها داخلي؛ لذا فإنها ولودة مثل الجرابيات، ويتم تنامي أجنتها في رحم الأم؛ ولكن يستغرق ذلك مدة طويلة توفر الأم الحامل للجنين في أثنائها الغذاء بالمشيمة، لذا فإنها تلد أفراداً أكثر تَنامياً من مواليد الجرابيات.

يضم هذا الصفيف جميع الثدييات المعروفة والمنضوية  في 19 رتبة orders، يضم الشكل (7) نموذجاً لكل منها، وهذه الرتب هي:

الشكل (7) أمثلة عن رتب صف الثديات الحقيقية.

 

1- رتبة الخرطوميات Proboscidea: تضم أنواع الفيلة، وهي حيوانات عاشبة تحولت شفاهها العليا مع أنوفها إلى خراطيم نامية متطاولة قوية العضلات مشكلة ما يُعرَف بخرطوم الفيل، واستطالت قاطعتاها العلويتان لتشكلا ما يُعرَف خطأً بِنابَي الفيل.

2- رتبة الخَيْلانِيّات Sirenia (عرائس البحر):تضم بَقَر البحر manatee والأطوم dugong وغيرها. وهي حيوانات عاشبة تعيش في الماء دوماً، أطرافها الأمامية تشبه الزعانف وليس لها أطراف خلفية.

3- رتبة الدُرْد Edentata أو غريبات المفاصل Xenarthra: تضم حيوانات صغيرة تشبه أرنبيات الشكل Lagomorpha؛ لكنها تتميز عنها بوجود أربع قواطع في فكها العلوي عوضاً من قاطعتين، منها ما هو عاشب مثل الكسلان sloths؛ أو لاحم مثل آكلات النمل والمدرعات armadillos.

4- رتبة أرنبيات الشكل Lagomorpha: وتضم الأرانب rabbits والقِواع  hare والـﭙيكا pika، وهي حيوانات سريعة العدو أطرافها الخلفية أطول من الأمامية تساعدها على الهرب من أعدائها؛ وتمكنها من القفز مسافات واسعة. لها قاطعتان في فكها العلوي لقضم الأعشاب التي تتغذى بها تشبهان الإزميل، وهذا ما يميزها من الدرد التي تحمل أربع قواطع.

5- رتبة اللواحم Carnivora: تؤلف مع الحافريات أكبر رتب الثدييات، وهي ذات أنياب حادة وطواحن للسحق والتمزيق. تُمَيَّز فيها فصائل families مختلفة هي: فصيلة الكلبيات Canidae وتضم الكلاب والذئاب والثعالب، وفصيلة السَنّوريّات Felidae التي تضم القطط الصغيرة small cats وهي القطط الأليفة والبرية؛ والقطط الكبيرة big cats وهيالأسود والفهود والنمور وما يشبهها، وفصيلة الدُبِّيّات Ursidae، وفصيلةالسموريات (العرسيات) Mustelidae وتضم النِمس (ابن مَقرِض) ferret وأبناء عُرسweasels  والظربان الأمريكي  skunk والقُضاعة (ثعلب الماء) otter والمِنْك mink، وفصيلة سباع البحر Otariidae التي تضم الفقمات seals، وفصيلةالراتونيات Procyonidae وتضم أنواع الراكون raccoons.

6- رتبة مزدوجات الأصابع Artiodactylae:هي حيوانات عاشبة مجترة، أصابعها مزدوجة العدد تحيط بها حوافر. تضم الغزلان والزرافات والغنم والأيائل والبقر والماعز. تسمى أيضاً Cetartiodactyla.

-7 رتبة الحوتيات Cetacea: تضم الحيتان whales والدلافين dolphins وخنازير البحر porpoises، وهي ثدييات مائية تعيش في البحار، لاحمة وقليلة الشعر والفرو. تتغذى حيتان البالين baleen whales بتصفية كميات كبيرة من العوالق البحرية marine plankton من ماء البحر، أما الحيتان ذات الأسنان فإنها تتغذى بالأسماك وأنواع الحَبّار squids.

8- رتبة أنبوبيات الأسنان Tubulidentata: تضم خنازير الأرض aardvarks؛ الواحد منها يشبه الخنزير، يمثلها نوع واحد يعيش في إفريقيا ويتغذى بالنمل والنمل الأبيض termites.     

9- رتبة أرانب الصخور (الوبريات) Hyracoidea: هي ثدييات عاشبة ذات أطراف قصيرة وذيل قصير ثخين، وذات مَعِداتٍ متعددات الأجواف، منها أرنب الصخور (الوَبر) Hyraxes.

10- رتبة القوارض Rodentia: تضم الفئران والجرذان والسناجب وغيرها، وهي غالباً حيوانات عاشبة، لها قاطعتان في فكها العلوي، وهذا ما يميزها من أرنبيات الشكل التي تحمل أربع قواطع في فكها العلوي، وهي تنمو باستمرار؛ لأنها تتأَكل بسبب استخدامها في القضم المستمر لغذائها النباتي؛ لذلك يكون لها شكل الإزميل.

11- رتبة مفردات الأصابع Perissodactyla: حيوانات عاشبة ذات أصابع مفردة، لذا سميت بهذا الاسم، يحيط بكل منها حافر. تضم الخيل والحمير وحمر الوحش والتابير  tapir والكركدن rhinoceros وغيرها.

12- رتبة مجنحات الأيادي (الخفاشيات) Chiroptera: تضم أنواع الخفافيش المختلفة، وهي الثدييات الطائرة الوحيدة، تتألف أجنحتها من طبقتين جلديتين تحيطان بنسيج ضام، تمتدان بين عظام الطرفين العلويين؛ ولاسيما عظام السلاميات الثانية حتى الخامسة التي تطاولت وشكلت أجنحتها، أما السلامية الأولى فتبقى صغيرة وتحمل مخلباً تتعلق به على مُرتَكَزاتها. وهي عادة صغيرة الحجم لكن خفاش المناطق الاستوائية في العالَم القديم - الجنس ﭙتِروﭙـَس Pteropus - هو آكل فواكه وأكبر الخفافيش حجماً، يصل عرضه إلى 1.2 – 1.5 متر عندما يفرد جناحيه. تتميز أفراد هذه الرتبة بإمكاناتها الكبيرة في تَحَرّي المَواقع بصدى الأصوات التي تُصدرها لتحديد مواقعها واصطياد فرائسها.

13- رتبة آكلات الحشرات Insectivora (Eulipotyphla): هي أكثر الثدييات بدائية، صغيرة الحجم، تعيش في أنفاق تحفرها في الأرضوتُمضي معظم حياتها فيها، تضمالمناجذ (مفردها الخلد) moles والزَبابات shrews والقبعات hedgehogs.  

14- رتبة الليـﭙوتيفلات الحقيقية Eulipotyphla: هيحيوانات غذاؤها الرئيسي بعض اللافقاريات صغيرة الحجم والحشرات، تضم الخلد نجمي  الأنف star-nosed mole.

15- رتبة طويلات الأرجل Macroscelidea أو الزَبابات الفيلية elephantshrews: أرجل أفرادها طويلة، يشير إلى ذلك اسمها، خطمها متطاول يساهم في تناول الحشرات لتتغذى بها، كبيرة العيون، تضم نحو 15 نوعاً، تنتشر في إفريقيا.

16- رتبة جلديات الأجنحة Dermoptera: تضم الليموريات الطائرةflying lemurs، هي قريبة من الخفافيش، تضم جنساً واحداً هو Galeopithecus؛ يُمَيَّز فيه نوعان يقطنان شبه جزيرة مالاوي من جزر الهند الشرقية. إنها ليست من الليموريات التي هي من الرئيسات ولا تطير؛ لكنها تنساب بين الأشجار مثلما تفعل السناجب.    

17- رتبة المتسلقات Scandentia: تضم زَبابات الشجر tree shrews، صغيرة الحجم تشبه السناجب وتعيش في الغابات المطرية الاستوائية في جنوب شرقي آسيا، كثير منها غير متكيف للحياة على الأشجار على الرغم من اسمها، حتى أن بعضها يعيش على اليابسة، تضم 16 نوعاً. 

18- رتبة مُتَقَرِّنات الحراشف Pholidota: هيمجموعة غريبة من الثدييات تغطي جسمها حراشف عظمية نتجت من التحام عدد من أشعارها، تضم سبعة أنواع من الـﭙانغولين Pangolin، تسكن المناطق الاستوائية من آسيا (الجنس Manis) وإفريقيا (الجنس Phataginus). 

19- رتبة الرئيسات Primates: تضمالقردة apes والنسانيس (السعادين) monkeys والشمـﭙـانزي والغوريلا والليموريات lemurs وغيرها، وهي حيوانات آكلات فواكه تعيش على الأشجار، وتمتاز بتقابل إصبع إبهامها مع بقية الأصابع، ولاسيما أصابع اليد، مما يُعَدّ تطوراً باتجاه القبض على الأشياء بمقدرة كبيرة، ومما يشير إلى أن الرئيسات الأولى ربما كانت شجرية الحياة.

تتمتع الرئيسات - مقارنة ببقية الثدييات - بدماغ كبير وفكوك قصيرة تمنحها وجهاً مسطحاً؛ وعيوناً متجاورة في جبهة الوجه تنظر نحو الأمام، كما تتمتع بعنايتها الوالدية الحميمة وعلاقاتها الاجتماعية المتطورة.

تجدر الإشارة إلى أن هذه الرتب لم تَظهَر على سطح الكرة الأرضية في الوقت نفسه؛ بل في أزمنة مختلفة من تاريخها، مما يعكس تطورها السلالي (تشكل شُعَبِها) phylogeny، لذا أجرى العالمان مالكولم ماكين McKeen M. C.وسوزان بِل Bell S. K.في عام 1997 تعديلاً على التصنيف على أساس علاقات سُلالاتها phylogenic relations  كما في الشكل (8) الذي يضم أهم مجموعاتها: 

الشكل(8) ترتيب أهم رتب الثدييات بحسب تطورها السلالي.

 

كذلك جرت محاولة تصنيف هذه المجموعات بناء على بنية حموضها النووية nucleic acids، الدنا DNA والرنا RNA ؛ ومن ثم تصنيفها وراثياً؛ فوُجِدَ أنه يمكن تصنيف الثدييات المشيمية placental mammals في ثلاث مجموعات - وذلك بحسب أصل كل منها وزمن نشوئها - هي: الحيوانات الإفريقية Afrotheria وغريبات المفاصل Xenarthra والحيوانات الشمالية Boreotheria، نشأت كلها من جذع مشترك في العصر الكريتاسي، ومع ذلك تبقى العلاقة بين هذه المجموعات الثلاث مجال نقاش، لذا كانت في هذا المجال عدة فرضيات، يمثل الشكل (9) التالي إحداها:

الشكل (9)

 

مراجع للاستزادة:

-          F. E. Beddard, et all., Mammalia: Enriched edition. Exploring the Diversity and Evolution of Mammals,Good Press 2021.

-          P. Gillmore et all., Mammalia, Hutson Street Press 2025.

-          D. A. Kelt, J. L. Patton, A Manual of the Mammalia: An Homage to Lawlor’s “Handbook to the Orders and Families of Living Mammals”, University of Chicago Press 2020.

 


- التصنيف : علم الحياة (البيولوجيا) - النوع : علم الحياة (البيولوجيا) - المجلد : المجلد الحادي عشر، طبعة 2026، دمشق مشاركة :

بحث ضمن الموسوعة

من نحن ؟

الموسوعة إحدى المنارات التي يستهدي بها الطامحون إلى تثقيف العقل، والراغبون في الخروج من ظلمات الجهل الموسوعة وسيلة لا غنى عنها لاستقصاء المعارف وتحصيلها، ولاستجلاء غوامض المصطلحات ودقائق العلوم وحقائق المسميات وموسوعتنا العربية تضع بين يديك المادة العلمية الوافية معزَّزة بالخرائط والجداول والبيانات والمعادلات والأشكال والرسوم والصور الملونة التي تم تنضيدها وإخراجها وطبعها بأحدث الوسائل والأجهزة. تصدرها: هيئة عامة ذات طابع علمي وثقافي، ترتبط بوزير الثقافة تأسست عام 1981 ومركزها دمشق 1